١٦٤٣ - ١٦٦١
ترى ما الذي أعان فرنسا على أن تفرض على أوربا الغربية منذ ١٦٤٣، سلطانًا فيه ما يشبه قوة التنويم، اتصل في ميدان السياسة حتى ١٧٦٣، وفي ميادين اللغة والدب والفن حتى ١٨١٥؟
إن العالم لم يشهد قط منذ أيام أغسطس ملكية ازدانت بمثل هذا العدد من أفذاذ الكتاب والمصورين والمثالين والمعماريين، أو حظيت بمثل الإعجاب والمحاكاة الواسعين، سواء في آداب المجتمع أو الأزياء أو الأفكار أو الفنون، اللذين حظيت بهما حكومة لويس الرابع عشر من ١٦٤٣ إلى ١٧١٥ لقد كان الجانب يؤمون باريس وكأنهم يؤمون مدرسة تهذيبية تصقل كل ألوان الجمال في الجسم والعقل. وكان الألوف من الإيطاليين، والألمان، وحتى الإنجليز، يؤثرون باريس على أوطانهم.
أن من أسباب هيمنة فرنسا آنئذ ضخامة قواها البشرية. فقد بلغ سكانها عشرين مليونًا من الأنفس في ١٦٦٠، في حين لم يزد سكان كل من أسبانيا وإنجلترا على خمسة ملايين، وإيطاليا على ستة، والجمهورية الهولندية على مليونين. أما الإمبراطورية الرومانية المقدسة، التي شملت ألمانيا، والنمسا، وبوهيميا، والمجر، فقد سكنها واحد وعشرون مليونًا تقريبًا، ولكنها لم تكن إمبراطورية إلا بالاسم وقد أفقرتها قبيل هذه الحقبة حرب الثلاثين، وانقسمت إلى نيف وأربعمائة دويلة. شديدة الحرص على "سيادتها"،
[ ٣١ / ٧ ]
جلها صغير مستضعف، ولكل منها حاكمها، وجيشها، وعملتها، وقوانينها، ولا يزيد سكان الواحدة منها على المليونين-وعلى نقيض هذا كانت فرنسا بعد ١٦٦٠ أمة متماسكة جغرافيًا، متحدة تحت حكومة مركزية قوية واحدة، وهكذا تمخضت جهود ريشليو الأليمة عن مولد "القرن العظيم".
ولقد فاز البورون حيث أخفق الفالوا في ذلك الصراع الطويل الذي نشب بين الهابسبورج والملوك الفرنسيين. وأخذت أجزاء من الإمبراطورية، عقدًا بعد عقد، تقع في قبضة فرنسا، ثم نزلت أسبانيا الهابسبورجية عن كبريائها وزعامتها في روكروا (١٦٤٣) وصلح البرانس (١٦٥٩). وبعدها عقد لواء القوة للدولة الفرنسية في العالم المسيحي، دولة مطمئنة إلى مواردها الطبيعية، ومهارات شعبها وولائه، وخطط قادتها العسكريين، ومصير ملكها. كذلك كان من الأهمية بمكان ما كتب لهذا الفتى من حكم سيتصل قرابة ثلاثة أرباع القرن، مضيفًا بذلك وحدة الحكومة والسياسة إلى وحدة العرض والأرض، وهكذا سنرى فرنسا طوال خمسين عامًا ترعى وتستقدم عباقرة العلم والأدب، تشيد القصور الشامخة، وتجيش الجيوش الضخمة، وترهب نصف الدنيا وتلتهمها. لقد قدر لهذه الصورة أن تكون صورة عظيمة لم تكد تضارعها من قبل عظمة، ترسم بكل ضروب الفن وألوانه، وبدم الرجال أيضًا.
ولم تكن فرنسا قد توحدت بعد يوم ارتقى لويس الرابع عشر العرش وهو لا يجاوز الخامسة (١٦٤٣)، وكان على كردينال ثان أن يتم العمل الذي بدأه سلفه ريشليو. ذلك هو جول مازارن الذي كان يسمى في إيطاليا جوليو مازاريني، وقد ولد في "الأبروتزي" لأبوين صقليين فقيرين، وتولى اليسوعيون تعليمه في روما، وخدم الباباوات موظفًا دبلوماسيًا، ثم لفت أنظار أوربا فجأة يوم أنهى الحرب المانتوية (١٦٣٠) بالمفاوضة في لحظة حرجة. فلما أوفده البابا مبعوثًا له في باريس، ربط مصيره بعبقرية
[ ٣١ / ٨ ]
ريشليو المسيطرة، فكافأه هذا على إخلاصه بقبعة الكردينالية. وحين حضرت المنية ريشليو، "أكد للملك أنه لا يعرف غير مازاران رجلًا كفوا لملء مكانه" (١). واستمع لويس الثالث عشر إلى النصيحة.
قلما مات هذا الملك المطيع (١٦٤٣) ظل مازاران متواريًا بينما اضطلعت الملكة الأم، آن النمساوية، بالوصاية على ولدها، واحتال لوي دكونديه وجاستون دورليان، الأميران الملكيان، ليصبحا القوة الفعالة وراء العرش ولم يغتفرا للملكة قط أنها تخطتهما واستوزرت ذلك الإيطالي الوسيم، الذي بلغ الآن الحادية والأربعين. وفي غداة تقليده الوزارة هشت باريس لنبأ انتصار روكورا الحاسم، وبدأ حكم مازاران بهذا الاستهلال الميمون، ودعمته الانتصارات الكثيرة سواء في الدبلوماسية والحرب. وقد تبين ذكاؤه في حسن تخيره للسياسات، والقواد العسكريين، والمفاوضين. وبفضل إرشاده وقيادته وطد صلح وستفاليا (١٦٤٨) تفوق فرنسا الذي أكسبه إياها الحرب.
على أن مازاران لم يوهب وحدة الإرادة وقوتها اللتين أوتيهما ريشليو، ومن ثم فقد اعتمد على صبره ودهائه وسحره. وقام أصله الأجنبي عقبة في طريقه. ومع أنه أكد لفرنسا أن قلبه فرنسي وإن كان لسانه إيطاليًا، إلا أن تأكيداته لم تحظ قط بالتصديق التام، فلقد كان رأسه إيطاليًا، وقلبه ملكًا له. ولا علم لنا كم من هذا القلب اختص به الملكة، إنه خدمها وخدم أطماعه بغيرة، واكتسب ودها، وربما حبها. وكان على يقين من أن سلامته وسلامتها في مواصلة سياسة بناء قوة الملكية تدريجيًا ضد أشراف الإقطاع. وفي سبيل الإثراء تحسبًا للمستقبل إن سقط، جميع المال بحرص الرجل الذي يذكر الفقر أو يخشاه، فحكمت عليه فرنسا، التي بدأت تعجب بفضيلة الاعتدال، بأنه محدث نعمة، وساءتها لكنته الإيطالية، وأقرباؤه الذين كلفوا الدولة غاليًا. لا سيما بنات أخيه، اللاتي تطلب حسنهن جهازًا مترفًا من الخدم أو الحشم. وقد أحتقره الكردينال رتز، مع أن رتز هذا لم
[ ٣١ / ٩ ]
يكن ركنًا ركينًا للفضيلة، فزعم أنه "إنسان قذر … ومحتال أصيل … وشرير لئيم (٢) ". على أن رتز-بعد أن هزمه مازاران-لم يكن في وضع يعينه على إنصاف غريمه. وإذا كان الوزير الماكر قد جمع المال دون اكتراث للكرامة، فإنه أنفقه بذوق رفيع، فملأ حجراته بالكتب والتحف التي أوصى بها بعد ذلك لفرنسا وكان ذا أسلوب مرح مهذب يلذ السيدات ويحير الرجال. وقد وصفته امرأة منصفة تدعى مدام دموتفيل، بأنه: "يفيض رقة، بعيد كل البعد عن صرامة" ريشليو (٣). وكان سريع العفو عن معارضيه، سريع النسيان لفضل ذوي الفضل عليه. وأجمع الكل على أنه لم يدخر جهدًا في حكم فرنسا، ولكن حتى هذا التفاني كان يسيء إلى بعض الناس، لأنه كان أحيانًا يترك كبار زواره ينتظرون على مضض في حجرات انتظاره. وكان كل إنسان في رأيه قابلًا للرشوة، وكان عديم الإحساس بالنزاهة. أما أخلاقه الشخصية فلم يكن بها بأس إذا ضربنا صفحًا عن الشائعات التي أرجفت بأنه جعل من ملكته خليلة له. وقد صدم الكثيرين في البلاط بدعاباته الشكاكة عن الدين (٤)، لأن مثل هذه السخرية لم تكن قد فشت بعد في المجتمع الفرنسي، ومن ثم غزا تسامحه الديني إلى افتقاره للإيمان (٥). وكان من أول أعماله توكيد مرسوم نانت، فسمح للهيجونت بأن يعقدوا مجامعهم في سلام. ولم يكابد أي فرنسي الاضطهاد الديني من الحكومة المركزية في عهد وزارته.
ومن عجب أنه احتفظ بسلطته كل هذا الزمن برغم كراهية الناس له لقد كرهه الفلاحون لما أثقل به كواهلهم من ضرائب يستعين بها على خوض غمار الحرب، وكرهه التجار لأن المكوس التي فرضها أضرت بالتجارة، وكرهه الأشراف لأنه اختلف معهم حول مزايا الإقطاع. وكرهته "البرلمانات" لأنه وضع نفسه والملك فوق القانون. وزادت الملكة من كره الناس له بخطرها توجيه النقد لحكمه. وقد أيدته لأنها ألفت نفسها في وضع تتحداها فيه جماعتان رأتا طفولة الملك، وفي ضعف المرأة الموهوم، منفذًا
[ ٣١ / ١٠ ]
إلى السلطة: الأشراف الذين عللوا أنفسهم باسترجاع امتيازاتهم الإقطاعية السابقة على حساب الملكية و"البرلمانات" التي تطلعت لإحالة الحكومة إلى أوليجاركية من المحامين. إزاء هاتين القوتين-"أرستقراطية السيف" العريقة، و"أرستقراطية الرداء" الأحدث عهدًا-التمست الملكة درعًا لها في عناد مازاران المقترن بالمرونة والدهاء. وقد بذل أعداؤه محاولتين عنيفتين لخلعه والسيطرة عليها، والمحاولتان تؤلفان حرب الفروند.
بدأ برلمان باريس حرب الفروند الأولى (١٦٤٨ - ٤٩) محاولًا أن يكرر في فرنسا تلك الحركة التي كانت لتوها قد رفعت البرلمان الإنجليزي فوق الملك مصدرًا للقانون وحكمًا فيه. وكان برلمان باريس، بعد الملك، المحكمة العليا لفرنسا، وقد قضت التقاليد ألا يقبل الشعب قانونًا أو ضريبة إلا إذا سجل هؤلاء الموظفون القضائيون (وكلهم تقريبًا محامون) القانون أو الضريبة. وكان ريشليو قد اختزل هذه السلطات أو تجاهلها، فصمم البرلمان الآن على تأكيدها. وأحس أن قد آن الأوان لجعل الملكية الفرنسية ملكية دستورية، خاضعة للإرادة القومية يعبر عنها مجلس نيابي. ولكن برلمانات فرنسا الاثني عشر لم تكن مجالس تشريعية انتخبتها الأمة كما كانت الحل في برلمان إنجلترا، بل هيئات قضائية وإدارية ورث أعضاؤها مقاعدهم أو وظائفهم القضائية عن آبائهم، أو عينهم الملك فيها. ولو أن حرب الفروند الأولى كتب لها الفوز لاستحالت فرنسا إلى أرستقراطية من المحامين. وكان في الإمكان تطوير مجلس طبقات الأمة، المؤلف من مندوبين عن الطبقات الثلاث-النبلاء ورجال الدين باقي الشعب-إلى مجلس نيابي يكبح جماح الملكية، ولكن مجلس الطبقات لم يكن يملك دعوته للانعقاد إلا الملك، ولم يدعه أي ملك من ١٦١٤، ولن يدعوه حتى ١٧٨٩، ومن هنا اندلاع الثورة الفرنسية.
على أن برلمان باريس تحول إلى هيئة نيابية بصورة غير مباشرة، مؤقتًا، يوم اجترأ أعضاؤه على الكلام نيابة عن الأمة، فنرى أومير تالون، في
[ ٣١ / ١١ ]
أوائل ١٦٤٨، يندد بالضرائب التي أفقرت الشعب على عهد ريشليو ومازاران إذ يقول:
"لقد ألحق الخراب بفرنسا طوال عشرة أعوام. فاضطر الفلاحون أن يناموا على القش بعد أن بيعت أمتعتهم وفاءً للضرائب. وتمكينًا لنفر من الناس من أن ينعموا في باريس بحياة البذخ أكرهت جماهير لا حصر لها أن تعيش على الخبز القفار .. فاقدة كل شيء إلا نفوسها-وهذه لم تترك لها إلا لأن أحدًا يجد سبيلًا لعرضها للبيع (٦).
وفي ١٢ يوليو، انعقد البرلمان في قصر العدالة مع غيره من محاكم باريس ووجهوا إلى الملك وأمه مطالب عدة لابد أنها بدت لهما ثورية. فقد طالبوا بخفض ربع الضرائب الشخصية كلها، وبألا تفرض ضرائب جديدة دون موافقة البرلمان بالتصويت الحر، وبطرد النظار الملكيين Intondants الذين حكموا الأقاليم دون اكتراث للحكام والقضاة المحليين، وبألا يحبس شخص أكثر من أربع وعشرين ساعة دون أن يمثل أمام القضاة المختصين. ولو أن هذه المطالب أجيبت لأصبحت حكومة فرنسا ملكية دستورية، ولسارت فرنسا جنبًا إلى جنب مع إنجلترا في تطورها السياسي.
بيد أن الملكة الأم ربطتها بالماضي جذور أقوى من النصر بالمستقبل، إذ لم يكن لها عهد قط بأي شكل من أشكال الحكم سوى الملكية المطلقة، وقد أحست أن التخلي عن السلطة الملكية على هذا النحو المقترح الآن مفض لا محالة إلى صدوع لا رأت لها في صرح الحكومة الوطيد، وإلى تقويض تلك الركيزة السيكلوجية التي يستمدها من التقاليد والعرف، والنزول بها إن عاجلًا أو آجلًا إلى فوضى الجماهير المتسيدة. ثم يالها من سبة أن تسلم ولدها سلطة دون تلك التي تمتع بها أبوه (أو ريشليو)! ذلك تقاعس عن واجبها سوف يوقفها موقف الإدانة أمام محكمة التاريخ. ووافقها مازاران لما رأى من قضاء مبرم عليه في هذه المطالب الوقحة من هؤلاء القانونيين المتنطعين. ومن ثم أمر في ٢٦ أغسطس بالقبض على بيير بروسيل وغيره
[ ٣١ / ١٢ ]
من زعماء البرلمان. بيد أن بروسيل العجوز كان قد أكتسب محبة الناس بهذا الشعار الذي أذاعه: "لا ضرائب" فاحتشد جمهور من الغوغاء أمام الباليه-رويال وتعالى صياحهم بطلب الإفراج عنه. وقد أطلق عليهم اسم الرماة Frondeurs لما كان يحمل الكثيرون منهم من مقاليع أو مراجيم، كما أطلق اسم "الفروند" على هذا التمرد. على أن جان فرانسوا بول دجوندي-الملقب درتز فيما بعد-مساعد رئيس أساقفة باريس وخليفته المنتظر، نصح الملكة بالإفراج عن بروسيل. فلما أبت انسحب غاضبًا، وعاون على استعداء الشعب على الحكومة، وكان خلال ذلك يستخدم نفوذه خفية في محاولة للظفر بقبعة الكردينالية، ويعاشر ثلاث خليلات.
وفي ٢٧ أغسطس اتخذ أعضاء البرلمان وعددهم ١٦٠ طريقهم إلى القصر الملكي مخترقين الحشود والمتاريس، تشد أزرهم هتافات تصيح "يحيى الملك! إلى الموت يا مازاران! " ورأى الوزير الحذر أن اللحظة تتطلب الحكمة لا الشجاعة، فنصح الملكة بأن تأمر بالإفراج عن بروسيل، فوافقت، ثم إذ أخفضها هذا النزول على رغبة الجماهير اعتكفت هي والملك الصبي في ضاحية روبل وأجاب مازاران البرلمان إلى مطالبه مؤقتًا، ولكنه طاوله في تنفيذها. وظلت المتاريس في الشوارع. فلما غامرت الملكة بالعودة إلى باريس صاحت الجماهير بها صيحات الازدراء، وسمعت بأذنيها تندرها بعلاقتها بمازاران. ثم عاودت الهروب من المدينة في ٦ يناير ١٦٤٩، مصطحبة في هذه المرة الأسرة المالكة والبلاط إلى سان جرمان، حيث توسد الحرير القش، ورهنت الملكة جواهرها لتشتري الطعام. أما الملك الصغير فلم يغتفر قط لهذا الحشد فعلته، ولم يحب عاصمة ملكه قط.
وفي ٨ يناير أصدر البرلمان في أوج تمرده مرسومًا طرد به مازاران من حماية القانون واستعدى عليه كل الفرنسيين الصالحين ليطاردوه ويقبضوا عليه باعتباره مجرمًا. وقضى مرسوم آخر بالاستيلاء على كل الأموال
[ ٣١ / ١٣ ]
الملكية واستعمالها في أغراض الدفاع العام. ورأى كثيرون من النبلاء في هذا التمرد فرصة لاستمالة البرلمان إلى قضيتهم-قضية استردادهم امتيازات الإقطاع. ولعلهم أيضًا خشوا أن يفلت زمام الحركة إذا لم يتزعمها ذوو الألقاب الرفيعة. وانظم إليها كبار الإقطاعيين أمثال أدواق لونجفيل، وبوفور، وبويون، وحتى أمير كونتي البوربوني الدم، وأمدوها بالجند والمال وحرارة العاطفة. فأقبلت دوقة بويون ودوقة لونجفيل-الرائعة الحسن برغم إصابتها بالجدري-مع أطفالهما للعيش في الأوتيل دفيل رهائن مختارة لضمان ولاء زوجيهما للبرلمان والشعب. وبينما تنقلب إلى معسكر مسلح، كانت حاملات الألقاب يرقصن في قاعة المدينة، وواصلت دوقة لونجفيل غرامها بأمير مارسياك، الذي لم يكن قد أصبح بعد الدوق دلاروشفوكو، ولا اعتنق بعد فلسفته الكلبية. وفي ٢٨ يناير رفعت الدوقة من معونة المتمردين إذ ولدت ابنًا لمارسياك (٧)، وارتبط كثير من الفرونديين بكرائم النبيلات فرسانًا تابعين لهن، فكن يشترين دماءهم بابتسامة متلطفة من ثغورهن.
ثم حالف الحظ الملكة فأنقذ الموقف عداء بين أمير كونتي وأخيه الأكبر لويس الثاني البوربوني، أمير كونديه-وهو "كونديه الأعظم" ذاته الذي قاد الجيوش الفرنسية من قبل إلى النصر في روكروا ولنز. وإذ شمخ بأنفه القوى على تمرد المحامين والغوغاء، فإنه عرض خدماته على الملكة والملك. فوكلت إليه في ابتهاج قيادة جيش ضد باريس المتمردة-أي ضد أخيه، وضد أخته دوقة لونجفيل-والعودة بالأسرة المالكة في أمان إلى الباليه-رويال. وجمع كونديه الجند، وحاصر باريس، واستولى على شارنتون، المخفر الأمامي الحصين. أما النبلاء المتمردون فقد طلبوا المعونة من أسبانيا والإمبراطورية. وكان الطلب غلطة، ذلك أن عاطفة الوطنية كانت عند البرلمان والشعب أقوى من الإحساس الطبقي. وأبى معظم أعضاء البرلمان أن يلغوا ريشليو وانتصاراته بإعادة تفوق الهابسبورج على فرنسا،
[ ٣١ / ١٤ ]
وبدءوا يتبينون أنهم إنما يستعملون بيادق في محاولة لاسترجاع نظام إقطاعي من شأنه أن يقسم فرنسا إلى أقاليم مستقلة فرادى، مستضعفة جماعة. وفي نوبة تواضع مفاجئة أرسلوا وفدًا إلى الملكة المقتربة، وعرضوا الخضوع لها، مؤكدين أنهم كانوا على الدوام يكنون لها الحب. أما الملكة فقد منحت جميع المتمردين عفوًا عامًا، شريطة أن يضعوا السلاح. وسرح البرلمان جنوده، وأبلغ الشعب أن طاعة الملك هي واجب الساعة. وأزيلت المتاريس. وعادت آن، ولوبس، ومازاران إلى قصبة الملك (٢٨ أغسطس ١٦٤٩)، والتأم شمل البلاط من جديد، وأنظم إليه النبلاء المتمردون كأن شيئًا لم يقع، اللهم إلا سحابة قد انقشعت. وأغتفر كل شيء، ولم ينس شيء. ووضعت حرب الفروند الأولى أوزارها.
ولكن حربًا ثانية ما لبثت أن نشبت. ذلك أن كونديه أحس أن خدماته تخول له الترؤس على مازاران. فتشاجر الاثنان، واتصل كونديه بالنبلاء المتذمرين يجس نبضهم، أما مازاران ففي أجرأ لحظات حياته أمر بحبس كونديه وكونتي ولونجفيل في فانسين (١٨ يناير ١٦٥٠). وهرولت مدام لونجفيل إلى نورمنديا، وأثارت حركة تمرد فيها، ثم مضت منها إلى الأراضي المنخفضة الأسبانية، وفتنت تورين حتى ارتضى خيانة العرش. فوافق القائد العظيم على أن يقود جيشًا أسبانيًا ضد مازاران. يقول فولتير: "واصطدمت كل الأطراف بعضها ببعض، وأبرموا المعاهدات، ثم خان كل منهم الآخر واحدًا إثر واحد … وما من رجل لم يغير ولاءه غير مرة" (٨) وقال ريتز ذاكرًا تلك الفترة "كنا على استعداد لقطع رقاب بعضنا البعض عشر مرات كل صباح" (٩). وكان هو نفسه على وشك أن يقتل بيد لاروشفوكو. على أن الكل أعلنوا ولاءهم للملك، الذي لابد قد ساءل نفسه: أي نوع من الملكية ذاك الذي استحال هشيمًا بين يديه؟
وقامت قوة ملكية بمناورة في بوردو انتهت باستسلامها، وقاد مازاران جيشًا إلى فلاندر وهو يلعب دور إله الحرب مارس، وهناك هزم تورين
[ ٣١ / ١٥ ]
الذي لا يقهر. أما ريتز، التواق إلى الحلول محل وزير الملكة وعشيقها، فقد أقنع البرلمان بأن يجدد مطالبه بنفي مازاران. وفقد الكردينال جرأته، فأمر بالإفراج عن الأمراء المسجونين (١٣ فبراير ١٦٥١)، ودفعه الخوف على حياته إلى الهروب إلى برول القريبة من كولونيا. أما كونديه المتحرق للثأر من الوزير والملكة جميعًا فقد ربط بين لأخيه كونتي، وأخته لونجفيل، ودوقي نامور ولاروشفوكو، في حلف جديد. وفي سبتمبر أعلنوا الحرب، واستولوا على بوردو، وأحالوها معقلًا للثورة من جديد. ووقع كونديه تحالفًا مع أسبانيا، وتفاوض مع كرومويل، ووعد بأن يقيم جمهورية في فرنسا.
وفي ٨ سبتمبر أعلن لويس الرابع عشر أنه منه وصاية أمه عليه وأخذ مقاليد الحكم في يده. وكان يومها قد بلغ الثالثة عشرة. ورغبة في تهدئة البرلمان أيد نفي مازاران، ولكنه استجمع شجاعته في نوفمبر، فاستدعى الوزير ثانية، وعاد هذا إلى فرنسا على رأس جيش. أما جاستون أورليان فقد لعب الآن دور الحياد، ولكن تورين انحاز إلى صف الملك وفي مارس ١٦٥٢ أوفد لويس حامل أختامه موليه ليطالب بولاء مدينة أورليان. فبعث قضاتها برسالة عاجلة إلى جاستون هددوه فيها بتسليم المدينة إلى الملك مالم يعد هو أو ابنته ليستنفرا أهلها.
هنا ظهرت على مسرح الأحداث امرأة من أشهر نساء فرنسا الشهيرات، وما أكثرهن، وكأني بها "جان دارك" ثانية أقبلت لتنقذ أورليان. هذه المرأة-آن ماري لويز دورليان-كانت قد رفعت راية العصيان في طفولتها حين نفى ريشليو أباها. وكان جاستون يلقب رسميًا-"المسيو" باعتباره شقيق لويس الثالث عشر، أما زوجته ماري بوربون، دوقة مونبانسييه، فهي "مدام" ذلك العهد، وابنتهما إذن هي "المدموازيل"، ولما كانت هذه الفتاة قوية البنية فارعة القوام فقد سميت "الجراند مدموازيل دمونبا نسييه". وإذ كانت ذات ثراء عريض فقد شبت على كبرياء المال
[ ٣١ / ١٦ ]
والنسب، وكانت تقول "أنني أنتمي إلى بيت لا يفعل إلا ما هو جليل نبيل" (١٠). وقد تطلعت إلى الزواج من لويس الرابع عشر رغم أنه ابن عمها، فلما لم تلقَ تشجيعًا احتضنت التمرد. وحين سمعت استغاثة مدينتها ورأت أباها يكره أن يخوض المعمعة، حصلت على رضاه بأن تنوب عنه. ولقد طالما غاظتها القيود التي فرضها العرف على بنات جنسها، ولشد ما أنكرت حرمان النساء من الانخراط في سلك الجندية. ومن ثم فقد لبست الآن درعًا وخوذة، وجمعت من حولها لفيفًا من كرائم النساء المسترجلات وقوة صغيرة من الجند زحفت بها في مرح وابتهاج على أورليان. وأبى القضاة أن يدخلوها المدينة خشية إغضاب الملك، فأمرت بعض رجالها أن ينقبوا ثغرة في الأسوار، ومنها تسللت وبرفقتها كونتيستان بينما الحراس يغفون أو يغضون. وما إن أفلحت في دخول المدينة حتى استطاعت أن تلهب مشاعر أهلها بسحر خطبها النارية. وهكذا رد موليه عن المدينة خاوي الوفاض، وأقسمت أورليان يمين الولاء للـ"عذراء" الجديدة.
وبلغت حرب الفروند الثانية ذروتها على أبواب باريس. فقد زحف كونديه عليها من الجنوب، وهزم جيشًا ملكيًا، وأوشك أن يأسر الملك، والملكة، والكردينال، ولو فعل لـ"مات الشاه" حقيقة لا مجازًا، وبينما كان جيشه يدنو من باريس، حملت الجماهير-وهم "الفرونديون" هنا أيضًا، رفات القديسة جنفييف راعية المدينة وطافت الشوارع في موكب ضارعه إلى الله أن ينصر كونديه ويسقط مازاران أما الجراند مدموازيل فقد هرعت من أورليان إلى قصر لكسمبورج حيث كان أبوها لا يزال على تذبذبه، وطلبت إليه أن يؤيد كونديه، ولكنه أبى. واقترب الآن تورين وجيش الملك، والتقيا بقوات كونديه خارج الأسوار قرب بوابة سانت انطوان (ميدان الباستيل الآن). وكاد تورين يكسب المعركة، لولا أن المدموازيل اندفعت إلى الباستيل وحرضت
[ ٣١ / ١٧ ]
مأموره على تصويب مدافعه على جنود الملك. ثم أمرت القوم داخل الأسوار، باسم أيها الغائب، أن يفتحوا الأبواب برهة ريثما يدخل جيش كونديه، ثم يغلقوها في وجه جيش الملك (٢ يوليو ١٦٥٢). وهكذا كانت المدموازيل بطلة الساعة.
وغدا كونديه سيد باريس، ولكن الرؤوس المتزنة أخذت تنقلب عليه. ولم يستطع أن يدفع رواتب جنده، فبدئوا يهجرونه، وأفلت زمام الجماهير. وفي 4 يوليو هاجم الغوغاء قاعة المدينة مطالبين بأن يسلم إليهم جميع مؤيدي مازاران، وإظهارًا لسخطهم أشعلوا النار في المبنى، وقتلوا ثلاثين من المواطنين. وتعطلت العمليات الاقتصادية، وعمت الفوضى إمداد المدينة بالطعام، وخشي نصف أسرات باريس الموت جوعًا. وتساءلت الطبقات المالكة: أليست الأرستقراطية الملكية. بل أليس حكم مازاران، أهون من حكم الرعاع. وأعان مازاران الموقف حين ارتضى لنفسه النفي طوعًا، تاركًا الفرونديين بغير قضية توحد بين صفوفهم. أما ريتز فقد رأى أن الوقت قد حان لدعم مكاسبه بعد أن تم له الظفر بقبعة الكردينالية الحمراء التي طالما اشتهاها، فاستخدم الآن نفوذه ليشجع الولاء للملك.
وفي 21 أكتوبر عادت الأسرة المالكة إلى باريس دون أن يمسها سوء. وافتتن الباريسيون بمنظر الملك الصغير، البالغ من العمر آنئذ أربعة عشر ربيعًا، وسحرهم حسنه وشجاعته، ورددت الشوارع هتاف الجماهير "يحيى الملك" وما لبث هياج الشعب ـن هدأ بين عشية وضحاها، وأعيد النظام لا بفضل القوة، بل بهالة الملكية، وهيبة الشرعية، وإيمان الشعب-الإيمان نصف اللاشعوري-بحق الملوك الإلهي. وما وافى 6 فبراير 1653 حتى استشعر لويس في نفسه من القوة ما شجعه على دعوة مازاران للعودة وتثبيته مرة أخرى في جميع سلطاته السابقة. ووضعت حرب الفروند الثانية أوزارها.
وفر كونديه إلى بوردو، وخضع البرلمان في بطء ووقار، واعتكف
[ ٣١ / ١٨ ]
النبلاء المتمردون في قصورهم الريفية. والتمست مدام لونجفيل العزاء بين راهبات البور-رويال بعد أن ذهب وراء حسنها. ونفيت الجراند مدموازيل إلى إحدى ضياعها، حيث راحت تأكل قلبها حسرة وهي تذكر ملاحظة نسبت إلى مازاران، قال فيها إن إطلاقها المدافع من الباستيل قتل زوجها-أي قضى على أملها في الزواج من الملك. وفي عامها الأربعين أحبت أنطوان كومون، كونت لوزان، وكان أصغر وأقصر منها كثيرًا، ولكن الملك رفض أن يأذن لهما بهذا الزواج، فلما عزما عليه برغم هذا الحظر سجنه عشر سنوات (١٦٧٠ - ٨٠). وظلت المدموازيل وفية له في شجاعة طوال سجنه، ولما أفرج عنه تزوجته، وعاشت معه عيشة مضطربة صاخبة حتى ماتت (١٦٩٣). وأما ريتز فقد قبض عليه، ولكنه فر، ثم نال العفو، وخدم الملك مبعوثًا دبلوماسيًا في روما، واعتكف في ركن باللورين، وألف مذكرات تمتاز بتحليلها الموضوعي للخلق، بما في ذلك خلقه هو يقول فيها:
"لم ألعب دور الناذر نفسه للدين، لأنني لم استطع أن أعرف على وجه اليقين كم من الزمن سأستطيع لعب دور المزيف، وحين أعجزني العيش دون صلة غرامية محرمة، اتصلت بمدام بومرو، وكانت شابة لعوبًا، لها العدد الكبير من العشاق، لا قس بيتها فحسب، بل في مكان عبادتها أيضًا، بحيث كانت صلات غيري المكشوفة معها ستارًا لصلتي بها … واستقر رأيي على التمادي في خطايا … ولكني كانت مصممًا كل التصميم على القيام بواجبات مهنتي (الدينية) بأمانة، وعلى بذل قصاراي في تخليص نفوس غيري وإن لم أكترث لخلاص نفسي" (١١).
أما مازاران فقد هبط على قدميه دون أن يضار، وعاد سيدًا على المملكة، وخادمًا لملك ما زال راغبًا في التعلم. وقد روع فرنسا أن يبرم الوزير معاهدة مع إنجلترا البروتستانتية وكرومويل قاتل ملكها (١٦٥٧)، الذي أعان على محاربة كونديه والأسبان بإرساله ستة آلاف جندي،
[ ٣١ / ١٩ ]
وأحرز الفرنسيون والإنجليز معًا النصر في "معركة الكثبان" (١٣ يونيو ١٦٥٨). وبعد عشرة أيام سلم الأسبان دنكرك، فدخلها لويس في احتفال رسمي مهيب، ثم نزل عنها لإنجلترا طبقًا للمعاهدة. وأبرمت أسبانيا مع فرنسا صلح البرانس (٧ نوفمبر ١٦٥٩) بعد أن استنزف القتال مالها ورجالها، فأنهت بذلك ثلاثة وعشرين عامًا من حرب واحدة، وأرست أساس حرب أخرى. ونزلت أسبانيا عن روسيون، وأرتوا، وجرافلين، وتيونفيل، لفرنسا، وتخلت عن جميع مطالبها في الألزاس، وزوج فيليب الرابع ابنته ماريا تريزا للويس الرابع عش، بشروط ورطت فيما بعد غرب أوربا كله في حرب الوراثة الأسبانية. ذلك أنه تعهد بأن يبعث إليها، خلال ثمانية عشر شهرًا، بصداق قدره ٥٠٠. ٠٠٠ كراون، ولكنه انتزع منها ومن لويس تنازلًا عن حقوقها في ولاية العرش الأسباني. وأصر ملك أسبانيا على أن يكون العفو عن كونديه شرطًا من شروط الصلح، فلم يكتف لويس بالصفح عن الأمير العنيف، بل رد إليه كل ألقابه وأملاكه، ورحب به في بلاطه.
كان صلح البرانس الدليل على إنجاز برنامج ريشليو-وخلاصه كسر شوكة الهابسبورج، وحلول فرنسا محل أسبانيا أمة متسلطة في أوربا. واعترف الفرنسيون بفضل مازاران في الوصول بهذه السياسة إلى ختامها الظافر، ومع أنه لم يظفر إلا بحب القليلين منهم، فإنهم رأوا فيه رجلًا من أكفأ الوزراء في تاريخ فرنسا. ولكن فرنسا التي سرعان ما نسيت خيانة كونديه، لم تغتفر قط لمازاران جشعه وحرصه. ففي وسط الفاقة التي كابدها الشعب جمع ثروة طائلة قدرها فولتير بمائتي مليون من الفرنكات (١٢). وكان يحول المخصصات الحربية إلى خزائنه الشخصية، ويبيع وظائف التاج لمنفعته الخاصة، ويقرض الملك بالربا، وقد أهدى إحدى بنات أخيه قلادة مازالت تعد من أغلى الحلي في العالم (١٣).
ولما حضرته الوفاة أشار على لويس بأن يكون وزير نفسه الأول، وألا يترك مسائل السياسة العليا لأي من مساعديه إطلاقًا (١٤) وبعد موته (٩ مارس
[ ٣١ / ٢٠ ]
١٦٦١) كشف كولبير للملك عن المخبأ الذي أخفى فيه ثروته. فصادرها لويس، وأثلج بذلك صدر شعبه، وغدا أغنى ملوك زمانه. وهتف ظرفاء باريس لجينو، طبيب مازاران، لأنه رجل أحسن إلى الشعب كله، وقالوا "أفسحوا الطريق لنبالته. إنه الطبيب الطيب الذي قتل الكردينال" (١٥).