هل نحشد الآن بغير نظام، بعد أن أصابنا الإعياء، في ملحق هياب بعض الخالدين الذين بدئوا يموتون؟
هناك جان شابلان، الذي أعان على تنظيم الأكاديمية الفرنسية، واعتبر في زمانه (١٥٩٥ - ١٦٧٤) أشعر شعراء فرنسا. وهناك جان باتيست روسو، الذي كتب شعرًا ينسى، ولكنه كتب أيضًا إبجرامات مقذعة جرت عليه النفي من فرنسا (١٧١٢) عقابًا على تشهيره بالأشخاص. وقد كتب معظم النبلاء الذين اشتغلوا بالسياسة مذكرات، فرأينا مذكرات دريتز ولاروشفوكو، وسنرى في موضع لاحق مذكرات سان-سيمون. ويلي أولئك مرتبة تلك المجلدات الثلاثة التي سجلت فيها مدام دموتفيل بتواضع خلاب وقائع سنيها الاثنتين والعشرين التي قضتها في بلاط آن النمساوية. ونلاحظ أنها وافقت لاروشفوكو على رأيه إذ كتبت "إن تجربتي القاسية في صداقة البشر الزائفة أكرهتني على الإيمان بأنه ليس في الدنيا شيء أندر من الأمانة والاستقامة، أو من
[ ٣١ / ٢٤٥ ]
القلب الطيب القادر على عرفان الجميل (١٠٥) ". لقد كانت هي هذا الإنسان النادر الوجود.
وقد حقق روجيه درابوتان، كونت بوسي، نجاحًا في دنيا الفضائح بكتابه "تاريخ غراميات الغاليين" (١٦٦٥) الذي وصف غراميات معاصريه مستخفية وراء قدامى الغاليين. وغضب الملك لكونه سخر فيها من مدام هنربيتا، فزج به في الباستيل، ثم أفرج عنه بعد سنة شريطة أن يعتكف في ضيعته، وهناك ألف "مذكراته" النابضة بالحياة، والغيظ يبريه إلى نهاية حياته. وأقل من هذا الكتاب جدارة بالتصديق كتاب "الأقاصيص" الذي رسم فيه تالمان دي ريو صورًا موجزة خبيثة لشخصيات شهيرة في الأدب أو الغرام. وقد جاهد كلود فلوري، بكتابه الأمين "التاريخ الكنسي" (١٦٩١)، وسباستبان تيلمون بكتابه "تاريخ الأباطرة" (١٦٩٠ وما بعدها)، وكتابه "مذكرات ينتفع بها في التاريخ الكنسي للقرون الستة الأولى" (١٦٩٣) ذي الستة عشر مجلدًا-هذان جاهدا في معاناة، ودون وعي منهما، ليمهدا الطريق وينقياه لكتاب جيبون "اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها" (١٧٧٦ وما بعدها).
ثم هناك أخيرًا شارل دماركتيل شريف سانت-افريمون الذي كان ألطف تلك "العقول القوية" التي صدت الكاثوليك والهيجونوت، واليسوعيين والجانسيين على السواء، بالتشكك في التعاليم الأساسية لإيمانهم المشترك. وكانت حياته العسكرية الحافلة بالمغامرات تقوده إلى عصى المارشالية حين غضب عليه الملك لأنه كان صديقًا لفوكيه وناقدًا لمازاران. فلما نمى إليه أن قد تقرر القبض عليه فر إلى هولندا، ثم إلى إنجلترا (١٦٦٢). وقد جعلته عاداته المهذبة وذكاؤه الشكاك أثيرًا في صالون هورتنزي مانشيني بلندن، وفي بلاط تشالز الثاني. وكان كالماريشال دوكنكور، في واحد من أكثر حواراته مرحًا (١٠٦)، يحب الحرب أولًا، ثم النساء، ثم الفلسفة. وإذ رشف كل المباهج التي في مونتيني، ودرس أبيقور مع جاسندي، فقد
[ ٣١ / ٢٤٦ ]
خلص مع الإغريقي المفترى عليه إلى أن لذة الحس طيبة، ولكن لذة الفكر أطيب، وأنه لا داع يدعونا لشغل أنفسنا بالآلهة أكثر مما تشغل أنفسها بنا. وقد بدا له الأكل الطيب والكتابة الجيدة مزيجًا معقولًا. وفي ١٦٦٦ زار هولندا ثاني، والتقى بسبينوزا وتأثر تأثرًا عميقًا بالحياة المسيحية التي كان يحياها اليهودي القائل بوحدة الوجود (١٠٧). وقد أتاح له معاش أجرته عليه الحكومة الإنجليزية، بالإضافة إلى ما استنقذه من فضلات ثروته، أن يكتب سلسلة طويلة من الكتب الصغيرة، كلها بأسلوب خفيف رشيق شارك في تكوين فولتير. وقد أعان كتابه "تأملات في مختلف أجناس الشعب الروماني" مونتسكييه، وشاركت رسائله إلى نينون دلانكلو بجزء من ذلك العبير الذي يتضوع خلال الرسائل الفرنسية. ولما بلغ الثامنة والخمسين، ودون وعي منه بأنه سيعمر اثنتين وثلاثين سنة أخرى، وصف نفسه بأنه مقلقل بصورة لا شفاء له منها. "إنني لولا فلسفة ميسود ديكارت التي تقول أنا أفكر فإذن أنا موجود لما صدقت إنني موجود، وهذا كل ما أفدت من دراسة ذلك الرجل الشهير (١٠٨) " لقد كاد ينافس فونتنيل في طول عمره، إذ لم يمت إلا عام ١٧٠٣ بعد أن بلغ التسعين، وقد نال تشريفًا ندر أن حظي به فرنسي، وذلك هو دفنه في دير وستمنستر.
كتب فردريك الأكبر إلى فولتير: "بعد قرون سيترجمون الكتاب المجيدين في عصر لويس الرابع عشر كما نترجم نحن كتاب عصر بركليز وأوغسطس". وقبل أن يموت الملك بسنين طويلة شبه الكثيرون من الفرنسيين فن العصر وأدبه بخير ما أنتج القدماء في الفنون والآداب. وفي ١٦٨٧ قرأ شارل بيرو (أخو كلود بيرو الذي صمم من قبل واجهة اللوفر الشرقية) على الأكاديمية الفرنسية قصيدة سماها "قرن لويس العظيم" رفع فيها العهد فوق أي حقبة في تاريخ اليونان أو الرومان. ولكن بوالو الناقد العجوز انبرى للدفاع عن القدامى رغم أن بيرو سلكه في زمرة المعاصرين
[ ٣١ / ٢٤٧ ]
الذين فضلهم على نظرائهم القدامى، فقال للأكاديمية أن من العار الاستماع إلى هذا اللغو. وحاول راسين أن يخمد النار بزعمه أن بيرو كان (١١٠) يمزح، ولك نبيرو أحس أن لديه موضوعًا مجزيًا. فعاد إلى المعركة في ١٦٨٨ بكتابه "نظائر القدامى والمحدثين" وهو حوار طويل حيث يؤيد تفوق المحدثين في العمارة والتصوير والخطابة والشعر-وذلك باستثناء الإنياذة، التي هي في رأييه أروع من الإلياذة والأوديسة أو أي ملحمة أخرى. وقد ناصره فونتيل بذكاء وبراعة، أما لابرويير ولافونتين وفينيلون فوقفوا في صف بوالو.
لقد كان شجارًا صحيًا، عين نهاية نظرية "الانحطاط" المسيحية الوسيطة، ونهاية تواضع النهضة والحركة الإنسانية أمام الشعر والفلسفة والفنون القديمة. وكان هناك اتفاق عام على أن العلم قد تقدم متجاوزًا أي مرحلة أدركها اليونان أو الرومان، وحتى بوالو اعترف بهذا، وسلم بلاط لويس الرابع عشر في غير تردد بأن فن الحياة لم يطور قط من قبل بمثل هذا الجمال الذي طور به في مارلي وفرساي. ولن نزعم أننا فاصلون في هذه المشكلة، فلنتركها الآن حتى نعرف كل جوانب هذا العصر في أوربا بأسرها. ولا حاجة بنا إلى الإيمان بأن كورنبي كان متفوقًا على سوفوكليس، أو راسين على يوربيديس، أو بوسويه على ديموستينيس، أو بوالوا على هوراس؛ وما ينبغي أن نسوي بين اللوفر والبارثينون، أو بين جيراردون وكوازفوكس وبين فيدياس وبراكستيليس. ولكن من اللطيف أن نعرف أن هذه المفاضلات تقبل المناقشة، وأن تلك النماذج القديمة لا تمتنع على المنافسة.
لقد وصف فولتير عصر لويس الرابع عشر بأنه "أكثر العصور التي شهدها العالم استنارة (١١١) " دون أن يتوقع أن عصره هو سيسمى "عصر التنوير". ولكن ينبغي أن نخفف من غلو هذا الإطراء. فالعصر من الناحية الرسمية كان عصر ظلامية وتعصب بلغا أوجهما في إلغاء مرسوم نانت الرحيم، و"التنوير" كان وقفًا على قلة قليلة لم يرضَ عنها البلاط وعابها سرفها الأبيقوري أحيانًا. والتعليم كان يهيمن عليه أكليروس ملتزم بعقيدة العصر
[ ٣١ / ٢٤٨ ]
الوسيط، وأما حرية الطباعة والنشر فلم يكد أحد يحلم بها، وحرية الكلام كانت مغامرة سرية وسط رقابة شاملة. لقد كان في عهد ريشليو من المبادرة والجرأة ومن مولد العبقرية قسط أكبر مما كان في عهد الملك العظيم. إن العصر لم يكن له ضريب في الرعاية الملكية للأدب والفن، وفي خضوعهما البليغ للملك. وقد بلغ الفن والأدب كلاهما العظمة والجلال كما يشهد بذلك صف أعمدة اللوفر ومسرحية اندروماك، ولكنهما انحدرا أحيانًا إلى المبلغة في الفخامة والأبهة كما نرى في قصر فيرساي أو في بلاغة كورنبي في آخر إنتاجه. وكان يشوب المأساة والفنون الكبرى في هذا العهد بعض التكلف والافتعال، فقد أفرطا في الإتكاء على النماذج اليونانية أو الرومانية أو نماذج النهضة. واتخذا موضوعاتهما من عصر قديم دخيل لا من تاريخ فرنسا ودينها وطابعهما، وعبرا عن التعليم الكلاسيكي الذي حظيت به طبقة خاصة لا عن حياة الشعب وروحه. ومن ثم نجد موليير ولافونتين العاميين يفيضان اليوم حياة وسط هذا الحشد المزوق، لأنهما نسيا اليونان والرومان وتذكرا فرنسا. صحيح أن العصر الكلاسيكي نقى اللغة، وصقل الأدب، وهذب الحديث، وعلم العاطفة المشوبة أن تفكر، ولكنه إلى ذلك فرض على الشعر الفرنسي (والإنجليزي) برودة امتدت قرابة قرن بعد هذا العهد العظيم.
ومع ذلك كان عهدًا عظيمًا. فلم يشهد التاريخ من قبل حاكمًا سخا مثل هذا السخاء على العلوم والآداب والفنون. لقد اضطهد لويس الرابع عشر الجانسنيين والهيجونوت، ولكن في عهده كتب بسكال، ووعظ بوسويه، وعلم فينيلون، ولقد جند الفن ليخدم به مآربه ومجده، ولكن هذا الفن منح فرنسا بفضل تشجيعه روائع في العمارة والنحت والتصوير. ولقد حمى موليير من جيش من الخصوم، وآزر راسين من مأساة إلى مأساة. ولم تكتب فرنسا من قبل مسرحية أفضل، ولا رسائل أفضل، ولا نثرًا أفضل، مما كتبت في عهده. وقد أعانت عادات الملك المهذبة، وضبطه
[ ٣١ / ٢٤٩ ]
لنفسه، وصبره، واحترامه للنساء-أعانت كلها على انتشار الآداب المحببة والمجاملات اللطيفة في البلاط، وعنه إلى باريس وفرنسا وأوربا ولقد أساء استعمال بعض النساء، ولكن تحت حكمه بلغت النساء في الأدب والحياة مقامًا أضفى على فرنسا ثقافة ثنائية الجنس يفوق جمالها أي ثقافة أخرى في العالم. وبعد كل التحفظات، وبعد الإعراب عن أسفنا لأن هذا الجمال الكثير لوثته هذه القسوة الكثيرة، يحق لنا أن نضم صوتنا إلى أصوات الفرنسيين في الإشادة بعصر لويس الرابع عشر بوصفه عصرًا يقف على قدم المساواة مع اليونان في أيام بركليز، والرومان في أيام أوغسطس، وإيطاليا في أيام النهضة، وإنجلترا في أيام أليزابيث وجيمس الأول-يقف مع هؤلاء جميعًا قمة شامخة بين الشوامخ في مسار الإنسانية المتعثر.
[ ٣١ / ٢٥٠ ]