فيما بين عامي ١٦٦٠ و١٧٠٠ كان ثمة أداة أرى شكلت أو شوهت أو عبرت مجرد تعبير عن روح لندن المجردة من الحيوية والنشاط. وحيث استطاب شارل الثاني المسرحية الباريسية فإنه أجاز فتح مسرحين: الأول للملك وجماعته في "دروري لين" والثاني لدوق يورك وجماعته في "لنكولن ان فيلدز" وفي ١٧٠٥ افتتح مسرح الملكة في هابماركت، ولكنها نادرًا ما شهدت التمثيل فيه. وفي أيام شار الثاني كان مسرحان اثنان يفيان بالحاجة عادة. وظل البيوريتانيون يقاطعون المسرحية، أما الجمهور بصفة عامة على أية حال، فلم يكن يرخص له بدخول المسارح بين ١٦٦٠ و١٧٠٠ (٤) ولم يقصد إليها في معظم الأحوال إلا كل عربيد ماجن من رجال الحاشية، وحثالة الطبقة الأرستقراطية والمتصلين بها، والأثرياء المتعطلين الذين
[ ٣٢ / ٢١٥ ]
يقضون أوقاتهم في المسارح والنوادي وسباق الخيل وغيرها. ويقول دكتور جونسون الوقور: "أن المحامي الوقور ليحط من قدره ويمتهن كرامته، وأن المحامي الناشئ ليسيء إلى سمعته، إذا غشى بيوت الإباحية المنحلة هذه (٥) "وشكل النساء قسمًا صغيرًا من النظارة على أنهن إذا ذهبن إلى المسرح كن يخفين شخصياتهم وراء الأقنعة (٦). وكانت العروض تبدأ في الساعة الثالثة بعد الظهر، حتى إذا تحسنت الإضاءة في الشوارع (حوالي ١٦٩٠) أجلت إلى السادسة. وكان أجر الدخول أربعة شلنات للمقصورات وللمقاعد الخلفية شلنين ونصف وللشرفات شلنًا واحدًا. وكانت أجهزة التأثير المسرحي وتغيير المناظر أكثر إتقانًا بكثير عما كانت عليه في أيام إليزابيث. ولو أن حجرة نوم واحدة وملحقاتها ربما كانت تكفي لمعظم ملهيات عصر عودة الملكية، وحلت الممثلات محل الغلمان في تأدية أدوار النساء، وكن كذلك عشيقات، من ذلك أن مرجريت هيوز التي مثلت ديدمونا لأول مرة ظهرت فيها امرأة على المسرح الإنجليزي (٨ ديسمبر ١٦٦٠) كانت عشيقة الأمير روبرت (٧). وفي عرض لمسرحية دريدن "الحب الإستبدادي" تعلق قلب شار الثاني لأول مرة بخليلته نل جوين التي كانت تمثل دور فاليريا (٨). إن طبيعة جمهور المشاهدين، ورد الفعل ضد البيوريتارية، وأخلاق البلاط، وذكريات روايات عصري اليزابيث وجيمس الأول (وبخاصة روايات بن جونسون) وأحياء هذه الروايات واستعادة تلك الذكريات من جديد، وتأثير المسرح الفرنسي والملكيين المهاجرين، كانت كلها عوامل تجمعت لتشكل المسرحية أيام عودة الملكية.
وكان الأسم اللامع في "مسرحية المأساة" في عودة الملكية هو دريدن لنتركه مؤقتًا، لنتحدث عن مسرحية توماس أوتواي "الحفاظ على فينيسيا" التي عمرت بعد كل روايات دريدن وظلت تمثل حتى ١٩٠٤. إنها قصة حب مطعمة بمؤامرة أصدقاء كونت دي أوزونا لقلب سناتو فينيسا في ١٦١٦. ويرجع ما صادفته من نجاح في البداية من ناحية، إلى الصورة الساخرة التي
[ ٣٢ / ٢١٦ ]
رسمتها لإرل شافتسبري الأول (عدو شارل الثاني وصديق لوك) في شخصية أنطونيو الذي يحب أن تضربه عشيقته البغي، ومن ناحية أخرى إلى التشابه بين هذه المؤامرة وبين المؤامرة البابوية "الحديثة" ومن ناحية ثالثة إلى تمثيل توماس بترتون ومسز اليزابيث باري، ولكن الرواية تقف اليوم على قدميها إن مناظرها الهزلية سخيفة مؤذية، خاتمتها تنشر الموت في إجماع أقرب شبهًا بالمسرحية الموسيقية (الأوبرا)، ولكن حبكة الرواية متقنة دقيقة، وشخوصها مصورة تصويرًا مميزًا، والحركة مسرحية إلى أبعد حد، والشعر المرسل فيها ينافس مثيله في المسرحية في عصر اليزابيث، باستثناء مارلو وشكسبير. ووقع أوتواي في غرام مسز باري، ولكنها آثرت عليه معاشرة إرل روشستير، وبعد كتابه عدة مسرحيات أخرى ناجحة أخرج الشعر سلسلة من الروايات لم يكتب لها النجاح، وانحدر إلى مهاوي الفقر والعوز وفي رواية أنه مات جوعًا (٩).
إن ذكرى المسرحية في فترة عودة الملكية حية من أجل ملهياتها فإن ما كان في هذه الملهيات من مرح وسخرية، ومحاورات داعرة، ومغامرات في المخدع، بالإضافة إلى قيمتها في أنها مرآة تعكس حياة طبقة واحدة في جيل واحد. كل أولئك أكسبها شعبية جزئية، إن لم تكن مختلسة لا تكاد تستحقها. فإن مجالها ضيق إذا قيست بملهيات عصر اليزابيث أو موليير، وأنها لا تصور الحياة بل تصف عادات المتعطلين المتسكعين في المدن والحاشية الخليعة المتهتكة، وتتجاهل الريف إلا إذا أخذوه هدفًا للاستهزاء والسخرية، أو "سيبيريا" ينفى إليها الأزواج زوجاتهم المتطفلات. إن بعض المسرحيين الإنجليز شاهدوا موليير يمثل أو تمثل رواياته، واستعار بعضهم شخوصه أو حبكات مسرحياته، ولكن أحدًا منهم لم يبلغ نزعته في مناقشة الأفكار الأساسية، فالفكرة الأساسية الوحيدة في هذه الملهيات هي أن الزنى هو الهدف الرئيسي لأعظم عمل بطولي في الحياة. وكان المثل الأعلى للرجل فيها هو ما وصفه دريدن في "المنجم الهزاة" على أنه "سيد ماجد، رجل ثري
[ ٣٢ / ٢١٧ ]
عاطل يغشى النوادي والمقاهي والمسارح والمواخير، يرتدي أفخر الثياب، يأكل ويشرب ويفسق ويعاشر البغايا إلى أقصى حد ممكن". وفي رواية فاركو "خداع العاشقين" جاء على لسان أحد الشخصيات، وكأنما يقول سيد مهذب لآخر: "إني أحب جوادًا جميلًا ولكني أتركه لرجل آخر ليتولى العناية بأمره، وإني كذلك بالمثل أحب سيدة جميلة" (١٠) وهذا لا يعني أنه لا يشتهي زوجة جارة ولا يمد عينيه إليها، بل أنه يريد أن يستمتع بكل مفاتنها وأطايبها، على حين ترك لزوجها أن يرعى شئونها وينفق عليها. وفي رواية كونجريف "طريق الحياة الدنيا" يقول ميرابل المعشوق موضع الإعجاب لزوجة صديقه "يجب أن تشعري بالاشمئزاز والنفور والكراهية لزوجك مما يجعلك تستمتعين بحبيبك أو عشيقك (١١) ". ويندر أن ترى الحب في هذه الروايات يرتفع فوق الشهوة الجسدية التي تلتهف بين جوانح الطرفين، يريدان إطفاءها. وإنا لنتلهف عند قراءتها أن تقع العين على ظل لمعاني النبل والشرف، ولكنا لا نرى فيها ألا أخلاقيات المواخير وبيوت الدعارة.
إن وليم وتشرلي هو الذي استهل هذا التقليد، وكان أبوه ملكيًا من أسرة عريقة تملك ضيعة كبيرة، وأرسل ولده إلى فرنسا لتلقي العلم، عندما تولى البيوريتانيون مقاليد الحكم في إنجلترا، إصرارًا منه على ألا ينشأ الولد بيوريتانيًا. ولم يعتنق وليم قط هذا المذهب، ولكن الأسرة صعقت حين اصبح كاثوليكيًا. وسرعان ما عاد إلى البروتستانتية لدى عودته إلى إنجلترا، وهناك درس في أكسفورد وتركها دون الحصول على درجة جامعية. وانصرف إلى كتابة الروايات. وجمع ثروة من رواية "حب في الغابة" (١٦٧١) التي أهداها إلى ليدي كاسلمين. واستقبله في البلاط الملك الودود اللطيف الذي لم يشك ولم يتذمر حين وجد آن وتشرلي وتشرشل كليهما، يشاركانه غرام عشيقته كاسلمين (١٢).
واشترك وليم في الحرب الهولندية ١٧٦٢، ببسالة متوقعة من سيد
[ ٣٢ / ٢١٨ ]
ماجد، وعاد إلى إنجلترا ولم يمسسه سوء، وأحرز نجاحًا آخر في "الزوجة الريفية" (١٦٧٢). ودعا النظارة في المقدمة - إذا لم تعجبهم الرواية - إلى دخول غرفة ملابس الممثلين في ختامها، وهناك:
"فإننا عن طيب خاطر .. نتخلى لكم يا شعراءنا، عن العذارى، لا بل عن عشيقاتنا كذلك".
وخلاصة الموضوع أن مستر بنشويف اصطحب زوجته معه لقضاء أسبوع في لندن، وأحكم حراستها إلى حد أنها أوقعت في شرك الغواية تحت سمعه وبصره، ذلك أن من يدعى مستر هورنر - العائد من فرنسا لتوه، والمتلهف على الوصول إلى الزوجات دون عائق - أذاع بين الناس أنه خصي، ومن هنا يستنتج بنشويف أنه لا حرج في أن يفتح بيته لمثل هذا العنين العاجز، ولكنه سرعان ما يكتشف أن زوجته تكتب رسالة غرامية إلى هذا الزير المتودد إليها الذي أدعى العنة، فيرغمها على كتابة رسالة أخرى تكيل له فيها أقذع السباب والشتائم، وما أن أدار الزوج ظهره حتى أسرعت هي فوضعت رسالتها الغرامية الأولى مكان الرسالة الثانية التي تنم عن الغضب والاستياء. وسلم الزوج المزهو المفاخر بالسيطرة على الموقف الرسالة الأصلية إلى هورنر. وبعد فترة اتجه ظن الزوج إلى أن هورنر اقدر مما تردده عنه الشائعات، ففكر في أن يشغله، ووافق على أن يأخذ إليه أخته أليثيا. وتتنكر الزوجة حتى تبدو وكأنها أليثيا، ويحملها زوجها إلى عشيقها. وتختتم الرواية "برقصة الديوث"، وهورنر هو المنتصر في النهاية، ثم تلقى إحدى الممثلات إحدى الممثلات شعرًا توجه فيه اللوم والتقريع إلى الرجال الحاضرين، لأنهم لا يتحلون بقدر كاف من الرجولة.
"وقد يظل الناس على اعتقادهم بأنكم ممتلئون قوة ورجولة، ولكنا نحن النساء لا سبيل إلى خداعنا".
واقتبس وتشرلي كثيرًا من "الزوجة الريفية" من رواية موليير "مدرسة الأزواج ومدرسة الزوجات" وفي روايته التالية "التاجر
[ ٣٢ / ٢١٩ ]
الشريف" حول وتشرلي شخصية "ألست" في رواية موليير "مبغض البشر" إلى شخصية كابتن مانلي الذي لم تتعد فكرته عن التعامل الشريف، مجرد تناول كل الناس والأشياء بلغة بذيئة مقذعة. والغريب المدهش الأمر أن سكان لندن، بل حتى سكان بعض الضواحي، أحبوا وصف الحياة على أنها سعى متصل وراء شهوة الجسد، يلطف منه بعض التجديف في الحديث. وفي إحدى المكتبات في "تنبريدج ولز" سمع وتشرلي إحدى السيدات تسأل عن كتابه المنشور حديثًا "التاجر الشريف" فغمرته نشوة الفرح، ولم تكن هذه إلا كونتس دور جيدا، الأرملة الثرية فطلب يدها وتزوجها. ووجد أنها كانت تضعه تحت مراقبة أشد وأكثر مثابرة مما كان يفعل بنشويف، ولكنها ماتت فجأة فظن أن أموالها لا بد أن تؤول الآن إليه، ولكن القضايا القانونية التي تشابكت فيها التركة حالت دون ذلك، فلم يستفد منها شيئًا. وعجز عن تسديد الديون التي كان قد اقترضها ثقة منه بأيلولة التركة إليه، فأرسل إلى السجن حيث قضى سبع سنين وهنت فيها عزيمته وذبل نشاطه، حتى جاء جيمس الثاني، وسدد - قبل إرتداد وتشرلي إلى الكاثوليكية ثانية أو بعده - ديونه وأجرى عليه راتبًا. وبلغ وتشرلي أرذل العمر في شقاء ومعاناة. وظل مع عجزه يلاحق النساء، ويكتب نظمًا، حاول صديقه الشاب بوب أن يحوله إلى شعر. وفي سن الخامسة والسبعين تزوج الفاجر العجوز امرأة شابة، ولم يعمر بعد الزواج إلا عشرة أيام، ووافته المنية في أول يناير ١٧١٦.
وكان سيرجون فانبر وألطف من كتب عن الزنى والزناة. وكان "جون بول" (الرجل الإنجليزي النموذجي) يتجسد فيه تمامًا، فهو خشن مرح طلق المحيا، يحب طعام إنجلترا وشرابها، ولو أن جده لوالده هو جلليس فان برو، وهو فلمنكي من مدينة غنت قدم إلى بريطانيا في عهد جيمس الأول. وكان جون يبشر بحسن المستقبل إلى حد أنه أرسل إلى باريس في سن التاسعة عشرة ليدرس الفن. فلما عاد في الحادية والعشرين التحق
[ ٣٢ / ٢٢٠ ]
بالجيش، وقبض عليه في كاليه بتهمة أنه جاسوس بريطاني، وقضى مدة في الباستيل، وهناك كتب المسودة الأولى "للزوجة المغيظة" حتى إذا ما خرج من السجن عكف على كتابة الروايات. وفي ستة أسابيع - كما يروى لنا هو - فكر وتصور، ثم كتب ومثل رواية "النكسة" (١٦٩٦)، بما فيها من هجا مرح للمتأنقين في لندن، مثل لوردفوبنجتون وملاك الأرض في الريف مثل سيرتنبلي كلمزي، ومس هويدن الشهوانية. وكان سيرتنبلي يضعها تحت الرقابة والحراسة منذ بلغت الحلم، وفرح وانتهج لبراءتها وطهرها. "يا للبنت المسكينة: أنها ستفزع وتنزعج في ليلة عرسها، لأنها، والحق أقول، لا تميز الرجل من المرأة إلا بلحيته وبنطلونه القصير" (١٤). ولكن مس هويدن نفسها على نحو آخر: "من حسن حظي، هناك عريس قادم، وإلا تزوجت الخباز، سأفعل ذلك. فما من أحد يستطيع أن يقرع الباب، ولكن حاليًا يجب علي أن أختبئ، وهنا يكن الكلبة السلوقية الصغيرة تحوم حول البيت طوال اليوم، أنها تستطيع ذلك". وعندما يأتي توم فاشون ليطلب يدها، ويمهله أبوها أسبوعًا، تحتج الفتاة وتقول "أسبوع: ولماذا؟ إني أكون عند ذاك امرأة عجوزًا" (١٥).
ونجحت مسرحية "النكسة" نجاحًا كبيرًا إلى حد أن فانبرو تعجل إكمال "الزوجة المغيظة" (١٦٩٧) وكانت هذه من أنجح أعمال ذاك العصر. وظل دافيد جارك طيلة نصف القرن التالي يتحف لندن ويمتعها بتمثيله المستهتر لشخصية سيرجون بروت، وهي أعظم شخصية مشهورة مذكورة بين كل شخوص المسرحيات في فترة عودة الملكية. وسيرجون هذا وسيم هزلي ساخر يمثل المظاهر الأقرب شبهًا بالخنزير في ملاك الأرض الإنجليز - يشرب الخمر، ويتباهى، ويهدد ويتوعد، ويستأسد، ويعلن ويشكو من "عصر الإلحاد اللعين هذا". ويفتح المسرحية برأيه في الزواج حيث يقول:
[ ٣٢ / ٢٢١ ]
"أي لحم متخم هو الحب، إذا كان متبلًا بالزواج، إن عامين قضيتهما متزوجًا قد أفسدا على حواسي الخمس. فكل شيء أراه، وكل شيء أسمعه، وكل شيء أحس به، وكل شيء أشمه، وكل شيء أتذوقه، أظن أن فيه زوجة. فما ضجر ولد بمؤدبه، ولا بنت ولا رجل بعمل الكفارة، ولا عذراء عجوز بطهرها وعفتها، قدر ضجري بزواجي وسأمي إياه.
ومذ عرفت زوجته آراءه، فإنها تفكر في ترويضه بأن تجعل منه ديوثًا.
ليدي بروث: إنه أساء معاملتي أبلغ إساءة مؤخرًا. حتى كاد يستقر عزمي على أن ألعب دور الزوجة بكل ما في الكلمة من معنى، وأجعل منه ديوثًا وأخونه ..
بليندا: ولكنك تعلمين أنه ينبغي علينا أن نقابل الإساءة بالإحسان.
ليدي بروث: ربما كان هذا خطأ في الترجمة (١٦) ".
وهنا تأتي جارتها ليدي فانسيفل التي تميل إلى ما تميل إليه ليدي بروث، وتناقش شكوكها ومخاوفها مع وصيفتها الفرنسية التي تجيب بالفرنسية وهي هنا مترجمة:
ليدي ف: سمعتي ياآنسة: سمعتي.
الوصيفة: سيدتي، إذا فقد المرء سمعته يومًا، فلن تعود بعد ذلك تزعجه.
ليدي ف: تبًا لك يا آنسة، تبًا لك، أن السمعة جوهرة.
الوصيفة: وقيمتها غالية جدًا يا سيدتي.
ليدي ف: لماذا إذن، يقينًا أنك لن تضحي بشرفك من أجل متعتك؟
الوصيفة: إني فيلسوفة.
ليدي ف: إنه لا يتفق مع الشرف (لقاء العاشقين).
الوصيفة: ولكنه المتعة
ليدي ف: ولكن إذا كان العقل يصلح من شأن الطبيعة.
[ ٣٢ / ٢٢٢ ]
الوصيفة: عندئذ يكون العقل وقحًا، لان الطبيعة أخته الكبرى.
ليدي ف: إذن أنت تؤثرين طبيعتك على عقلك؟
الوصيفة: نعم، بكل تأكيد.
ليدي ف: ولماذا؟
الوصيفة: لأن طبيعتي تغمرني بالبهجة والسرور، أما عقلي فيورثني الجنون (١٧).
وربما كانت هذه الرواية هي التي أثارت غضب جرمي كوليير إلى حد أنه في العام الذي تلا ظهورها، نشر هجومًا عنيفًا على المسرحية في فترة عودة الملكية، وعلى فانبرو بصفة خاصة. وكان كوليير كاهنًا إنجليكانيًا على درجة من العلم، ومن الشجاعة والتشدد في عقيدته. وحيث كان قد أقسم يمين الولاء لجيمس الثاني ١٦٨٥، فإنه أبى أن يقسم يمين الولاء لوليم وماري ١٦٨٩. واستنكر "الثورة الجليلة"، حتى إلى حد التحريض على التمرد والعصيان. وقبض عليه، ووجد أصدقاؤه مشقة كبيرة في إقناعه بأن يسعوا لإطلاق سراحه بكفالتهم. ومنح الغفران المطلق لرجلين كانا على وشك أن يشنقا بتهمة التآمر على ما اعتبر كوليير أنها حكومة اغتصبت الحكم. فأنكر أسقفه عليه تصرفه وأدانه النائب العام، ولكنه رفض المثول أمام أية محكمة. وعاش طريد العدالة محرومًا من الكنيسة حتى وافته المنية. ولكن الحكومة قدرت نزاهته، ولم تلاحقه بعد ذلك. وعبر وليم الثالث عن تقديره الكبير للعصفة التاريخية التي قام بها كوليير.
وكان الكتاب الذي نشره كوليير يحمل عنوان "لمحة قصيرة عن الانحلال والدنس في المسرح الإنجليزي". وكان يحوي، كما حوت معظم الكتب، هراءً كثيرًا. واستنكر الراعي الغاضب في المسرحية الإنجليزية أخطاء كثيرة قد تبدو لنا الآن تافهة، أو أنها ليست أخطاء إطلاقًا، واعترض على أية إشارة غير كريمة لرجل الدين، ونشر في سخاء شديد، مظلة العصمة
[ ٣٢ / ٢٢٣ ]
من الخطأ فوق زعماء الوثنية والكهنة الكاثوليك والقساوسة المنشقين. أدان كثيرًا من كتاب المسرح، من أشبللس إلى شكسبير إلى كونجريف ودريدن، حتى ليشعر كل المتهمين ببراءتهم لمجرد حشرهم في زمرة هؤلاء العظماء. ولكن كوليير أضعف قضيته في مجادلته في أن للمسرح العام يجب إلا يتناول الجريمة أو الانحلال الخلقي مطلقًا. ولكنه وجه بعض ضربات ناجحة لأن الأهداف البراقة واجهته في كل مكان. فنعي على كثير من كتاب المسرح في فترة عودة الملكية ما أبدوا من إعجاب بالإسفاف في الزنى والفسق، وأثر ذلك على جمهور المشاهدين. وظل الكتاب حديث لندن طيلة عام كامل. ودافع الروائيون عن أنفسهم بأساليب متنوعة، وتحول فانبرو عن المسرحية إلى هندسة العمارة، وانهمك لأكثر من عشر سنوات في بناء قصر بلنهيم، شاد قصر هوارد على طراز عمارة بللاديو الروماني الجميل (١٧١٤). واعترف دريدن بخطاياه، وأظهر ندمه على ما فعل وأنكر كونجريف جريمته، ولكنه أصلح من فنه.
وبلغ وليم كونجريف بمسرحية عصر عودة الملكية ذروتها ونهايتها معًا. ولد بالقرب من ليدز في ١٦٧٠، في أسرة كانت عراقتها موضع فخره واعتزازه وسط كل ما أحرز من فوز ونجاح. وكان والدة قائد حامية إنجليزية في أيرلندة، ولذلك درس وليم في مدرسة كلكني، وجلس على نفس المقعد الذي جلس عليه جوناثان سويفت، ثم في ترنتي كولدج في دبلن، ثم قي مدل تمبل في لندن. وسرى في دمه جرثومة الطموح الأدبي من بيئة كان في فيها الأذواق أنفسهم يؤلفون الكتب. وفي أول سنة كان يدرس فيها القانون كتب "المستخفية" (١٦٩٢) التي امتدحها إدموند جروس "لمرحها ودعابتها الخفيفة" ولأنها أقدم قصة طويلة (عن العادات وآداب السلوك؟) في الإنجليزية (١٨) "، ولكن صمويل جونسون قال عنها "خير لي أن أمتدحها من أن أقرأها (١٩) "، وحظي كونجريف بالشهرة من
[ ٣٢ / ٢٢٤ ]
قفزة بملهاته الأولى "الأعزب العجوز" ١٦٩٣، التي أقسم دريدن - وهو عميد الأدب المعترف به في إنجلترا في هاتيك الأيام - بأنه لم ير قط خيرا منها، باكورة للعمل في مجال الرواية ومذ كان كونجريف غير واثق من أن الرجل الماجد ينبغي أن يكتب للمسرح، فأنه اعتذر بأنه إنما كتبها "لمجرد التسلية في فترة إبلال بطئ من علة ألمت به"، ومن هنا قال كوليير "ليس لي أن أتساءل ماذا كانت علته، ولكن لابد أنها كانت خطيرة جدًا، وأسوأ من العلاج (٢٠) ". أما هاليفاكس فإنه اتفق بالرأي مع دريدن، حتى أنه عين كونجريف في منصبين يدران عليه دخلًا كافيًا يستطيع بفضله أن يحتفظ بمكانته، سيدًا كريمًا، وأن يعمل في عالم المسرح.
ولم تلق روايته الثانية "التاجر المخادع" (١٦٩٤) ترحيبًا كبيرًا، ولكن إطراء دريدن، الذي وضع كونجرف مع شكسبير في مرتبة سواء، شد من أزر المؤلف الناشئ، وفي ١٦٩٥، في سن الخامسة والعشرين، عاد إلى خشبة المسرح برواية "الحب للحب" التي فاق نجاحها كل ما عرف من نجاح. ولكن كوليير شجب الرواية واتهمها بأنها تؤيد الفسق والفجور وتشجعهما، وبلغ رد كونجريف عليه من التفاهة حدًا انقطع معه عن المسرح طيلة ثلاثة أعوام، وعندما عاد إليه برواية "طريق الدنيا" (١٧٠٠) كان قد أفاد من النقد القاسي، وأوضح أن الموهبة لا تعتمد على قلب الوصايا العشر رأسًا على عقب. وكان في هذه الرواية التي قال عنها سوينبرن المغالي أنها "التحفة التي لا نظير لها والتي لا تدانيها رواية أخرى في روائع الملهاة الإنجليزية (٢١)، نقول كان فيها بعض أخطاء المسرحية في عصر عودة الملكية، ولكن ليس فيها شيء من رذائلها، وقد ترهقنا عند قراءتها بظرفها المازح الساخر، وتذكرنا بالتلاعب السخيف بالألفاظ في أعمال شكسبير الأولى، ولكن إذا مثلت (ونطق بها بترتون ومسز بريسجيردل كما حدث في أول عرض لها)، فلربما كانت أمتعتنا بما فيها من حيوية وتألق
[ ٣٢ / ٢٢٥ ]
يقول وتوود "أعرف سيدة تحب الكلام بلا انقطاع، ولا تترك أثرًا حسنًا (٢٢) " وحبكة الرواية بالغة التعقيد، وقد تتذمر من طول الوقت المطلوب لفهم شجارات ومشروعات الشخوص التافهة الطائشة، وحل العقدة لا يعدو أن يكون سخفًا لا حد له. ولكن في الرواية بعض تهذيب في اللغة وفي الدعابة، وتفكير لطيف (ولو أنه غير عميق أبدًا)، مما يمكن أن يدخل السرور على الذهن غير المتعجل، وليس فيها سخرية لاذعة، كما هو الحال في مسرحيات فانبرو، بل فيها تهكم مهذب رقيق، تسرب من قصر فرساي إلى قصر هويتهول وإلى البلاط في فترة عودة الملكية. وفي الرواية خلق الشخصيات الروائية وتصوير لخصائصها. فالبطل، ميرابل شخص غير جذاب، ولكنه نابض بالحياة، صياد التركات والثروات. وجدير بالذكر أنه يسعى للزواج من ميللامانت، بدلًا من إغرائها. ولكن لديها ثروة تساوي أثنى عشر زانيًا، وهي أجمل ما أبدع كونجريف، ماجنة عابئة تريد ألف عاشق، وتود الهيام بها لمدى الحياة، من أجل مفاتن أو جمال لن يدوم إلا لسنوات عشر، وترضى الزواج ولكن بشرط:
ميللامانت: … لاشك ياميرابل أني سأبقى في الفراش في الصباح كيفما أشاء.
ميرابل: هل من شروط أخرى تفرضينها؟
ميللامانت: توافه: - أكون حرة في تناول طعامي متى أشاء، وأتناوله وحدي في حجرة ملابسي، إذا كنت معكرة المزاج، دون إبداء الأسباب. وألا يقتحم علي أحد خلوتي. وأن أجلس "إمبراطورة" وحدي إلى مائدة الشاي التي لا يجوز لك أن تفكر في الاقتراب منها قبل أن تستأذني أولًا وأخيرًا حيثما كنت ينبغي عليك أن تطرق الباب قبل الدخول. تلك هي شروطي، حتى إذا استطعت أن احتملك لمدة أطول، فقد أتضاءل شيئًا فشيئًا حتى أصبح زوجة.
ميرابل: ألست حرًا أن أعرض شروطي؟
[ ٣٢ / ٢٢٦ ]
ميللامانت: هات أقصى ما عندك …
ميرابل: أشترط عليك أن تستمري تحبين وجهك وتعجبين به طالما أحببته أنا أو أعجبت به، حتى إذا الفته أنا، فلا تحاولي قط تشكيله من جديد .. اشترط ثانيا، أنك إذا حملت.
ميللامانت: آه: لا تذكر شيئًا من هذا.
ميرابل: وهذا هو المفروض، وليبارك الله في محاولتنا.
ميللامانت: هذه محاولة كريهة قبيحة.
ميرابل: إني أعترض وأمنعك من ارتداء الملابس المحبوكة التي تشد جسمك لتحتفظي بقوامك حتى لا تشوهي ولدي ويخرج وكأن رأسه قمع سكر (٢٣) ..
وهكذا، وتلك سفسطة سارة، وهجاء معقول، يمر بخفة وسرعة، في أمان، على مظاهر الحياة.
وضرب كونجريف نفسه مثلًا لمظاهر كثيرة، مؤثرًا التركيب على المادة، والتنوع على الوحدة. ولم يتزوج قط، ولكنه اختلف إلى سلسلة من العشيقات، ولم نسمع عن ذرية أشقته أو أسعدته. وكان رفيقًا لطيفًا في المقاهي والنوادي. وكان أكرم العائلات تستقبله ببالغ الترحيب. وكان أكولا، وكان يدهن قدميه ويعالجهما بانتظام من داء النقرس. وعندما زاره فولتير 1726 استنكر كونجريف إطراء الشاعر الفرنسي لرواياته، وأبدى عدم اكتراثه لها، على أنها توافه لا تستحق الذكر، وطلب إلى فولتير أن يعتبره مجرد رجل مهذب. عندئذ أجاب فولتير (طبقًا لروايته) "لو كان الأمر كذلك، وأنك مجرد رجل مهذب، لما جئت لأراك (24) ".
وفي 1728، في رحلة للاستشفاء بالمياه المعدنية في باث، انقلبت عربة كونجريف، وظل يعاني من بعض إصابات باطنية حتى وافته المنية في 19 يناير 1729. ودفن في كنيسة وستمنستر. وفي وصيته ترك مائتي جنيه لمسز بريسجيردل التي كانت تقاسي الفقر في شيخوختها، أما معظم الضيعة،
[ ٣٢ / ٢٢٧ ]
أي نحو عشرة آلاف جنيه، فقد أوصى له لدوقة مالبرو الثانية البالغة الثراء، ومضيفته الأثيرة لديه، فحولت المال إلى عقد من اللآلئ. وكانت تضع على الدوام، في المكان الذي اعتاد الشاعر أن يجلس فيه إلى مائدتها، تمثالًا من العاج والشمع تدهن قدميه وتعالجهما بانتظام من النقرس (٢٥).
وقبل موت كونجريف بزمن طويل، كان المسرح الإنجليزي قد شرع يطهر نفسه، حيث أمر وليم الثالث مدير الملاهي والمسارح أن يمارس بشكل أشد صرامة، سلطته في رقابة الروايات أو منع عرضها. وعززت موجة من الاستياء في الرأي العام هذه الرقابة. وحرم قانون أصدرته الملكة آن ارتداء السيدات للأقنعة في المسرح، وقاطعت النساء اللائي حرمن هذا التستر، الروايات المجردة من الاحتشام والوقار على وجه اليقين (٢٦).
واتفق سويفت مع الأساقفة على أن مسرح لندن وصمة في جبين الخلق الإنجليزي. وعرض ستيل روايته (العشاق الشاعرون بالإثم) (٧٢٢) على أنها مسرحية أخلاقية. ونافس أديسون وقار المأساة الفرنسية وجلالها في مسرحيته "كاتو" (١٧١٣). وثمة علامة أقدم من هذا، على التغير الذي حدث في المسرح، ظهرت في أسلوب رد دريدن على كوليير، حيث أحس دريدن أن الكاهن غالبًا ما حمل على كتاب المسرح دون وجه حق، وأنه "في كثير من المواضع … فسر كلماتي بأنها تجديف وفجور، وهي بريئة من هذا كله"، ولكنه أضاف:
لن أتحدث كثيرًا عن مستر كوليير لأنه اتهمني في أشياء كثيرة، وله في هذا كل الحق. واعترفت بذنبي في كل الأفكار والتعبيرات التي أوردتها والتي يمكن أن توصم بحق بالفحش والدنس أو مجافاة الأخلاق الكريمة، ولا بد من سحبها. فإذا كان يناصبني العداء، فقد كتب له الانتصار علي. أما إذا كان صديقًا، حيث أني لم أهيئ له فرصة خاصة ليكون غير ذلك، (لم أسيء إليه إساءة شخصية)، فإنه سيسر بأني ندمت (٢٧).
[ ٣٢ / ٢٢٨ ]