١٦٤٣ - ١٦٨٤
بلغت اللغة أوجها في السهولة المرنة التي أتسم بها حوار موليير، وفي بلاغة كورنيي الطنانة، وفي تأنق راسين الشجي.
أما كورنيي فكان يبدو في ربيع أدبه-وهو في السابعة والثلاثين-حين اعتلى لويس العرس. وقد بدأ العهد بملهاة "الكذاب" التي رفعت نبرة الملهاة الفرنسية كما رفعت "السيد" نبرة المأساة. ثم راح يدفع إلى المسرح بالمآسي كل عام تقريبًا بعد ذلك، رودوجون (١٦٤٤)، وتيودور (١٦٤٥)، وهيراقليوس (١٦٤٦) ودن سانشو الأراجوني (١٦٤٩) واندروميد (١٦٥٠) ونيكوميد (١٦٥١) وبرتاريت (١٦٥٢). ولقي بعض هذه التمثيليات استقبالًا حسنًا، ولكن حين تعاقبت كل منها سريعًا خلف سابقتها، وضح أن كورنيي يتعجل الإنتاج، وأن عصارة
[ ٣١ / ٢٠٢ ]
عبقريته آخذة في النضوب. وضاع ولعه بتصوير النبالة وسط بحر من الجدل، وهزمت بلاغته ذاتها باستمرارها دون توقف. قال موليير "إن لصديقي كورني رفيقًا يلهمه أروع شعر في الدنيا. ولكن يحدث أن يتركه رفيقه ليرعى شؤونه، وعندها يتعثر شر تعثر (٥). " وقد لقيت "بارتاريت" من سوء الاستقبال ما حمل كورنيي على أن يعتزل المسرح ست سنوات (١٦٥٣ - ٥٩)، وتناول نقاده في سلسلة من "الفحوص"، وفي ثلاث أحاديث عن الشعر المسرحي. وقد دلت هذه الأحاديث على صعود موهبته النقدية بهبوط ملكته الشعرية، وأصبحت ينبوعًا للنقد الأدبي الحديث، واتخذها درايدن نماذج حين دافع عن شعره المتوسط الجودة في نثر رائع.
وفي ١٦٥٩ ردت كورنيي إلى خشبة المسرح لفتة تلقاها من فوكيه. وظفرت مسرحيته "أوديب" ببعض الاستحسان عقب ثناء الملك الشاب عليها، ولكن المسرحيات التي تلتها-سرتوريوس (١٦٦٢)، وسوفونيسب (١٦٦٣)، وأوتون (١٦٦٤)، وآجيسيلاس (١٦٦٦) وأتيلا (١٦٦٧) -هذه كلها كانت قاصرة قصورًا لم يستطع فونتنبيل إزاءه أن يصدق أن كاتبها هو كونيي؛ وقال بوالو في بيت ساخر:
"بعد أجيسيلاس، وا أسفاه! ولكن بعد أتيلا، قف! " وزادت مدام هنرييتا الطين بلة، مع أنها كانت عادة آية العطف والرقة، حين دعت كلًا من كونيي وراسين، بعلم من كل، إلى أن يكتب تمثيلية في ذات الموضوع-وهو بيرنيس، الأميرة اليهودية التي وقع في حبها تيطس الإمبراطور القادم. ومثلت بيرنيس التي ألفها راسين فيالأوتيل دبورجون في ٢١ نوفمبر ١٦٧٠ بعد خمسة أشهر تقريبًا من موت هنرييتا، ولقيت نجاحًا كاملًا. أما مسرحية كونيي "تيطس وبرينيس" فقد مثلتها فرقة موليير بعد ذلك بأسبوع، ولم تلق غير استقبال فاتر: وحطم فشلها روح كونيي. وجرب حظه ثانية بمسرحيتي "بولشيري" (١٦٧٢) وسورينا (١٦٧٤)،
[ ٣١ / ٢٠٣ ]
ولكن الفشل كان نصيبهما أيضًا. وأنفق كورنيي بعد ذلك السنين العشر التي بقيت له من أجله في تقوى هادئة مكتئبة.
وكان متلافًا، مات فقيرًا برغم ما أجرى عليه لويس الرابع عشر من معاش وما نفحه به من هبات، وقد قطع معاشه دون قصد أربع سنوات، فلجأ كونيي إلى كولبير، فأمر برده إليه، ولكنه انقطع ثانية بعد موت كولبير. فلما نمى الأمر إلى بوالو أعلم به لويس الرابع عشر، وعرض أن ينزل عن معاشه لكورنيي. ولكن الملك بادر بإرسال مائتي جنيه للشاعر العجوز، الذي مات بعدها بقليل (١٦٨٤) بالغًا الثامنة والسبعين وأبنه في الأكاديمية الفرنسية مزاحمه الذي كان قد خلفه، ورفع المسرحية والشعر الفرنسيين إلى ذروة تاريخهما، والتأبين ما زال مذكورًا لما حوى من سماحة وبلاغة.