١٦٨٩ - ١٧٠٢
عين الملك لمجلسه الخاص: دانبي رئيسًا، وهاليفاكس حاملًا للأختام الملكية، وإرل سروزبري وإرل نوتنجهام وزيرين، وإرل بروتلاند رئيسًا للخاصة الملكسة، وجلبرت بيرنت أسقف سالسبوري.
وكان أبرز هذه الشخصيات وأكثرها نفوذًا هو جورج سافيل مركيز هاليفاكس. ولما كان ابن أخ لورد سترافورد الذي أعدمه البرلمان الطويل من قبل، فإنه-أي هاليفاكس-كان قد فقد جزءًا كبيرًا من ممتلكاته في الثورة الكبرى، ولكنه كان قد أنقذ ما يكفيه لعيش رغيد في فرنسا أيام حكم كرومول. وهناك عثر على "مقالات" ومنتاني، وأصبح فيلسوفًا. وإذا كان المركيز قد ارتقى فيما بعد من السياسة إلى فن الحكم، فما ذاك إلا لأن الفرق بين السياسة وفن الحكم هو الفلسفة أي القدرة على رؤية اللحظة العابرة والجزء الصغير في ضوء الزمن الخالد، والكل الذي يضم كل الأجزاء، ولم يكن هاليفاكس ليرضى قط بأن يكون كله رجل أعمال وكتب يقول: "إن حكومة العالم (يعني حكم الشعوب) عمل عظيم، ولكنه شاق خشن جدًا كذلك، إذا قورن برقة المعرفة التأملية (٢٨) ". فقد كان على السياسة في بعض الأحيان أن تتعامل مع الجماهير وهو ما أزعج هاليفاكس. إن في الجمع الناس قسوة متراكمة، على الرغم من انه ليس بينهم فرد واحد بالذات رديء الطبع أن الغمغمة الغاضبة في حشد
[ ٣٢ / ١٩٣ ]
من الناس من العن وأسوأ الضوضاء في العالم" (٢٩). ولقد عاش من قبل في ظل "الإرهاب البابوي" حين كانت الجماهير تقذف الرعب في المحاكم. ومذ رأى كثيرًا من المذاهب الدينية المولعة بكسب الأنصار، وطرح معظم اللاهوت، إلى حد أنه، كما يقول بيرنت "تحول إلى ملحد جريء ثابت العزم، على الرغم من أنه كان غالبًا ما يحتج لي بأنه ليس كذلك، وأنه قال أنه يعتقد أنه ليس في العالم رجل ملحد. واعترف بأنه لم يستسغ كل ما فرضه رجال الدين على العالم. وكان مسيحيًا، امتثالًا، وآمن قدر طاقته" (٣٠).
وعندما عاد إلى إنجلترا استرد ممتلكاته، وبلغ من الثراء حدًا استطاع معه أن يكون أمينًا. وخدم شارل الثاني حتى علم بأمر "معاهدة دوفر" السرية. ودافع عن حق جيمس في عرش إنجلترا، ولكن عارض في إلغاء "قانون الاختيار"، وتطلع إلى حكم بروتستانتي بعد فترة حكم كاثوليكي قصيرة. وحقق آماله حين لعب دورًا قياديًا في انتقال الحكم بطريقة سلمية من جيمس الثاني إلى وليم الثالث. والتزم هاليفاكس بما يعتقد هو نهأنه حق، وما كان لينحاز إلى أي حزب. وكتب في "أفكار وتأملات": "أن الجهل يقود معظم الناس إلى الانضمام إلى حزب ما، والخجل يحول بينهم وبين الخروج منه" (٣١). ولما هوجم بسبب خروجه على اتجاهات الحزب، دافع عن نفسه في كتيب مشهور "شخصية الحول القلب".
إن اللفظة البرئية (قلب حول) لا تعني أكثر من أنه إذا كانت مجموعة من الرجال في قارب. ومال منهم إلى جانب، فلا بد أن يميل الباقون بنفس القدر إلى الجانب الآخر، ويحدث أن يكون هناك رأي ثالث لأولئك الذين يرون أنه يكفي أن يكون القارب مستويًا أو معتدلًا (٣٢).
وكان في بعض الأحيان عديم الضمير، فصيحًا دائمًا، ذكيًا بشكل خطير ولما اجتاح صائدو المناسب الذين ادعوا مساعدة الثورة، بلاط وليم الثالث ناصبوه العداء لأنه قال: "إن الإوز أنقذ روما، ولكني لا أذكر أن
[ ٣٢ / ١٩٤ ]
هذه الأوزات عينت في مناصب القناصل" (٣٣) (١).
ولا بد أن هاليفاكس ابتسم ساخرًا عندما حول "للمؤتمر" نفسه إلى برلمان، ثم عمد إلى ما حسبه أول ما تحتاج إليه الحكومة - ألا هو قسم جديد للولاء والطاعة لوليم الثالث، لا بوصفه رئيسًا للدولة فحسب، بل للكنيسة الرسمية كذلك. إنها لإحدى مهازل التاريخ المضحكة، أن الكنيسة الأنجليكانية وهي التي ظلت لمدة قرن من الزمان تضطهد الكلفنيين (البرسبتريان، والبيوريتانز وغير من مخالفيها) تقبل الآن رئيسًا لها كلفنيًا هولنديًا.
إن أربعمائة من رجال الدين الأنجليكانين المتمسكين بنظرية "حقوق الملوك الإلهية" ومن ثم ينازعون حق وليم في الحكم، رفضوا أن يؤدوا القسم الجديد. وعزل هؤلاء الرافضون من وظائفهم الكنسية، وشكلوا شعبة أخرى من المنشقين أو المخالفين. أما الذين أقسموا اليمين فإن كثيرًا منهم فعلوا ما فعلوا مع "تحفظ عقلي" (٣٥) ربما أضحك الجزويت الباقين في إنجلترا. ويرى بيرنت "أن مراوغة الكثيرين ومواربتهم في موضوع بمثل هذه القدسية أسهم إسهامًا غير قليل في تدعيم الإلحاد الآخذ في التفاقم (٣٦) "وصعق الإنجليكانيون من ذوي المشارب والأمزجة المختلفة،
حين ألغى وليم - إذعانًا للشعور السائد بشكل طاغ في إسكتلندة - ألغي هناك النظام الأسقفي الذي كان آل ستيوارت قد أقاموه قسرًا. وحزن كثير من الأنجليكانيين حين ألفوا وليم يجنح إلى التسامح الديني.
إن وليم الذي نشأ في أحضان الكلفنية الجبرية المؤمنة بالقضاء والقدر لم يطق تعاطفًا مع وجهة النظر الأنجليكانية التي تقضي بإقصاء البرسبتريانز عن الوظائف العامة أو مقاعد البرلمان. أنه شجع بالفعل التسامح في المقاطعات
[ ٣٢ / ١٩٥ ]
المتحدة، ولم يكن يسمح بأي تمييز ديني في صداقاته. إن الكلفنية الجبرية كانت قد أصبحت بالنسبة لوليم ثقة في النفس وكأنها عامل من عوامل القدر. وفي ظل هذه الثقة ينظر، دون ما تعصب، إلى الانشقاق الديني على أنه في حد ذاته أداة من أدوات تلك "القوة الخفية" أكثر منها شخصية التي سماها تارة "الحظ" وتارة "العناية الإلهية" وأخرى "الله" (٣٧). ورأى في الخلافات الدينية في إنجلترا قوة تمزق الأمة أربًا إذا لم يحد التفاهم والمحبة من مثل هذه القوة.
وكانت خطوة بارعة من جانب المجلس المخصوص (أو مجلس الملك) أن يعهد بتقديم (قانون التسامح) الذي أعده، إلى البرلمان، إلى نوتنجهام الذي عرف بأنه ابن غيور بار للكنيسة الأنجليكانية. وأبطل دفاع نوتنجهام عن هذا القانون أمام البرلمان حجة المعارضين المتشددين وجردهم من سلاحهم وهكذا أقر المجلسان أول إنجازات العهد الجديد دون معارضة تذكر (٢٤ مايو ١٦٨٩). وسمح هذا القانون بحرية العبادة العلنية لكل الفرق التي سلمت بمبدأ التثليث وبأن الكتاب المقدس نزل به الوحي، والتي نبذت صراحة تحول خبز القربان والخمر إلى جسد المسيح ودمه، وسيادة البابا الدينية. وسمح لأنصار تجديد العماد بتأجيله إلى سن البلوغ. وبمقتضى "قانون تثبيت التسامح" الذي صدر في ١٦٩٦ سمح للكويكرز باستبدال وعد قاطع بالقسم سالف الذكر. واستثنى التوحيديون والكاثوليك من التسامح. وقام وليم ومجلسه في مشروع "قانون التسامح الشامل" الذي قدم في أواخر ١٦٨٩، بمحاولة للسماح بدخول كل طوائف المنشقين إلى الكنيسة الأنجليكانية، ولكن لم تتم الموافقة على هذه الخطوة. ولكن لم تتم الموافقة على هذه الخطوة. وظل المنشقون محرومين من الجامعات ومن مقاعد البرلمان ومن الوظائف العامة إلا إذا تلقوا الأسرار المقدسة وفقًا للطقوس الأنجليكانية، وجدد في ١٦٩٧ العمل بقانون يقضي بعقوبة السجن على من يهاجم أية نظرية مسيحية أساسية. ولم يصدر بعد ذلك أي تشريع بالتوسع في الحرية الدينية في إنجلترا حتى ١٧٧٨
[ ٣٢ / ١٩٦ ]
وعلى الرغم من ذلك كان التسامح هنا أكبر منه في أية دولة أوربية أخرى بعد ١٦٨٥، باستثناء المقاطعات المتحدة. والواقع أن التسامح اتسعت دائرته في إنجلترا بازدياد قوة إنجلترا إلى الحد الذي تحررت معه من مخاوفها من أن تغزوها أية دولة كاثوليكية أو تعمل على تخريبها في الداخل.
إن الكاثوليك أنفسهم نعموا في عهد وليم بأمن متزايد. وأوضح الملك أنه ليس في مقدوره أن يحتفظ بالأحلاف مع الدول الكاثوليكية إذا هو صب العذاب والظلم على رؤوس الكاثوليك في إنجلترا (٣٨). وظل القساوسة الكاثوليك لعشر سنوات يقيمون القداس في دور خاصة. وما كان أحد ليتحرش بهم لو تستروا في شيء من الحزم والحكمة، أمام الجمهور. وفي أخريات عهد وليم (١٦٩٩)، حين كان للمحافظين (أنصار السلطة الملكية المطلقة) والمتشددين، الغلبة في البرلمان، شددت القوانين ضد الكاثوليك، فتعرض لعقوبة السجن مدى الحياة أي كاهن يدان بإقامة القداس أو أداء أية مهمة كهنوتية أخرى إلا في دار أحد السفراء. وتنفيذًا للقانون كانت ثمة مكافأة قدرها مائة جنية لمن يدبر الإدانة. ونص القانون على نفس العقوبة لأي كاثوليكي يقوم بالتعليم العام للصغار. وما كان يجوز للوالدين أن يرسلوا أولادهم إلى الخارج لتلقي العلم وفق المذهب الكاثوليكي. وما كان يجوز لأي فرد أن يشتري أو يرث أرضًا إلا بعد أداء القسم على أن الملك رئيس الكنيسة، وعلى أنه لا يؤمن بتحول الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه. وصودر من أجل الحكومة إرث أي فرد امتنع عن أداء القسم (٣٩). وفي ١٦٨٩ عفا وليم عن تيتس أوتس وأجرى عليه معاشًا.
وجلب الكاثوليك في إيرلندة على أنفسهم اضطهادًا مجددًا بتنظيمهم ثورة تهدف إلى إعادة جيمس الثاني إلى العرش. ذلك أن ريتشارد تالبوت جمع جيشًا قوامه ٣٦ ألف رجل ودعا جيمس للقدوم من فرنسا ليتولى قيادته. وكان لويس الرابع عشر قد أسكن الملك المخلوع أحد قصوره في سان جرمان، وخصص له ستمائة ألف فرنك سنويًا، وجهز له الآن أسطولًا
[ ٣٢ / ١٩٧ ]
والى ميناء برست، وودعه بكلمات مشهورة: "أن أحسن ما أرجوه لك إلا يرى الواحد منا الآخر ثانية أبدًا (٤٠) ". وفي ١٢ مارس ١٦٨٩ ألقى جيمس مراسيه في إيرلندة مع ألف ومائتي رجل، ورافقه تالبوت إلى دبلن، حيث دعا برلمانًا أيرلنديًا، وأعلن حرية العبادة لكل الرعايا المخلصين. واجتمع البرلمان في ٧ مايو وألغى "قانون التسوية" الذي صدر في ١٦٥٢، وأمر بإعادة الأراضي التي انتزعت من أصحابها منذ ١٦٤١ إلى ملاكها السابقين. وأرسل وليم قائده الهيجونوتي شومبرج إلى إيرلندة على رأس عشرة آلاف جندي. ورد لويس الرابع عشر على ذلك بإرسال سبعة آلاف من الفرنسيين المحنكين لمساعدة جيمس. وعبر وليم بنفسه إلى إيرلندة في يونيه في ١٦٩٠. فلما التقى الجمعان في معركة بوين (أول يوليه) فر جيمس من الميدان مذعورًا، ولو أنه اشتهر بالبسالة يومًا، حين رأى قواته تنهزم. وسرعان ما عاد أدراجه إلى سان جرمان.
وربما ابتهج وليم بعقد الصلح وإقرار السلام مع الإيرلنديين على أساس الوضع الراهن. ولكن الزعماء والقوات البروتستانتية الذي كانوا تحت أمرته، طالبوا بالقضاء التام على العناصر الثورية، وبالاستيلاء على المزيد من أراضي إيرلندة. وعاد وليم إلى إنجلترا تاركًا جيشه تحت قيادة جودرت دي جنكل، إرل أتلون آنذاك، وكان شومبرج قد قضى نحبه في انتصاره في بوين. وأوصى الملك جنكل بإصدار عفو عام دون قيد أو شرط، وإطلاق حرية العبادة، وبالإعفاء من أداء القسم بعدم الاعتراف بسيادة البابا، وباسترداد الثوار لضياعهم شريطة أن يضعوا السلاح (٤١). وعلى أساس هذه الشروط ضمن جنكل استسلام جولواي وليمرك وبمقتضى معاهدة ليمر (٣ أكتوبر ١٦٩١) وافق الثوار الإيرلنديون على التسوية التي عرضها وليم. وفي مارس ١٦٩٢ صدر بيان ملكي يعلن انتهاء الحرب مع أيرلندة.
واستنكر البروتستانت في إيرلندة هذه المعاهدة على أنها استسلام
[ ٣٢ / ١٩٨ ]
ذليل للبابويين، ولجأوا إلى البرلمان الإنجليزي. ووضع هذا البرلمان على الفور (٢٢ أكتوبر ١٦٩١) قانونًا يحرم من عضوية برلمان إيرلندة، كل من يمتنع عن أداء يمين السيادة وإعلان رفضه لفكرة تحول الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه. ورفض البرلمان الإيرلندي الجديد، وكان بروتستانتيًا تمامًا، الاعتراف بمعاهدة ليمرك. وعلى حين كان وليم منهمكًا في تكتيل أوربا ضد لويس الرابع عشر، سن برلمان دبلن سلسلة جديدة من قوانين العقوبات ضد الكاثوليك في إيرلندة، تنقض صراحة الصلح الذي وقعه وليم وماري من قبل، ونصت هذه القوانين على عدم شرعية الدارس والكليات الكاثوليكية، وعلى أن القساوسة الكاثوليك معرضون للترحيل خارج البلاد، وعلى أنه ليس للكاثوليكي أن يحمل سلاحًا، أو يمتلك حصانًا تزيد قيمته على خمسة جنيهات، وعلى مصادر أملاك أية وريثة بروتستانتية تتزوج كاثوليكي (٤٢). واستمرت مصادرة أراضي إيرلندة حتى "لم يعد هناك في الواقع أرض تصادر (٤٣). وكاد يكون من المستحيل أن يكسب كاثوليكي إيرلندي قضية في محكمة إيرلندية، وقل أن صدرت عقوبة على من يقترف جريمة ضد الكاثوليك. واستكمالًا لخراب إيرلندة قضت قوانين برلمان إنجلترا قضاء تامًا على صناعة الصوف التي كانت قد نمت إلى حد منافسة صناعة الصوف في إنجلترا ذاتها، حيث حظرت هذه القوانين تصدير الصوف في إيرلندة إلى أي بلد آخر سوى إنجلترا، وخنقت حتى هذه التجارة نفسها بما وضع من تعريفات جمركية معوقة عمدًا (١٦٩٦). ومن ثم انتشر الفقر والتسول والمجاعة والتمرد على القانون في الجزيرة، خارج نطاق "البال" الإنجليزي (قسم في شرق إيرلندة حول مدينة دبلن). وفي الستين عامًا التي أعقبت الثورة الجليلة هاجر من إيرلندة نصف الكاثوليك الذي كان عددهم يقرب من المليون في ١٦٨٨، أي أن أزكى الدماء وأطيب العناصر نزحت إلى البلاد الأجنبية.
وازدهرت آنذاك كل الطبقات الاقتصادية في إنجلترا فيما عدا طبقة
[ ٣٢ / ١٩٩ ]
الكادحين (البروليتاريا) وطبقة الفلاحين. وعانى عمال النسيج من المنافسة الأجنبية ومن الاختراع. وفي ١٧١٠ أضرب عمال الجوارب بسبب إدخال أنوال الجوارب واستخدام الغلمان لتشغيلها لقاء أجور منخفضة (٤٤) على أن الإنتاج القومي كان آخذًا في الارتفاع. ويمكن أن نحكم على هذا الارتفاع من زيادة متوسط إيرادات الحكومة من ٥٠٠ ألف جنيه في القرن السادس عشر إلى سبعة ملايين ونصف المليون من الجنيهات في القرن السابع عشر (٤٥). وقد ترجع الزيادة إلى حد ما إلى التضخم، ولكنها نتجت أساسًا من التوسع في الصناعة وفي التجارة الخارجية.
ومع هذا لم يكن الدخل كافيًا، لأن وليم كان يجند الجيوش لمحاربة لويس الرابع عشر، فارتفعت الضرائب إلى حد لم يسبق له مثيل، بل اشتدت الحاجة إلى مزيد من المال. وفي يناير ١٦٦٣ أحدث شارل مونتاجو - إرل هاليفاكس الأول - بوصفه وزير الخزانة تغييرًا أساسيًا في مالية الحكومة، بإقناع البرلمان بطرح قرض عام قدره ٩٠٠ ألف جنيه، ووعدت الحكومة بدفع ٧% فائدة سنوية عنه. وفي أخريات ١٩٦٣، حين زادت النفقات عن الإيرادات، اتفق جماعة من أصحاب المصارف على إقراض الحكومة مبلغ مليون ومائتي ألف جنيه بفائدة قدرها ٨% تحصل من رسم إضافي على السفن. وكان فكرة القروض المتحدة (الجماعية) هذه، قد اقترحها وليم باترسون قبل ذلك بثلاثة أعوام. وجاء الآن مونتاجو فعززها من الناحية الرسمية. وأقر البرلمان هذه الخطة. واتباعًا للسوابق التي جرى عليها العمل في جنوه والبندقية وهولندا، عمد المقرضون إلى تنظيم أنفسهم فيما يسمى "محافظو وشركة بنك إنجلترا" الذي صدرت براءة تأسيسه في ٢٧ يوليه ١٦٩٤. واقترضوا هم النقود من مصادر مختلفة بسعر ٤. ٥% وأقرضوها للحكومة بسعر ٨%، وجنوا أرباحًا إضافية عن طريق القيام بكل الأعمال المصرفية. وهكذا نشأ بنك إنجلترا، وقدم للحكومة قروضًا أخرى. وفي ١٦٩٦ حصل من البرلمان على حق احتكار مثل هذه القروض.
[ ٣٢ / ٢٠٠ ]
وبعد تقلبات كثيرة مر بها هذا البنك، أصبح العامل الرئيسي في استقرار الحكومة الإنجليزية المشهور منذ اعتلاء وليم وماري عرش إنجلترا حتى يومنا هذا. ومنذ ١٦٩٤ أصدر البنك أوراقًا نقدية تضمنها الودائع، قابلة للدفع بالذهب، عند الطلب. وتداولها المتعاملون على أنها مال قانوني، فكانت أول عملة ورقية حقيقية غير زائفة في إنجلترا (٤٦) (^١).
واشتهر عهد مونتاجو في وزارة الخزانة بعمل ممتاز آخر، هو إصلاح العملة المعدنية. ذلك ان العملة الجيدة التي سكت في عهد شارل الثاني وجيمس الثاني اختزنت أو صهرت أو صدرت. أما العملة المشوهة أو التالفة منذ أيام اليزابيث وجيمس الأول، فقد طرحت للتداول والاستعمال، وفقدت في القوة الشرائية جزءًا لا يستهان به من قيمتها الاسمية. ودعا مونتاجو أصدقاءه جون لوك واستحق نيوتن وجون سومرز ليعدوا لإنجلترا عمله اكثر استقرارًا فصمموا قطع نقد جديدة ذات حافة مسننة تتحدى التشويه. واستردوا العملة القديمة وسحبوها من التداول بقيمتها الاسمية، وتحملت الحكومة الخسارة الناجمة عن ذلك. وصار لإنجلترا نقد ثابت صحيح، كان مثار حسد أوربا، ومثالًا تحتذيه. وفي ١٦٨٩ فتحت بورصة الأوراق المالية في لندن، وبدأت فترة مضاربة مالية، سرعان ما أنتجت "شركة البحر الجنوبي" (١٧١١) وانفجار "فقاعتها" (١٧٢٠). وفي ١٦٨٨ أقام إدوارد لويد في أحد مقاهي لندن شركة للتأمين تعرف الآن بكل بساطة تبعث على الفخر بأسم (لويدز) وفي ١٦٩٣ أصدر أدموند هاللي أول نشرة وفيات معروفة. وأكدت هذه التطورات المالية ووسعت دور المصالح القائمة على المال في شئون إنجلترا، وحددت بداية الأهمية المتزايدة
_________________
(١) صدر أول عملة ورقية معروفة في القرن السابع الميلادي في الصين على عهد أسرة تاتج. ورأى ماركو بولو مثل هذه العملة في الصين ١٢٧٥، وحاول عبثًا إدخال أسلوب التعامل هذا إلى إيطاليا. واستخدمت السويد أوراق العملة في ١٦٥٦ ومستعمرة ماساشوست ١٦٩٠.
[ ٣٢ / ٢٠١ ]
للرأسماليين - الذين يمدون برأس المال والذين يديرونه - في بريطانيا.
وفوق الاقتصاد الآخذ في التوسع احتدمت المعركة السياسية حول النزاع على السلطة بين المحافظين (التوري) مالكي الأرض وبين الأحرار (الهويج) جامعي الثروات، وبين الإنجليز والإسكتلنديين، وصحب هذا مؤامرات لقتل وليم، ومشروعات لإعادة جيمس إلى العرش. ولم يكن وليم مهتمًا بالشئون الداخلية في إنجلترا، أنه غزاها أساسًا، ليجمع بينها وبين هولندا (موطنه الأصلي) ودول أخرى، لتقف جميعًا في وجه لويس الرابع عشر، أو كما قال هاليفاكس من قبل: "أنه استولى على إنجلترا وهو الطريق إلى فرنسا (٤٨) " ولما اكتشف الإنجليز أن هذا هو شغله الشاغل أو الشعور المستولي عليه فقد كل شعبيته ولم يعد ملكًا محبوبًا. وقد يقسو دون مبالاة، كما حدث حين أمر باستئصال عشيرة مكدونالد في جلنكو لتأخرها في إعلان ولائها له (١٦٩٢)، وكان "صموتًا فظًا غليظًا في المعاشرة" لأنه كان يتكلم الإنجليزية بصعوبة. ولم يعن كثيرًا بالسيدات. وكان سلوكه على المائدة يدعو إلى الاشمئزاز، حتى أطلق عليه سيدات المجتمع في لندن "الدب الهولندي الوضيع (٤٩) " وأحاط نفسه بحراس ورفاق هولنديين، ولم يخف رأيه في تفوق الهولنديين تفوقًا عظيمًا على الإنجليز في المقدرة الاقتصادية والتفكير السياسي والأخلاقي وعلم أن كثيرًا من النبلاء يفاوضون جيمس الثاني سرًا. ووجد الفساد يستشري حوله إلى درجة تلوثه هو نفسه، واتجر في شراء أصوات أعضاء البرلمان. وكان الخير كل الخير فيما يمكن عمله لكبح جماح فرنسا الهائجة المتحفزة.
وحيث ترك وليم الشئون الداخلية لوزرائه، فقد بدأ عهد الوزراء الأقوياء (١٦٩٥) و"الوزارات" المتضامنة في المسؤولية والعمل، والتي يسيطر عليها رجل واحد، هو في العادة وزير الخزانة. وفي ١٦٩٧ جاء أعداؤه المحافظون (التوري) أثر انقلاب انتخابي، ومن ثم حدوا من سلطانه ونازعوه سياسته الخارجية، إلى حد أنه فكر في الاعتزال
[ ٣٢ / ٢٠٢ ]
(١٦٩٩). ولكنه حين رقد رقدته الأخيرة (٨ مارس ١٧٠٢) وقد أنهك الربو والسل جسمه، كان يمكن أن يتعزى عن هزائمه في الداخل حين يدرك كل الإدراك أنه هيأ لإنجلترا مشاركة أكيدة في "الحلف الأعظم" (١٧٠١) الذي استطاع بعد اثني عشر عامًا من الصراع، أن يخضع ويذل الملك البوربوني العظيم، وينقذ استقلال أوربا البروتستانتين، ويطلق يد إنجلترا في بسط نفوذها على العالم.
(١) أن قأقأة الأوز المقدس المنزعج في الكابيتول أيقظت الحامية الرومانية لتصد غارة ليلية قام بها الكلت في ٣٩٠ق. م (٣٤).