كان العصر البطولي للتصوير الهولندي قد ولى. فالزبائن الجدد أكثر نفرًا ولكنهم أقل مالًا، لذلك طلبوا صورًا صغيرة تتيح لهم أن يشهدوا حياتهم اليومية في خلاصة مقطرة مهذبة، منفولة بواقعية تبعث لذة التعرف، أو ملموسة بعاطفة رقيقة ولكنها مألوفة، أو مغرية للنفس باستشراف مشهد محرر من مشاهد الطبيعة. وقد لبى المصورون الهولنديون هذا الطلب في رهافة خط وضوء ولون حشدت الصنعة الشديدة التدقيق في حيز صغير. وهؤلاء الفنانون معروفون في جميع أرجاء أوربا وأمريكا، لأن التنافس اليائس فيما بينهم حملهم على أن يطلقوا سيلًا متدفقًا سريعًا من الصور الصغيرة بثمن رخيص، وهي صور لا تخلوا اليوم منها جدران متحف. ونحن إذ نترك الشهادة على وفرة هؤلاء الرسامين لهامش سريع (^١)، نراه لزامًا أن ننظر نظرة أكثر تريثًا إلى جان ستين، المرح رغم حظه العاثر، وإلى أعظم مصوري الحياة اليومية جان فرمير، وإلى أعظم مصوري الطبيعة الهولنديين، يعقوب فان رويسدان.
_________________
(١) نيقولا بيرشيم: القلعة في الغابة (درسدن) فرديناند بول: يعقوب أمام فرعون (درسدن)، جيرارد دو: عجوز في النافذة (فيينا). بارينت فابريتوس: يعقوب وبنيامين (شيكاغو). بارتليموس فان درهليست: عمدة هولندي، (نيويورك). بييتردي هوخ: داخل بيت هولندي (لندن). فيليب دي كونينك: منظر طبيعي (فرانكفورت). نيقولا مابيس: عجوز تغزل (امستردام). جابرييل ميتسو: سوق الخضر (لندن). فرانس فان ميريس الأول: صورة ذاتية مع زوجته (لاهاي). وليم فان ميريس: التعرف على برسوزا (درسدن). ايرت فان درنبر: منظر مقمر (برلين). جيرار تربورش: عشاق الموسيقى (لندن). أدريان فان درفلد: المزرعة (برلين). وليم فان درفلد الثاني. زويدرزي (برلين) جان فينكس الثاني: منظر صيد (لندن). أدريان فان درفيرف: طرد هاجر (درسدن). فيليب فوفرمان: وقفة جماعة صيد (دولسفش).
[ ٣١ / ٢٥٨ ]
أما ستين فكان ابن صانع جعة في ليدن؛ واشتغل في لاهاي، وديلفت، وهارلم، وأصبح آخر المطاف صاحب حانة في ليدن، وخلال هذه الفترات استطاع أن يجعل من نفسه أفضل مصور للأشخاص في الفن الهولندي باستثناء رمبرانت. وحين بلغ الثالثة والعشرين (١٦٤٩) تزوج مارجريت ابنة المصور جان فان جوين؛ ولم تملك من المهر غير وجهها وقوامها، ولكنها أفاده بعض الوقت نموذجين ملهمين. وكان ينقد أجرًا حقيرًا على صوره حتى أن صيدليًا حجز (١٦٧٠) على كل الصور التي استطاع أن يجدها في بيت ستين وباعها في المزاد وفاء لدين قدره عشرة جولدينات. وصوره الأولى تسجل لذات السكر أو عقوباته. وصورته "الحياة المنحلة (١٧) "، وهي مثال ممتاز من صوره، فيها امرأة نعسانة وأخرى نائمة من الشراب، وطفل ينتهز الفرصة فيسرق من صوان، وكلب يأكل من المائدة، وراهبة تنطلق بعد دخولها الحانة في عظة عن خطيئة شرب الروم، وكل شيء في الصورة مكون ومرسوم بنظام الفن وانسجامه رغم أنه يصور الفوضى. وموضوع أجمل من هذا يبعث الحياة في صورة أخرى أسيئت تسميتها بـ"معرض الوحوش (١٨) "، يرى فيها فتاة صغيرة تطعم حملًا باللبن، ودجاج الحديقة يثب هنا وهناك، وطاووس يدلي ذيله من شجرة ذابلة، والحمام يحط في أعلاها، ويمامة تحلق قادمة من الطريق. هذا كله لحن رعوي يجعل جميع معضلات الفلسفة تبدو تافهة لا معنى لها. أنه الحياة، وكل جزء له مبرره الكافي الذي يتجاهل المطلقات. وبعد أن تجاوز ستين فترة الحانة رسم مشاهد مشرقة للحضارة الهولندية: باطن بيوت مبهجة، ودروس موسيقى، وحفلات موسيقى، ومهرجانات، وأسر سعيدة، وفنان نفسه، يدخن في "الصحبة المرحة (١٩) "، أو يعزف على العود (٢٠). فلما فتت في عضده الأجور البخسة التي نقدها على عمله، عاد إلى بيع الجعة، وراح يشرب لينسى، ثم مات في الثالثة والخمسين مخلفًا أربعمائة صورة بائرة.
[ ٣١ / ٢٥٩ ]
ونظرة إلى صورة واحدة رسمها جان فرميرا وسمها "رأس فتاة" (٢١) تكشف عن عالم وفن يكادان يناقضان عالم ستين وفنه. وهذه اللؤلؤة التي يفوق ثمنها اللآلئ بيعت في المزاد عام ١٨٨٢ بجولدنين ونصف، ويقدر ناقد قدير في أيامنا هذه أنها "واحدة من اثنتي عشرة صورة هي أروع صور العالم (٢٢) " وواضح أن الفتاة من بيت طيب وأسرة كريمة، عيناها خاليتان من الخوف، لا يخشاهما حتى دهش الشباب الطبيعي، فهي سعيدة في هدوء، متيقظة لموسيقى الحياة؛ وقد قدمها الفنان لنا بصنعة دقيقة في اللون والخط والضوء تجعل من الفرشاة أداة مدهشة للفهم والتعاطف.
وقد ولد فرمير في ديلفت عام ١٦٣٢؛ وعاش هناك على قدر علمنا طوال حياته ومات فيها (١٦٧٥) بالغًا الثالثة والأربعين، وكاد يكون معاصرًا لسبينوزا تمامًا (١٦٣٢ - ٧٧). تزوج في العشرين، وأنجب ثمانية أطفال، وكان يتقاضى ثمنًا طيبًا على صوره، ولكنه عكف عليها في عناية مستنفدة للوقت، وأنفق المال الكثير على شراء الصور، حتى أنه مات مدينًا، واضطرت أرملته إلى التماس المعونة من محكمة التفاليس. غير أن الأربع والثلاثين صورة التي بقيت من صوره توحي بجو من رفاهية الطبقة الوسطى. وتظهره إحداها (٢٣) في مرسمه لابسًا طاقية رقيقة خفيفة، "وجركينة" متعددة الألوان، وجوارب طويلة متجعدة ولكنها حريرية، وقد انتفخ ردفاه من النعمة. ولا ريب في أنه سكن حيًا راقيًا في ديلفت، ربما في مشارفها حيث استطاع أن يلقي "نظرة على ديلفت (٢٤) " وفي هذه الصورة الشهيرة نحس بحبه الجم بموطنه. ويبدو أنه راض نفسه على البقاء في بيته بقناعة أكثر مما نلحظه في مصوري زماننا. فحب البيت يتجلى في أكثر التصوير الهولندي، ولكن البيت في فن فرمير يصبح معبدًا صغيرًا، والزوجة معتزة بالخدمات التي تؤديها. وفي لوحته "المسيح مع مريم ومرثا" (٢٥) تشارك مرثا مريم في الجلوس على المنصة. ولم تعد نساؤه تلك الحزم الثقيلة من اللحم التي نراها أحيانًا في الفن الهولندي، ففيهن شيء
[ ٣١ / ٢٦٠ ]
من التهذيب والحساسية. بل لقد تجدهن-كما ترى في السيدة الجالسة في صورة "السيدة والخادمة" (٢٦) -غاليات اللباس، رقيقات القسمات، مصففات الشعر في عناية، أو غنيات بالحرير وآلات الموسيقى، كما في صورة "السيدة الجالسة إلى العذراوية" (٢٧) (آلة موسيقية). إن فرمير يصنع من الحياة العائلية ملحمة، أو قصيدة غنائية ذات لحظات عائلية بسيطة طبيعية؛ لا مشاهد جماعية ذات نشاط مختلط متعدد، بل-في أفضل ما رسم من لوحات-امرأة واحدة فقط، تقرأ رسالة في هدوء (٢٨)، أو تكب على خياطتها (٢٩) أو تتحلى بقلادة، أو تنام على خياطتها (٣٠)، أو مجرد صبية وابتسامتها (٣١). لقد سجل فرمير بفن كامل شكرانه لامرأة طيبة وبيت سعيد. ولكنه أوشك أن يكون نسيًا منسيًا في القرن الثامن عشر، ونسبت روائعه الصغير إلى دي هوخ، أو تير بورخ، أو رمبرانت، ولم يبعث من مثواه إلا في ١٨٥٨. واليوم لا يعلو على اسمه غير اسم رمبرانت وهالس في التصوير الهولندي.
بقي شيء واحد تفتقده في هؤلاء المصورين للحياة اليومية-هو حياة الطبيعة التي أحاطت بالمدن المتطفلة عليها. فإيطاليا، وبوسان في إيطاليا، كانا قد التقطا شيئًا من الهواء النقي والحقول الطلقة، وستكتشفها إنجلترا في القرن التالي، أما المصورون الهولنديون فقد تركوا الآن برهة بيوتهم وباطنها النظيف أو المرح، ووضعوا حواملهم ليقتنصوا سحر الغدران المترقرقة، وطواحين الهواء الساكنة الوادعة، والمزارع المزهرة، والأشجار التي تخجل تعجلنا المحموم، والمراكب الغريبة تتهادى في الثغور المزدحمة، والسحب التي تلون السماء بشتى الأشكال. والعالم كله يعرف لوحة "طريق ميدلهارنس" التي رسمها ماينديرت هوبيما-وهي منظور يتلاشى في فضاء لا نهاية له، ولكن أجمل منها بكثير لوحته "طاحونة الماء ذات السقف الأحمر الكبير (٣٢) ". وقد وجد ألبرت كوين الإلهام في الأبقار السمينة تخوض المستنقعات الوافرة الخضرة (٣٣)، والخيل تقف ظامئة عن خان، وفلوع
[ ٣١ / ٢٦١ ]
المراكب تختفي فوق البحر (٣٤). تعجب سليمان فان رويسدال من ارتعاش المياه التي تعكس وتقلب صورة الزوارق والأشجار (القناة والمعدية) (٣٥)، وعلم ابن أخيه أن يتفوق عليه.
أما ابن أخيه هذا، واسمه يعقوب فان روسدال، فقد ترعرع في هارلم، وترك لنا "منظر الهارلم (٣٦) " لا يقل وقعًا في نفس الناظر عن لوحة فرمير "ديلفت"، ويفضلها نقلًا تعقد المدينة الكبيرة بما فيه من اتساع وزحمة. ثم انتقل إلى أمستردام وأصبح عضوًا في الإخوان المينونيين، ولعل تصوفهم أعان فقره على إشعاره بالجانب المأساوي للطبيعة التي أحب أن يفنى بها. وعرف أن تلك الحقول والغابات، والسماوات التي تعد بالسلام، تستطيع كذلك أن تدمر، وأن للطبيعة نزوات من الغضب قد تقلع فيها الرياح المجنونة حتى اعتى الأشجار وأصلبها وتمزقها من جذورها، وأن الشقوق المهلكة قد تتكون في الأرض الطيبة، وأن البرق قد ينفث ناره القتالة على كل شكل من أشكال الحياة في لا مبالاة عابثة. فصورته "مسقط الماء على الجرف (٣٧) " ليست أنشودة رعوية إنما هي ثورة البحر الغاضبة على صخور أقسم أن يحطمها ويغرقها أو يبر بها، ولوحة "العاصفة (٣٨) " هي البحر يلطم عدوه اليابس في غضب، ولوحة "الشاطئ (٣٩) " لا تصور شاطئًا للهو بل ساحلًا كدرته أمواج عالية تحت سماء مكفهرة، ولوحة "الشتاء (٤٠) " لا تعرض مرح التزحلق، بل كوخًا حقيرًا يرتجف تحت غيوم منذرة، وحفره الرائع "أشجار البلوط" يجردها من وقارها ليرى أغصانها شعثاء أو عارية وسيقانها وقد أتخنها الزمن القاسي بالجروح وشوه شكلها. ولوحة "جبانة اليهود (٤١) " هي ذاتها صورة للموت-أسوار متهدمة، وشجرة تموت، ومياه فيضان تجري فوق القبور. وليس مرد هذا كله أن رويسدال كان دائمًا مكتئبًا، ففي لوحة "حقل القمح (٤٢) " نقل بإحساس عميق هدوء طريق ريفي، وبركة المحاصيل الوفيرة، وفرحة الفضاء المترامي. ويبدو أن الهولنديين أحسوا أن أرضهم ومناخهم قد افترت عليهما صور رويسدال، فلم ينقدوه عليها إلا أجرًا بخسًا،
[ ٣١ / ٢٦٢ ]
وتركوا صاحبها يموت في ملجأ للفقراء. واليوم يضعه بعضهم في مكان لا يفضله فيه غير بوسان بين مصوري الطبيعة في جميع العصور (٤٣).
ثروة لا حد لها في حجرة صغيرة-رمبرانت وهالس، فرمير ورويسدال، سبينوزا وهويجنس، ترومب ودرويتر، جالن دي ويت ووليم الثالث، كلهم في زمن واحد داخل حدود ضيقة، يكدحون غير آمنين خلف الكثبان، يصونون فنون السلم وسط نذر الحرب. تلك هي هولندا في القرن السابع عشر. و"ليست العبرة بكبر الحجم".