١٦٣١ - ١٧٠٠
كان أبوه من صغار ملاك الأرض، يمتلك ضيعة متواضعة في نورثمبتونشير وأرسل إلى مدرسة وستمنستر التي علمه فيها، هو ورفيق دراسته جون لوك، الأستاذ الضليع ريتشارد بزبي Buzby كثيرًا من اللاتينية والنظام والانضباط. وهناك حصل على منحة دراسية مكنته من الذهاب إلى ترنتي كولدج في كمبردج. وفي العام الذي حصل فيه على الدرجة الجامعية مات أبوه (١٦٥٤) وورث جون، بصفته أكبر الأبناء البالغ عددهم أربعة عشر، الضيعة التي كانت تدر ستين جنيهًا في العام. وانتقل إلى لندن وحاول عن طريق الشعر أن يضيف شيئًا إلى دخله، احتيالًا على العيش. وفي ١٦٥٩ نشر "مقطوعات شعرية بطولية" تخليدًا لذكر كومول - وهو شعر تافه غير ذي قيمة بشكل ملحوظ من شاعر في التاسعة والعشرين من عمره. والحق أن دريدن نضج في بطئ، وكأنه رجل يتخطى في جهد جهيد مائة عقبة ليرقى مدارج الثراء في نجاح. وبعد ذلك بعام واحد هلل الشاعر لعودة الملكية في قصيدته "عودة النجم" التي قارن فيها نجمة شارل الثاني بنجمة بيت لحم، وما كاد أحد يتجرأ على اتهام دريدن بالتقلب، لأن كل الشعراء تقريبًا - عدا ملتون - ولوا ظهورهم إلى البيوريتانية وولوها شطر الملكية مع تغيير بارع لأساليبهم.
ولكن دريدن كان أشد اهتمامًا بالمسرح منه بمجرد نظم الشعر، حيث أثرى الكتاب المسرحيون على حين حالف البؤس والشقاء الشعراء الجدد. إن دريدن لم يكن به ميل إلى المسرحية، ولكنه كان يتطلع إلى الحصول على لقمة العيش بانتظام. وحاول كتابة الملهاة فأخرج "زير النساء الطائش" (١٦٦٣) التي وصمها بيبز بأنها "أحقر شيء رأيته في حياتي تقريبًا (٢٨) ". وفي أول ديسمبر ١٦٦٣ تزوج دريدن من ليدي اليزابيث هوارد ابنة إرل بيركشير، وأشرأبت الأعناق دهشًا من سيدة ذات مكانة وثراء تتزوج من
[ ٣٢ / ٢٢٩ ]
شاعر، ولكنها كانت في سن الخامسة والعشرين، وفي خطر من فوات الأوان، كما كان أخوها سير روبرت هوارد المتلهف على التأليف والكتابة، قد ضمن تعاون دريدن معه في رواية "الملكية الهندية" التي أخرجاها ١٦٦٤، في مشاهد بالغة البذخ، مع نجاح عظيم.
وحددت هذه المسرحية "المأساة" طورًا في تاريخ الأدب، حيث تخلت عن الشعر المرسل الذي كان سائدًا في عصر اليزابيث، واستخدمت المقاطع المقفاة ذات البيتين اللذين يتكون كل منهما من خمس تفاعيل، أسلوبًا منتظمًا لها. وكان لورد أوريري قد تأثر بحلاوة واتساق القافية في المأساة، وأدخل هذا الأسلوب في رواياته. وعاد دريدن إلى الشعر المرسل بعد ١٦٧٥، معترفًا بأن القافية تفضي إلى تعويق سيل الكلام والتفكير. ولو أنه لقى عناء أكثر في نظم الشعر لأصبح شاعرًا أعظم مما كان.
وواصل نجاحه التعاوني بعمل مستقل، وهو "الإمبراطور الهندي" (١٦٦٥)، وكان مونزوما بطل الرواية. وما كاد يجد لمسرحيته مكانًا على المسرح الإنجليزي حتى داهم الطاعون لندن فأغلقت المسارح أبوابها لمدة عام. ولما زال كابوس الطاعون والحريق احتفل دريدن بخروج إنجلترا من هذه المحنة المثلثة - الطاعون والحريق ثم الحرب - بقصيدة "سنة العجائب" (١٦٦٦) وهي مكونة من ٣٠٤ مقاطع رباعية الأبيات، تتأرجح بين الوصف الرائع (المقاطع ٢١٢ - ٢٨٢) والتفاهة الصبيانية (مثل المقطع ٢٩) ولما فتحت المسارح أبوابها من جديد في ١٦٦٦ عجل دريدن بالعودة إلى المسرحية. ولم ينتج حتى ١٦٨١ غير الروايات. وتميل مأسياته إلى أن تكون كلامًا منمقًا رنانًا طنانًا، ولكنه بدت لأعين معاصريه أسمى منزلة من مأسيات شكسبير (٢٩) - ولما انضم دريدن إلى دافنانت في إعادة صياغة "العاصفة" كانت النتيجة بإجماع المشتركين فيها أن الصياغة الجديدة تنطوي على تحسين كبير للأصل. وربما اتفقت معهم "شركة الملكية" في هذا الرأي لأنها كلفت دريدن بتزويدها بثلاث روايات في السنة مقابل
[ ٣٢ / ٢٣٠ ]
حصة في الأرباح التي بلغت ٣٥٠ جنيهًا في العام. أما ملهيات دريدن، على الرغم من أنها داعرة فاحشة مثل غيرها، فإنها لاقت نجاحًا أقل من نجاح مأسياته السبع والعشرين، لأنه هذه الأخيرة استطاع أن يثير اهتمام الرأي العام في الدنيا الجديد والهجميين البدائيين المدهشين فيها، وهكذا يقول المنصور في "فتح غرناطة".
"أنا حر طليق مثلما خلقت الطبيعة الإنسان لأول مرة، قبل أن يظهر قانون الاسترقاق الحقير، حين هام النبلاء المتوحشون على وجوههم في الغابات".
وربما كان نجاح هذه الرواية بالإضافة إلى ما تضمنته رواية "سنة العجائب" من مديح منمق لشارل الثاني، هو الذي كسب لدريدن منصبي مؤرخ الملك وشاعر التاج (١٦٧٠). وبلغ دخله السنوي آنذاك ألف جنيه في المتوسط.
وفي خاتمة القسم الثاني من "فتح غرناطة" زعم دريدن تفوق مسرحية فترة عودة الملكية على المسرحية في عصر اليزابيث. وذهب منافسوه، على حين قدروا له هذه التحية والمجاملة، إلى القول بأن في هذا إطراء مغاليًا لمسرحياته. ولم يشارك المفكرون في المدينة جمهور المسرح إعجابه وتذوقه للغة الطنانة الرنانة المسرفة في مأسيات دريدن، وأصدر دوق بكنجهام بالاشتراك مع آخرين في ١٦٧١ هجاء صرحًا تحت عنوان "التجربة" سخر كثيرًا من المستحيلات والحماقات واللغة الطنانة المنمقة في المأسيات المعاصرة، وبخاصة ما كتبها دريدن. وأحس الشاعر بأنها لطمة له، ولكنه كظم غيظه لمدة عشرة أعوام. وبعدها شهر بالدوق بكنهجام أيما تشهير في شخصية "زمري" في أقوى أبيات رواية "أبشالوم وآخيتوفل".
وفي الوقت نفسه عملت دراسته لشكسبير على تحسين فنه. وفي أروع مأسياته (كله من أجل الحب) (١٦٧٨) تحول عن راسين والقافية إلى
[ ٣٢ / ٢٣١ ]
شكسبير والشعر المرسل. وأفرغ كل جهده وبراعته في أن يبارى ما كان منه في عصر اليزابيث، بصفة عامة، وعرض في ثوب جديد قصة أنطونيو وكليوبترة التي فقدت الدنيا من أجل قصة غرام قصيرة. ولو أن الرواية القديمة لم توجد لحظيت رواية دريدن بثناء وإعجاب أكبر، ففي مواضع كثيرة منها ترتفع من الكلام الشديد البساطة إلى الشعور النبيل المكظوم، كما يتمثل في قدوم أوكتافيا إلى أنطونيو لتعرض عليه صفح أوغسطي عنه (٣٠). ورواية دريدن محكمة في إيجاز، بقصد مراعاة الوحدات، ولكنه بتضييق الحدث في أزمة واحدة في مكان واحد ثلاثة أيام، اختزل الفكرة الرئيسية البطولية إلى قصة غرام، وضيع المشهد الكبير الذي رأى في "أنطونيو وكليوبترة" (لشكسبير) أن هذه القصة الغرامية ليست إلا جزءًا من الأحداث التي هزت عالم البحر المتوسط وشكلته.
واكثر الجوانب إمتاعًا وتشويقًا اليوم في مسرحيات دريدن هي المقدمات التي قدمها بها مطبوعة، والأبحاث التي شرح فيها وجهات نظره في الفن المسرحي. وكان كورني قد ضرب له المثل، ولكن دريدن جعل منه مجالًا لنثر رائع. وإنا إذ نمر مرور الكرام بهذه الأبحاث الموجزة وهذه الحوادث القوية، لنلمح أن عصر الخلق والإبداع في الأدب الإنجليزي كان يعبر إلى عصر النقد الذي قد يبلغ ذروته في بوب. ولكن إجلالنا لتفكير دريدن وعقيلته يزداد إذ نراه يسير في رشاقة ورفق غور أسلوب المسرحية ومعالجة تفاصيلها، وفن الشعر، ويقارن في مقدرة فائقة على التمييز والمقارنة، بين المسرحين الفرنسي والإنجليزي. وأنك لترى في هذه المقالات والبحوث أن الالتواء المثير في النثر في عصر اليزابيث، والجمل الطنانة المتراكمة عند ملتون، كل أولئك يفسح الطريق لأسلوب أبسط وأسلس واكثر تنظيمًا ومنهجية، أسلوب خلا من التراكيب، اللاتينية، وزاده صقلًا التعرف على الأدب الفرنسي، لم يجار الأناقة الفرنسية كل المجاراة قط، ولكنه أخرج إلى القرن الثامن عشر - قرن النثر - نماذج
[ ٣٢ / ٢٣٢ ]
من كلام يتميز بالصفاء والروعة والسلاسة وسحر البيان، وعدم التكلف والقوة. وهناك اتخذت المقالة الإنجليزية شكلها، وبدأ العصر الكلاسيكي (النموذجي الممتاز) للأدب الإنجليزي.
ولكن إذا كانت مقالات دريدن تبدو الآن أعلى مكانة من الروايات التي كانت سببًا في كتابة المقالات، فإنه في الهجاء ساد عصره وأرهبه. وربما وقع حادث أطلق لسانه اللاذع. ذلك أنه في ١٧٦٩ وزع جون شفيلد إرل ملجريف نشرة مخطوطة بعنوان "مقال في الهجاء" لا تحمل اسم كاتبها، هاجمت إرل روشستر، ودوقة بورتسموث (لويزدي كيرووال) بلاط شارل الثاني بصفة عامة. واتجه الظن خطأ إلى أن كاتب المقال هو دريدن الذي كان آنذاك يحصل على معظم دخله من الملك. وفي ليلة ١٨ ديسمبر في "زقاق روز - كوفنت جاردن" هجم على دريدن نفر من السوقة وأوسعوه ضربًا بالهراوات، والمفروض أن روشستر استأجرهم لهذا الغرض، ولو أن هذا لم يثبت على سبيل اليقين. وكان دريدن رجلًا ودودًا كريمًا مستعدًا لمد يد المعونة وكيل المديح. ولكن نجاحه وغروره وإفراطه في التحدث عن نفسه وتوكيداته الخلافية، كل أولئك جلب عليه عداوات كثيرة. واحتمل دريدن لبعض الوقت حملاتهم عليه، دون رد علني منه، بل أن "كمين زقاق روز" لم يلق استجابة سريعة من قلمه. ولكن في ١٦٨١ جمع عديدًا من أعدائه في مرجل واحد وسلقهم بالسنة حداد، في ألذع هجاء عرف في اللغة الإنجليزية.
وتلك هي السنة التي حاول فيها شافستبري أن يقوم بثورة ليخلف ابن شارل الثاني غير الشرعي أباه على العرش وعندما ظهر القسم الأول من قصيدة "أبشالوم وأخيتوفل" وكان شافتسبري على وشك أن يقدم للمحاكمة بتهمة الخيانة العظمى. وانحاز هجاء دريدن إلى جانب الملك، وربما كان بإيعاز منه (٣١). وهزأ الشاعر من شافتسبري في شخص أخيتوفل الذي يحرض
[ ٣٢ / ٢٣٣ ]
أبشالوم (وهو دوق مونموث) على الثورة ضد أبيه داود (شارل الثاني). ولما كان داود وشارل كلاهما قد أحبا عددًا من النساء، فأن القصيدة تبدأ ببحث في قيمة تعدد الزوجات:
"في عهد التقى والورع، قبل ظهور الكهنة وأساليبهم، وقبل أن يصموا تعدد الزوجات بأنه خطيئة، وحين تكاثر الإنسان بتعدد زوجاته وقبل أن يقتصر الواحد على واحدة بشكل بغيض. وحين استحثت الطبيعة - ولم يمنع أي قانون - على معاشرة الخليلات والزوجات دون تمييز، وحين عاش ملك بني إسرائيل، برضا السماء، على الزوجات والإماء من مختلف الأنحاء، في قوة وحيوية، ونشر صورة خالقه على أوسع نطاق على الأرض، بأمره".
ويبتهج داود بجمال ابنه أبشالوم. وكان مونموث، حتى قيام الثورة، قرة عين أبيه الملك السعيد (شارل الثاني)، أما بنو إسرائيل فهم الإنجليز (في القصيدة):
جنس عنيد متقلب متذمر، أرهق النعمة الإلهية إلى آخر مداها، شعب الله المدلل الذي انغمس في الملذات والشهوات، والذي لم يستطع أن يحكمه ملك أو يرضيه إله (٣٢).
وأستروفل هو رئيس شياطين الخيانة، وتتحقق لندن لفورها أنه شافتسبري:
وكان على رأس هؤلاء جميعًا أخيتوفل الكاذب، وهو اسم ملعون كريه على مر العصور، أهل لكل التدابير الخفية والمشورات الملتوية، ذكي جرئ مضطرب الحواس، قلق، لا يثبت على مبدأ ولا يستقر في مكان غير راضٍ إذا تملك وتسلط، ضائق صدره إذا تجرد من سلطانه، يحمل بين جنبيه نفسًا محمومة مضطرمة أنهكت وأبلت جسم القزم وهي تشق طريقها. ضاق بها جسده الهزيل. قائد جسور لأخطر الأعمال اليائسة، يطرب للأخطار
[ ٣٢ / ٢٣٤ ]
حين ترتفع الأمواج. أن يلتمس الأعاصير والزوابع، لأنه لا يحب الهدوء يدني سفينته من الرمال بفطنته وذكائه. يقينًا أن ذوي المواهب العظيمة قريبون من الجنون ولا يفصله عنهم إلا حواجز رقيقة. وإلا لماذا - وهو ذو الثراء العريض والمناصب الرفيعة - يضن على شيخوخته بما تحتاج من راحة ودعة؟ .. لا يقيم على ود ولا يخلص في صداقة، عنيد حقود في عدائه وبغضه، مصمم على أن يدمر الدولة أو يحكمها هو (٣٣).
ثم يجيء دور الانتقام من دوق بكنجهام و"التجربة":
ويقف على رأس هؤلاء (العصاة الثائرين) زمري، وهو رجل متعدد الجوانب، حتى انك لا تحسبه واحدا، بل صورة مصغرة لكل بني البشر، جامد الرأي، يجافي الصواب دائمًا. كان يندفع في كل أعماله، ولكنه لا يثبت على حال. وخلال قمر منير واحد، كان الكيميائي والعازف، ورجل الدولة والمهرج. ثم ينصرف بكليته إلى النساء والتصوير، والشعر والشراب، فضلًا عن عشرة آلاف نزوة تموت في المهد .. وكان تبديد المال فنًا خاصًا برع فيه. أغدق على كل الناس إلا من يستحقون المكافأة، أفقره الحمقى المهرجون الذين اكتشفهم بعد فوات الأوان. وحظي هو بالمرح، وحصلوا هم على ماله وضيعته (٣٤).
ولم تر إنجلترا قط من قبل مثل هذا الهجاء اللاذع الذي لا يرحم، الذي يركز كل التشويه والتجريح في سطر واحد، ويترك جثة ممزقة مهشمة فوق كل صفحة. وبيعت القصيدة بالمئات خارج نفس المحكمة التي كان يحاكم فيها شافتسبري، مخاطرًا بحياته. وقضت المحكمة ببراءته فصك أشياعه الأحرار (الهويج) "ميدالية" تمجيدًا له. وانبرى عدد من الشعراء والكتاب يتزعمهم توماس شادويل لإصدار ردود ظافرة على الرجل الذي أيقنوا أنه باع عقله، ولسانه السليط وبيانه الكاوي إلى الملك. وعاود دريدن الكرة بهجاء آخر، "الميدالية" (مارس ١٦٨٢) سلق فيه شادويل، بصفة خاصة، في قصيدة "ماكفلكنو" (أكتوبر). وهنا كان الذم
[ ٣٢ / ٢٣٥ ]
والقدح أنكى وأمر، فانحط أحيانًا إلى شتائم لفظية صريحة، لم تتميز، مثل الهجاء السابق، بمقاطع فاصلة تنشر السم في دقة دون إسراف أو إسفاف.
إنا لا نستسيع اليوم هذا اللون من "الذبح" الأدبي ولم نعد نتذوقه إلا قليلًا، وإنا لنرتاب بعد قرون من الجدل والمناقشة، في أن هناك بعض الصدق في كل عاطفة أو هوى، وأن في كل خصم أو عدو شيئًا محببًا. وما السياسة حتى في أيامنا هذه إلا حرب بوسائل أخرى، أكثر بكثير مما كانت حين كان عرش أسرة ستيوارت يترنح على حافة الثورة، وكان الظهور إلى جانب الفريق الخاسر المنهزم قد يعني الموت المحقق. وعلى أية حال، فإن دريدن بذلك الهمة، مما أكسبه امتنان الملك ودوق يورك، ولم ينازعه أحد آنذاك التربع على عرش مملكة الشعر. وكانوا يحجزون له - إذا قصد إلى "حانة ول Will" مقعدًا إلى جانب المدفأة في الشتاء. وفي الشرفة صيفًا، وهناك رأى بيبر وسمع "أحاديث طريقة ذكية (٣٥) " وصورة سير والتر سكوت، في خيال مبدع، وهو يدخل إلى هذه الحانة، "رجل عجوز بدين قليلًا، ذو شعر أشيب، يرتدي حلة سوداء بالغة الأناقة، محبوكة الأطراف وكأنها قفاز، تشرق في وجهه أرق ابتسامة رأيتها في حياتي (٣٦) " وكان الإنحناء تحية لشاعر التاج والاستماع إلى رأيه في آخر مأساة أخرجها راسين … يعتبر ميزة، كما كانت القبضة من علبة سعوطه شرفًا كفيلًا بأن يريك المتحمس الناشئ. وكان كل العطف بعينه بالنسبة لأصدقائه، ولكن ما كان أسرعه في كيل السباب لمنافسيه وخصومه (٣٧) (وما كان لأحد أن يبزه في إطراء شعره). إن تملقه للملك وليدي كاسلمين ولكل أولئك الذي يجزلون له العطاء مقابل الإهداء إليهم، جاوز الحد المألوف من الاستسلام الذليل في مهنته في عصره (٣٨). ومع ذلك فإن كونجريف بادله التشجيع بمثله حين وصفه بأنه "بالغ الإنسانية والرحمة، مستعد أن يغتفر الإساءة، أهل للتراضي بإخلاص مع من أساء إليه (٣٩) ".
[ ٣٢ / ٢٣٦ ]
والآن، وقد آذن جسمه بالضعف والانحلال، بدأ الشاعر يفكر في الدين بشكل أكثر انعطافًا وميلًا، مما كان عليه في سني القوة والفتوة والزهو والغرور. لقد اندفعت مسرحياته وقصائد هجائه اندفاعًا طارئًا بين هذا وذاك من مختلف المذاهب الدينية، أما الآن، وقد ربط الشاعر مصيره بالمحافظين (الملكيين - التوري)، فإنه تحول إلى الكنيسة الأنجليكانية بوصفها ركيزة للاستقرار في إنجلترا، مستنكرًا عدوان العقل المتغطرس على هذا الحرم المقدس، ألا وهو الإيمان والعقيدة. وفي نوفمبر ١٦٨٢ أدهش أصدقاؤه الدنيويين بنشره قصيدة "الدين والدنيا" دفاعًا عن الكنيسة الرسمية. وبدا له أن الكتاب المقدس المنزل، بل وكنيسة معصومة من الخطأ تفسره وتكمله، دعامتان لا غنى عنهما للمجتمع ولسلامة العقل. وكان على علم بالخلافات وبالجدل بين الربوبين، وكان رده عليهم أن شكوكهم إنما تعكر صفو النظام الاجتماعي المعقد الذي لا يمكن أن يدعمه إلا قانون أخلاقي تقره عقيدة دينية.
لأنه لا قيمة ولا فائدة في تعلم النقاط الغامضة، أما السلام العام فهو كل ما يهم العالم.
وتلك حجة كان يمكن أن تخدم قضية الكنيسة الكاثوليكية أيضًا، وتابعها دريدن إلى غايتها بتحوله إلى الكاثوليكية ١٦٨٦. ولسنا ندري إذا كان لاعتلاء ملك كاثوليكي العرض في السنة السابقة، ولتلهف الشاعر على الاستمرار في الحصول على رواتبه - نقول لسنا إذا كان لهذا الأمر أو ذاك دخل في هذا التحول (٤٠). على أن دريدن على أية حالـ، صب كل فنه - الشعري ليشرح وجهة النظر الكاثوليكية في قصيدة "الأيلة والنمرة" The Bind and the Panther (١٦٦٧) وفيها "أيلة ناصعة البياض" تدافع عن المذهب الكاثوليكي، ضد نمرة "هي أجمل النوع المرقط" التي تمثل المذهب الإنجليكاني. وكانت صورة حيوانين من ذوات الأربع يناقشان موضوع الوجود الحقيقي في القربان المقدس مدعاة للسخرية (٤٢) والتسخيف
[ ٣٢ / ٢٣٧ ]
سرعان ما أثارهما ماتيو برير Prior ولورد هاليفاكس في محاكاة تهكمية تحت عنوان "الأيلة والنمرة تنقل إلى قصة فأرة القربة وفأرة المدينة" (١٦٨٧).
وفي ١٦٨٨ فر جيمس الثاني إلى فرنسا. ووجد دريدن أنه يعيش من جديد في ظل ملك بروتستانتي، فلزم مذهبه الجديد، وكان أولاده الثلاثة يعملون في روما تحت إمرة البابا. كما أن الردة إلى مذهب آخر أمر غير مقبول، فاحتمل في شجاعة وجلد فقدانه لمنصب شاعر التاج ولراتبه ولوظيفته "مؤرخ الملك"، على أن التاريخ، زاد من أحزانه، لأنه أضفى كل هذه المناسب والشرف على شادويل الذي توجه دريدن ملكًا على الهراء، وصوره نموذجًا للغباء. وعاد في شيخوخته يكسب بقلمه قوت يومه. فكتب مزيدًا من الروايات، وترجم مختارات من تيو كريتس وهوارس وأوفيد وبرسيوس، وأخرج الأنياذة في شعر بطولي في أداء غير محكم، ولكنه سلس، ونقل بأوزانه الشعرية الخاصة بعض أساطير هوميروس وأوفيد وبوكاشيو، وتشوسر. وفي ١٦٩٧ وهو في السابعة والستين نظم قصيدته المشهورة "وليمة الاسكندر Alexaders Feast، التي حظيت بأعظم الثناء والإطراء.
ووافته المنية في أول مايو ١٧٠٠، وشهدت جنازته اضطرابًا شديدًا، وتنازعت الشيع المتنافسة جثمانه، وأخيرًا ووري التراب إلى جانب تشوسر في كنيسة وستمنستر.
ومن الصعب أن تحب هذا الشاعر، فكل الظواهر تقول بأنه كان انتهازيًا نفعيًا متقلبًا، امتدح كرومول في فترة الحماية، وكان المديح لشارل الثاني وخليلاته، وأثنى على البروتستانتية في عهد ملك بروتستانتي، وأطرى الكاثوليكية في ظل ملك كاثوليكي، وألتمس موارد كسب المال بكل الطرق، وجلب على نفسه عداوة كثير من الناس، مما لا بد معه أن يكون ثمة شيء يكرهه الناس فيه. وجارى كل منافسيه في إباحية رواياته وتحررها من كل القيود، وفي تورعه في شعره. وبلغت قوته في الهجاء مبلغًا يستدر العطف على ضحاياه، مثل العطف على الشهداء وهم يحترقون على الخازوق. ولكن
[ ٣٢ / ٢٣٨ ]
لا جدال في أنه كان أعظم الشعراء الإنجليز في جيله. وكتب معظم شعره لا جدال في أنه كان أعظم الشعراء الإنجليز في جيله. وكتب معظم شعره في المناسبات، وقلما حفظ الزمن شعرًا نظم للمناسبات. ولكن هجاءه لا يزال حيًا، لأن أحدًا غيره لم يستطع أن يأتي بمثل هذا الهجاء الذي صور الشخصيات في ازدراء قارص وسخرية لاذعة. وطور المقطع الشعري ذا البيتين إلى درجة من الإيجاز المحكم والمرونة، سيطرت على الشعر الإنجليزي طيلة قرن من الزمان وكان أثره على النثر أقوى، حيث نقاه من التراكيب المزعجة والمصطلحات الغريبة، وضبطه على درجة ممتازة من الصفاء والسهولة. وكان معاصروه على حق حين كانوا يرهبونه أكثر مما يحبونه. ولكنهم أدركوا في فنه في صناعة الأدب والكتابة، وملكًا على عرش القوافي، فكان بن جونسون الروائي، ودكتور صمويل جونسون الكاتب، في وقت معًا، في عصره.