بعد تسعة عشر عامًا من هذا الذي أسفنا، ظهرت نزعة مماثلة، ولقيت من فورها نفس المصير.
ولد جيوليو سيزار لوسبليو فانيني في جنوب إيطاليا لأب إيطالي وأم
[ ٣٠ / ٣٠٠ ]
أسبانية-بارود يتزوج نارًا. وبعد أتجول فانيني في أنحاء أوربا-كما فعل برونو-يختبر الأجواء واللاهوتيات، ويؤلف المكتب، وفيها ومضات عارضة من فكر ثاقب (مثل وقله إن الإنسان كان يومًا من ذوات الأربع) لا تماد تتوازن مع الهراء الغامض؛ استقر به المقام في تولوز (١٦١٧)، حيث قضى-مثل برونو-عامين نعم فيها بالهدوء. ولكن أحد المترددين على محاضراته وشى به على أنه يسخر من التجسيد ويعارض فكرة وجود "إله بشري" (٣٨). وثمة مستمع آخر، هو سيردي فرانسون-كسب ثقة فانيني واستدرجه-كما فعل موسبيجو مع برونو من قبل-وأبلغ أمره إلى برلمان البلدة. فقبض عليه في ٢ أغسطس ١٦١٨، لا بأمر الكنيسة؛ بل بناء على أمر من مفوض الملك العام. واستنادًا إلى محاضراته اتهم بالإلحاد والتجديف، وهاتان جريمتان تعاقب عليهما الدولة. وأكد فانيني إيمانه بالله، ولكن فرانسون زعم أن السجين صرح بإلحاده وكفره أكثر من مرة قائلًا بأن "الطبيعة هي الإله الوحيد" وأقر للقضاة شهادة الشاهد، وعلى الرغم من احتياجات فانيني الصارخة، وما أظهره من تقى وورع في سجنه، صدر الحكم عليه-وهو في الرابعة والثلاثين: -
بأن يسلم إلى الجلاد، الذي يجره إلى سياج نقال، وهو في قميصه، وحبل المشنقة حول عنقه، حاملًا فوق كتفيه إعلانًا يقول "ملحد دنس اسم الله" وعلى الحال يقوده أمام المدخل الرئيسي لكنيسة القديس ستيفن، وهناك يجثو على ركبتيه ليطلب الغفران من الله ومن الملك والعدالة، عن تجديفه وإلحاده، ثم يسوقه إلى ميدان سالين، ويشده إلى خازوق مقام هناك، ويقطع لسانه، ويشنقه، ثم يحرق جسمه ثم يترك الرماد لتذروه الرياح (٦٥).
[ ٣٠ / ٣٠١ ]
ويروون أن فانيني، حين جيء به من السجن ليلقى عقابه (٩ فبراير ١٦١٩) صاح معجبًا "دعوني أذهب، دعوني أذهب فرحًا مبتهجًا لأموت موتة فيلسوف (٣٩) ".
كذلك ولد توماسو كمبانللا، ودم كالابريا الحار يجري في عروقه، وخفف من حرارته لبعض الوقت في دير للدومنيكان، ودرس تلزيو وامبيد وكليس؛ نبذ أرسطو، وتناول بالتحريض والتسخيف "قرار البابا بالحرمان من الكنيسة" فأودع بالسجن بأمر من محكمة التفتيش في نابلي لبضعة شهور (١٥٩١ - ١٥٩٢) وبعد الإفراج عنه ألقى بعض الدروس والمحاضرات في بادوا، واتهم بالفسق والفجور، وهناك دون أول مؤلف هام له في الفلسفة (١٥٩٤) نصح فيه المفكرين-كما فعل فرانسيس بيكون بعد ذلك بأحد عشر عامًا-بدراسة الطبيعة، لا دراسة أرسطو-وأعد برنامجًا للعودة إلى العلم والفلسفة. ولما عاد إلى نابلي انضم إلى مؤامرة لتخليصها من نير أسبانيا. ولكن المؤامرة أحبطت، وزج به في سجون الولاية لمدة سبعة وعشرين عامًا (١٥٩٩ - ١٦٢٦) وعذب اثنتي عشرة مرة، استمر التعذيب في إحداها أربعين ساعة (٤٠). وخفف من آلام السجن بالفلسفة والشعر وتصوره للدولة المثالية، وفي قصيدته (السونيت) وعنوانها "الشعب" يعبر عن استيائه عن عجز الأهالي عن مساعدته في ثورته فيقول:
الشعب دابة لها مخ مشوش غبي، لا تعرف قوتها، ومن ثم تقف محملة بالخشب والحجارة، وتقودها يدان هزيلتان لمجرد طفل بالشكيمة واللجام، إن رفسة واحدة تكفي لتحطيم القيد، ولكن الدابة تخاف وتجبن، وتفعل ما يطلبه الطفل، ولا تدرك قدرتها على إرهابه، لأن "البعبع" التافه يذهلها ويربكها. وأعجب من هذا أنها تكبل نفسها وتكمم لسانها بيدها-وتجلب على نفسها الموت والحرب مقابل دريهمات (بنسات) يتصدق
[ ٣٠ / ٣٠٢ ]
بها الملوك عليها من خزانتها هي. إنها تملك كل ما بين الأرض والسماء، ولكنها لا تعرف ذلك. وإذا هب إنسان لينطق بهذه الحقيقة لقتلته دون أن تغفر له ذنبه (٤١).
وأهم إنتاج لكمبانللا في سنوات الشقاء هذه "مدينة الشمس" التي تخيلها قائمة على جبل سيلان، وكل موظفيها صفوة مختارة-وهم قابلون للعزل-عن طريق جمعية وطنية تضم كل من بلغ العشرين من سكان المدينة، وهؤلاء الموظفون المختارون على هذا الأساس، يختارون بدورهم رئيس الحكومة، وهو كاهن يسمونه "هوه Hoh" يفصل هو ومعاونوه في كل المسائل دنيوية أو دينية. ويشرفون كذلك على زواج الجنسين، ليستوثقوا من أن النساء والرجال يتصلون بعضهم ببعض لينجبوا أحسن الذرية. إنهم حقًا يسخرون منا حين نبدي اهتمامًا شديدًا بنتاج الخيل والكلاب، ونهمل نسل الإنسان (٤١) ومن ثم ليس هنا مكان للعاهات والتشوهات. والنساء في مدينة الشمس هذه شركة بين الرجال على الشيوع في انضباط صارم، يقتضيهن القيام بتمرينات شاقة، توفر لهن بشرة صافية ومظهرًا عامًا طيبًا .. فإذا صبغت امرأة وجهها بالمساحيق، أو استخدمت أحذية عالية الكعبين .. كانت عقوبتها الإعدام (٤٣) ويدرب الجنسان كلاهما على الحرب، ويكون جزاء من يهرب من ميدان القتال عند الإمساك به في عرين للأسود والدببة ليلقى حتفه (٤٤). وكل فرد مكلف بالعمل. ولكن لمدة أربع ساعات فقط، يوميًا (وينشأ الأطفال تنشئة مشتركة، ويعدون إعدادًا نفسيًا لاقتسام السلع وفق أسس شيوعية، أما ديانة هؤلاء الناس فهي عبادة الشمس بوصفها "وجه الإله وصورته الحية" "إنهم يؤكدون أن الأرض بأسرها سوف تعيش في التئام تام مع عاداتهم وأعرافهم (٤٥) ".
وهذا البيان الشيوعي، الذي يردد صدى أفلاطون. كتبه كمبانللا في السجن حوالي ١٦٠٢، ونشر في فرانكفورت آم مين في ١٦٢٢. وبما كان
[ ٣٠ / ٣٠٣ ]
البيان يعبر عن آمال المتآمرين النابوليتانيين، وربما كان سببًا في احتجاز كمبانللا في السجن طويلًا، على أنه تصالح مع الكنيسة في الوقت المناسب فأفرج عنه. وقد أدخل السرور على قلب أرمان الثامن بتوكيده، على حق البابوات في حكم الملوك. وفي ١٩٣٤ أرسله أرمان إلى باريس لينقذه من التورط في ثورة نابوليتانية أخرى ورعاه ريشليو وحماه. ولكن الثائر المنهوك، بعد أن استرد شبابه فارق الحياة وهو في صومعته في دير الدومنيكان (١٦٣٩)، وكان يقول: "أنا الناقوس-كمبانللا-الذي يؤذن ببزوغ الفجر الجديد (٤٦) ".