١٧٠٢ - ١٧١٤
بعد وفاة الملكة ماري ١٦٩٥ أصبحت أختها آن وريثة العرض. ومنذ نشأت آن وسط الخطر والشغب، أصبحت بنتًا مخلوعة الفؤاد، قويمة الخلق، بسيطة التفكير، قوية الشعور، تلتمس العزاء والسلوى والجرأة في صداقة خاصة متواضعة مع رفيقة صباها سارة جننجز الضاحكة الوفية الشكاكة الواثقة من نفسها المفعمة بالحياة والنشاط. وفي ١٦٧٨ تزوجت سارة التي كانت تكبر آن بخمس سنين من جون تشرشل، وفي ١٦٨٣ تزوجت آن من الأمير جورج الدنماركي. وحالف التوفيق الزيجتين كلتيهما. ولكنهما لم تمسا العلاقة الوثيقة بين المرأتين. وتخلت آن عن كل الشكليات والرسميات فأطلقت مازحة على سارة (التي كانت آنذاك وصيفة مخدعها) "مسز فريمان" وأصرت على ألا تناديها سارة "بالأميرة" بل "مسز مورلي" ولما تخلى الزوجان عن الملك جيمس وانحازا إلى وليم، كان أمام آن أن تختار بين أمرين أحلاهما مر: بين الوالد والزوج، ولكن حبها لزوجها ولصديقتها أوجب عليها السفر إلى نوتنجهام (٢٨ نوفمبر ١٦٨٨). وفي ١٩ ديسمبر عادت هي وسارة إلى لندن والى ملك أجنبي غريب عنهما.
لم تأخذ آن قط نفسها بحب وليم، ولشد ما أحست بالامتهان والأذى والألم، حين منح أحد أصدقائه ضيعة أبيها التي كان لها نصيب فيها. وكانت في ١٦٩١ تتطلع إلى عودة أبيها إلى عرشه. واشتبه وليم، بحق، في أن
[ ٣٢ / ٢٠٣ ]
تشرشل (إرل مالبرو آنذاك) وزوجته سارة تحيكان له الدسائس مع الملك المخلوع. وأمرت الملكة ماري أختها آن بطرد سارة من بطانتها. ولكن الأميرة رفضت. وفي صباح اليوم التالي (يناير ١٦٩٢) عزل مالبرو من مناصبه الرسمية، وأبعد هو وسارة عن الحاشية، وبدلًا من أن تفترق الأميرة عن صديقتها، تحدت الملك والملكة (وليم وماري) وغادرت قصر هويتهول لتعيش مع سارة في "سيون هاوس". وفي ٤ مايو أودع مالبرو سجن لندن. وكثيرًا ما كانت سارة تزوره هناك. وعرضت أن تنهي صداقتها للأميرة آن لتهدئ من غضب الملكة. ولهذا كتبت آن لسارة تقول:
"في آخر مرة كان هنا وورستر، أبلغته أنك عرضت علي عدة مرات أن تبتعدي عني … وإني لأتوسل إليك، من أجل يسوع المسيح، ألا تعودي إلى مثل هذا الحديث ثانية. وأني لأؤكد لك أنك أن أقدمت على مثل هذه الجفوة القاسية، فأني لن أنعم بلحظة من الهدوء والراحة بعد ذلك. فإن فعلت دون موافقتي، (ولو قدر لي أن أوافق لما كان لي أن أرى وجه الله قط) فلسوف أعتزل الحياة، ولا أرى العالم بعد ذلك، وأعيش حيث ينساني البشر جميعًا (٥٠) ".
ولما لم يقم أي دليل حاسم على اشتراك مالبرو في أية مؤامرة لإعادة جيمس إلى العرش، ولما كان وليم في أمّس الحاجة إلى قادة مهرة. فإنه أخلى سبيله وأعاده إلى سابق مكانته ونفوذه.
ولما أصبحت آن ملكة، وكانت آنذاك في سن الثامنة والثلاثين بدل وغير إيثارها الخلق الكريم والأمانة والإخلاص والعزلة، من طبيعة البلاط الإنجليزي، فلم يجد المولعون بالقصف والصخب واللهو والفجور إليه منفذًا. وآووا ساخطين ناقمين إلى المقاهي والمواخير. وحل رجل الأخلاق أديسون محل روشستر المستهتر الخليع. وكتب ستيل "البطل المسيحي". وكان لتجنب الملكة آن التردد على المسرح ولنموذج حياتها، بعض الأثر في تحسين أسلوب المسرح الإنجليزي. وعبرت الملكة عن ورعها
[ ٣٢ / ٢٠٤ ]
ذ
وتقواها بأن حولت إلى فقراء رجال الدين في الكنيسة الرسمية نصيب العرض في "بشائر الثمار" والعشور الكنسية (١٧٠٤)، ولا تزال الحكومة البريطانية تدفع "منحة الملكة آن" هذه. وأنجبت الملكة أطفالًا في كل عام بانتظام تقريبًا، ولكنهم ماتوا في سن الطفولة عدا واحدًا. ولم يبق على قيد الحياة بعدها منهم أحد. ولشد ما أظلمت حياتها وتحطم قلبها لكثرة ما شيعت من جنازات.
ولو كان في مقدور الملكة الآن أن تحدد هي السياسة القومية لعقدت الصلح مع فرنسا، واعترفت بما طالب به أخوها من أبيها المتوفى، أن يتربع على العرش تحت اسم جيمس الثالث. ولكن وليم الثالث بإرادته القوية كان قد أدخل إنجلترا في "الحلف الأعظم" كما أن الرجل الذي غلبت آراؤه ومشورته على كل ما عداها، والذي كانت قد رفعته فور اعتلائها العرش من إرل إلى دوق مالبرو، نقول أن هذا الرجل أغراها بأن تشقى في حكمها لمدة أكثر من عشر سنوات بحرب دامية باهظة التكاليف. وكانت لا تزال واقعة تحت تأثير صديقتها. وهي آنذاك دوقة والمشرفة على ملابس الملكة، وعلى أموالها الخاصة. وكانت سارة تتقاضى ٥١٠٠ جنيه سنويا. واستغلت تأثيرها التي كاد يكون مغناطيسيًا على الملكة، في زيادة ثراء زوجها، فعين مالبرو قائدًا عامًا للقوات البرية. كما عين بناء على اقتراحه (صديقه سدني جودولفين وزيرًا للخزانة لأنه كان أمينًا بشكل شاذ، كما كان قديرًا في الشئون المالية كما كان يمكن الاعتماد عليه في تحويل الأموال فورًا إلى قادة الجيش الذي كان جنودهم يبدون من الشجاعة بقدر ما يقبضون من نقود. وقد يشوقنا أن نسجل ان جودولفين مات فقيرًا، بعد أن قضى نصف عمره يضطلع بشئون الخزانة، وذهب دوقة مالبرو العنيدة إلى أنه (خير من عاش من الرجال) (٥١) ومهما يكن من أمر فإنه قضى وقت فراغه في صراع الديكة وسباق الخيل والميسر، وهي رذائل معتدلة تعتبر مقاربة للفضيلة.
أن تجرد آن من الذكاء والفطنة سمح لوزرائها بالاستحواذ على قدر
[ ٣٢ / ٢٠٥ ]
كبير من السلطة وحقوق المبادرة التي كان البرلمان قد تركها للتاج، ومن ثم نشبت المعارك السياسية (فيما عدا فترة حكم جورج الثالث) بين البرلمان والوزراء، لا بين البرلمان والملك. وفي ١٧٠٤ دخل الوزارة شخصيات جديدة: روبرت هارلي وزيرًا للدولة، وهنري سانت جون وزير للحرب. ومس كلا الرجلين تاريخ الأدب مسًا خفيفًا: فأن هارلي كان يستخدم ديفو وسويفت، كما كان سانت - بوصفه فيكونت بولنجبروك فيما بعد - ذا تأثير على بوب وفولتير، كما أنه هو نفسه مؤلف أبحاث كانت يومًا مشهورة. "أبحاث في دراسة التاريخ" و"فكرة عن ملك محب لوطنه". وكان كلا الوزيرين يدمن الشراب، ولكن هذا لم يكن ميزة في إنجلترا في ذاك الزمان. وكلاهما تولى منصبه بعون من مالبرو، ولكنهما انقلبا ضده بتهمة إطالة أمد حرب الوراثة الإسبانية دون مبرر يدعو إلى ذلك.
ولد سانت جون (١٦٧٨) في عهد شارل الثاني، وتوفى (١٧٥١) في أول سني "دائرة المعارف"، ومن هنا مثل تمثيلًا دقيقًا عبور أوربا من عودة الملكية إلى عصر الاستنارة في فرنسا، وتلقى أيام صباه تعليمًا دينيًا كثيرًا، وأهدر قدرًا كبيرًا منه أيام كان رجلًا. وأنه ليروى لنا: "كنت أرغم حين كنت صبيًا على قراءة تعليقات دكتور مانتون الذي كان يفخر بأنه ألقى ١١٩ عظة عن المزمور رقم ١١٩ (٥٢) "وفي إيتون وأكسفورد سعى جون وأحرز قصب السبق في الذكاء والتكامل الخالي من الهموم، والانغماس في الملذات والإدمان على الشراب في لباقة. وكان يفاخر بأنه يتناول أكبر قدر من الخمر دون أن يثمل. وبأنه يخادن أبهظ العاهرات نفقة في المملكة (٥٣). وفي لحظة أراد أن يكتفي فيها بواحدة تزوج من وريثة ثرية. ولكنها سرعان ما هجرته لخيانته. ولكنه استمر ينعم بضياعها، مع بعض فترات انقطاع يسيرة. ووجد في ١٧٠١ أن الانتخاب للبرلمان لا يكلف كثيرًا، نسبيًا. وهناك حظي في مجلس العموم بنفوذ عظيم نتيجة لوسامته وسرعة بديهته وبيانه المتدفق. ودخل الوزارة ولم يجاوز
[ ٣٢ / ٢٠٦ ]
السادسة والعشرين من العمر.
وكان أبرز إنجازات هذه الوزارة هو توحيد برلمان إنجلترا وإسكتلندة، فإن البلدين على الرغم من خضوعهما لمليك واحد، كان لهما برلمانان منفصلان. واقتصاديات متعارضة ومذاهب دينية متنافرة، وشنت كل منهما الحرب على الأخرى، زد على ذلك أن التعريفة الجمركية التي أملاها الحقد والحسد بين البلدين عوقت تجارتهما. وفي ١٦ يناير ١٧٠٧ وافق البرلمان الإسكتلندي، وفي ٦ مارس صدقت الملكة، على بنود (الاتحاد) التي بمقتضاها أصبحت المملكتان - على حين احتفظت كل منهما بمذهبها الديني المستقل - "المملكة المتحدة" لبريطانيا العظمى، ولها برلمان بريطاني واحد، مع حرية مطلقة في الاتجار. على أن يختار ١٦ نبيلًا اسكتلنديًا لمجلس اللوردات، وينتخب ٤٥ عضوًا في إسكتلندة لمجلس العموم، وينضم صليب سان جورج وصليب سانت أندرو في علم جديد واحد. "اتحاد جاك" ولم يرحب أهالي إسكتلندة بالاندماج، ولمدة نصف قرن من الزمان تفاقمت العداوات القديمة. ولكن ما جاءت ١٧٥٠ حتى اعترف الجميع بأن الاتحاد كان خيرًا وبركة. وتخلصت إسكتلندة من نفقات مزدوجة، وانطلقت طاقتها الفكرية لتبدع في النصف الثاني من القرن الثامن عشر باكورة نتاج مشرق من الأدب والفلسفة.
وعزل هارلي وسانت جون عن الوزارة أثر فوز الأحرار (الهويج) في أكتوبر ١٧٠٧، ولكن استمر تأثير نفوذ هارلي على الملكة عن طريق ابنة عمه "مسز أبيجيل ماشام" وكانت دوقة مالبرو قدمت هذه السيدة إلى الملكة آن من قبل. فخفف هدوءها ولين عريكتها ورقة مزاجها عن الملكة التي أرهقت مسؤولياتها الجديدة أعصابها كما أزعجتها نظرات سارة وصوتها العنيف. ورحبت سارة لبعض الوقت يتحررها من مداومتها على البقاء في البلاط، ولكن سرعان ما فزعت حين اكتشفت تضاؤل نفوذها لدى الملكة: وكادت آن تكون بالطبيعة "محافظة - توري" تقية محبة للسلام، على حين كانت سارة "متحررة - هويج" ضعيفة الإيمان،
[ ٣٢ / ٢٠٧ ]
تسخر صراحة من حقوق الملوك الإلهية على أنها تدجيل على الشعب وخداع له. وكم ألحت على الملكة في تأييد مشيئة مالبرو في شن الحرب على فرنسا حتى يتم القضاء عليها. وكشفت آن عن شيء جديد من قوة العقل والتفكير بعد أن تقلص ظل سارة. وعندما ثارت ثائرة سارة عليها بشكل وقح طردتها من الحاشية (١٧١٠)، وصرحت الملكة آنذاك بأنها تحررت من أسر طال أمده.
وفي نفس السنة عاد فوز "المحافظين" في الانتخابات، بهارلي وبولنجبروك إلى الحكم، وحل هارلي محل جودولفين في وزارة الخزانة، وتولى بولنجبروك وزارة الحربية، وأصبح جوناثان سويفت كاتب الكراسات والنشرات، البالغ الأثر، لهما. وعين هارلي إرل أكسفور (١٧١١) وحظي سانت جون بلقب فيكونت بولنجبروك (١٧١٢). وابتهجت مومسات لندن حين سمعن بنبأ ترقية بولنجبرو، قائلات: "أنه يحصل على ثمانية آلاف جنيه في العام، وكلها لنا (^١) "وقدمت الأغلبية "المحافظة" إلى المجلسين (١٧١١) مشروعًا ينص على أنه يشترط للترشيح للبرلمان امتلاك أرض ذات دخل سنوي لا يقل عن ٣٠٠ جنيه لممثلي المدن، وستمائة جنية لمندوبي الريف (٥٤). لقد بلغت الأرستقراطية مالكة الأرض ذروتها آنذاك في إنجلترا.
واعتزمت الوزارة الجديدة - على حين رفض مالبرو - إنهاء الحرب بعقد صلح منفرد مع فرنسا. وفي ١٧١١ قدم هارلي إلى مجلس العموم اتهامًا بالاختلاس ضد مالبرو. فتذرعوا بأن الدوق كان يجمع ثروة خاصة طائلة بوصفه القائد العام للقوات البريطانية، وعن طريق مهام أخرى يتولاها، وأنه بالإضافة إلى رواتبه السنوية التي تصل إلى نحو ٦٠ ألف جنيه. كان يقبض ستة آلاف جنيه سنويًا من سير سولومون مدينًا متعهد توريد
_________________
(١) من رسالة مؤرخة ٢٤ أبريل، لفولتير، وهو في الغالب كذوب.
[ ٣٢ / ٢٠٨ ]
الخبز للجيش. وأنه اقتطع لنفسه خاصة ٢. ٥% من المبالغ التي كان يتسلمها من الحكومات الأجنبية لدفع رواتب القوات الأجنبية التي كانت تحت إمرته. ولم ترق عمارة قصر بلنهيم الضخم لأحد إلا لعين مهندسه. وكان مالبرو يشيد هذا القصر في وودستوك قرب أكسفورد. وكانت الملكة قد أمرت أن تتولى الحكومة الإنفاق على بنائه. وشرعوا في البناء ١٧٠٥، ولم يتم في ١٧١١ إلا نصفه الذي تكلف ١٣٤ ألف جنيه بالفعل (٥٥)، وكان إتمامه يستلزم مبلغ ٣٠٠ ألف جنيه دفعت الحكومة أربعة أخماسه (٥٦).
ودفع مالبرو بأن المبلغ المتقطع (٢. ٥%) كان مسموحًا به بحكم العادة والعرف للقائد للصرف منه - دون تسجيل علني في الحسابات - على الخدمات السرية وأعمال التجسس التي أتت بأحسن النتائج. وأبرز ترخيصًا موقعًا من الملكة تجيز له الاقتطاع، كما أكد الحلفاء الأجانب أنهم أيضًا فوضوه في الاقتطاع، وزاد ناخب هانوفر على ذلك أن هذا المال استخدم بحكمة "وأدى إلى كسب معارك كثيرة (٥٧) " أما عن المنحة التي كان مالبرو يتقاضاها من مدينًا فإن دفاعه كان غير مقنع. وأدان المجلس بأغلبية ٢٧٦ صوتًا ضد ١٧٥. وعزلته الملكة من جميع مناصبه (٣١ ديسمبر ١٧١١)، فغادر إنجلترا إلى المنفى الذي اختاره لنفسه بنفسه، وعاش في هولندا أو ألمانيا حتى نهاية العهد. وعين الوزراء جيمس بتلر دوق أورمند الثاني ليتولى قيادة الجيوش البريطانية، وفوضوه في اقتطاع نفس النسبة من عقود توريد الخبز ومن الأموال الأجنبية، وهو ما أدانوا به مالبرو (٥٨). ولكن الشعب البريطاني تقبل سقوط مالبرو على أنه خطوة على طريق السلام.
وتفجر النزاع من جديد بين حزبي المحافظين والأحرار حول موضوع الوراثة الإسبانية. ذلك أنه في ١٧٠١ حين مات آخر من بقي على قيد الحياة
[ ٣٢ / ٢٠٩ ]
من أولاد الملكة آن، أقر البرلمان - رغبة منه في إحباط عودة أسرة ستيوارت إلى الملك مرة ثاني، قانونًا للتسوية ينتقل عرش إنجلترا بمقتضاه في حالة عدم وجود عقب لوليم الثالث والأميرة آن - إلى الأميرة صوفيا وورثتها من صلبها، وهم بروتستانت. وكانت صوفيا، زوجة ناخب هانوفر، بروتستانتية يقينًا، يجري في عروقها بعض الدم الملكي البريطاني لأنها من حفيدات جيمس الأول. وكانت آن قد قبلت هذا التدبير ضمانًا للحفاظ على إنجلترا بروتستانتية. ولكن الآن وقد آذنت شمس حياتها بمغيب فإن عطفها على أخيها المحروم من حقه في العرش، نما واشتد، ولم تدع مجالًا للشك في أنها لابد أن تساند مطالبة جيمس الثالث بالعرش إذا هو ارتضى نبذ الكثلكة. وأعرب الأحرار "عن تأييدهم التام لوراثة آل هانوفر للعرش، على حين مال المحافظون إلى وجهة نظر الملكة. وفاوض بولنجبروك جيمس، ولكن الأمير أبى التخلي عن عقيدته الكاثوليكية. على أن بولنجبروك الذي لم تكن الديانات في نظره إلا أثوابًا متباينة تكسو الموت جلالًا وشرفًا. حاول بكل الوسائل إلغاء "قانون التسوية" وإبقاء وراثة العرش لجيمس، وعاب على هارلي تباطأه الشديد في هذه المسألة، وبناء على اقتراح منه عزلت الملكة آن هارلي وهي كارهة. وبدا لمدة يومين اثنين أن بولنجبروك سيد الموقف.
ولكن في ٢٩ يوليه انتاب الملكة مرض خطير نتيجة تأثرها وحزنها الشديد للخلافات بين وزرائها. وهنا تسلح البروتستانت في إنجلترا لمقاومة أية عودة لملكية آل ستيوارت، ونبذ المجلس المخصوص سياسة بولنجبروك، وأقنع الملكة المترددة بتعيين دوق شروزيري وزيرًا للخزانة ورئيسًا للحكومة. وفي أول أغسطس ١٧١٤ فارقت آن الحياة. وكانت صوفيا قد قضت نحبها قبل ذلك بشهرين، ولكن "قانون التسوية" ما زال قائمًا. وأرسل المجلس إلى ابن صوفيا، ناخب هانوفر، يبلغه أنه أصبح الآن جورج الأول ملك إنجلترا.
[ ٣٢ / ٢١٠ ]
أن سني حكم وليم وماري وآن (١٦٨٩ - ١٧١٤) كانت سنين حيوية بارزة في تاريخ إنجلترا. وعلى الرغم من الانحلال الخلقي والفساد السياسي والنزاع الداخلي، شهدت هذه السنوات انقلابًا أسريًا (تغييرًا جذريًا في الأسرة المالكة)، وإقرار البروتستانتية نهائيًا في إنجلترا، وانتقال سلطة الحكم من الملك إلى البرلمان بشكل لا رجعة فيه. كما شهدت نشوء الوزراء الأقوياء، وهذا بدوره أدى إلى الانتقاص من سلطان الملك. وشهدت لآخر مرة في ١٧٠٧ اعتراض الملك على تشريع البرلمان، وخطت خطوة أوسع في إقرار التسامح الديني وحرية الصحافة. ووجدت بطريقة سلمية بين إنجلترا وإسكتلندة، في دولة أقوى، هي بريطانيا. وأحبطت محاولة أقوى ملوك العصر الحديث ليجعل من فرنسا الدكتاتور الآمر الناهي في أوربا، وبدلًا من ذلك جعلت إنجلترا سيدة البحار، ووسعت ممتلكات إنجلترا في أمريكا، مما كان له نتائج تاريخية بعيدة المدى وشهدت هذه السنوات أيضًا انتصارات العلم والفلسفة في إنجلترا في "مبادئ اسحق نيوتن"، وفي كتاب لوك "بحث في التفاهم الإنساني". أما سني حكم آن الوديعة، وهو حكم قصير لم يتجاوز اثني عشر عامًا، فقد كان عهد انبثاق في الآداب - ديفو، أديسون، ستيل، والفترة الأولى من حياة الاسكندر بوب - لم يكن له نظير في أي مكان في العالم في ذاك العصر.
[ ٣٢ / ٢١١ ]
الفصل الحادي عشر