١٦٢٣ - ١٦٦٢
أ - بسكال الإنسان
كان أبوه إتيبن بسكال رئيسًا لمحكمة المعونين بكلير مون- فيران في وسط فرنسا الجنوبي. وماتت أمه بعد مولده بثلاث سنين، مخلفة فضلًا عنه أختًا أكبر منه تدعى جلنبيرت وأخرى أصغر تدعى جاكلين. وانتقلت الأسرة إلى باريس حين بلغ بليز الثامنة. وكان إتيين يدرس الهندسة والفيزياء، وقد أتاح له تفوقه فيهما أن يصادق جاسندي، وميرسين، وديكارت. وكان بليز يسترق السمع لبعض لقاءاتهم، فأصبح في الفترة الأولى من حياته عاشقًا للعلم. فلما بلغ الحادية عشرة ألف رسالة قصيرة عن أصوات الأجسام المتذبذبة. وخيل للأب أن ولع الصبي بالهندسة سيلحق الأذى بدراساته الأخرى، فحظر عليه حينًا أن يمضي في عكوفه على الرياضيات. ولكن حدث يومًا- فيما روي- أن إتيين وجده يكتب على الحائط بقطعة من الفحم البرهان على أن زوايا المثلث الثلاث تساوي زاويتين قائمتين (٢١)، وبعدها سمح للغلام أن يدرس إقليدس. وقبل أن يبلغ السادسة عشرة كتب بحثًا في القطاعات المخروطية فقد أكثره، ولكن إحدى نظرياته كانت مساهمة خالدة في ذلك العلم، وما زالت تحمل اسمه. وحين عرضت مخطوطة البحث على ديكارت أبى أن يصدق أنه من وضع الابن لا الأب.
[ ٣١ / ٩٠ ]
في ذلك العام (١٦٣٩) لعبت أخته الجميلة جاكلين دورًا مثيرًا في حياة الأسرة، وكانت آنئذ في الثالثة عشرة. ذلك أن الأب كان قد استثمر بعض المال في السندات البلدية، وخفض نسبة الفائدة التي تؤدي عن هذه السندات، فانتقده إتيين، وهدد الكردينال بالقبض عليه، فاختبأ في أوفرن. ولكن الكردينال كان يحب التمثيليات والبنات، وقامت بعض الفتيات- ومنهن جاكلين- بتمثيل مسرحية سكوديري "الحب الظالم" أمامه، فشرح تمثيلها صدره، واغتنمت هي الفرصة وتوسلت إليه أن يصفح عن أبيها، ففعل، وعينه ناظرًا ملكيًا في روان عاصمة نورمنديه، وإليها انتقلت الأسرة في ١٦٤١.
وهناك أخترع بليز أول آلاته الحاسبة العديدة المحفوظ بعضها إلى الآن في كونسرفتوار الفنون والصنائع بباريس، وكان يومها في التاسعة عشرة. أم المبدأ الذي قامت عليه فهو سلسلة من التروس ينقسم كل منها إلى تسعة أرقام وصفر، ويحرك كل منها عشر دورة نظير كل دورة كاملة للترس الذي إلى يمينه، ويظهر كل منها رقمه الأعلى في ثقب عند القمة. ولم تكن الآلة تستطيع غير الجمع، ولا كانت عملية من الناحية التجارية، ولكنها قربت من بداية اليوم دهشة العالم. وأهدى بسكال إحدى آلاته الحاسبة إلى كرستينا ملكة السويد، مشفوعة بخطاب إطراء بليغ جدًا، فدفعه إلى قصرها، ولكنه أحس بأنه أضعف من أن يحتمل ذلك المناخ الرهيب.
وكان العالم الشاب المتحمس الشديد الاهتمام بالتجارب التي نشرها تورتشيللي عن وزن الهواء، وطرأت على خاطر بسكال فكرة كان فيها مستقلًا عن تورشيللي، وكن ربما استوحاها من اقتراح لديكارت (٢٢)، ومؤداها أن الزئبق في أنبوبة تورشيللي يرتفع إلى مستويات مختلفة في أماكن مختلفة، حسب اختلاف الضغط الجوي. فطلب إلى زوج أخته في أوفرن أن يحمل أنبوبة زئبق إلى قمة جبل، ويلاحظ أي فرق- على مختلف
[ ٣١ / ٩١ ]
المستويات- في ارتفاع الزئبق في الجزء المقفل من أنبوبة فتح طرفها الآخر لضغط الهواء. وفعل فلوران بيرييه كما طلب إليه، ففي ١٩ سبتمبر ١٦٤٨ ارتقى مع بعض أصحابه "بوي ددوم"؛ الذي يرتفع خمسة آلاف قدم فوق مدينة كليرمون- فيران، وهناك ارتفع الزئبق إلى ثلاث وعشرين بوصة في الأنبوبة، بينما ارتفع عند سفح الجبل إلى ست وعشرين، وهللت أوربا كلها للتجربة لأنها أثبتت نهائيًا مبدأ البارومتر وقيمته.
وتلقى بسكال بفضل شهرته عالمًا (١٦٤٨) نداء مثير من مقامر طلب إليه أن يضع قانونًا لرياضيات الحظ أو الصدفة، فقبل التحدي، واشترك مع فيرمان في وضع حساب الاحتمالات، الذي ينتفع به الآن كثيرًا في جداول التأمين من المرض والموت. ولم تبد عليه هذه المرحلة من نموه أي بادرة بأنه سينقل يومًا ما ولاءه من العلم إلى الدين، أو يفقد إيمانه في المنطق والتجريب، وواصل العمل عشر سنين في المعضلات العلمية لا سيما الرياضية منها، وفي تاريخ متأخر (١٦٥٨) عرض جائزة من مجهول في تربيع الدويري- وهو الخط المنحني الذي تحدثه نقطة دائرة تدحرج على خط مستقيم فوق سطح مستوٍ. وتقدم بالحلول واليس، وهو بجنز، ورن، وغيرهم، ونشر بسكال بعد ذلك حله، تحت اسم مستعار، وأعقب ذلك جدل سلك فيه المتنافسون، ومنهم بسكال، مسلكًا لم يتسم بالكثير من الفلسفة.
وتسلط على حياته خلال ذلك مؤثران أساسيان، المرض والجانسنية. ذلك أنه مذ كان فتى في الثامنة عشرة عانى من علة عصبية قل أن تركته يومًا بغير ألم. وفي ١٦٤٧ أقعدته بالشلل لم يستطع بسببها المشي إلا توكأ على عكازين. وكان رأسه يصدع، وأمعاؤه تلتهب، وساقاه وقدماه دائمة البرودة والحاجة إلى الوسائط المرهقة لتنشيط دورته الدموية، وكان يلبس الجوارب الطويلة المنقوعة في البراندي التماسًا لدفء قدميه.
[ ٣١ / ٩٢ ]
وكان مما حمله على الانتقال إلى باريس مع جاكلين أن يجد علاجًا طبيًا أفضل، وتحسنت صحته، ولكن جهازه العصبي كان قد لحق به أذى مستديم. فأصبح منذ ذلك الحين عرضة لأوهام ازداد عمقها على الأيام حتى أثرت في خلقه وفلسفته، فبات سريع الانفعال، فريسة لنوبات من الغضب المتكبر العاتي، وقل أن أشرق وجهه بابتسامة (٢٣).
وكان أبوه طيلة حياته كاثوليكيًا تقيًا بل صارمًا وسط شواغله العلمية، وقد علم أبناءه أن الإيمان الديني أثمن ما يملكون، وأنه شيء بعيد كل البعد عن متناول أو عن حكم قوى التفكير الضعيفة التي يملكها البشر. وفي روان أصيب الأب بجرح خطير فعالجه طبيب جانسني بنجاح، ومن هذا الاتصال اتخذ إيمان الأسرة مسحة جانسنية، فلما انتقل بليزوجاكلين إلى العاصمة كثر اختلافهما إلى القداس في البور- رويال- د- باري، ورغبت جاكلين في دخول الدير راهبة، ولكن أباها لم يستطع أن يروض نفسه على السماح لها بالخروج من حياته اليومية، ولكنه مات عام ١٦٥١، وما لبثت جاكلين أن ترهبت في البور- رويال- دي- شان، بعد أن حاول أخوها عبثًا أن يثنيها عن عزمها.
وتنازعا حينًا على تقسيم ميراثهما، فلما سوي النزاع وجد بليز نفسه رجلًا غنيًا حرًا- وتلك حال مجافية لحياة التقوى، فاتخذ لنفسه بيتًا فاخر الأثاث، واستكثر من الخدم، وجاب باريس في مركبة تجرها خيول أربعة أو ستة (٢٤). وأعطاه شفاءه المؤقت شعورًا خداعًا بالنشاط والخفة حرفه من التقوى إلى اللذة. وعلينا ألا ننسه على تلك السنوات القليلة التي قضاها "في العالم" (١٦٤٨ - ٥٤)، يستمتع بصحبة ظرفاء باريس وألعابها وحسانها، ويطارد في برهة مثيرة بأوفرن سيدة ذات جمال وثقافة، وصفها بـ"سافو الريف (٢٥) ". وحوالي هذه الفترة كتب "أحاديث في آلام الحب" ويلوح أنه فكر في الزواج- الذي سيصفه في تاريخ لاحق بأنه "أحط ظروف الحياة المباحة لمسيحي (٢٦) ". وكان بعض أصحابه
[ ٣١ / ٩٣ ]
فجرة جمعوا بين الحريتين، حرية الأخلاق وحرية الفكر، ولعلهم هم الذين أثاروا اهتمام بسكال بمونتيني، الذي تغلغلت الآن "مقالاته" في حياته. وأكبر الظن أن تأثيرها الأول عطفه نحو التشكك الديني.
ووبخه جاكلين حين نمى إليها نبأ عبثه الجديد، وصلت لأجل صلاح حاله. وكان من خصائص طبيعته العاطفية أن تستجيب لصلواتها إثر حادث وقع له. ذلك أنه بينما كان ذات يوم يركب عربته فوق البون دنوبي جسر تيللي، جمحت الخيل واندفعت فوق الحاجز إلى نهر السين. وكادت العربة أن تتبع الخيل، ولكن العنان انقطع لحسن الحظ، وتعلقت المركبة بنصفها فوق الحافة. وخرج منها بسكال وأصحابه، ولكن الفيلسوف المرهف الحس أغمي عليه لفرط خوفه من الموت الداهم، وظل برهة غائبًا عن رشده. فلما أفاق شعر بأنه رأى الله في رؤيا. وفي نشوة الخوف والندم وعرفان الجميل سجل رؤياه على رق راح يحمله منذ تلك اللحظة مخيطًا في بطانة سترته: "السنة ١٦٥٤ بعد الميلاد، الاثنين ٢٣ نوفمبر … من نحو السادسة والنصف مساءً إلى النصف بعد منتصف الليل. أن الإله القديم، إله إبراهيم، وإله إسحق، وإله يعقوب، لا إله الفلاسفة والعلماء. اليقين، اليقين، الوجدان، الفرج، السلام. إله يسوع المسيح … لن يجده الإنسان إلا بالطرق التي يعلمها الإنجيل. يا سمو النفس الإنسانية، أيها الأب العادل، أن لعالم لم يعرفك قط، ولكني عرفتك. إنه الفرج، الفرح، دموع الفرح … يا إلهي، هل أنت تاركي؟ يسوع المسيح … لقد فصلت عنه، وهربت منه، وتخليت عنه، وصلبته. ليتني لا أفارقه أبدًا، إنها المصلحة الحلوة الكاملة (٢٧) ".
وعاود زياراته للبور- رويال ولجاكلين، وشرح صدرها بحالته النفسية الجديدة، حالة التواضع والتوبة. ولتستمع إلى عظات أنطوان سانجلان. وفي ديسمبر ١٦٥٤ أصبح عضوًا في جماعة البور- رويال (٢٨). وفي يناير كان له هناك حديث طويل مع ساسي، الذي آلى على نفسه أن
[ ٣١ / ٩٤ ]
يقنعه بسطحية العلم وعقم الفلسفة. وآنس أرنو ونيكول من العضو الجديد حماسة في الاهتداء وبراعة في التعبير الأدبي وكأنهما أداة وضعتها العناية في أيدي الجماعة للدفاع عن البور- رويال ضد أعدائه. فطلبا إليه أن يخصص قلمه للرد على اليسوعيين الذين كانوا يحاولون تصوير الجانسنية على أنها خطيئة. واستجاب للطلب في ذكاء وقوة بلغا مبلغًا جعل جماعة اليسوعيين تشكو إلى اليوم من وخز بسكال الأليم.
ب - الرسائل الإقليمية
في ٢٣ و٢٦ يناير ١٦٥٦ نشر بسكال الرسالتين الأولى والثانية مما سماه "رسائل كتبها لوي دمونتالت" (وهو اسم مستعار) "إلى صديق في الإقليم، وإلى الآباء اليسوعيين المبجلين، عن أخلاقياتهم وسياساتهم". وكان إطارها ذكيًا، فقد زعم إنها تقرير من باريس إلى صديق في الأقاليم عن المسائل الخلقية واللاهوتية التي كانت يومئذ تثير الأوساط الفكرية والدينية في العاصمة. وقد زود آرنو ونيكول بسكال بالحقائق والمراجع. أما هو فقد أبدع ذلك الأسلوب الأدبي الذي استشرف مستوى جديدًا في النثر الفرنسي، فقد توافرت لبسكال حماسة المؤمن الجديد وذكاء رجل الدنيا وتهذيبه.
أما الرسائل الأولى فقد التمست التأييد العام لآراء الجانسنيين في النعمة الإلهية والخلاص، وهي الآراء التي دافع عنها آرنو من قبل، وقد قصد بها أن تؤثر في السوربون لتعارض الاقتراح بطرد آرنو. وقد فشلت في هذا، إذ جرد آرنو رسميًا من لقبه وطرد (٣١ يناير). وحفز الفشل بسكال وآرنو إلى الهجوم على اليسوعيين لأنهم يقوضون الفضيلة بما يعيب آباء اعترافهم من تحلل، وما يشوب فتاواهم من ثغرات. وقد نقبا في مؤلفات إيسكوبار وغيره عن اليسوعيين ونددا بمبادئ "الاحتمالية" و"التوجيه بالنية" و"التحفظ العقلي"، وحتى بتوفيق المرسلين اليسوعيين بين
[ ٣١ / ٩٥ ]
اللاهوت المسيحي وعبادة الصينيين لأسلافهم (٢٩). وإن لم يتهمها اليسوعيين صراحة بتبرير الوسائط لبلوغ الغايات. وكان هذا المهدي يزداد حماسة كلما توالت الرسائل وكشف له آرنو عن المزيد من فتاوى إيسكوبار. وبعد الرسالة العاشرة أقلع عن أكذوبة الباريسي كاتب الرسائل للإقليمي، وأماط اللثام عن شخصه، ووجه الخطاب إلى اليسوعيين رأسًا في بلاغة تضطرم سخطًا، وذكاء يفيض تهكمًا. وكان ينفق أحيانًا عشرين يومًا في تحرير رسالة واحدة، ثم يهرع بها إلى المطبعة قبل أن يفتر اهتمام الجمهور، وقد اعتذر عن طول الرسالة السادسة عشرة بعذر فريد في بابه، إذ قال "لم يتسع لي الوقت لإحضارها (٣٠) ". وفي الرسالة الثامنة عشر والأخيرة (٢٤ مارس ١٦٥٧) تحدى البابا نفسه. ذلك أن البابا الإسكندر السابع أصدر (١٦ أكتوبر ١٦٥٦) تنديدًا آخر بالجانسنية، فذكر بسكال قراءه بأن حكم البابا عرضة للخطأ، كما أخطأ في حالة جاليليو (٣١) (وذلك شعور بسكال). وأدان البابا الرسائل (٦ سبتمبر ١٦٥٧) ولكن فرنسا المثقفة كلها قرأتها.
أكانت الرسائل منصفة لليسوعيين؟ أنقلت المختارات عن الكتاب اليسوعيين نقلًا أمينًا؟ قال عقلاني مثقف "صحيح ولا ريب أن بعض العبارات المعدلة حذفت أحيانًا دون موجب، وأن عبارات أخرى ترجمت ترجمة خاطئة، وأن ضغط الفقرات الطويلة في جمل قصيرة يشعرك في بعض الحالات بأن هذا إجحافًا بالمؤلف" ثم يقول "ولكن هذه الحالات قليلة وغير هامة نسبيًا" (٣٢) وهناك الآن إجماع على أن المختارات دقيقة في جوهرها (٣٣) على أنه لابد من التسليم بأن بسكال انتزع أشد فقرات بعض المفتين إزعاجًا وشبهة من سياقها، وقاد شطرًا من الجمهور إلى رأي فيه غلو كثير، مؤداه أن هؤلاء الفقهاء اللاهوتيين يتآمرون على هدم أخلاق العالم المسيحي. وقد أطرى فولتير براعة الرسائل بوصفها أدبًا، ولكنه رأى أن "الكتاب كله مبني على أساس زائف. فقد نسب المؤلف في حذق إلى الجماعة اليسوعية
[ ٣١ / ٩٦ ]
كلها الآراء المتطرفة التي قال بها بعض اليسوعيين الأسبان والفلمنك (٣٤) "، الذين خالفهم كثير من اليسوعيين. وأسقف دالمبير لأن بسكال لم يتهكم بالجانسنيين أيضًا، لأن "تعاليم جانسن وسان سيران المروعة كانت تتيح على الأقل مجالًا للسخرية لا يقل عما أتاحته التعاليم الطيعة التي نادى بها موليا وتامبوران وفاسكويز (٣٥) ".
وكان تأثر "الرسائل" هائلًا. صحيح أنها لم تخضد لتوها شوكة اليسوعيين- ومن المؤكد أنها لم تنتقص من سلطانهم على الملك- ولكنها فضحت شطط المفتين فضحا حمل الإسكندر السابع نفسه على إدانة "التحلل"، رغم مواصلة معارضة الجانسنية، وعلى الأمر بمراجعة نصوص الفتاوى (١٦٦٥ - ٦٦) (٣٦). و"الرسائل" هي التي أضفت على كلمة الإفتاء الديني " Casuistry" مدلول التشقيقات الخداعة المظهر التي تدافع عن الأفعال أو الأفكار الخاطئة. ثم إنها أضافت آية من آيات الأسلوب إلى ذخيرة الأدب الفرنسي. وكأن فولتير قد عاش قرنًا قبل فولتير. فهنا ذكاء فولتير المرح، وتهكمه البتار، وفكاهته الشكاكة، وقدحه العنيف، وفي الرسائل اللاحقة ذلك الاستنكار الحار للظلم، الذي أنقذ فولتير من أن يكون موسوعة سخرية وتهكم. وقد وصف فولتير نفسه الكتاب بأنه "خير ما كتب وظهر في فرنسا إلى الآن" (٣٧)، وكان رأي أنفذ النقاد قاطبة وأكثرهم رهافة وتمييزًا أن بسكال "ابتكر النثر الرائع في فرنسا (٣٨) " وحين سئل بوسويه أي كتاب كان يؤثر أن يؤلف لم يؤلف كتابه قال، إنه رسائل بسكال الإقليمية (٣٩).
جـ - في الدفاع عن الإيمان
عاد بسكال إلى باريس في ١٩٥٦ ليشرف على نشر "الرسائل"، وعاش هناك طوال السنوات الباقية من عمره. على أنه لم يهجر العالم، ففي سنة
[ ٣١ / ٩٧ ]
موته ذاتها شارك في تنظيم خدمة منتظمة بالمركبات في العاصمة- وهي البذرة لشبكة الأمنوبيسات الحالية. ولكن حدثين وقعا له مجددًا تقواه، وحملاه على أن يتوج أعماله بكتاب جديد أسهم به الأدب والدين. ذلك أنه في ١٥ مارس ١٦٥٧ حصل اليسوعيون من الملكة الأم على أمير بإغلاق مدارس الموحدين وحظر قبول المزيد من الأعضاء في البور- رويال. وأطيع الأمر في هدوء، وأرسل الأطفال- وكان من بينهم راسين- إلى بيوت الأصدقاء، وتفرق المعلمون محزونين. وبعد تسعة أيام (وهو تاريخ صدور آخر الرسائل الإقليمية) وقع ما بدا معجزة في كنيسة دير الراهبات الذي تكدر صفوه. ذلك أن ابنة أخت بسكال البالغة من العمر تسع سنوات، واسمها مارجريت بيرييه، كانت تشكو من ناسور دمعي مؤلم يرشح صديدًا كريهًا من العينين والأنف. وأهدى أهدى أحد أقرباء الأم أنجليك للبور- رويال شوكة زعم هو وغيره أنها أخذت من إكليل الشوك الذي عذب به المسيح. وفي ٢٤ مارس وضعت الراهبات الشوكة على مذبحهن في احتفال مهيب وسط ترتيل المزامير. ولثمت كل منهن الأثر المقدس بدورها، ولما رأت إحداهن مارجريت بين العابدات أخذت الشوكة ولمست بها قرحة الفتاة. وروي أن مارجريت أعربت ذلك المساء عن دهشتها لأن عينها لم تعد تؤلمها، وأدهش أمها ألا ترى أثر للناسور، وقرر طبيب دعي لفحص الفتاة أن الصديد والورم قد اختفيا. وأذاع هو، لا الراهبات، نبأ هذا الذي سماه شفاء معجزًا. ووقع سبعة أطباء آخرون كانوا على سابق بناسور مارجريت بيانًا قرروا أن معجزة- في رأيهم- قد حدثت. وبحث موظفو الأسقفية الأمر، وانتهوا إلى نفس النتيجة، وأذنوا بإقامة قداس شكر لله في البو- رويال. وتقاطرت جماهير المؤمنين على الدير ليروا الشوكة ويقبلوها، وهللت باريس الكلثوليكية كلها للمعجزة، وأمرت الملكة الأم بالكف عن كل اضطهاد للراهبات. وعاد المتوحدون إلى ليجرانج. (في عام ١٧٢٨ أشار البابا بندكت الثالث عشر إلى هذا الحدث على أنه دليل
[ ٣١ / ٩٨ ]
على أن عصر المعجزات لم ينته). أما بسكال فقد صنع لنفسه شعار نبالة كان عبارة عن عين يحيط بها إكليل من الشوك، وقد كتب عليه Scio Cui Credidi- " أعرف من صدقت (٤٠) ".
وعكف الآن على كتابة دفاع مفصل عن الإيمان الديني يكون بمثابة وصيته الأخيرة. ولكن قصارى ما وجد في نفسه القدرة عليه، وهو أن يدون في إنجاز خواطر منفصلة يجمع بينها في ترتيب اجتهادي ولكنه قوي. ثم عاودته أوجاعه القديمة (١٦٥٨)، في شدة أعجزته إلى النهاية عن أن يضفي على هذه المذكرات تسلسلًا متماسكًا أو شكلًا بنائيًا. فلما قام صديقه الدوق دروانيه وعلماء البور- رويال بتحرير ونشر هذه المادة وسموها "خواطر المسيو بسكال عن الدين وغيره من المسائل (١٦٧٠) ". وقد خشوا أن يقضي هذه "الخواطر" المبتورة التي خلفها بسكال إلى التشكك لا إلى التقوى، ومن ثم أخفوا الأجزاء المتشككة، وادخلوا تعديلًا على بعض ما بقي مخافة أن يسيء إلى الملك أو الكنيسة لأن اضطهاد البور- رويال كان قد توقف في تلك الفترة، وكره المحررون تجدد الجدل. ولم تنشر "خواطر" بسكال Pens (es في نصها الكامل الموثوق إلا في القرن التاسع عشر.
ولو شئنا أن نغامر بفرض ترتيب عليها لجعلنا نقطة بدايتها فلك كوبرنيق. ونحن نشعر ثانية- إذ نصغي إلى بسكال- يا للطمة الهائلة التي كان فلك كوبرنيق وجاليليو يكيلها للمسيحية التقليدية:
"ليتأمل الإنسان الطبيعية كلها في جلالها الكامل السامي، ليقص عن بصره الأشياء الوضيعة التي تحيط به، ولينظر إلى ذل النور المتوهج الذي وضع كأنه مصباح ابدي ينير العالم، ولتبد الأرض له مجرد نقطة داخل الدائرة الشاسعة التي يرسمها ذلك النجم، وليأخذه العجب من أن هذا المحيط الهائل إنما هو نقطة ضئيلة من زاوية النجوم التي تتحرك في قبة السماء.
[ ٣١ / ٩٩ ]
فإذا توقف بصرنا عند هذا الحد، فليجاوزه الخيال … فكل هذا العالم المرئي ليس إلا عنصرًا لا يدرك في صدر الطبيعة العظيم. ولا يستطيع أي تفكير أن يمتد إلى هذا المدى … إنها كرة لانهائية مركزها في كل مكان، ومحيطها في غير مكان (٤٢). هذا أكثر مظهر قابل للإدراك من مظاهر قدرة الله، حتى أن خيالنا يتوه في هذا الخاطر".
ثم يضيف بسكال في سطر شهير مطبوع بحساسيته الفلسفية، "أن الصمت الأبدي الذي يلف هذا الفضاء اللانهائي يخيفني (٤٣) ".
ولكن هناك لانهائية أخرى- وتلك هي لانهائية صغر الذرة "التي لا تقبل الانشطار، وقبولها النظري للانقسام قبولًا لا حد له، فمهما كانت ضآلة الحد الأدنى الذي نختزل به أي شيء، فإننا لا نملك إلا الاعتقاد بأنه هو أيضًا له أجزاء أصغر منه. وعقلنا يتذبذب في حيرة وارتياع بين الشاسع غير المحدود، والدقيق غير المحدود.
"إن من يتأمل نفسه على هذا النحو تخيفه نفسه، وإذا أدرك أنه معلق … بين هاويتين اللانهائية والعدم، ارتعد فرقًا … وبات أميل إلى تأمل هذه العجائب في صمت منه إلى ارتيادها بغرور. فما الإنسان في الطبيعة، بعد كل شيء …؟ إنه العدم إذا قيس بغير المحدود، وهو كل شيء إذا قيس بالعدم، إنه وسط العدم والكل. وهو بعيد كل البعد عن إدراك الطرفين، فنهاية الأشياء وبدايتها أو أصلها، يلقهما سر لا سبيل إلى استكناهه، وهو عاجز على السوء عند رؤية العدم الذي أخذ منه، واللانهائي الذي يغمره (٤٤) (^١).
_________________
(١) يقول سانت ييف "ليس في اللغة الفرنسية صفحات أروع من الخطوط البسيطة الصارمة التي تحتويها هذه الصورة التي لا نظير لها" (٤٥).
[ ٣١ / ١٠٠ ]
فالعلم إذن ما هو إلا ادعاء غبي. فهو مبني على العقل، المبني على الحواس، التي تخدعنا بعشرات الطرق. وهو محدود بالحدود الضيقة التي تعمل حواسنا داخلها، وبقصر عمر الجسد قصرًا قابلًا للفساد. وإذا ترك العقل لذاته لم يستطع أن يفهم- أو يعطي أساسًا مكينًا للفضيلة، أو الأسرة، أو الدولة، فكيف بإدراك الطبيعة العالم ونظامه الحقيقيين، فضلًا عن فهمه لله. والعرف، لا بل الخيال والأسطورة، حكمة اكثر مما في العقل و"أحكم العقول يتخذ تلك المبادئ، التي أدخلها خيال الإنسان بتعجل في كل مكان، مبادئ له (٤٦) " وهناك نوعان من الحكمة: حكمة الجماهير البسيطة "الجاهلة"، التي تعيش بحكمة التقاليد الموروثة والخيال (أي الطقوس والأساطير)، وحكمة الحكيم الذي نفذ إلى صميم العلم والفلسفة ليدرك جهله (٤٧). إذن "لاشيء أروح للعقل من أن بنبذ العقل" و"الاستخفاف بالفلسفة ملاك الفيلسوف الأصيل (٤٨) ".
ومن ثم رأى بسكال أنه ليس من الحكمة إقامة الدين على العقل، كما حاول حتى بعض الجانسنيين، أن يفعلوا. بالعقل لا يستطيع أن يثبت وجود الله، ولا الخلود، لأن الأدلة في الحالين شديدة التناقض. كذلك لا يصلح الكتاب المقدس أساسًا نهائيًا الإيمان، لأنه حافل بالفقرات الملتبسة أو الغامضة، وربما كان للنبوءات التي يفسرها الأتقياء على أنها تشير إلى المسيح دلالة مختلفة (٤٩). أضف إلى ذلك أن الله في الكتاب المقدس يتكلم بالأرقام، التي يضللنا مدلولها الحرفي، والتي لا يدرك معناها الحقيقي إلا من وهبوا النعمة الإلهية. "أننا لن نفهم شيئًا من أعمال الله ما لم نؤمن بهذا المبدأ، وهو أنه تعالى يشاء أن يعمي البعض وينير بصائر البعض (٥٠). (وهنا يبدو أن بسكال يقبل حرفيًا قصة يهوه وهو يقسي قلب فرعون).
ولو اعتمدنا على العقل لوجدنا غير المفهوم أينما تلفتنا. فمنذا الذي يستطيع أن يفهم، في الإنسان، ذلك الاتحاد والتفاعل بين جسد واضح
[ ٣١ / ١٠١ ]
المادية وذهن واضح اللامادية؟ "فليس هناك شيء أشد استحالة على التصور من أن تعي المادة نفسها (٥١) ". إنهم الفلاسفة الذين ملكوا أهواءهم- "وأي مادة تستطيع أن تفعل هذا (٥٢)؟ ". وطبيعة الإنسان، التي يمتزج فيها الملاك بالوحش امتزاجًا شديدًا (٥٣)، تكرر التناقض بين العقل والجسد، وتذكرنا بالكمير الذي زعمت الأساطير اليونانية أنه عنزة لها رأس أسد وذيل ثعبان.
"يا لهذا الإنسان من كمير! ياله من بدعة، ووحش، وفوضى، وتناقض، ومعجزة! هذا الحكم في كل الأشياء، ونموذج الغباء في الأرض؛ مستودع الحق، وبالوعة الظلال والشك؛ مفخرة الكون ونفايته. فمنذا الذي يحل لنا هذا اللغز المعقد (٥٤)؟ ".
إن الإنسان- من الناحية الخلقية- لغز غامض. فكل ضروب اللؤم تبدو مستترة فيه. "ما الإنسان إلا مخلوق خداع المظهر، كذوب، منافق، مع نفسه ومع غيره (٥٥) ". "كل الناس بطبيعتهم يكره بعضهم بعضًا، ولن تجد أربعة أصدقاء في العالم (٥٦) ". "ما أفرغ قلب الإنسان وما أحفله بالقذر" (٥٧) ثم يا لغروره الذي لا قرار له ولا شبع، "ما كنا لنركب البحر أبدًا لولا حلمنا بأننا سوف نوري قصتنا … أننا نفقد الحياة مغتبطين شريطة أن يتحدث الناس بما فعلنا … وكل الناس، حتى الفلاسفة، يتمنون أن يكون لهم معجبون (٥٨) ". ومع ذلك فإن من جوانب عظمة الإنسان أنه من شره، وكرهه، وغروره، أنشأ دستورًا من القوانين والأخلاق ليسيطر على شره، واشتق من شهوته مثلًا أعلى في الحب (٥٩).
وشقاء الإنسان لغز آخر. فلم شقي الكون هذا الشقاء الطويل لينجب نوعًا من الخليقة شديد الهشاشة في سعادته، كثير التعرض للألم في كل عصب، وللحزن في كل حب، وللموت في كل حياة؟ ومع ذلك فإن "جلال الإنسان عظيم في معرفته أنه شقي (٦٠) ".
"ما الإنسان إلا قصبة، وهي أوهى ما في الطبيعة، ولكنه قصبة مفكرة.
[ ٣١ / ١٠٢ ]
والكون كله لا حاجة به لأن يتسلح لكي يسحقه، فنفخة بخار، أو قطرة ماء، تكفي لقتله- ولكنه، بعد أن يسحقه الكون، لا يزال أنبل من هذا الذي يقتله، لأنه لا يعرف أنه مفارق الحياة، أما الكون فلا يعرف شيئًا عن انتصاره على الإنسان (٦١) ".
وليس من هذه الألغاز لغز يجد في العقل جوابًا له. ولو ركنا إلى العقل وحده لحكمنا على أنفسنا بـ"ببروية" تتشكك في كل شيء إلا الألم والموت، والفلسفة لا تستطيع على أحسن الفروض إلا أن تكون تبريرًا عقلانيًا للهزيمة. ولكننا لا نستطيع أن نؤمن بأن قدر الإنسان هو كما يراه العقل- أن يكافح، ويتعذب، ويموت، بعد أن ينجب آخرين ليكافحوا، ويتعذبوا، ويموتوا، جيلًا بعد جيل، في افتقار للهدف، وغباوة، وحقارة هائلة. فنحن في قرارة نفوسنا نشعر بأن هذا لا يمكن أن يكون صحيحًا، وبأنه تجديف ما بعده تجديف أن نظن أن الحياة والكون بلا معنى. فالله ومعنى الحياة يجب أن يشعر بهما القلب لا العقل. "فإن للقلب مبرراته التي لا يعرفها العقل (٦٢). "، وأخيرًا نفعل أن أصغينا إلى قلوبنا، وإن "وضعنا إيماننا في الوجدان (٦٣) ". ذلك أن كل إيمان، حتى بالأمور العملية، إنما هو ضرب من الإرادة، وتوجيه للانتباه والرغبة (إرادة الإيمان). والتجربة الصوفية أعمق من شهادة الحواس أو حجج العقل.
أي جواب إذن عند الوجدان يجيب به عن الغاز الحياة والفكر؟ الجواب هو الدين. فالدين وحده يستطيع أن يرد للحياة معناها، وللإنسان نبله، وبدونه نتخبط أعمق حتى من تخبطنا الأول في إحباط عقلي وعقم مميت. فالدين يعطينا كتابًا مقدسًا، والكتاب ينبئنا بسقوط الإنسان من النعمة، وهو الخطيئة الأصلية هي دون غيرها التي تستطيع أن تفسر ذلك الجمع الغريب في الطبيعة بين الكره والحب، وبين الشر الوحشي واشتياقنا للخلاص ولله. فإذا سمحنا لأنفسنا بأن نؤمن (مهما بدت سخافة
[ ٣١ / ١٠٣ ]
هذا الإيمان للفلاسفة) بأن الإنسان بدأ بالنعمة الإلهية، وأنه فقدها بالخطيئة، وأنه لا خلاص له إلا بالنعمة الإلهية عن طريق المسيح المصلوب، وجدنا بعد هذا سلامًا عقليًا لا يوهب الفلاسفة أبدًا. والذي لا يستطيع الإيمان ملعون، لأنه يعلن بكفره أن الله لم يشأ أن يمنحه النعمة.
والإيمان رهان حكيم. وهب أن الإيمان لا يمكن إثباته، فأي ضمير إن قامرت على حقيقته ثم اتضح بطلانه؟ "لزام عليك أن تراهن، وليس لك في هذا خيار … فلتوازن بين المكسب والخسارة في الرهان على وجود الله … أنك إن كسبت كل شيء، وإن خسرت لم تخسر شيئًا. فراهن إذن دون تردد على إنه تعالى موجود (٦٤) ". فإذا وجدت أول الأمر أن الإيمان صعب عليك فاتبع عادات وطقوس الكنيسة كأنك تؤمن حقًا. "تبرك بالماء المقدس، وأطلب تلاوة القداديس، وهلم جرا، وهذا كفيل بأن يجعلك تؤمن بطريقة بسيطة طبيعية، وبأن يهدئك"- سيهدئ من عقلك المغتر بقدرته النقادة (٦٥). واعترف وتناول القربان، وستجد في هذا راحة قوية (٦٦).
ونحن نظلم هذا الدفاع التاريخي إذا تركناه يختتم على هذه النغمة غير البطولية. فلنا أن نثق بأن بسكال حين آمن لم يؤمن كأنه مقامر بل كنفس حيرتها ودوختها الحياة، وكإنسان أدرك في تواضع أن عقله الذي أذهل ذكاؤه الصديق والعدو، ليس كفوًا للكون، ووجد في الإيمان السبيل الوحيد ليضفي على ألمه المعنى والمغفرة. ويقول سانت- بيف "إن بسكال رجل مريض، وعلينا أن نذكر هذا على الدوام ونحن نقرؤه (٦٧) " ولكن بسكال لو ووجه بهذا الرأي لأجاب: ألسنا كلنا مرضى؟ فليرفض الإيمان كل من اكتملت له السعادة. ليرفضه كل من لم يقنع بمعنى الحياة أكثر من أنها مسار عاجز من ميلاد قذر إلى موت أليم.
"تصور نفرًا من الناس يرسفون في الأغلال وقد حكم عليهم جميعًا
[ ٣١ / ١٠٤ ]
بالموت، وفي كل يوم يشنق بعضهم على مرأى من الباقين، والباقون يتبينون حالهم في حال زملائهم، ويتبادلون نظرات الحسرة واليأس، وينتظر كل منهم دوره. هذه صورة لحالة الإنسان (٦٨) ".
فكيف السبيل إلى التعويض عن هذه المذبحة البشعة التي نسميها التاريخ إلا بالإيمان بأن الله سيصحح الأخطاء كلها في النهاية، سواء استند هذا الإيمان إلى دليل أو لم يستند؟. وقد تحمس بسكال في محاجته لأنه لم يفق قط إفاقة حقيقية من الشكوك التي أوحى بها إليه موتتيني، وملحدو "السنوات التي قضاها في العالم"، وحياد الطبيعة القاسي بين "الشر" و"الخير".
"ذلك ما أراه وما يقض مضجعي. فأينما تلفت لم أجد غير الغموض والإبهام. ولا تقدم لي الطبيعة إلا ما يحتمل الشك والقلق. فلو أنني لم أر علامات على وجود إله لثبت علي الإنكار. ولو رأيت آثار الخالق في كل مكان لسكنت إلى الإيمان في هدوء وسلام. ولكني في حالة يرثى لها أنني أرى أكثر كثيرًا مما يبرر إنكار وجوده تعالى، وأقل كثيرًا مما يطمئنني على وجوده. ولقد طالما تمنيت أن تعلن الطبيعة عن وجود دون لبس أو غموض ما دام هذا الإله حافظها (٦٩) ".
وحالة القلق العميق هذه، والقدرة المعطلة على رؤية الجانبين، هي التي تجعل بسكال يستهوي المؤمنين والشكاكين على السواء. فلقد شعر هذا الرجل بغيظ الملحد من الشر، وبثقة المؤمن في انتصار الخير، ولقد عبر من تدويمات موتتيني وشارون الذهنية إلى التواضع المغتبط الذي أحس به القديسان فرانسيس الأسيسي وتوماس أكمبيس. وهذه الصرخة المنبعثة من أعماق الشك، وهذه الصياغة لإيمان ضد الموت، هما اللذان يجعلان "خواطر" بسكال أبلغ الكتب قاطبة في النثر الفرنسي. لقد أصبحت الفلسفة أدبًا للمرة الثالثة في القرن السابع عشر، لا في تركيز بيكون الهادئ،
[ ٣١ / ١٠٥ ]
ولا في ألفة ديكارت السارة، بل في القوة العاطفية لشاعر يحس بالفلسفة، ويكتب لقلبه بدمه. في قمة العصر الكلاسيكي علا هذا النداء الرومانسي، وبلغ من القوة ما أتاح له أن يعمر بعد بوالو وفولتير، وأن يسمعه عبر قرن من الزمان روسو وشاتوبريان. فهنا، في صبيحة عصر العقل، وفي عقود هوبز وسبينوزا ذاتها، وجد العقل منازلًا له في رجل محتضر.
روت مدام بيرييه، شقيقة بسكال، أنه كان في سنيه الأخيرة يعاني من "علل مستديمة متفاقمة (٧٠) " وانتهى به الأمر إلى الرأي بأن "المرض هو الحالة الطبيعية للمسيحيين (٧١) ". وكان أحيانًا يرحب بآلامه لأنها تصرفه عن المغريات. قال "إن ساعة من الألم تعلم أفضل من كل الفلاسفة مجتمعين (٧٢) ". وقد هجر كل اللذات، وعكف على ممارسة النسك، وجلد نفسه بحزام ثبتت فيه مسامير من حديد (٧٣). ووبخ مدام بيرييه لأنها تسمح لأبنائها بعناقها. وعارض في زواج ابنتها قائلًا: "إن حالة الزوجية ليست خيرًا من الوثنية في نظر الله (٧٤) ". ولم يسمح لإنسان في حضرته أن يتحدث عن جمال المرأة.
وفي عام ١٦٦٢، آوى أسرة فقيرة في بيته صدقة من صدقاته الكثيرة. فلما أصيب أحد الأطفال بالجدري انتقل بسكال إلى بيت شقيقته بدلًا من أن يطلب إلى الأسرة أن تغادر بيته. ولم يمضِ وقت طويل حتى لزم فراشه وقد حطمته الآلام المعوية. وكتب وصيته، فترك نصف ثروته تقريبًا للفقراء، واعترف لكاهن، وتناول القربان الأخير، ثم لفظ أنفاسه إثر تقلصات عنيفة، في ١٩ أغسطس ١٦٦٢ وهو لا يجاوز الأربعين. ولما شرحت جثته وجد أن معدته وكبده مريضتان، وأن في أمعائه قرحًا (٧٥). وقال الأطباء أن مخه "ضخم الحجم جدًا، وأن مادته جامدة مكثفة" ولكن خطًا واحدًا فقط من خطوط الاتصال بين عظام الجمجمة هو الذي كان مقفلًا قفلًا سليمًا، ولعل هذا هو السر في نوبات الصداع الرهيبة التي ابتلي بها.
[ ٣١ / ١٠٦ ]
ووجد على لحاء المخ منخفضان "كبيران كأنهما صنعا بأصابع وضعت في الشمع" (٧٦) وقد دفن في كنيسة أبرشيه سانت اتيين- دومون.