كتب لويس يقول: "لقد أشركت كولبير … مفتشًا مع فوكيه لكي أرقبه … وهو رجل منحته ما استطعت من ثقة، لأنني كنت عليمًا بذكائه وجده وأمانته (٥٠) " وظن أصحاب فوكيه أن كولبير تعقبه مدفوعًا بالرغبة في الانتقام منه، ولعل كولبير استشعر شيئًا من الحسد للرجل، ولكن فرنسا ذلك العهد لم تنجب ضريبًا لكولبير في تفانيه الدؤوب في خدمة الصالح العام. روى أن مازاران قال للملك وهو على فراش الموت "مولاي، إني مدين لك بكل شيء، ولكني أدفع ديني … بإعطائك كولبير (٥١) ".
كان جان باتيست كولبير ابن قماش في رامس، وابن أخي تاجر غني، وإذ كان بورجوازيًا بدمه، اقتصاديًا بمحيطه، فقد درب على كراهية الفوضى والعجز، وأعد بفطرته وبطول المرانة لتغيير اقتصاد فرنسا من جمود الفلاحة والتفتت الإقطاعي إلى نظام موحد قوميًا، يشتمل الزراعة والصناعة والتجارة والمال، يواكب ملكية ممركزة، ويهيئ لها الأساس المادي لعظمتها وسطوتها.
[ ٣١ / ٣٤ ]
دخل كولبير ديوان الحربية سكرتيرًا صغيرًا في العشرين (١٦٣٩) وما لبث أن شق طريقه بجهده إلى حيث استرعى نظر رؤسائه، فنقل إلى خدمة مازاران، وأصبح المدير الناجح لثروة الكردينال. فلما سقط فوكيه، وكل إلى كولبير مهمة خطيرة هي إعادة تنظيم مالية الأمة. وفي ١٦٦٤ أضيفت إليه مهمة الإشراف على المباني، والمصانع الملكية، والتجارة، والفنون الجميلة؛ وفي ١٦٦٥ عين مراقبًا عامًا للمالية، وفي ١٦٦٩ عين وزيرًا للبحرية، ثم وزيرًا للخاصة الملكية. ولم يرق رجل آخر في عهد لويس الرابع عشر بمثل هذه السرعة، ولا اشتغل بمثل هذه الهمة، ولا حقق مثل ما حققه من أعمال. بيد أنه لوث أرتقاع بمحاباته أقرباءه، وإذ أغدق الوظائف والأموال على الكثيرين من آل كولبير، وغالى في مكافأة نفسه مكافأة كادت تعدل ثروته. وكان نهبًا للغرور، يتشبث بانحداره المزعوم من ملوك اسكتلندا، وقد يعبث عبثًا منكرًا بالقوانين القائمة تعجلًا لقضاء المصالح، ويتغلب على المعارضة بالرشا يبذلها في الجهات العليا. فلما استفحل سلطانه غدا مستبدًا، وأحفظ عليه النبلاء إذ داس على أقدام تنزف الدم الأزرق. وقد استخدم في إعادة تشكيل الاقتصاد الفرنسي نفس الأساليب الدكتاتورية التي استخدمها ريشليو من قبل في إعادة تشكيل الدولة الفرنسية. وهكذا لم يكن خيرًا من هؤلاء الكرادلة.
بدأ بفحص أساليب الماليين الذين يحبون الضرائب، ويزودون الجيش بالسلاح، والملابس، والطعام، ويقدمون القروض للإقطاعيين أو لخزانة الدولة. وكان بعض هؤلاء المصرفيين يعدلون الملك ثراء. فبلغت ثروة صموئيل برنار مثلًا ٣٣. ٠٠٠. ٠٠٠ جنيه (٥٢). وقد أثار الكثيرون منهم حنق النبلاء بالزواج من طبقتهم، وبشراء ألقاب الشرف أو اكتسابها، وبالعيش في ترف لا يقوى عليه من لا يملكون غير عراقة النسب. وكانوا يتقاضون فائدة على قروضهم تصل إلى ١٨% حسب درجة الشك في الوفاء بالقروض. وبناء على طلب كولبير شكل الملك "غرفة عدالة" للتحقيق
[ ٣١ / ٣٥ ]
في جميع المخالفات المالية التي ارتكبت منذ ١٦٣٥، والتي اقترفها "أي شخص أيا كانت صفته أو حالته (٥٣) " وطلب إلى جميع موظفي الخزانة، وجباة الضرائب، وأصحاب الدخول أن يقدموا سجلاتهم ويبينوا شرعية مكاسبهم، وفرض على كل منهم أن يثبت نظافة يده وإلا كان جزاؤه المصادرة وغيرها من العقوبات. وبثت الغرفة موظفيها في طول فرنسا وعرضها وشجعت المخبرين. وأودع السجن عدة رجال أغنياء، وأرسل البعض إلى مراكب تشغيل الأسرى، وشنق البعض الآخر. وصعقت الطبقات العليا لهذا "الإرهاب الكولبيري"، أما الطبقات الدنيا فصفقت له استحسانًا. ونظم رجال المال في برجنديا حركة تمرد على الوزير، ولكن جماهير الشعب شهروا السلاح في وجوههم، ولقيت الحكومة عنتًا في إنقاذهم من غضب الشعب. ورد للخزانة نحو ١٥٠. ٠٠٠. ٠٠٠ من الفرنكات، وخفف خوف العقاب فساد المالية جيلًا كاملًا (٥٤).
ومضى كولبير يعمل منجل الوفر في خزانة الدولة. فرفت نصف الموظفين في وزارة المالية وأغلب الظن أنه هو الذي اقترح على لويس ما قام به من إلغاء جميع مناصب الخاصة الملكية التي تدفع عنها الرواتب دون أن يؤدي أصحابها واجبات. فطرد عشرون من "سكرتيري الملك" ليكسبوا أقواتهم بطريق آخر. وخفض تخفيضًا قاسيًا عدد المحامين العامين، وضباط النظام، والمستقبلين، وغيرهم من صغار الموظفين في البلاط الملكي، وأمر كل موظفي الخزانة بأن يمسكوا حسابات دقيقة واضحة ويقدموها للفحص. وحول كولبير جميع الديون الحكومية القديمة إلى ديون جديدة بسعر فائدة أقل. ثم بسط جباية الضرائب. ولما تبين صعوبة جمع المتأخرات أقنع الملك بإلغاء كل الضرائب التي لم تسدد عن المدة ١٦٤٧ - ٥٨. ثم خفض معدل الضريبة في ١٦٦١، وحزن حين اضطر إلى رفعه ثانية في ١٦٦٧ لكي يمول "حرب الأيلولة" وإسراف فرساي.
بيد أن أسوأ ما مني به من إخفاق كان في احتفاظه بنظام الضرائب
[ ٣١ / ٣٦ ]
القديم. ولعله لو قلبه من أساسه لأحدث من الإخلال بالنظام ما يهدد تدفق إيراد الدولة. ذلك أن الدولة كانت تمولها أساسًا ضريبتان-التاي (الرؤوس) والجابيل (الملح). وكانت ضريبة التاي تقدر في أقاليم من واقع الأملاك الحقيقية، وفي غيرها على أساس الدخل. وقد أعفي منها الأشراف والكهنة، فوقعت كلها على كواهل "الطبقة الثالثة"-التي تنتظم باقي السكان وكان يطلب إلى كل إقليم أن يجبي مبلغًا محددًا، ويسأل كبار المواطنين عن جباية المبلغ المقرر. أما الجابيل فضريبة على الملح. فقد احتكرت الدولة بيعه، وألزمت جميع الرعايا أن يشتروا دوريًا كمية مقررة بأسعار تحددها الحكومة. وإلى هاتين الضريبتين الأساسيتين أضيفت مختلف الرسوم الصغيرة، وعشر محصول الفلاح الذي يجب أداؤه للكنيسة. على أن هذه الضريبة كانت عادة دون العشر بكثير (٥٥)، وكانت تراعي الرأفة في جبايتها.
وكانت الزراعية أقل المرافق تأثيرًا بإصلاحات كولبير. إذ بقيت طرق الفلاحة بدائية جدًا بحيث عجزت عن إعاشة عشرين مليونًا من الأنفس يتكاثرون بغير حساب. وكان لكثير من الأزواج عشرون ولدًا. ولولا الحرب، والمجاعة، والمرض، وارتفاع نسبة الوفيات في الأطفال، لتضاعف السكان مرة كل عشرين سنة (٥٦)، ومع ذلك منح كولبير الإعفاءات الضريبية للزواج المبكر، والمكافآت للأسر الكبيرة (ألف جنيه فرنسي للآباء إذا كان لهم أبناء عشرة، وألفين إذا كانوا اثني عشر ولدًا (٥٧» وذلك بدلًا من أن يعمل على زيادة خصوبة التربة. وقد احتج على تكاثر الأديار لأنه يهدد القوى البشرية لفرنسا (٥٨). على أن نسبة المواليد في فرنسا انخفضت رغم ذلك خلال حكم لويس، لأن الحرب زادت الضرائب وعمقت الفقر. ولكن حتى في هذه الحال، لم تقتل الحرب ما يكفي لحفظ التوازن بين المواليد والطعام، وكان على الطاعون أن يتعاون مع الحرب. وكان نقص المحصول سنتين متعاقبتين كفيلًا بإحداث المجاعة، لأن وسائل النقل لم ترق بحيث تستطيع بكفاية سد العجز في إقليم من الفائض في آخر. ولم تخل سنة من مجاعة في
[ ٣١ / ٣٧ ]
مكان ما فرنسا (٥٩) وكانت السنوات (١٦٤٨ - ٥١، ١٦٦٠ - ٦٢، ١٦٩٣ - ٩٤، و١٧٠٦ - ١٠) فترات انتشر فيها الرعب من الموت جوعًا، حين بلغت نسبة الموتى من السكان في بعض الأقاليم ثلاثين في المائة. وفي ١٦٦٢ استورد الملك القمح وباعه للفقراء بثمن بخس أو وهبه لهم وأعفاهم من ثلاثة ملايين فرنك من الضرائب المستحقة (٦٠).
وخفف التشريع بعض مآسي الريف، إذ حظر الاستيلاء على بهائم الفلاح أو عرباته أو أدواته وفاء للدين ولو كان دينا للتاج، وأنشئت المزارع للاستيلاد تتعهد أفراس الفلاح مجانًا، ومنع الصيادون من اختراق الحقول المبذورة بالحب، وقدمت الإعفاءات الضريبية لمن يصلحون الأراضي المهجورة ويزرعونها. ولكن هذه الملطفات ما كانت لتنفذ إلى صميم المشكلة-مشكلة اختلال التوازن بين خصوبة الإنسان وخصوبة التربة، والافتقار إلى الاختراعات الآلية. على أن فلاحي أوربا على بكرة أبيهم كانوا يلقون مثل هذا العنت، ولعل الفلاحين الفرنسيين كانوا أيسر حالًا من نظرائهم في إنجلترا أو ألمانيا (٦١).
لقد ضحى كولبير بالزراعة قربانًا للصناعة ولكي يطعم سكان المدن المتكاثرين، وجيوش الملك المتعاظمة، حظر رفع سعر الغلال بما يتناسب وغيرها من الخدمات. وكان من الأوليات عنده أن على الحكومة التي تبتغي القوة أن تملك موارد كافية وجيشًا من الجند الأشداء المجهزين تجهيزًا حسنًا؛ فطبقة الفلاحين المتمرسة بالمشاق تزود البلاد بمشاة أقوياء، والصناعة والتجارة الناميتان لا بد أن توفر الثروة والأدوات. ومن كان هدف كولبير الذي لم ينثنِ دونه هو أن يشجع الصناعة، لا بل إن التجارة يجب إخضاعها لهذا الهدف، فلا بد أن تحمى الصناعات الوطنية بالرسوم الجمركية التي تبعد المنافسة الخطرة من خارج البلاد. وجريًا على السياسات الاقتصادية التي انتهجها صلى وريشليو، أخضع كولبير جميع الصناعات الفرنسية-إلا أقلها شأنًا-لسيطرة الدولة النقابية: فكانت كل صناعة، بطوائفها، ومالياتها
[ ٣١ / ٣٨ ]
ومعلميها، وصبيتها، وعمالها اليوميين، تؤلف نقابة تنظمها الحكومة من حيث المعاملات، والأسعار، والأجور والبيوع. وأرسى المعايير الرفيعة لكل صناعة أملًا في كسب الأسواق بجودة التصميم والصقل في المنتجات الفرنسية. وقد آمن هو ولويس بأن التذوق الأرستقراطي للأناقة يدعم الحرف الكمالية ويحسنها، ومن ثم وجد الصاغة، والنقاشون، ونجارو الأثاث، ونساجو الأقمشة المرسومة، كلهم وجدوا العمل والحافز والصيت البعيد.
وأمم كولبير مصنع جوبلان في باريس تأميمًا تامًا، وجعله نموذجًا في الأسلوب والتنظيم. وشجع المشروعات الجديدة بالإعفاءات الضريبية، والقروض التي تمنحها الدولة، وخفض سعر الفائدة إلى ٥%، وسمح باحتكار الصناعات الجديدة إلى أن ترسخ أقدامها. وقدم الحوافز لمهرة الصناع الأجانب حتى يجلبوا مهاراتهم إلى فرنسا، فاستوطن صناع الزجاج البنادقة في سان-جوبان؛ وجلب صناع المشغولات الحديدية من السويد، وأنشأ بورتستنتي هولندي في أبفيل صناعة القماش الرفيع بعد أن كفل له حرية العبادة ورأس المال الذي أقرضته إياه الدولة. فما وافى عام ١٦٦٩ حتى بلغ عدد الأنوال في فرنسا ٤٤. ٠٠٠ وكان في تور وحدها ٢٠. ٠٠٠ نساج. وقد زرعت فرنسا أشجار توتها، وكانت آنئذ مشهورة بأقمشتها الحريرية. وتضاعف النسيج لتلبي حاجة جيوش لويس الرابع عشر المتزايدة. وهكذا اتسعت الصناعات الفرنسية سريعًا بفضل هذه الحوافز. وأنتج الكثير منها لسوق قومية أو دولية، وبلغ بعضها مرحلة رأسمالية في الاستثمار، والتجهيز، والإدارة. وصادفت رسالة التصنيع التي آمن بها كولبير هوى في نفس الملك، فتفقد الورش، وسمح بأن تختم المنتجات الفاخرة بخاتم السلاح الملكي، ورفع من قدر رجال الأعمال الاجتماعي، وخلع ألقاب الشرف على كبار المقاولين.
وشجعت الدولة التعليم العلمي والتقني أو وفرته للشعب. وغدت الورش
[ ٣١ / ٣٩ ]
في اللوفر، والتويلري، ومصانع الجوبلان، وأحواض سفن البحرية، ومدارس يتتلمذ فيها الصبية من الصناع. وسبق كولبير موسوعة ديدرو، إذ احتضن موسوعة للفنون والحرف، ووصفًا مصور الكل الآلات المعروفة (٦٢). ونشرت أكاديمية العلوم بحوثًا عن الآلات والفنون الميكانيكية، وسجلت "صحيفة العلماء" تقنيات صناعية جديدة. وقد أخذ العجب بيرو-وهو يبني الواجهة الشرقية للوفر-حين رأى آلة ترفع كتلة من الحجر تزن ١٠٠. ٠٠٠ كيلو (١. ١٠٠ طن) (٦٣). على أن كولبير عارض إدخال الآلات التي ينجم عنها تعطل العمال (٦٤).
وإذ كان شديد الولع بالنظام والكفاية، فقد أمم تنظيم الصناعة بوساطة الكومونات أو الطوائف الصناعية. وتوسع في هذا التنظيم توسعًا أوشك أن يكون خانقًا. وراحت مئات من الأوامر تصف أساليب الصناعة، وحجم المنتجات ولونها ونوعها، وساعات العمل وظروفه؛ وأنشأت اللجان في جميع قاعات المدن لفحص العيوب في إنتاج الحرف والمصانع المحلية. وعرضت علانية عينات من الصنعة المعيبة وإلى جوارها الصانع أو المدير. فإذ عاد المخالف إلى مخالفته وبخ في اجتماع للطائفة فإن عاد ثالثة شد على عمود تشهيرًا به وتنكيلًا (٦٥). وشغل كل ذكر قادر على العمل. وجند الأيتام من ملاجئهم ليخدموا في المصانع، وأخذ المتسولون من الشوارع إلى المصانع، وقال كولبير للملك في اغتباط إنه حتى الأطفال يستطيعون الآن كسب بعض المال في المصانع.
وأخضع العمال لنظام يقرب من النظام العسكري، فالكسل وعدم الكفاية، والشتم، والأحاديث النابية، والعصيان، والسكر، والاختلاف إلى الحانات، ومعاشرة الخليلات، وعدم الخشوع في الكنيسة-كل أولئك يجب أن يعاقبه رب العمل، وبالجلد أحيانًا. أما ساعات العمل فطويلة-وقد تبلغ اثني عشرة أو أكثر تتخللها فترات من ثلاثين إلى أربعين دقيقة لتناول الطعام. أما الأجور فضئيلة، يدفع جزء منها أحيانًا سلعًا يحدد
[ ٣١ / ٤٠ ]
رب العمل أسعارها. وقد حسب فوبان متوسط الأجر اليومي الذي يتقاضاه مهرة الصناع في المدن الكبيرة فكان اثني عشر سوًا (ثلاثين سنتًا) في اليوم، ولكن السو الواحد كان يشتري رطلًا من الخبز (٦٦). واختزلت الحكومة عدد أيام الأعياد الدينية التي تعفي العمال من العمل، وبقي من هذه العطلات ثمانية وثلاثون يومًا، فكان مجموع أيام الراحة في السنة تسعين (٦٧). وحرمت الإضرابات، وحظرت اجتماعات العمال لتحسين أحوالهم، وقد سجن بعض العمال في روشفور لأنهم شكلوا ضآلة أجورهم. ونمت ثروة طبقة رجال الأعمال، وارتفعت موارد الدولة، ولكن لعل حال العمال كانت على عهد لويس الرابع عشر أسوأ منها في العصور الوسطى (٥٨). لقد أخضعت فرنسا للنظام الصارم في الصناعة كما أخضعت في الحرب.
أما في مجال التجارة، فقد آمن كولبير كما آمن معظم رجال الدولة في جيله بأن اقتصاد الأمة ينبغي أن ينتج أقصى ما يمكن من ثروة واكتفاء ذاتي داخل الأمة، وأنه مادام الذهب والفضة عظيمي القيمة بوصفهما وسيطين في المبادلة، فلابد من تنظيم التجارة بحيث تكفل للأمة "توازنًا تجاريًا في صالحها" أي زيادة في الصادرات على الواردات، ومن ثم تدفقًا للفضة والذهب إلى البلاد. وبهذه الطريقة وحدها استطاعت فرنسا، وإنجلترا، والأقاليم المتحدة-وكلها لم تكن تربتها تحوي ذهبًا، أن تحصل على حاجاتها، وأن متون جيوشها زمن الحرب، وهذه هي "المركنتلية" Mercantilism ومع أن بعض الاقتصاديين سخروا منها، فقد كان وسوف يكون هناك الكثير من المبررات لها في عصر كثير الحروب. ولقد طبقت على الأمة نظام التعريفات والترتيبات الحامية التي كانت في العصور الوسطى تطبق على الكومون. ونمت وحدة الحماية حين حلت الدولة محل الكومون وحدة الإنتاج والحكم. إذن فبمقتضى نظرية كولبير يجب أن تكون أجور العمال منخفضة تمكينًا لمنتجاتهم من أن تنافس نظيرها في الأسواق الأجنبية وبذلك تجلب الذهب إلى البلاد، ويجب أن يكون جزاء أرباب العمل وفيرًا
[ ٣١ / ٤١ ]
حفزًا لهم على الاضطلاع بالمشروبات الصناعية لصنع السلع، لا سيما الكماليات، التي لا نفع لها في الحرب ولكن يمكن تصديرها بتكلفة قليلة لقاء عائد كبير، ثم يجب أن تكون أسعار الفائدة منخفضة إغراء للمقاولين باقتراض رأس المال. وهكذا نرى طبيعة التنافس التي فطر عليها الإنسان، في تلك الغابة التي لا تخضع لقانون والتي تصطرع فيها الدول، قد كيفت اقتصادها الوطني وفق فرص الحرب وحاجاتها. فالسلام ليس إلا حربًا بوسائل أخرى.
إذن فوظيفة التجارة في رأي كولبير (بل في رأي صلي وريشليو وكرومويل أيضًا) تصدير السلع المصنوعة نظير المعدن النفيس أو الخامات. ومن ثم نراه في ١٦٦٤، ثم في ١٦٦٧، يرفع الرسوم على الواردات التي هددت بأن تنافس في فرنسا منتجات الصناعات الوطنية المعتبرة ضرورية في الحرب، فلما استمر جلب هذه الواردات حظرها بتاتًا. وفرض رسوم تصدير باهظة على المواد الضرورية، ولكنه خفض الضريبة على تصدير الكماليات.
ثم حاول تحرير التجارة الوطنية من المكوس الداخلية. وقد وجد أن التجارة الفرنسية تعترض سيرها المعوقات من الحواجز والتعريفات الإقليمية والبلدية الغربية. من ذلك أن السلع المنقولة من باريس إلى المانش، أو من سويسرا إلى باريس، كانت تدفع عنها مكوس عند ست عشرة نقطة، ومن أورليان إلى نانت عند ثمان وعشرين، وربما كان هناك مبرر لهذه المكوس يوم كان كل إقليم يطمح إلى الاكتفاء الذاتي ويجاهد في حماية صناعاته، وذلك بسبب صعوبات النقل واحتمالات الصراع الإقطاعي أو تنازع الكومونات. أما وقد توحدت فرنسا سياسيًا الآن، فقد غدت هذه المكوس الداخلية عقبة كؤودا في طريق الاقتصاد القومي، وحاول كولبير بمرسوم أصدره في ١٦٦٤ أن يلغي جميع المكوس الداخلية، ولكن المقاومة كانت عنيدة، ففي نصف فرنسا استمرت المكوس، وظل بعضها إلى عهد الثورة الفرنسية وكان أحد أسبابها الصغيرة. وكاد كولبير أن يقضي على
[ ٣١ / ٤٢ ]
الجهد الذي بذله للتوسع التجاري بإصداره اللوائح المعقدة التي استهدفت إصلاح ما فسد ولكنها عرقلت التجارة إلى حد تعطيلها أحيانًا. قال (هو أو أحد نقاده) "أن الحرية روح التجارة، فعلينا أن نترك الناس ليختاروا أنسب الطرق لهم". (Il Faut Laisser Faire les Hommes) (٦٩)، وهنا عبارة قدر لها أن تصنع التاريخ.
وقد جاهد ليفتح مسالك جديدة للنقل الداخلي. فبدأ مجموعة من الطرق الرئيسية الملكية، وكانت حربية في هدفها الأول؛ ولكنها كانت إلى ذلك نعمة على التجارة عامة. كان السفر بالبر لا يزال شاقًا بطيئًا. مثال ذلك أن مدام دسفينيه استغرقت ثمانية أيام في رحلة بالمركبة من باريس إلى ضيعتها في فيتريه ببربتاني وبناء على اقتراح من بيبربول دريكيه، استخدم كولبير اثني عشر ألف رجل في حفر قناة لانجدوك الكبرى، التي بلغ طولها ١٦٢ ميلًا، وارتفعت أحيانًا إلى ٨٣٠ قدمًا فوق سطح البحر، ولم يحل عام ١٦٨١ إلا وقد اتصل البحر المتوسط بخليج باسكاي عن طريق الرون والقناة والجارون، واستطاعت تجارة فرنسا أن تتجنب المرور بالبرتغال وأسبانيا.
وكان كولبير ينظر بعين الحسد إلى الهولنديين الذين ملكوا خمسة عشر ألف سفينة تجارية من بين الآلاف العشرين التي تمخر العباب، على حين لم تملك فرنسا منها سوى ستمائة. ومن ثم بنى شيئًا فشيئًا البحرية الفرنسية حتى بلغت سفنها ٢٧٠ بعد أن كانت لا تتجاوز العشرين، وأصلح المرافئ وأحواض السفن، وألزم الرجال في غير هوادة بالانخراط في سلك البحرية، ونظم أو أصلح الشركات التجارية بجزر الهند الغربية، والشرقية، وبحر المشرق، والبحار الشمالية. ومنح الشركات امتيازات الحماية، ولكن هنا أيضًا عطلتها اللوائح التي فرضها عليها تعطيلًا مدمرًا. ومع ذلك نمت التجارة الخارجية، ونافست البضائع الفرنسية الهولندية أو الإنجليزية في البحر الكاريبي، والشرق الأدنى، والأوسط، والأقصى. وغدت مارسليا
[ ٣١ / ٤٣ ]
أكبر ثغور البحر المتوسط بعد ما أصابها من اضمحلال لقلة السفن الفرنسية. وبعد عشر سنين من الخبرة والتشاور والعمل الشاق أصدر كولبير (١٦٨١) قانونًا بحريًا للسفن والتجارة الفرنسيتين، ما لبثت الأمم الأخرى أن طبقته. ثم نظم التأمين على الرحلات التجارية الخطرة وراء البحار. وبارك اشتراك فرنسا في تجارة الرقيق، ولكنه جاهد ليلطف من قسوتها باللوائح الرحيمة (٧٠).
وقد شجع الارتياد الجغرافي وإنشاء المستعمرات، أملًا في أن يبيعها السلع المصنوعة نظير خاماتها، ويستخدمها روافد لبحرية تجارية قد تكون ذات نفع في الحرب. وكان المستعمرون الفرنسيون منتشرين فعلًا في كندا، وغرب أفريقيا، وجزر الهند الغربية، وفي طريقهم إلى داخل مدغشقر، والهند، وسيلان. وارتاد كورسيل وفونتناك البحيرات العظمى (١٦٧١ - ٧٣). وأسس كادياك مستعمرة فرنسية كبيرة فيما هو الآن ديترويت. واستكشف لاسال المسسبي في ١٦٧٢ (بعد أن منح احتكار تجارة الرقيق في الأقاليم التي يفتحها)، وهبط فيه في مركب هزيل، فوصل إلى خليج المكسيك بعد شهرين من رحلة حافلة بالمغامرات. واستولى على الدلتا وأطلق عليها اسم الملك. فسيطرت فرنسا على واديي السانت لورنس والمسسبي في قلب أمريكا الشمالية.
جملة القول- ونحن لم نسجل غير جزء من نشاط كولبير، وقد أغفلنا الحديث عن جهوده في سبيل العلم والأدب والفن- أن حياة هذا الرجل كانت من أعظم ما سجله التاريخ تفانيًا في العمل وسعة في الانتشار. فلم يعرف الناس منذ شارلمان ذهنًا واحدًا مثل ذهنه من صنع جديد على هذا النحو دولة بهذه العظمة في نواح بهذه الكثرة. صحيح أن هذه اللوائح والنظم كانت مزعجة، وقد نفرت الناس من كولبير، ولكنها شكلت القالب الاقتصادي لفرنسا الحديثة، ولم يفعل نابليون أكثر من مواصلة جهود
[ ٣١ / ٤٤ ]
كولبير ومراجعتها سواء في الحكم أو القانون. وعرفت فرنسا طوال عشر سنوات من الثراء ما لم تعرفه من قبل. ثم انحسر هذا الثراء لعيوب النظام وأخطاء الملك. وقد احتج كولبير على إسراف الملك والبلاط. وعلى آفة الحرب التي كانت تنحر جسد فرنسا في شيخوخته، ولكن التعاريف العالية التي فرضها، شأنها في هذا شأن لويس بالسطوة والمجد-هي التي أفضت إلى بعض هذه الحروب. وندد غرماء فرنسا البحريون بإقفال موانيها في وجه بضائعهم. ووقع على كواهل الفلاحين ومهرة الصناع عبء إصلاحات كولبير، بل أن رجال الأعمال الذين أثرتهم هذه الإصلاحات اتهموه بأن لوائحه عوقت التطور. قال أحدهم للوزير "لقد وجدت العربة مقلوبة على أحد جنبيها، فقلبتها على الآخر" (٧١) فلما مات (في سبتمبر ١٦٨٣) رجلًا محطمًا مهزومًا، اضطر ذووه إلى دفن جثمانه ليلًا مخافة أن يسبه الناس في الشوارع (٧٢).