١٦٥٦ - ١٧١٥
شددت "الرسائل الإقليمية" من عزم اليسوعيين والأساقفة على قمع الجانسنية باعتبارها بروتستنتية مقنعة. فأصدر البابا الإسكندر السابع (١٦ أكتوبر ١٦٥٦) استجابة لإلحاح الأساقفة الفرنسيين مرسومًا بابويًا يلزم جميع رجال الكنيسة الفرنسيين بالتوقيع على الصيغة التالية:
"إني أخضع بإخلاص لدستور البابا أنوسنت العاشر، المؤرخ ٣١ مايو ١٦٥٣، حسب معناه الحقيقي الذي حدده دستور أبينا الأقدس البابا الإسكندر السابع المؤرخ ٦ أكتوبر ١٦٥٦، وأقر بأنني ملتزم في ضميري بطاعة هذين الدستورين، وأدين بقلبي وفمي التعليم الوارد في قضايا كورنيلس جانسن الخمس المحتواة في كتابه المعنون "أوغسطينوس".
وامتنع مازاران عن فرض التوقيع على هذه الصيغة، ولكن في ١٣ إبريل ١٦٦١، عقب موت مازاران، أذاع لويس الرابع عشر الأمر، وقدم وكيل أسقفية من أصدقاء الجماعة لهذه الصيغة ببيان توفيقي، فوقعها آرنو والمتوحدون في هذه الصورة، ونصحوا راهبات البور-رويال بالحذو حذوهم، ولكن الأم أنجليك-التي كانت طريحة الفراش لإصابتها بالاستسقاء-رفضت التوقيع وثبتت على الرفض إلى أن ماتت في السبعين في ٦ أغسطس ١٦٦١، وكذلك رفص بسكال وشقيقته جاكلين، التي أصبحت وكيلة الدير. وقالت جاكلين: مادام الأساقفة لا يملكون من الشجاعة إلا شجاعة الفتيات، فلابد أن يكون للفتيات شجاعة الأساقفة (٧٧) " وأخيرًا وقعت كل الراهبات الباقيات على قيد الحياة، ولكن جاكلين
[ ٣١ / ١٠٧ ]
التي أضنتها مقاومتها الطولية ماتت في ٤ أكتوبر وهي لا تجاوز السادسة والثلاثين، وتلاها بسكال بعد عام واحد.
واستنكر الملك خلال ذلك الديباجة الموفقة وأصر على أن يوقع الراهبات الصيغة دون أي إضافة أو تغيير، ونقل القليلات اللاتي وقعن إلى البور-رويال في باريس، ولكن أغلبية الراهبات، تتزعمهن الأم آنييس، صرحن بأنهن ليس في وسعهن التوقيع بضمير خالص على وثيقة تناقض معتقداتهن أشد مناقضة. وفي أغسطس ١٦٦٥ حرم رئيس الأساقفة الراهبات السبعين وأخواتهن العلمانيات الأربعة عشرة من تناول الأسرار المقدسة، وحظر عليهن أي اتصال بالعالم الخارجي. وخلال السنوات الثلاثة التالية، كان أحد الكهنة المتعاطفين مع الراهبات يتسلق أسوار البور-رويال-دي-شان ليناول الراهبات المحتضرات قربانهن الأخير. وفي ١٦٦٦ قبض على ساسي، ولوميتر، وثلاثة من المتوحدين بأمر الملك، أما آرنو الذي تنكر وراء شعر مستعار وسيف، فقد آوته لونجفيل، التي كانت تخدمه بنفسها أثناء اختبائه (٧٨). وتبنت هي وغيرها من النبيلات قضية الراهبات، وأقنعن لويس بأن يلين؛ وفي ١٦٦٨ أصدر البابا كلمنت التاسع مرسومًا جديدًا صيغ في لبس حكيم يسمح لجميع الأطراف بقبوله، وأفرج عن السجناء، وردت الراهبات المنشقات إلى البور-رويال-دي شان، وعادت الأجراس تدق في الدير بعد أن صمتت ثلاث سنين. واستقبل الملك آرنو استقبالًا وديًا، وكتعب هذا كتابًا ضد الكلفنين، ولكن نيكولا كتب كتابًا آخر ضد اليسوعيين.
ودام "سلام الكنيسة" أحد عشر عامًا، ثم ماتت مدام لو نجفيل، ومات معها السلام. وإذ بدأ الملك يشيخ، وانقلبت انتصاراته هزائم، واستحال دينه خليطًا من التعصب والخوف، وساءل نفسه، أكان الله يعاقبه على تسامحه مع الهرطقة؟ واتخذ بغضه للجانسنية طابعًا شخصيًا، ومن الأمثلة على هذا
[ ٣١ / ١٠٨ ]
التحول أن لويس رفض تعيين رجل يدعى فونببرتوي في إحدى الوظائف لشبهته في أنه جانسني، ولكنه وافق على التعيين حين أكدوا له أن الرجل ملحد فقط (٧٩). ولم يستطع قط أن يغتفر للراهبات تحديهن لأمره بالتوقيع على الصيغة المشددة. وضمانًا للقضاء على مركز سخطه هذا في وقت مبكر حظر عليه قبول أعضاء جدد. ووجه نداء للبابا كلمنت الحادي عشر لكي يصدر إدانة صريحة للجانسنية. وبعد عامين من الإلحاح أطلق البابا مرسوم Vineam Domini (١٧٠٥) ولم يكن باقيًا على قيد الحياة في البور-رويال آنئذ سوى خمس وعشرين راهبة، أصغرهن في الستين. وترقب الملك موتهن بفارغ الصبر.
وفي عام ١٧٠٩ خلف الأب اليسوعي ميشيل تيلييه البالغ من العمر ستة وستين عامًا، الأب لاشيز، كاهن اعتراف للملك. فأقر في ذهن لويس-وكان الملك قد بلغ الحادية والسبعين-أن مصير روحه الأبدي رهن بالإبادة الناجزة الكاملة للبور-رويال. وقد احتج كثيرون من الأكليروس العلمانيين على هذه العجلة وفيهم أنطوان دنواي، رئيس أساقفة باريس، ولكن الملك تغلب على معارضتهم. وفي ٢٩ أغسطس ١٧٠٩ أحاط الجند بالدير، وأطلع الراهبات على رسالة ملكية مختومة تأمر بتفريقهن فورًا، وسمح لهن بخمس عشر دقيقة يجمعن فيها أمتعتهن. ولم يجد بكاؤهن ولا دموعهن. فدفعن داخل مركبات وشتتن في مختلف الأديار الممتثلة التي تبعد من ستين إلى مائة وخمسين ميلًا. وفي ١٧١٠ هدمت مباني الدير الشهير وسويت بالتراب.
ولكن الجانسنية عاشت. لقد مات آرنو ونيكول في منفاهما بفلاندر (١٦٩٤ - ٩٥)، ولكن كاهنًا في مصلى باريس يدعى باسكييه كينيل، دافع عام ١٦٨٧ عن اللاهوت الجانسني في كتابه "تأملات أخلاقية في العهد الجديد". وقد زج به في السجن (١٧٠٣). ولكنه هرب إلى أمستردام
[ ٣١ / ١٠٩ ]
حيث أسس كنيسة جانسنية. وإذ أكتسب كتابه التأييد الكثير من الأيكروس العلماني الفرنسي، فقد أقنع لويس البابا كامنت الحادي عشر بأن يصدر مرسوم Unigenitus (٨ سبتمبر ١٧١٣) الذي أدان ١٠٤ قضية نسبت إلى كينيل. وقد استاء كثير من الأحبار الفرنسيين من المرسوم لأنه تدخل بابوي في شئون الكنيسة، واتحدت الجانسنية مع أحياء للحركة الغالية. فلما مات لويس الرابع عشر، كان في فرنسا من الجانسنيين أكثر مما كان فيها في أي عهد مضى (٨٠).
ويصعب علينا اليوم أن نفهم لم انقسمت أمة، وثارت ثائرة ملك، حول مشاكل عويصة تتصل بالنعمة الإلهية، والجبرية، وحرية الإرادة، ولكننا ننسى أن الدين كان له يومها ما للسياسة الآن من أهمية وخطر. وكانت الجانسنية الجهد الأخير الذي بذلته النهضة الأوربية في فرنسا، والانتفاضة الأخيرة للعصور الوسطى. ونحن إذا تأملناها في منظور التاريخ بدت لنا رجعية لا تقدمًا. بيد أن تأثيرها في عدة نواحٍ كان تقدميًا. فقد كافحت حينًا في سبيل قسط من الحرية-وإن كنا سنجدها في أيام فولتير أشد تعصبًا من البابوية (٨١). وحدت من شطط الإفتاء الديني. وكانت غيرتها على الأخلاق ثقلًا نافعًا أمام سياسة التراخي في أمور الاعتراف، تلك السياسة التي ربما شاركت في تدهور الأخلاق الفرنسية. كذلك كان تأثيرها التعليمي طيبًا، وكانت "المدارس الصغيرة" التي أسستها خير المدارس في زمانها. وظهر تأثيرها الأدبي لا في بسكال وحده بل في كورنبي باعتدال، وفي راسين بحيوية، وهو تلميذ البور-رويال ومؤرخه. أما تأثيرها الفلسفي فكان غير مباشر وغير مقصود، ففكرتها عن الله قاضيًا بالعذاب الأبدي على الشطر الأكبر من النوع الإنساني-بما فيهم جميع الأطفال غير المعمدين، وجميع المسلمين وجميع اليهود-لعل هذه الفكرة شاركت في دفع رجال كفولتير وديدرو إلى التمرد على اللاهوت المسيحي بأسره.
[ ٣١ / ١١٠ ]