كان العهد عهد الآداب الصارمة والأخلاق المنحلة. وكان اللباس شعيرة المركز الاجتماعي. فهو في أواسط القوم غاية في البساطة- سترة سوداء تغطي في تواضع القميص والسراويل والسيقان. أما في الصفوة فهو بهي فاخر، وهو في الرجال أبهى وأفخر منه في النساء. فكانت القبعات كبيرة لينة، لها حاشية عريضة مزركشة بجديلة من الذهب، تمال إلى أعلى في جانب أو ثلاثة جوانب، وتختال بحزمة من الريش يضمها مشبك معدني. وحين ارتقى لويس العرش نبذ- ونبذ من بعده البلاط- تلك الباروكات التي أشاع زيها أبوه الأصلع، فقد كانت تلافيف شعر الملك الشاب الكستنائي أروع وأبهى من تخبأ، ولكن حين بدأ شعره ينحل بعد ١٦٧٠، اتخذ الشعر المستعار، وما لبث أن توج كل رأس- أيا كان طموح حامله- وسواء في فرنسا أو إنجلترا أو ألمانيا، بعقوص مستعارة مبدرة تنسدل
[ ٣١ / ٤٥ ]
إلى الكتفين أو ما تحتهما، وتجعل كل الرجال يبدون سواسية إلا لضجعائهم. أما اللحى فحلقت، وأما الشوارب فاحتفل بها، ومدت القفازات إلى ما فوق الرسغ وزينت، وارتدى الجنسان فراء اليدين في الجو البارد. واستعيض عن طوق الرقبة المكشكش العالي بلفاع حريري يعقد هينًا حول العنق. وأخذ يحل محل الصدرة ثوب طويل مزخرف، وزين الفخذان بسراويل "كيلوت" تمتد إلى الركبتين وتقفل بمشابك أو تعقد بأشرطة عندها، ثم تغطى هذه الثياب- إلا من أمام- بسترة ملتفة تنتهي أكمامها بأساور واسعة تحف بها حاشية من الدنتللا. واختص القانون النبلاء بتحلية ثيابهم بوشي من الذهب أو بالأحجار الكريمة، ولكن ذوي اليسار من أي طبقة تجاهلوا هذا القانون. أما الجوارب الطويلة فكانت عادة من الحرير، وكان الذكور يلبسون الأحذية الطويلة الرقبة حتى لحفلات الرقص.
أما النساء المهذبات فكانت ثيابهن فضفاضة منسدلة تتفق وفضائلهن. وكانت صدراتهن ذات أربطة ولكن من أمام كما ناشدهن بانورج في كتاب رابليه، فكانت النهود البارزة تثب للعيون البصاصة. وأما التنورة المطوقة الأكمام المنفوخة فولت مع ريشليو. وحفلت الأرواب بالتطريز والألوان المشرقة، وكست الأحذية العالية المبهجة الأقدام المتعبة، وربط الشعر بالأشرطة، ورصع، وعطر، وجعد، في تأنق … وظهرت أولى مجلات الأزياء في ١٦٧٢.
أما آداب السلوك فكان طابعها الجلال والفخامة، وأن بقيت جلافات كثيرة تحت أبهة القبعة المرفوعة للتحية والثوب الجرار. فكان الرجال يبصقون على أرض الحجرة، ويبولون على سلم اللوفر (٧٣). وقد ينقلب المزاح وحشيًا أو بذيئًا. ولكن الحديث كان رشيقًا مهذبًا، ولو دار حول الفسيولوجيا والجنس. وكان الرجال يأخذون عن النساء آداب السلوك
[ ٣١ / ٤٦ ]
والحديث، فيتكلمون في عبارة واضحة وسليمة، ويتنكبون الحشو والحذلقة، ويناولون جميع الموضوعات مهما اشتد عمقها بمرح خفيف روحًا وعبارة. وكان الاحتداد في الجدل من سوء الأدب. وأما آداب المائدة فأخذت تتحسن. وكان الملك يأكل بإصبعه طوال حياته، ولكن استعمال الشوك كان قد راج، وشاع استعمال نحو ١٦٦٠ فوطة للمائدة. ولم يعد من المستساغ أن يمسح الضيوف أصابعهم في غطاء المائدة.
أما الفضائل الاجتماعية فلم تكن ممتازة في هذا العصر- عصر الأتكيت والبروتوكول. وتضاءل الإحسان بازدياد ثراء الطبقات العليا. وكانت الأخلاق أسلم ما تكون في الطبقات حيث يسر الشعور بالأمن حسن السلوك، وحفزته الرغبة في الارتقاء. وكان المثل الأعلى عند جميع الطبقات هو L'honn (te Homme وليس المقصود بالعبارة الرجل الأمين، بل الرجل الشريف، الذي يجمع بين كرم النشأة والعادات وبين حسن السلوك. أما الأمانة فقلما كان يتوقعها القوم من إنسان. فقد انتشرت الرشوة في المناصب على الرغم من لوائح كولبير ونظام الجاسوسية الملكي، وشجع عليها بيع الوظائف الحكومية مصدرًا من مصادر إيراد الدولة. وانبعثت الجريمة من جشع الأغنياء، وفقر الفقراء، والتفجرات الغضبة في جميع الطبقات. وآية ذلك أن من السيدات العريقات النسب من أفدن من خدمات كاترين مونفوازان أو المركيزة برانفلييه، وكلتاهما حذقت تحضير السموم الطويل المفعول، وشاع القتل بالسم شيوعًا اقتضى إنشاء محاكم خاصة لتفصل في قضاياه (٧٤). أما كاترين مونفوازان فقد مارست الطب، والتوليد، والسحر، وساعدت كاهنًا مرتدًا ترتيل "القداس الأسود" التماسًا لمعونة الشيطان، وكانت تدبر إجهاض النساء وتبع السموم وأشربة الغرام. ومن زبائنها أوليمب مانتشيني، ابنة أخت مازاران، والكونتيسة جرامون، ومدام دمونتيسبان خليلة الملك. وفي ١٦٧٩ فحصت لجنة نشاط "لافوازان" ووجدت الأدلة على اشتراك العدد العديد من كبار أفراد الحاشية، الأمر
[ ٣١ / ٤٧ ]
الذي حدا بلويس إلى حظر إذاعة التحقيق (٧٥). وأحرقت لافوازان حية (١٦٨٠).
ويدخل في أخلاق الأفراد انحرافاتهم العادية. وقد نص القانون على عقاب للواط بالإعدام، وما كانت أمة تتخذ أهبتها للحرب، وتدفع الإعانات على الأطفال، لتسمح بانحراف الغرائز الجنسية عن جادة الأنسال، ولكن مطاردة أمثال هؤلاء المنحرفين كانت عسيرة في وقت كان فيه شقيق الملك لوطيًا يشار إليه بالبنان، ويأنف القوم من ازدرائه ولكنهم يرونه فوق القانون. أما الحب بين الجنسين فقد تقبلوه على أنه تخفف رومانسي من أعباء الزواج، لا مبرر يدعو للزواج. وقد رأوا أن اقتناء الثروة. أو حمايتها، أو نقلها، أهم في الزواج من محاولة الإبقاء على عواطف الساعة العابرة طوال العمر. ولما كانت معظم زيجات الطبقة الأرستقراطية لا تعدو أن تكون ترتيبًا لتنظيم الملكية، فإن المجتمع الفرنسي أغضى عن التسري، فكان لكل قادر تقريبًا خليلة، وكاد الرجال يفاخرون بغرامياتهم مفاخرتهم بمعاركهم الحربية. أما المرأة فتشعر أنها مهجورة منبوذة إذا لم يلاحقها الرجال سوى زوجها، وكان بعض الخائنين من الزواج يغضون عن خيانات زوجاتهم. يقول شخص في مسرحية لموليير: "أفي الدنيا كلها بلد آخر يبلغ فيه صبر الأزواج مبلغه في هذا البلد (٧٦)؟ " في هذا المناخ الكلبي نشأت أمثال لاروشفوكو. وكان القوم يحتقرون البغاء إذا تجرد من الكياسة، ولكن امرأة كنينون دلانكلو، جملته بالأدب والظرف، استطاعت أن تحظى بشهرة تداني شهرة الملك.
كان أبوها نبيلًا حر الفكر، ومبارزًا بارعًا. وكانت أمها شديدة الحرص على الفضيلة، ولكنها (إذا صدقنا ابنتها) "مجردة من مشاعر الحس … وقد ولدت ثلاثة أطفال وهي لا تكاد تلحظ الأمر (٧٧) ". ومع أن نينون لم يتح لها التعليم المنهجي، فإنها التقطت من المعارف قدرًا
[ ٣١ / ٤٨ ]
لا يستهان به، متعلمة الكلام بالإيطالية والأسبانية، ربما لتستعين بهما في هذه التجارة الدولية، وقرأت مونتيني وشارون، بل قرأت ديكارت، وأخذت عن أبيها تشككه. وقد جعلت مناقشتها حول الدين في فترة لاحقة دسفينييه ترتعد (٧٨). قالت نينون "إذا احتاج إنسان إلى دين ليسلك في هذه الدنيا كما ينبغي، فتلك علامة إما على ضيق عقله، أو على فساد قلبه" (٧٩). وكان من الجائز أن تخلص من ذلك إلى ضرورة الدين لجميع الناس تقريبًا، ولكنها بدلًا من هذا انزلقت إلى البغاء وهي لا تتجاوز الخامسة عشرة (١٦٣٥). وقالت في استهتار "إن الحب عاطفة لا تنطوي على أي التزام خلقي (٨٠) " فلما خلعت العذراء وجهرت بفوضاها الجنسية، أمرت آن النمساوية بحبسها في دير للنساء. وروى أنها فتنت راهبات الدير بظرفها وحيويتها، واستمتعت بحبسها كأنها فرصة للاستجمام. وفي ١٦٥٧ أفرج عنها بأمر الملك.
لقد كان فيها ما هو أكثر كثيرًا من مجرد المحظية، حتى إنها سرعان ما ضمت إلى لفيف المعجبين بها عددًا كبيرًا من أبرز الرجال في فرنسا، ومنهم نفر من الحاشية (٨١)، من الملحن لولى إلى كونديه العظيم ذاته. وكانت تجيد العزف على الهاربسيكورد، وتحسن الغناء، يقصدها لولى ليجرب ألحانه الجديدة. وقد حوت قائمتها ثلاثة أجيال من آل سفينيه- زوج كاتبة الرسائل اللطيفة، وابنها، وحفيدها (٨٢). وأقبل الرجال من خارج فرنسا يلتمسون ودها. قالت "لم يتشاجر علي عشاق قط، فقد كانوا يثقون في قلبي، وكان كل منهم ينتظر دوره (٨٣) ".
وفي ١٦٥٧ افتتحت صالونًا، ودعت إليه رجال الأدب والموسيقى والفن والسياسة والحرب، وأحيانًا زوجاتهم، وأذهلت باريس بما أبدت من ذكاء لا يقل عن ذكاء أي امرأة في جيلها أو ذكاء أكثر الرجال، فلقد طالعهم فيها عقل مينيرفا من خلف وجه فينوس. يقول فيها قاض صارم هو سان- سيمون:
[ ٣١ / ٤٩ ]
"كان من المفيد لإنسان أن تستقبله في صالونها نظرًا إلى الاتصالات التي يكونها عن هذا الطريق. ولم يدر في صالونها أي لعب للقمار، ولا ضحك عالٍ، ولا مجادلات، ولا حديث في الدين أو السياسة، بل دار الكثير من الحديث الذكي الرشيق … وأنباء الغرام، ولكن دون فضح أو تشهير. كان كله حديثًا مهذبًا خفيفًا محسوبًا، وكانت هي نفسها تغذي الحديث بذكائها وعلمها الغزير (٨٤) ".
وأخيرًا أثارت فضول الملك نفسه، فطلب إلى مدام دمانتينون أن تدعوها إلى القصر، واستمع إليها من وراء ستار، فافتتن بها، وكشف لها عن وجوده وقدم نفسه إليها. وكانت في هذه الفترة (١٦٧٧؟) قد كسبت ما يشبه الاحترام، وخلعت عليها أمنتها البسيطة وأياديها الكثيرة سمعة أشرف، فكان الرجال يودعون لديها المبالغ الكبيرة مطمئنين، واثقين دائمًا من إمكان استردادها حين يشاءون، ولاحظت باريس كيف كانت نينون تزور الشاعر سكارون كل يوم تقريبًا حين أقعده الشلل، وكيف كانت تأتيه بأطايب الطعام التي يعجز عن دفع ثمنها.
ولقد عمرت بعد أصدقائها كلهم تقريبًا، حتى سانت إفريمون التسعيني، الذي كانت رسائله التي يبعث بها من إنجلترا عزاء لشيخوختها. كتبت له تقول: أحيانًا أضيق بعمل نفس الأشياء دائمًا، ويعجبني السويسريون الذين يلقون بأنفسهم في النهر لهذا السبب (٨٥) ". وكانت تضيق بالتجاعيد. "إذا كان لزامًا أن يبتلي الله المرأة بالغضون، فأولى به على الأقل أن يضعها على باطن قدمها (٨٦) ". فلما دنت منيتها، تنافس اليسوعيون، والجانسنيون على شرف هدايتها للإيمان، فاستسلمت لهم في لطف، وماتت في أحضان الكنيسة (١٧٠٥) (٨٧). ولم تترك في وصيتها سوى عشرة إيكوات لجنازتها، حتى تكون أبسط ما يستطاع، ولكن "أطلب في تواضع إلى المسيو آرويه"- وهو وكيلها- "أن يسمح لي بأن أترك لابنه، الذي
[ ٣١ / ٥٠ ]
يتلقى العلم عند اليسوعيين، ألف فرنك ليشتري بها كتبًا (٨٨) ". واشترى الابن الكتب، وقرأها، وأصبح فولتير.
إن أروع السحر الذي توج هامة المجتمع الفرنسي هو أن حافز الجنس امتد إلى الذهن، وأن النساء تنبهن ليضفن الذكاء إلى الجمال. وأن الرجال روضن النساء على السلوك المؤدب، والذوق السليم، والحديث المهذب؛ وفي هذا كان القرن (الممتد من ١٦٦٠ إلى ١٧٦٠) في فرنسا أوج الحضارة. في ذلك المجتمع كثرت النساء الذكيات كثرة لم تعهد من قبل، فإذا جمعهن إلى الذكاء فتنة الوجه أو الجسد، أو سحر الاهتمام الناشئ عن الرقة واللطف، أصبحن قوة تهذيب عارمة. وكانت الصالونات تدرب الرجال على الحساسية لرقة الأنثى، والنساء على التجاوب مع عقل الذكر. وفي هذه اللقاءات طور فن الحديث حتى بلغ شأوًا لم يبلغه من قبل ولا من بعد-فن تبادل الأفكار دون مغالاة أو خصومة، بل في مجاملة، وتسامح، ووضوح، وخفة، ورشاقة. ولعل هذا الفن كان أقرب إلى الكمال في عهد لويس الرابع عشر منه في أيام فولتير-أقل ألمعية وظرفًا، ولكن أكثر مادة ومودة. كتبت مدام دسفينيه إلى ابنتها تقول "بعد الغداء مضينا إلى السمر في ألطف غابات الدنيا، وظللنا هناك إلى السادسة، مشتغلين بمختلف ألوان الحديث، البالغ العطف، والرقة، واللطف، والكرم، مما مس شغاف قلبي (٨٩) " وقد عزا كثير من الرجال الفضل في تسعة أعشار تعليمهم إلى مثل هذا التبادل والاتصال الاجتماعي بين الجنسين (٩٠).
وفي الغرفة الزرقاء بالأوتيل درامبوييه كان أول الصالونات يسطع ببهائه الأخير. أمه كونديه وإن لم يلمع فيه، وأمه كورنبي، ولاروشفوكو، والسيدتان لافاييت ودسفينيه، ودوقة لونجفيل، والجراند مدموازيل. هناك أرست النساء المتحذلقات Les Femmes Pr (cienses قواعد السلوك الدقيق والحديث المصقول. ولكن حرب الفروند قطعت هذه اللقاءات، ورحلت مدام درامبوييه إلى الريف، مع أن "أوتيلها" (قصرها) فتح بعد
[ ٣١ / ٥١ ]
ذلك أبوابه ثانية لعبقري فرنسا (موليير)، فإن باكورة تمثيلياته Les Pr (cieuses Ridicules (المتحذلقات المضحكات) (١٦٥٩) كانت ضربة قاضية عليه. وطوى أول الصالونات المشهورة بموت مؤسسته في ١٦٦٥.
وواصلت هذا التقليد صالونات أخرى، في بيوت السيدات دلا سابليير، ودلامبير، ودسكوديري- وآخرهن أشهر كتاب الرواية في هذا العصر، وأولاهن امرأة جذبت الرجال بحسنها رغم حبها للفيزياء، والفلك، والرياضة، والفلسفة. في صالونات كهذه زكت النساء العالمات Femmes Savantes اللائي أثرن سخرية موليير في ١٦٧٢. ولكن كل هجاء ليس إلا نصف الحقيقة، ولعل موليير في لحظاته الفلسفية كان يقر بحق النساء في أن يشاركن في حياة جيلهن الفكرية. فنساء فرنسا، أكثر حتى كم كتابها وفنانيها، هن تاج حضارتها، والمفخرة العظمى لتاريخها.