فلنبدأ لفورنا هنا بالتفريق بين عامة الشعب وأبناء الطبقات العليا، فالاستهتار الجنسي الذي ساد فترة عودة الملكية، سرى عن طريق الحاشية إلى الطبقة الوسطى العليا وسكان المدن وما حولها الذين ترددوا على المسارح وربما كانت أخلاق العامة المغمورين أفضل منها في عصر اليزابيث، لأن النظام الاقتصادي أبقاهم على اعتدالهم وبعدهم عن السرف، فلم يكونوا يملكون الوسائل التي يتردون بها إلى مهاوي الرذيلة والشر، وطلوا يحسون بوازع من عقيدتهم البيوريتانية. في الحاشية الملكية، فإن التحلل من القيود البيوريتانية ورد الفعل النتاج عن ذلك، أديا إلى اتصال جنسي غير مشروع ومرح صاخب غير بريء. أما الشباب الأرستقراطي الذي خلع من أرض الوطن وأطلق لنفسه العنان في فرنسا، فقد ترك أخلاقه وراءه في المنفى، وأتى معه لدى عودته بضروب من الفوضى الموسومة بالرشاقة والظرف، وانتقامًا منهم للسنوات التي عانوا فيها عنت الظلم والحرمان والسلب والنهب، شنوا بكل ما أتوا من قوة وذكاء، الحرب على زي البيوريتانيين وحديثهم ولاهوتهم ومبادئ الأخلاق عندهم، إلى حد لم يجرؤ معه أحد من أبناء طبقتهم أن ينبس ببنت شفه من أجل الحشمة والوقار. وباتت الفضيلة والتقوى والأمانة الزوجية كلها ألوانًا من البراءة أو السذاجة الريفية وأصبح الزاني الذي يوافق كل التوفيق غي هذه الرذيلة، هو بطل عصره وفريد زمانه، (كما هو الحال في رواية وتشر لي: الزوجة الريفية) والواقع أن الديانة فقدت مكانتها
[ ٣٢ / ١٤٢ ]
واعتبارها بين الناس، ولم يبق لها شيء من هذا إلا عند الحرفيين والفلاحين، وصار الواعظ موضع احتقار والازدراء على أنهم منافقون كئيبون أغبياء مزعجون مملون ثقال الظل. وأصبحت الديانة الوحيدة الصالحة للسيد الماجد هي الأنجليكانية المهذبة التي يحضر فيها المولى (رب العمل أو مالك الأرض) صلاة الأحد لتدعيم مركز القسيس الذي زرع الخوف من نار الجحيم في نفوس القرويين، ويسبح بالحمد والشكر، وفي إيجاز مناسب، من جانب المنصة التي يجلس إليها المولى أو سيد القرية. وأصبح أقرب إلى طابع العصر أن يكون المرء ماديًا على مذهب هوبز، لا مسيحيًا مثل ملتون، الأحمق العجوز الأعمى الذي نظر إلى سفر التكوين على أنه تاريخ، وفقدت نار الجحيم التي بولغ فيها في العشرين سنة الماضية، رهبتها وهيبتها لدى طبقات المالكين. أما الجنة في رأيهم، فهي مائلة دومًا في مجتمع متحرر من الثورة الاجتماعية والكبت الخلقي في ظل حاشية وملك ضرب المثل وتقدما الركب في الفسق والفجور والميسر واللهو والعبث.
وكان ثمة عدة رجال أفاضل ونساء فضليات بين أفراد البلاط الملكي، وكان كلاردند مثلًا رجلًا ذا المبادئ وسلوك قديم حتى سارت ابنته في طريق الغاوية فاهتاج وفقد صوابه، وأوصى بقتلها وتحلى أرل سوثمبتون الرابع ودوق أورمند الرابع بالحشمة والوقار، وكان من بين رجال الدين الأنجليكانيين نفر من المخلصين الأتقياء، حتى من الأساقفة أو ذوي المراتب الكنيسة العالية. وصدقت عزيمة الملكة وليدي فانشو والآنسة هملتون، والسيدة جودولفين فيما بعد، في التمسك بأهداب الفضيلة. ويقينًا كان هناك أفراد غير هؤلاء وهؤلاء، ضاعت ذكراهم في ثنايا التاريخ لأن الفضيلة لا تعلن عن نفسها.
وكلما علت المكانة انحطت الأخلاق. فهناك جيمس، دوق يورك، شقيق الملك، الذي يبدوا أنه بز الملك في حصته من الخليلات العشيقات (١٠١). وبينما هو في المنفى تسلل إلى مخدع آن هايد ابنة قاضي القضاة، فلما حملت
[ ٣٢ / ١٤٣ ]
منه توسلت أن يتزوجها ولكنه كان يماطل، وأخيرًا وقبل أن تضع وليدها بسبعة أيام (٢٢ أكتوبر ١٦٦٠) أتخذ منها زوجة شرعية سرًا. وعندما سمع أبوها (كلارندون) بنبأ هذا الزواج، كما تروي سيرة حياته (١٠٢) احتج لدى الملك بأنه لم يعلم شيئًا عن هذا الاتفاق، وأنه "كان يؤثر أن تكون ابنة خليله الدوق لا زوجته، وأنهما إذا حقًا كان قد تزوجا "فينبغي على الملك أن يزج بالمرأة في السجن فورًا"، وأن يصدر في الحال قرار من البرلمان بقطع رأسها، وأنه لن يوافق على هذا القرار فحسب، بل سيكون عن طيب خاطر أول من يقترحه". وهز الملك كتفيه استهجانًا للموضوع على أنه هراء لا غناء فيه، وكان يسمع جعجعة ولا يرى طحنًا، وربما أدرك قاض القضاة أن الملك لن يلزمه بكلمته. وتحدث في صراحة وتجهم، على الطريقة الرومانية، ليعوض عما أثار من ريبة من أنه رتب أمر الزواج من قبل، ليجعل من أبنته ملكة على أن أبنته آن ماتت بالسرطان في ١٦٧١، في سن الرابعة والثلاثين.
واتخذ جيمس، بينما كانت زوجته (آن) تعاني من مشاكل الأمومة، من أرابللا عشيقة له، وهي التي أرتضى أخوها هذا الوضع حتى يحظى بالترف في مناصب الجيش. ورغبة في معاونة آن وأرابللا والتخفيف عنهما اتخذ الدوق بضع خليلات لمضاجعته واستاء إيفلين بصفة خاصة من سلوكه الشائن مع ليدي دنهام (١٦٦٦) (١٠٣). ولم يغير تحول جيمس إلى الكثلكة من خلقه شيئًا. فكان كلما كتب بيرنت "دائم التنقل من غرام إلى غرام دون أن يحسن الاختيار، حتى قال الملك يومًا أنه يعتقد أن القساوسة هم الذين يقدمون له العشيقات عقوبة يكفر بها عن ذنوبه (١٠٤) " ودامت علاقته بأرابللا نغمة عذبة من الأرغن، وسط هذا التنقل بين مطارح الهوى، وبقيت بعد موت آن، وبعد زواج جيمس (١٦٧٣) من ماري مودينا.
وينبغي علينا أن نضيف إلى ما ذكرنا، أن دوق يورك نفسه كان يتحلى بمناقب تدعو إلى الإعجاب، فإنه- وهو أمير البحر
[ ٣٢ / ١٤٤ ]
(١٦٦٠ - ١٦٧٣)، بذل أقصى الجهد في التغلب على سوء النظام والفساد في البحرية، نتيجة لضآلة الأجور والمؤن التي تصرف لرجال البحر وتدريبهم الهزيل، وأبدى مهارة وشجاعة في اشتباكاته مع الهولنديين. ونهض بمهام الإدارة في مقدرة وإخلاص. ولم تشب أية شائبة قط إخلاصه العميق لأخيه الملك، بل أنتظر صابرًا طيلة ربع قرن من الزمان قبل أن يخلفه على العرش. وكان صريحًا مخلصًا يسهل الوصول إليه، ولكنه كان شديد التكلف بمكانته وسلطانه إلى حد لم يكن معه شعبيًا، وكان صديقًا يقيم على الود، وعدوًا عنيدًا لا يغتفر الإساءة. وكان ذا جلد على العمل الشاق ولكنه لم يكن متوقد الذكاء. وكان يأنبى النصح والمشورة أيما إباء.
وكان يحتل المركز الثاني في البلاط، جورج فليبر دوق بكنجهام الثاني. وكان ابن محظية جيمس الأول التي لقيت حتفها، ومن ثم قاتل إلى جانب شارل الأول في الحرب الأهلية، ومع شارل الثاني في وورسستر، وعينه الملك الذي أسترد العرش عضوا في مجلسه الخاص وكان بارعًا ذكيًا أنيسًا كريمًا، ولذلك سيطر في البلاط بسحره وفتنته لبعض الوقت، وكتب "ملهاة" رائعة. "التجربة"، وتلهى بالكيمياء القديمة والعزف على القيثارة إلى حد ما. ولكن وجهه وثراءه جلب عليه الدمار. أنه تنقل من امرأة إلى أخرى، وانغمس في عبث مخز شائن. وبدد ضيعته الهائلة. وكان يتوق إلى الظفر بكونتيس شروزبري، فتحدى زوجها لمبارزته، وتنكرت هي في زي خادم، وأمسكت بجواد بكنجهام أثناء المبارزة، وصرع بكنجهام الكونت، وعانقت الأرملة السعيدة الدوق المنتصر الذي كان لا يزال مضجرًا بدم زوجها، وعادا ظافرين إلى قصر الفريسة (١٠٥). وعزل بكنجهام عن منصبه (١٦٧٤)، وانصرف إلى اللهو والعبث، ومات فقيرًا معدمًا يجلله الخزي والعار.
وكان ينافس بكنجهام في المكانة والذكاء والقصف والعربدة والانحلال
[ ٣٢ / ١٤٥ ]
جون ولموت أرل روشستر الثاني، حصل جون على درجة الأستاذية من أكسفور في سن الرابعة عشر (١٦٦١) وهو أمر لا يصدق، والتحق بالبلاط في سن السابعة عشر. وأصبح المشرف على حجرة الملك. وكان في حاجة إلى المال وهو في سن التاسعة عشرة، فتودد إلى وريثة ثرية تباطأت في تحقيق بغيته، فاختطفها، ومن أجل ذلك زج به في السجن، فرق قلبها له، ثم حظي بالزواج منها، ثم بثروتها، وكم من مرة أبعده شارل عن الحاشية وأعاده إليها، مستسيغًا فطنته وذكاءه. وكان روشستر - مثل بكنجهام- خبيرًا في التقيد والمحاكاة، وكان يسر بالتنكر في زي حمال أو متسول أو تاجر أو طبيب ألماني، وكان يوفق في هذا التمثيل والمحاكاة إلى حد ضلل أو خدع معه أوثق أصدقاء صلة به. وزعم بوصفه طبيبًا أنه يبرئ من الأدواء المستعصية عن طريق علمه بالتنجيم. وجذب إليه مئات من المرضى، وشفى عددًا منهم، وسرعان ما قصدت إليه سيدات البلاط لعلاجهن، وعجز أولئك الذين عرفوه حق المعرفة، عن التعرف عليه (١٠٦) وفي كل هذه التكرات تقريبًا كان يطارد السيدات، دون أي اعتبار إلى مكانتهم. وكن هن يتعقبنه كذلك. وتسلى جون بكتابة قطع من الهجاء البذيء الداعر. وقضى على حياته بالخمر والفجور. وكان يفخر بأنه كان ثملًا مخمورًا لمدة خمسة سنوات بلا انقطاع -ومات فقيرًا نادمًا في السن الثالثة والثلاثين.
وكان في الحاشية رجال كثيرون من أمثال ولموت، حتى أن بيبز نفسه، وهو غيرها وللزنى تسائل: "ماذا تكون نهاية كل هذا الشراب وهذا السباب وهذه العلاقات الغرامية الفاجرة (١٠٧) " وعبر بوب عن هذه الحالة في "بحث في النقد"، ولكنه لم ينصف الملك كل الإنصاف، فهو يقول:
"إذا كانت المهمة الهينة اللينة للملك عي العشق والغرام، فقلما نراه في مجلس الحكم، ولا نراه أبدًا في ساحة الوغى، فإن الدولة يحكمها النساء الحانثات بالعهد اللائى ينتقلن من حب إلى حب، أما رجال الدولة والسياسة فيكتبون المسرحيات الهزلية والساخرة ولا ستفاد بذوي المواهب،
[ ٣٢ / ١٤٦ ]
واللوردات الشبان اليافعون خلو من الذكاء والفطنة، ولم تعد المروحة المتواضعة المتحشمة ترفع، وعلت الابتسامة وجوه العذارى لما كانت وجناتهن تحمر له حياء وخجلًا من قبل (١٠٨).
وكان من الأمور المسلم بها أن الزوجات -مثل الأزواج- تعوزهن الأمانة والإخلاص، فإن الرجال لم يطلبوا الأمانة والإخلاص إلا في عشيقاتهم (١٠٩). إن مذكرات كونت فيليبرت دي جرامونت التي دونها بالفرنسية أخو زوجته، أنطوني هملتون، كانت، أحيانًا، عبارة عن قائمة بالمغرورين المختالين، أو سلسلة من الديوثين الذين لا يغارون على زوجاتهم وهم يعملون أنهن يأتين الفاحشة، كما رآهم الكونت في منفاه السعيد في بلاط شارل الثاني.
وكم كانت الساعات تقضى وتخصص للرقص وسباقات الخيل وصراع الديكة ولعب البليارد والورق والشطرنج، والألعاب الرياضية والحفلات التنكرية المرحة، ثم كما يقول بيرنت "يطوف الملك والملكة وكل أفراد البلاط، وهم جميعًا متنكرون، بالبيوت الغير معروفة، حيث يرقصون ويلعبون ويلهون في صخب فاجر (١١٠) " وكانت المراهنات على مبالغ طائلة. يقول ايفلين "في هذه الليلة، افتتح جلالة الملك الحلبة، كما هي العادة، فألقى "الزهر" بنفسه في القاعة الخاصة، … وخمس مائة جنيه. (وكان قد كسب في العام الماضي ١٥٠٠ جنيه). وأقبلت السيدات على اللعب إقبالًا شديدًا (١١١) "وحذت الطبقات العليا حذو الحاشية في القمار والدعارة. وتحدث ايفلين عن شباب إنجلترا الفاسق الفاجر الذي فاقت إلى حد كبير دعارته سائر الأمم المتحضرة مهما كانت (١١٢). وانتشر اللواط، وبخاصة في الجيش. وكتب روشستر رواية عنوانها "سودومي" (نسبة إلى سودوم قرية قوم لوط) مثلت أمام الحاشية، والظاهر أنه كان في إنجلترا عددًا من المواخير لهذا الاختلاط الجنسي الشاذ (١١٣).
[ ٣٢ / ١٤٧ ]
وكان عدد الزيجات القائمة على الحب يتزايد، وهناك أمثلة رائعة، منها زواج دوروتي أو زيورن من وليم تمبل، الذي ثبت أنه زواج سعيد، ولو أن دوروتي كتبت تقول: "ليس الزواج القائم على الحب تصرفًا معيبًا ملومًا، إذ كنا لم نر من بين ألف من الزوجين الحبيبين الذين يقدمون عليه، زواجًا واحد يمكن أن يتخذ مثلًا على أن يكون إتمامه دون ندم عليه في المستقبل (١١٤) ". وكتب سويفت إلى سيدة شابة في موضوع زواجها فتحدث عن الشخص الذي اختاره أبوها ليكون زوجا لها. وأضاف "أن زواجك كان قائمًا على الحكمة والحصافة والتدبير والشعور والطيب المتبادل، خاليًا من عوائق الانفعال السخيف في حب الرومانتيك (١١٥) ". ويذكر كلارندون: "إن رغبتي الأولى في الزواج لم تتعلق إلا بضيعة ملائمة مريحة (١١٦) ".
ومن الناحية النظرية كان للزوج كل السيطرة على زوجته، كما يتحكم حتى في الصداق الذي أتت به إليه. وفي كل الطبقات كانت مشيئة الزوج قانونًا. وفي الطبقات الدنيا أستعمل الزوج حقوقه المشروعة في ضرب زوجته، ولكن القانون حرم عليه استعمال عصا يجاوز سُمكها سُمك إبهامه (١١٧). وكان انضباط الأسرة أو نظامها انضباطًا قويًا، اللهم إلا في الطبقات العليا في لندن، حيث شكا كلارندون من أن الوالدين ليس لهما لأي سلطان على الأبناء، كما أن هؤلاء لا يذعنون للآباء ولا يطيعونهم. بل "أن كل إنسان يتصرف كما يحلو له" (١١٨). وكان الطلاق نادرًا، ولكن يمكن إجازته بقرار من البرلمان. ورأى الأسقف بيرنت -مثل لوثر وملتون- أنه يمكن السماح يتعدد الزوجات في حالات معينة، وعرض هذه الفكرة على شارل الثاني، بسبب عقم الملكة، ولكن الملك رفضها، تحاشيًا للتمادي في إذلال زوجته (١١٩).
وهددت الجريمة الأرواح والممتلكات بشكل مستمر. وكان اللصوص والنشالون يجتمعون في عصابات ويسطون في جنح الليل، وكانت المبارزة
[ ٣٢ / ١٤٨ ]
محرمة بحكم القانون، ولكنها بقيت امتيازًا للسادة الاماجد، فإذا صرع مبارز غريمة وفقًا للقواعد، نجا المنتصر عادةً بسجن قصير مريح. وسعى القانون جاهدًا ليكافح الجريمة عن طريق ما يبدو الآن من عقوبات وحشية. ولكن ربما كانت الإجراءات الصارمة لازمة لغزو العقول المتحجرة أو المتبلدة. وكان التعذيب والموت عقوبة الخيانة العظمى. وكان الشنق عقوبة القتل أو الجناية أو تزييف العملة، وكانت الزوجة التي تقتل زوجها تحرق حية. أما السرقات الخفيفة فكانت عقوبتها الجلد، أو قطع إحدى الأذنين، وضرب أي فرد من حاشية الملك يعاقب بقطع اليد اليمنى. أما التزوير والخداع وغش الموازيين والمقاييس فكانت عقوبتها التعذيب في المشهرة، أحيانًا مع دق الأذنين كلتيهما بالمسامير في آلة التعذيب، أو ثقب اللسان بقضيب من الحديد المحمي (١٢٠). وكان الناس عادة يستمتعون بمشاهدة مثل هذه العقوبات (١٢١)، ويحتشدون، وكأنهم في يوم عطلة، ليشهدوا سجينًا على حبل المشنقة. وضمت السجون في عهد الملك السعيد عشرة آلاف سجين من أجل الديون، وكانت السجون قذرة، ولكن كان من الممكن أن يقدم الحراس بعض التيسيرات مقابل رشوة. كانت العقوبة أشد صرامة وقسوة منها في فرنسا المعاصرة، ولكن القانون كان أكثر تحررًا. ولم تكن في إنجلترا "أوامر مختومة" (لا لقاء أي شخص في السجن دون محاكمته)، بل كان فيها نظام التحقيق في قانونية الاعتقال. إلى جانب نظام المحلفين.
وشاركت الأخلاقيات الاجتماعية في الانحلال العام. وتزايدت أعمال البر. ولكن ربما كان الواحد والأربعون ملجأ في إنجلترا مجرد وجه آخر لجشع الأقوياء، وكان كل فرد تقريبًا يعمد إلى الغش أثناء لعب الورق (١٢٢) ودب الفساد في كل الطبقات بمعدل أكبر من المستوى العادي. ومن مذكرات بيز تفوح رائحة الفساد في مختلف الأعمال، في السياسة وفي البحرية وفي بيبز نفسه. من ذلك أن المؤسسات والمصانع زادت في أسهمها دون زيادة مقابلة في رأس المال، وزورت في حساباتها، وتقاضت من
[ ٣٢ / ١٤٩ ]
الحكومة أثمانًا فادحة (١٢٣). وكانت الاعتمادات التي يقرها البرلمان للجيوش أو الأسطول يتحول جزء منها إلى جيوب الموظفين ورجال البلاط. وباع موظفي الدولة -حتى ولو كانت رواتبهم كافية تدفع بانتظام- الألقاب والعقود والبراءات والتعيينات وأوامر العفو، إلى حد بات معه الراتب الأصلي يشكل الجزء الأصغر مما يدخل إلى جيوبهم (١٢٤) ". وأثري كبار رجال الحكومة مثل كلارندون ودانبي وسندرلند -أثروا في سنوات قليلة واشتروا أو بنوا ضياعًا لا تتناسب قط مع رواتبهم. وباع أعضاء البرلمان أصواتهم للوزراء، بل حتى للحكومات الأجنبية (١٢٥) وفي القرارات انتزع مائتا عضو من صفوف المعارضة، نتيجة لأن الوزراء اشتروا أصواتهم (١٢٦). وفي ١٦٧٥ قدر أن ثلثي أعضاء مجلس العموم كانوا مأجورين من قبل شارل الثاني، والثلث الباقي من قبل لويس الرابع عشر (١٢٧) حيث وجد العاهل الفرنسي أنه من الميسور أن يرشوا الأعضاء ليصوتوا ضد شارل إذا حاد بشكل مزعج عن سياسة البوربون. أما شارل نفسه فكم من مرة تسلم أموال طائلة من لويس، حتى يلتزم الدوران في فلك فرنسا في السياسة أو الدين أو الحرب، وهكذا كان المجتمع الإنجليزي أكثر المجتمعات استهتارًا وفسادًا في التاريخ.