كان المثالون أقل حظوة وثوابًا في هذا العهد من المصورين. ومع ذلك فالمنحوتات المرمرية القديمة هي التي اشتهى لبرون أن تصاغ على غرارها جميع الفنون. وقد أنفقت الأموال الطائلة وسخرت المواهب الكثيرة في شراء أو نسخ التماثيل التي بقيت على قيد الحياة بعد انهيار العالم القديم. ولم يقنع لويس بالنسخ طبعًا. وإذ كان يذكر حدائق سالوست وهادريان الرومانية، فقد استخدم لفيفًا من المثالين الأكفاء لينفخوا بتماثيلهم الحياة في بستان فرساي. وأقيمت الزهريات الضخمة كزهرية الحرب التي صنعها كوازيفوكس في حوض نبتيون، وعلى شرفة القصر؛ ونحت الشقيقان جاسبار وبلتازار دمارسي "حوض باخوس" العظيم، وأبرز جان باتست
[ ٣١ / ١٥٥ ]
من البحيرة تمثاله الرائع "مركبة أبوللو" والإله الشمس فيه يرمز للملك، ونحت فرنسوا جيراردون في الحجر من "الحوريات المستحمات" ما لم يكن برا كستليز ذاته ليأنف من نسبته إليه.
وتطلع جيراردون قرنًا إلى الخلف ليرى كيف صور بريماتتشو وجوجون جسد الأنثى في صورة كاملة. وعاد إليه ذلك الحسن الانسيابي الذي اتسم به الفن الهيليني، ربما في إسراف، ومهما بحثنا وفتشنا فإننا لم نجد إلى الآن إناثًا كاملات الأجساد كأولئك اللاتي نجدهن في تمثالي "اغتصاب بروزيربين (١٧) ". ولكنه كان قادرًا على التعبير عن حالات نفسية أقوى من هذه. وقد صنع لميدان فاندوم تمثالًا للويس الرابع عشر محفوظًا الآن في اللوفر، ونحت لكنيسة السوربون مقبرة فخمة لريشليو. وقد أحبه لبرون لأنه تجاوب في لطف مع ذوق الأكاديمية وأهدافها. وخلف لبرون كبيرًا لمثالي الملك، ورأس الأكاديمية بعد وفاة منيار. ومع أنه ولد قبل لويس بعشرة أعوام إلا أنه عمر بعده شهورًا، ومات في ١٧١٥ وهو في السابعة والثمانين.
أما أنطوان كوازيفوكس فكان إنسانًا أرق من اسمه، محببًا إلى الناس كتمثاله "دوقة برجندية". ولد بليون، وكان ينحت لنفسه مكانًا بين المثالين حين دعاه لبرون ليساعد في زخرفة فرساي. وقد بدأ بصنع نسخ أو مقتبسات رائعة من التماثيل القديمة. فنحت عن تمثال رخامي قديم في فيللا بورجيزي "حورية المحارة"، وعن تمثال في قصر مديتشي بفلورنسة نقل "فينوس الجاثمة" وكلا التمثالين محفوظ في مستودع الفن المحظوظ الذي نسميه اللوفر. وما زال في مكانه بفرساي تمثاله "كاستور وبولكس" الذي نقله عن مجموعة بحدائق لودوفيزي بروما. وما لبث أن أنتج أعمالًا أصيلة فيها قوة لا يستهان بها. فنحت لبستان فرساي تماثيل كبيرة تمثل نهري الجارون والدوردون، ولساحة قصر مارلي رمزين شبيهين بهذين لنهري السين والمارن.
[ ٣١ / ١٥٦ ]
وفي حدائق التويلزي اليوم أربعة تماثيل رخامية نحتها لمارلي، وهي فلورا (ربة الزهر) -والشهرة، وحوريات الغابات، وعطارد راكبًا بيجاسوس. وقد خرج من تحت إزميله الكثير من الزخارف المنحوتة في حجرات فرساي الكبرى.
وظل يكدح في فرساي ثمانية أعوام، وقضى خمسة وخمسين عامًا في خدمة الملك. فنحت له اثني عشر تمثالًا، أشهرها تمثاله النصفي في فرساي، وأصبح في النحت ما كان منيار في التصوير-أحب نحاتي الوجوه إلى الناس في فرنسا. وبدلًا من أن يتشاجر مع منافسيه نحتهم في الرخام أو صبهم في البرونز، فوفر عليهم غرورهم ونقودهم. وحين تلقى ١٥٠٠ جنيه أجرًا لتمثال النصفي الذي صنعه لكولبير، رأى الأجر مغالى فيه فرد منه سبعمائة جنيه (١٨). وقد ترك لنا تماثيل كاملة الشبه بلبرون، ولنوتر، وآرنو، وفوبان، ومازارن، وبوسويه، وترك لنفسه ترجمة بسيطة لوجه أمين أشعث مضطرب (١٩)، ولكونديه العظيم تمثالين نصفيين أحدهما في اللوفر، والآخر في شانتبي، يتميزان بصدق وفحولة لا مراء فيهما. ثم نحت بأسلوب مختلف تمامًا تمثالًا رشيقًا لدوقة برجندية في صورة ديانا (٢٠)، والتمثال النصفي الجميل لنفس الأميرة في فرساي. وصمم مقابر رائعة لمازاران (٢١) وكولبير، وفوبان، ولبرون. ولأعماله ملمس الروح الباروكية في عاطفيتها المسرحية ومبالغتها العارضة، ولكنها في أحسن صورها تعبر تعبيرًا حسنًا عن المثل الكلاسيكي الذي استهدفه الملك والبلاط، فهي رأسين متمثلًا في الرخام والبرونز.
وحوله وحول جيراردون تجمع سباعي من المثالين، فرانسوا أنجييه وأخوه ميشيل، وفليب كوفييه وابنه فرانسوا، ومارتان ديجاردان، وبيير لجرو، وجيوم كوستو، الذي ما زالت "خيل مارلي" التي نحتها تثب في الهواء بميدان الكونكورد.
[ ٣١ / ١٥٧ ]
وفضلًا عن هؤلاء المثالين جميعًا، وعلى مبعدة منهم، وفي تحدٍ لمثالية النحت الرسمي الناعمة، أنطق بيير بوجيه إزميله بغضب فرنسا وبؤسها. وقد ولد في مارسيليا (١٦٢٢) وبدأ حياته الفنية حفارًا في الخشب، ولكن نفسه تاقت كما تاقت نفس معبوده ميكل أنجيلو من قبل لأن يصبح في وقت واحد مصورًا ومثالًا ومعماريًا. وقد أحس أن الفنان العظيم ينبغي أن يسيطر على هذه الفنون جميعًا. وإذ كان يحلم بأفذاذ الفنانين الإيطاليين فقد سار من مرسيليا إلى جنوة إلى فلورنسة إلى روما. وتتلمذ في حماسة لبييترودا كورتونا في زخرفة قصر بارباريني، وتشرب كل صدى وأثر لبوناروتي، وحسد برنيني على شهرته المتعددة الجوانب. فلما عاد إلى جنوة نحت تمثال القديس سبستيان الذي أذاع اسمه لأول مرة، فلكفه فوكيه، الذي سبق لويس الرابع عشر في تبين مواهب هذا الفنان أيضاَ، بأن ينحت تمثال "هرقول (٢٢) " لقصر فو، ولكن فوكيه سقط، فهرع بيير إلى الجنوب ليعتكف في فقره ويجتر همومه. ولما كلف بنحت مجموعة "أطلانطيس"-وهي تماثيل رخامية لأطلس، ليجمل بها شرفة "الأوتيل دفيل"، صاغ التماثيل على غرار الحمالين الكادحين في أرصفة الشحن، وكان ينطق عضلاتهم المكدودة ووجوههم التي شوهها الألم بصرخة الثورة- ثورة المطحونين الذين يحملون العالم على أكتافهم. ولكن فنًا كهذًا ما كان ليعجب فرساي.
ومع ذلك فأن كولبير الذي فتح ذراعيه للمواهب طلب إليه أن ينحت تماثيل يؤثر أن تكون ذات مسحة أسطورية بريئة. فأرسل إليه بوجيه ثلاث قطع محفوظة الآن باللوفر: نحتًا قليل الغور لطيفًا يمثل الإسكندر وديوجين، وتمثالًا فيه جهد وإسراف لبيرسيوس وأندوميدا، وتمثالًا عنيفًا لميلوكورتونا-ذلك النباتي الجبار يحاول الخلاص من فكي أسد عنيد ومخالبه.
[ ٣١ / ١٥٨ ]
وفي ١٦٨٨ زار بوجيه باريس، ولكنه وجد طبعه المتكبر وإزميله الغضوب يتنافران مع ظرف البلاط وفنه، فقفل راجعًا إلى مرسيليا، وهناك صمم "الميرة" و"سوق السمك"-ولا عجب ففي فرنسا حتى سوق السمك يمكن أن يكون عملًا فنيًا. ولعل أعظم تماثيله قصد به أن يكون تعليقًا على مغامرات الملك الحربية، وهو تمثال للإسكندر راكبًا يبدو فيه وسيمًا مشرقًا، يحمل خنجره في يده، ويدوس ضحايا الحرب (٢٣) في غير اكتراث تحت سنابك جواده. وقد أفلت بوجيه من رسمية لبرون وفرساي، ولكنه أفلت أيضًا من انضباطهما. وأفضى به طموحه لمنافسة برميني، وحتى ميكل أنجيلو، إلى مبالغات في تصوير عضلات الجسد وتعبيرات الوجه، ومن ذلك "رأس ميدوزا" الرهيب المحفوظ باللوفر. ولكنه كان على الجملة أقوى نحات في وطنه وفي جيله.
وإذ قارب العهد العظيم نهايته، وجرت الهزائم فرنسا إلى حال من اليأس الشديد، انصرفت كبرياء الملك إلى التقوى، وأنتقل الفن من غرور فرساي إلى التواضع الذي يطالعنا في تمثال كواز فوكس لويس الرابع عشر راكعًا في النوتردام-هنا نرى الملك وقد بلغ السابعة والسبعين، مزهوًا إلى الآن بأثوابه الملكية، ولكنه يضع تاجه في تواضع عند قدمي العذراء. في هذه السنوات الأخيرة تقلص الإنفاق على فرساي ومالي، ولكن خورس النوتردام رمم وجمل. أما عبادة الفن القديم فقد فترت نتيجة لشططها؛ وبدأ الطبيعي يجور على الكلاسيكي، وقضى على دفعة الفن الوثنية إلغاء مرسوم نانت. وتسلط مدام دمانتنون وتلييه على الملك وشددت الموضوعات الزخرفية الجديدة على الدين لا على المجد، فلقد عرف لويس ربه أخيرًا.
إن تاريخ الفن إبان حكم الملك العظيم يعذبنا بأسئلة عويصة. فهل كان تأمين الفنون نعمة أو نقمة؟ وهل حول تأثير كولبير ولبرون والملك تطور
[ ٣١ / ١٥٩ ]
فرنسا من الاتجاه الأصيل والطبيعي، إلى محاكاة موهنة لفن هلنستي حل به الضعف، محاكاة شوشها إسراف باروكي في الزخرفة؟ وهل تثبت هذه السنوات الأربعون من "طراز لويس الرابع عشر" أن الفن يزداد ازدهارًا في ظل ملكية ترعاه بالثروة المركزة، وتوجه المواهب في وحدة متسقة؟ -أم في ظل أرستقراطية تصون، وتوصل، وتعدل في حذر، معايير الجودة والذوق، وأصول النظام والانضباط؟ -أم في ظل ديمقراطية تفتح الطريق أمام كل موهبة وتطلق الكفايات من ربقة التقاليد، وتلزم الفن بأن يعرض إنتاجه على الشعب ويكفيه وفق رأيه؟ وهل كان ممكنًا أن تغدو إيطاليا وفرنسا الوطنين المحظوظين للفن والجمال اليوم لولا أنهما جملتا بأموال وأذواق الكنيسة والنبلاء والملوك؟ وهل كان ممكنًا أن يوجد فن عظيم دون تركيز الثروة؟.
إن الجواب المتواضع المفيد عن هذه الأسئلة يقتضي حكمة عالمية، وأي جواب من هذا القبيل لابد أن تجعله التفريقات والشكوك جوابًا غامضًا غير حاسم. ولعل الفن فقد شيئًا في طبيعته ومبادرته ونشاطه نتيجةً لما بسطته عليه القوة المركزية من حماية وتوجيه وهيمنة. صحيح أن فن لويس الرابع عشر كان فنًا منظمًا، أكاديميًا، جليلًا ببهائه المنسق، لا يفوقه فن في صقله الفني، ولكن السلطة عطلت قدرته على الابتكار، وقد قصر دون ذل الالتحام بالشعب الذي أضفى الدفء والعمق على الفن القوطي. لقد كان اتساق الفنون في عهد لويس رائعًا، ولكنه كثيرًا ما كان يعزف على نفس الوتر، حتى لقد أصبح في النهاية تعبيرًا لا عن جيل وأمة بل عن ذات وبلاط. صحيح إن الثروة لا غنى عنها للفن، ولكن الثروة تكون عارًا، والفن يكون بغيضًا، إذا ازدهرا على حساب فقر شامل واعتقاد بالخرافات مذل، فالجميل لا يمكن فصله طويلًا عن الخبر. وقد تكن الأرستقراطية حارسًا وناقلًا مفيدًا للعادات والمعايير والأذواق
[ ٣١ / ١٦٠ ]
إذا تيسرت الأسباب لفتحها أمام المواهب الجديدة، ولمنعها من أن تكون أداة للامتياز الطبقي وللترف الكاذب. كذلك تستطيع الديمقراطيات أن تجمع الثروة وتضفي عليها الكرامة بتغذيتها للمعرفة والأدب والبر والفن، ومشكلات الديمقراطيات في معاداة الحرية غير الناضجة للنظام والانضباط، وفي نمو الذوق نموًا بطيئًا في المجتمعات الناشئة، وفي ميل الكفايات غير المحكومة لأن تبدد نفسها في تجارب شاذة تخطئ الابتكار فتحسبه عبقرية، والطرافة فتحسبها جمالًا.
على أية حال كان رأي أرستقراطيات أوربا في صف الفن الفرنسي دون ما تردد. فأنتشر معمار القصور والنحت الكلاسيكي والأسلوب الأدبي والزخرفة الباروكية للأثاث والثياب-انتشر هذا كله من فرنسا إلى كل طبقة حاكمة تقريبًا في غرب أوربا حتى إلى إيطاليا وأسبانيا. وتطلعت قصور لندن وبروكسل وكولون ومينز ودرسدن وبرلين وكاسل وهيدلبرج وتورين ومدريد إلى فرساي مثلًا تحتذيه في السلوك والفن. وكلف المعماريون الفرنسيون بتصميم القصور حتى مورافيا شرقًا، وصمم لنوتر الحدائق في وندزور وكاسل، ووفد رن وغيره من المعماريين الأجانب على باريس لينقلوا عنها الأفكار، وانبث النحاتوت الفرنسيون في جميع أرجاء أوربا، حتى أصبح لكل أمير تقريبًا تمثال راكب كتمثال ملك فرنسا. وظهرت قصص لبرون الرمزية الأسطورية في السويد، والدنمرك، وأسبانيا، وهامتن كورت. والتمس الملوك الأجانب أن يجلسوا إلى ريجو ليصورهم فإن لم يتيسر فإلى أحد تلاميذه. وأوصى حاكم سويدي بقطع من نسيج بوفيه المرسوم تخليدًا انتصاراته. إن التاريخ لم يشهد منذ انتشار الثقافة اللاتينية القديمة في غرب أوربا غزوًا ثقافيًا أنجز بمثل هذه السرعة وهذا الكمال.
[ ٣١ / ١٦١ ]
الفصل الرابع