نشأت ماري ستيوارت ولدها على لون مكتئب من ضبط النفس يترقب في صمت فرصته حتى يأتي التجلد بالنصر، وذلك بعد أن حطم روحها إعدام أبيها تشارلز الأول (١٦٤٩)، وموت زوجها الشاب وليم أورنج الثاني (١٦٥٠)، وإلغاء منصب رئاسة الدولة، وإقصاء بيت أورنج عن الوظائف. هذا الصبي الهزيل الجسد، الذي أحدق به في نموه الأعداء المكلفون بحراسته، والذي ورث رغم ذلك عن وليم أورنج الأول شعاره "سأقاوم"-نقول إنه شب فتى عليلًا يخفي وراء وجهه الجامد نارًا مستعرة من العزيمة والثأر. وإذ كان صارمًا، مؤدبًا، مجاملًا في برود، فقد زهد في اللهو والمرح، ومارس الرياضات الخلوية علاجًا لصداعه المتكرر ولتعرضه لنوبات الإغماء. لقد كان إناء ضعيفًا لتلك الروح التي ستستولي على عرش إنجلترا وتؤدب ملك فرنسا.
وذهبت أمه إلى إنجلترا في ١٦٦٠ لبتهاجًا يتتويج أخيها، وماتت هناك بالجدري في ليلة عيد الميلاد. وفي ١٦٦٦ أعلنت حكومة إقليم هولندا الأمير ذا الستة عشر عامًا قاصرًا تحت وصاية الدولة، واستبدل جان دي ويت بأوصيائه ومعلميه المحبوبين أشخاصًا أكثر استجابة لسياسة المجلس
[ ٣١ / ٢٧٢ ]
الإقليمي (٥٠). وكان كره وليم لدي ويت يزداد على الأيام. وفي قمة سلطان جان، أفلت الأمير من رقابة أوصيائه الجدد وركب جواده من لاهاي إلى بيرجن أوب-زوم (١٦٦٨)، ثم استقل زورقًا إلى زيلنده، وكانت أكثر الأقاليم ولاء لأجداده. وحياه سكان عاصمته مدلبورج بمظاهرات كبيرة تفيض حبًا وإخلاصًا. فتولى دون تردد أو مقاومة رئاسة المجلس الإقليمي لزيلندة. فلما عاد إلى لاهاي أعلن أنه بلغ الآن رشده في عيد ميلاده الثامن عشر (٤ نوفمبر ١٦٦٨)، وأنه من الآن سيستغني عن الأوصياء الذين عينهم له مجلس هولندا، ولكن المجلس رفض سحبهم، فطردهم، ولكنهم بقوا. وترقب وليم فرصته.
وقد واتته حين اكتسحت الجيوش الفرنسية والألمانية الأقاليم الهولندية، واستسلمت الجيوش الهولندية بلدًا بعد بلد، وبدا أن لاهاي ذاتها عاجزة عن الدفاع عن نفسها، وعين المجلس التشريعي وليم قائدًا عامًا للاتحاد (٢٥ فبراير ١٦٧٢)، مذعنًا لمطالب العسكريين، مؤملًا أن تعود إلى الأمة وحدتها ومعنوياتها برد بيت أورنج إلى مكان القيادة. وفي ٢ يوليو انتخب مجلس زيلندة وليم حاكمًا لأقاليمهم، ضاربًا بالمرسوم الدائم عرض الحائط، وفي ٤ يوليو حذا مجلس هولندا حذوه، وفي ٨ يوليو عين قائدًا أعلى لقوات الاتحاد المسلحة في البر والبحر. وقد ظهر معدنه حين عرض ملك فرنسا الصلح نظير تعويض بلغ ستة عشر مليون فلورين، والنزول عن مساحات كبيرة لفرنسا، ومنستر، وكولونيا، وقدم عرض سري بالاعتراف بوليم ملكًا على الباقي. واتجه إليه مجلس هولندا يطلب النصيحة فأجاب، "خير لنا أن نقطع إربًا من أن نقبل هذه الشروط (٥١) ". وحين حضر دوق بكنجهام الثاني من إنجلترا ليحث وليم على الصلح وقال له "ألا ترى أن وطنك قد ضاع؟ " أجاب "إن وطني في خطر عظيم، ولكن هناك سبيل مؤكد لمنعه من الضياع، وهو الموت في آخر خندق (٥٢) ". ومع ذلك ففي حكمة تستغرب من فتى في الثانية والعشرين، أشار بالمفاوضات الصابرة المجاملة مع الإنجليز، ولعله رأى آنئذ أن في التعاون
[ ٣١ / ٢٧٣ ]
بيت الإنجليز والهولنديين الأمل الوحيد لكبح اعتداءات فرنسا. واتخذ من التدابير ما يكفل الروابط بين الأقاليم المتحدة، والإمبراطورية، وبراند نبورج. وكانت الخطوط العريضة للحلف الأعظم تتشكل في ذهنه.
ومضى إلى المقر الرئيسي للجيش، لذلك كان غائبًا عن لاهاي حين قتل الأخوان دي ويت. والظاهر أنه لم يكن ضالعًا في تدبير هذه الفعلة، التي ربما لم يدبرها أحد، ولكنه لم يخف ارتياحه حين سمع بنبئها؛ وحمى الرجال الذين قادوا الغوغاء ورتب له معاشًا (٥٣). ثم حاول الآن أن يكون قائدًا كفؤًا، فلم يوفق قط في محاولته، غير أن المقاتلين المحنكين الذي انضووا تحت لوائه في حماسة أعادوا تنظيم الجيش والبحرية، وبدأت الانتصارات ترجح الهزائم، وتفوق درويتر وكورنيليس ترومب (بن مارتن) على الأسطولين الإنجليزي والفرنسي في شونفيلت وكيكدون (١٦٧٣)، وصد الغزاة الألمان عند جروننجن، واستولى وليم على فاردن، وطهرت أقاليم جلدرلاند وأوترخت، واوفريسل، من العدو. وراح الفرنسيون يتقهقرون في كل مكان تقريبًا، وأنقذت الأقاليم المتحدة، مؤقتًا على الأقل، فهللت لوليم منقذًا لها.
ثم أضاف إلى هذه الانتصارات انتصارات دبلوماسية. ففي ١٩ فبراير ١٦٧٤ أقنع إنجلترا بأن تبرم معه صلحًا منفردًا إذ وافق على أن يدفع لها تعويضات حربية قدرها مليونا فلورين؛ وفي ٢٢ إبريل و١١ مايو وقع معاهدتين مع مونستر وكولين، ثم أكد التحالف القائم بين الأقاليم المتحدة، وأسبانيا، وبران نبورج، الدنمرك، والإمبراطورية، ضد فرنسا التي أصبحت الآن معزولة. وكانت الضربة الأخيرة ظفره بيد ماري، كبرى بنات جيمس دوق يورك وشقيق ملك إنجلترا. وتقاربت الآن الدولتان البروتستانتيتان الكبريان، وراحت الشبكة تحكم خيوطها حول فرنسا، ولم يكن أمرًا هينًا أن يكون لماري حق في وراثة العرش الإنجليزي لا يتقدم عليه غير حق أبيها فيه. وندر في التاريخ أن دبر حاكم صغير السن كوليم مثل هذه الخطط البعيدة النظر، ولا حقق لها نجاحًا كهذا النجاح.
[ ٣١ / ٢٧٤ ]
على أن الفرنسيين جددوا هجومهم خلال ذلك، فاستولوا على إيبر وغنت، وزحفوا نحو الحدود الهولندية. وهزم أسطول فرنسي درويتر تجاه شاطئ صقلية (٢٢ إبريل ١٦٧٦)، وبعد أسبوع مات درويتر متأثرًا بجراحه. وعرض لويس الصلح على الأقاليم المتحدة بشروط مغرية: أن يرد كل الأراضي الهولندية التي استولى عليها الفرنسيون، شريطة أن توافق الأقاليم المتحدة على احتفاظه بفرانش-كونتيه واللورين. واحتج الإمبراطور، وبراندنبورج، والدنمرك على هذا الصلح، وأيدهم وليم، ولكن المجلس التشريعي الذي غلبت عليه المصالح التجارية تغلب على رأيه، وتخلى عن حلفائه، ووقع مع فرنسا صلح نيميجن المنفصل (١٠ أغسطس ١٦٦٧).
أما وليم فقد نظر إلى الصلح على أنه مجرد هدنة، وكافح طوال السنوات العشر التالية ليعيد بناء الحلف وكبح التجار الهولنديون طبعه العسكري، محتجين بأن الأقاليم المنهكة في حاجة لأن تستريح من النضال، وأن الرخاء في طريقه إليها. على أن حدثين وقعا عام ١٦٨٥ فاستغلهما وليم ذلك أن لويس ألغى مرسوم نانت، فاحتشد الهيجونوت المضطهدون في الأقاليم المتحدة، وتزعموا دعوة نشيطة لتوحيد الدول البروتستانتية ضد فرنسا. وفي إنجلترا كشف جيمس الثاني، بعد أن تولى عرشها، عن أمله غي رد الأمة إلى الكثلكة، فدبر البروتستانت الإنجليز عزلهم، وبذلك يحل حق ماري زوجة وليم في العرش. وكان وليم قد عشق اليزابيث فيلييه، صديقة ماري (٥٤) الحميمة، ولكن ماري غفرت له، ووافقت على طاعة زوجها بوصفه ملكًا أن هي أصبحت ملكة على إنجلترا وفي ١٦٨٦ أفلح وليم في تنظيم حلف مع الإمبراطورية، وبراندنبورج، وأسبانيا، والسويد، للدفاع المشترك. وفي ٣٠ يونيو ١٦٨٨ دعا الزعماء البروتستانت الإنجليز وليم وماري إلى دخول إنجلترا بقوات مسلحة ومساعدتهم على خلع ملكهم الكاثوليكي. وتردد وليم، لأن لويس الرابع عشر كان تحت يده جيش عرمرم ينتظر قرار الملك ليهاجم الأراضي المنخفضة أو الإمبراطورية. وأرسل لويس الأمر للجيش بأن يزحف على ألمانيا، فأطلق بذلك يد وليم. وفي ١ نوفمبر ١٦٨٨ أبحر بأربعة عشر ألف رجل ليكسب عرش إنجلترا.
[ ٣١ / ٢٧٥ ]
الكتاب الثاني