لقد عاون الملك وبلاطه على تحضير فرنسا. وفي ١٦٦٤ كان البلاط يضم نحو ستمائة شخص: الأسرة المالكة، وكبار النبلاء، والمبعوثين الأجانب، والخدم والحشم. وقد زاد العدد في أوج اكتمال فرساي إلى عشرة آلاف من الأنفس (٩١)، ولكن هذا العدد شمل الأعيان الذين اختلفوا إلى القصر بين الحين والحين، وجميع المرفهين والأتباع، والفنانين والمؤلفين الذين وقع عليهم اختيار الملك ليكافئهم. وأصبحت الدعوة إلى البلاط شهوة لا تفوقها غير شهوة الطعام والجنس، لا بل إن قضاء يوم واحد فيه كان نشوة لا تنسى، جديرة بأن يبذل في سبيلها نصف مدخرات العمر.
وبعض السر في بهاء البلاط كان في الأثاث المترف الذي ازدانت به الغرف، وبعضه في لباس الحاشية، وبعضه في حفلات الترفيه البالغة الفخامة، وبعضه في جمال النساء وصيت الرجال الذين اجتذبهم بريق المال، والشهرة، والسلطان. ومن النساء الشهيرات- كالسيدتين دسفينيه ودلافاييت- من لم يختلفن
[ ٣١ / ٥٢ ]
إلى البلاط إلا نادرًا لانحيازهن إلى قضية الفروند، ولكن بقي منهن عدد يكفي لإبهاج ملك بالغ الحساسية لمفاتن المرأة. وتبدو المرأة في اللوحات التي وصلت إلينا من هذا العصر على شيء من البدانة، يبرز لحمها من صدرها، ولكن من الواضح أن الرجال كان يعجبهم دفء الشحم واللحم فيمن يعشقون من النساء.
أما أخلاقيات البلاط فكانت الزنا المحتشم، والإسراف في اللباس والقمار، والدسائس العنيفة جريًا وراء الصيت والمنصب، وهذا كله يخطو على إيقاع من السلوك الخارجي الدمث، والآداب الرشيقة، والمرح الإلزامي. وضرب الملك المثل في بدعة اللباس الغالي، لا سيما في استقبالات السفراء، فنراه وهو يستقبل مبعوثي سيام يرتدي عباءة موشاة بالذهب ومرصعة الأطراف بالماس، بلغت تكاليفها ١٢. ٥٠٠. ٠٠٠ جنيه فرنسي (٩٢)، ومثل هذا المظهر كان جزءًا من سيكلوجية الحكم. وأفنى الأشراف ونساؤهم نصف دخل ضياعهم في الثياب والخدم والأثاث، وكان على أقلهم شأنًا أن يستخدم أحد عشر خادمًا ومركبتين، أما الأثرياء فكان لهم من الأتباع خمسة وسبعون في بيوتهم، ومن الخيل أربعون في مرابطهم (٩٣). وفقد الزنا سحره بعد أن لم يعد محظورًا، فغدا لعب الورق للمقامرة أهم ضروب الترفيه في البلاط. وهنا أيضًا كان لويس القدوة لحاشيته، فقامر بمبالغ كبيرة، تستحثه إلى ذلك خليلته مونتسبان، التي خسرت وكسبت أربعة ملايين من الفرنكات في لعب ليلة واحدة (٩٤). وسرى هذا الهوس من البلاط إلى الشعب. كتب لابرويير يقول: "إن الألوف يخربون بيوتهم بالقمار، وهو لعبة رهيبة … ينوي لاعبها القضاء المبرم على غريمه، وينتشي بشهوة الكسب (٩٥) ".
وقد أفضى التنافس على الحظوة عند الملك، أو على وظيفة مجزية، أو على مكان في الفراش الملكي، إلى جو من الشبهات، والافتراءات، وتبادل الخصومات الحادة. قال لويس "في كل مرة أعين إنسانًا في وظيفة
[ ٣١ / ٥٣ ]
شاغرة، أسخط مائة شخص، وأجعل شخصًا ناكرًا للجميل (٩٦) ". وكان القوم يتشاجرون على أمكنة الصدارة في المائدة، أو على القيام على خدمة الملك، وحتى سان- سيمون أقلقه الخوف من أن يتقدمه دوق لكسمبرو خمس خطوات في أحد المواكب، وقد اضطر لويس إلى نفي ثلاثة أدواق من البلاط لأنهم أبوا أن يقدموا على أنفسهم أمراء أجانب. وكان الملك شديد الاحتفال بالبروتوكول، وقد عبس مرة حين وجد على مائدة الغداء سيدة عاطلًا من اللقب تتقدم دوقة في مجلسها (٩٧). ولا ريب في أن ضربًا من الترتيب المقرر كان ضروريًا لمنع ستمائة من الأنفس المغرورة المزهوة بأسباب التشريف من أن يدوس بعضها على أقدام بعض، وقد أثنى الزوار على ذلك المظهر المتسق الذي بدت فيه الحاشية الضخمة. ومن قصور الملك، واستقبالاته، وحفلات ترفيهه، سرى دستور للإتيكيت، ومعايير للسلوك والذوق، إلى الطبقتين العليا والوسطى، وأصبحت هذه كلها جزءًا من التراث الأوربي.
وأراد الملك أن يمنع الملل من أن يتطرق إلى نفوس هؤلاء النبلاء والنبيلات، ذلك الملل الذي قد يحمل البعض على قتل الملك، فناط الفنانين على مختلف أنواعهم بإعداد ألوان الترفيه- من مباريات بين الفرسان، ورحلات صيد، ومباريات تنس وبليارد، وجماعات سباحة أو نزهة في الزوارق، وحفلات غداء أو عشاء، ورقص وحفلات راقصة، وحفلات تنكرية، ومراقص باليه، وأوبرات، وحفلات موسيقية، وتمثيليات. وبدت فرساي وكأنها جنة الله في أرضه حين كان الملك يتقدم حاشيته إلى الزوارق الراسية في القناة، والأصوات والآلات تشدو بالموسيقى، والمشاعل تعين القمر والنجوم على إضاءة المشهد. وهل في الدنيا أفخم ولا أكتم للأنفاس من حفلات الرقص الرسمية، حين تعكس قاعة المرايا في مراياها الهائلة رشاقة الرجال والنساء وخفتهم وهم يخطرون في رقصات فخمة تحت آلاف الأضواء؟ لقد أراد الملك أن يحتفل بمولد ابنه البكر، الدوفان،
[ ٣١ / ٥٤ ]
(١٦٦٢) فأقام حفلة باليه في الميدان المنبسط أمام التويلري، حضرها خمسة عشر ألف شخص. وقد دمر كومون ١٨٧١ القصر، ولكن موقع هذا المهرجان الأشهر ما زال يسمى كاروزل Carrousel (أي ساحة الرقص الدائري السريع).
لقد أحب لويس الرقص، وأشاد به "واحدًا من أفضل وأهم الرياضات لتدريب الجسم (٩٨) "، وأسس في باريس (١٦٦١) الأكاديمية الملكية للرقص. وكان يشارك بشخصه في رقصات الباليه ويحذو النبلاء حذوه. وشغل الملحنون في بلاطه بإعداد الموسيقى لحفلات الرقص والباليه، وهناك تطورت المتتالية التي حذق استخدامها بيرسيل في إنجلترا وآل باخ في ألمانيا. ولم يبلغ الرقص صورًا رشيقة متسقة كهذه منذ أيام روما الإمبراطورية.
وفي ١٦٤٥ استقدم مازاران المغنين الإيطاليين ليرسوا أساس الأوبرا في باريس. وقطع موت الكردينال هذا الاستهلال، ولكن حين شب الملك أنشأ أكاديمية الأوبرا (١٦٦٩)، وكلف بيير بيران بتقديم أوبرات في عدة مدن فرنسية، ابتداء من باريس في ١٦٧١. فلما أفلس بيران من جراء إنفاقه المسرف على المناظر والآلات، نقل لويس "امتياز أكاديميات الموسيقى" إلى جان باتيست لولي Lully، فما لبث هذا الرجل أن رقص البلاط بأسره على أنغامه.
وكان هو أيضًا هبة من هبات إيطاليا. فقد أتى به الشفالييه جيز صبيًا فلاحًا في السابعة من فلورنسة إلى فرنسا في ١٦٤٦، "هدية" لابنة أخيه، الجراند مدموازيل، التي استخدمته في مطبخها مساعدًا صغيرًا (Soumarmiton) . وهناك ضايق زملاءه الخدم بالتمرين على الكمان، ولكن المدموازيل تبينت موهبته وأتته بمعلم. وما لبث أن عزف في فرقة الموسيقى الملكية ذات الأربع والعشرين كمانًا. واستلطفه لويس، فأعطاه
[ ٣١ / ٥٥ ]
مجموعة صغيرة من الموسيقيين يقودها. وبفضل هذا الأوركسترا الوتري الصغير تعلم القيادة والتلحين- لموسيقى الرقص، والأغاني، والكمان المنفرد والكنتاتات، والموسيقى المنسية، ولثلاثين لحنًا أوركستريا للباليه، وعشرين أوبرا. وقد صادق مولبير، وتعاون معه في عدة باليهات، ولحن فواصل موسيقية قصيرة لبعض تمثيليات مولبير.
وكان نجاحه رجل بلاط يضارع انتصاراته موسيقيًا. ففي ١٦٧٢، وفق بنفوذ مدام دمونتسبان في الحصول على احتكار الأوبرا في باريس. وقد وجد في فيليب كينو Outanuls مؤلفًا لكلمات الأوبرا وشاعرًا أيضًا. فأخرجا معًا سلسلة من الأوبرات كانت ثورة الموسيقى الفرنسية. ولم يقتصر نجاح هذه الحفلات على الترفيه على البلاط في فرساي، بل إنها اجتذبت صفوة الباريسيين إلى المسرح الذي بني من قبل المولى في شارع سانت- أونوريه، واجتذبتهم في كثرة جعلت الشوارع تختنق بالمركبات، فاضطر الرواد في كثير من الأحيان إلى الخروج منها والسير على الأقدام، وفي الوحل غالبًا، خشية أن يفوتهم الفصل الأول، وقد استهجن بوالو الأوبرا زاعمًا أنها ضرب من التخنث المضعف (٩٩)، ولكن الملك منح أكاديمية الموسيقى مرسومًا (١٦٧٢)، وأذن للـ "سادة والسيدات بالغناء في عروض الأكاديمية المذكورة دون أن يكون في ذلك غض" من أقدارهم (١٠٠). ورفع لويس لولي إلى مقام النبالة سكرتيرًا للملك، وشكا سكرتيرون آخرون من أن الوظيفة أرفع من أن تخلع على موسيقى، ولكن لويس قال للولي، "لقد شرفتهم هم لا أنت بوضعي عبقريًا بين زمرتهم (١٠١) ". وحالف التوفيق لولي في كل شيء حتى ١٦٨٧، حين ضرب قدمه صدقة- وهو يقود فرقته- بعصا القيادة، وأساء طبيب دجال علاج جرحه، فتعفن، ومات المؤلف الفوار في الثامنة والأربعين. وما زالت الأوبرا الفرنسية تشعر بتأثيره إلى اليوم.
[ ٣١ / ٥٦ ]
بقي اسم آخر خلفته موسيقى ذلك العهد الفخم، وهو اسم أسرة كوبران، التي كانت مثلًا آخر على الوراثة في الفن، والتي أنجبت مؤلفين لفرنسا طوال قرنين من الزمان، واحتكرت من ١٦٥٠ إلى ١٨٢٦ الأرغن العظيم في كنيسة سان جرفيه، وقد شغل فرانسوا كوبران "الكبير" ذلك المنصب ثمانية وعشرين عامًا، كذلك كان "عازف أرغن الملك" في كنيسة الملك الصغيرة بفرساي، وكان أشهر عازفي الهاربسيكور في ذلك "القرن العظيم". وقد درس يوهان سبستيان باخ ألحانه التي وضعها لهذه الآلة دراسة دقيقة، وأثر البحث الذي وضعه باسم L،art de Toucher Le Clavecin (وهو الاسم الفرنسي لمقابله الإنجليزي Clavichord) في بحث ذلك الألماني العظيم المسمى "الكلافير المعتدل" … ترى؛ أكانت الموسيقى في دم آل كوبران، أم في بيتهم فقط، لعل الوراثة الاجتماعية، لا البيولوجية، هي التي تصنع الحضارة.