١٦٢٦ - ١٦٩٦
ولكن بقي من آثار ذلك العصر عشرة مجلدات-من تأليف امرأة أيضًا-في الإمكان قراءتها في بهجة مستسلمة حتى في نبض زماننا السريع. والمؤلفة، وهي واري درابوتان-شانتال، فقدت أبويها في طفولتها وورثت ثروتهما الكبيرة. وقد شارك في تعليمها نفر من خيرة العقول في فرنسا، ونشأتها خيرة الأسر في فرنسا على فنون الحياة. فلما بلغت الثامنة عشرة تزوجت هنري، مركيز دسفينييه، ولكن هذا الزير كان يحب مالها أكثر من شخصها، وبدد بعضه على خليلاته، وبارز خصمًا بسبب إحداهن، وقتل في المبارزة (١٦٥١). وحاولت ماري أن تنساه، ولكنها لم تتزوج بعده، بل فرغت لتربية ابنها وابنتها. ولعلها كما ألمح ابن عمها الحقود بوسي-رابوتان كانت "ذات مزاج بارد" (٦١) أو لعلها تعلمت أن الجنس يستنزف الذات أما الأمومة فتحققها. وخطاباتها تفيض سعادة، كلها تقريبًا سعادة الأمومة.
ولقد أحبت المجتمع بقدر ما تشككت في الزواج. وكان لها، وهي الأرملة الشابة التي تملك ثروة بلغت ٣٥٠. ٠٠٠ جنيه (٦٢)، خطاب كثيرون من النبلاء-تورين، وروهان، وبوسي … ولم ترَ معنى لطردهم جميعًا إلا واحدًا، ومع ذلك لم تلوث سمعتها كلمة فضيحة أو علاقة محرمة واحدة. وكان أصدقاؤها يحبونها بإخلاص أكثر صدقًا-ومنهم دريتز، ولاروشفوكو، ومدام دلافاييت، وفوكيه. أما الأول والثاني فقد أقصيا عن القصر لاشتراكهما في حرب الفروند، وأما الأخير فلثروته التي لم يستطع تعليلها، ولم تلقَ مدام دسفينيه، الوفية وفاءًا حارًا للأربعة على السواء، ترحيبًا في الرحاب الملكية المقدسة وإمالة كلمات متفضلة من الملك في حفلة مثلت فيها مسرحية إستير بسان-سير. أما في خارج البلاط فكانت دوائر كثيرة
[ ٣١ / ٢٣٢ ]
تبتهج بصحبتها، لأنها كانت تملك كل مفاتن المرأة المثقفة، كانت تتكلم بنفس الحيوية التي تكتب بها، وذلك إطراء يناقض إطراء ألفناه أكثر منه؛ فطالما يسدي إلينا النصح، ربما في غير تبصر، بأن نكتب كما نتكلم.
وقد بق من رسائلها أكثر من ألف وخمسمائة، وجلها موجه لابنتها، فرنسواز مارجريت. التي تزوجت الكونت دجرينيان (١٦٦٩)، وسرعان ما رحلت إلى بروفانس لتعيش معه، وكان نائبًا لحاكمها. فظلت الأم من ١٦٧١ إلى ١٦٩٠ تبعث بخطاب مع كل بريد تقريبًا-وأحيانًا مرتين في اليوم-إلى هذه الزوجة الشابة التي فصلتها عنه أرض فرنسا كلها طولًا. كتبت تقول لها "إن مراسلتي لك هي عافيتي، ولذة حياتي الوحيدة، وكل اعتبار آخر يتضاءل بالقياس إلى هذا (٦٣) ". ذلك أن الحب الذي لم يجد رجلًا يشبعه أصبح غرامًا مشبوبًا بابنة أحست أنها غير جديرة به، لأن فرانسواز كانت ذات خلق أكثر تحفظًا، ولم تعرف كيف تعرب عن مشاعرها بحرارة. ثم كان لها زوج وأطفال يتطلبون العناية بهم، وكانت أحيانًا تصبح ضيقة الخلق أو مكتئبة المزاج، ومع ذلك ظلت طوال خمسة وعشرين سنة، إلا في فترات مرضها، تكتب لأمها مرتين في الأسبوع، لا يفوتها بريد إلا نادرًا، حتى لقد أقلق الأم المتينة بها أن تكون قد جارت على وقت ابنتها.
وأبلغ ما في هذه الرسائل تأثيرًا على النفس ما روى حياة طفلة مدام جربنيان البكر ونهاية هذه الحياة في الدبر. ذلك أنها قدمت باريس لتلد في كنف أمها. وما لبثت أن أرسلت إلى زوجها اعتذارًا لأنها ولدت بنتًا-لابد من تربيتها بجهد أليم، ومهرها بمهر غالٍ، ثم فقدها؛ ولما عادت فرنسواز إلى بروفانس تركت ماري بلانش الصغيرة حينًا مع جدتها التي افتتنت بها. وكتبت مدام دسفنييه للأب تقول "إن كنت تريد ولدًا فاعكف على صنعه (٦٤) " كتبت للوالدين اللذين لم يقدرا طفلتهما تفاصيل نشوانة عن العجيبة التي أنجباها كارهين:
[ ٣١ / ٢٣٣ ]
"إن ابنتكما الصغيرة تغدو محببة للنفس … بيضاء كالثلج، ضاحكة على الدوام … ولون بشرتها، وعنقها، وجسدها الصغير-كلها عجيب. وهي تقوم بعشرات الحركات الصغيرة-تثرثر، وتلاطف، وتضرب، وترسم علامة الصليب، وتطلب العفو، وتنحني، وتقبل يدها، وتهز كتفيها، وترقص، وتتملق، وتشد الأذن … وأنا ألهو معها ساعات بطولها (٦٥) ".
وقد ذرفت الجدة دموعًا كثيرة لتدع هذه العجيبة الريانة البدن تذهب إلى بوفانس، ودموعًا أكثر حين أودعها الأبوان ديرًا وهي لم تتجاوز الخامسة، ولم تعد الطفلة بعدها، ففي الخامسة عشرة قطعت على نفسها عهد الرهبنة واختفت من العالم.
وكان نائب الحاكم رجلًا متلافًا، يولم الولائم فوق ما يسمح به مركزه. وكانت زوجته تنبئ أمها بانتظام بما تتوقعه من قرب إفلاسهما، أما الأم فكانت توبخهما في محبة وترسل لهما المبالغ الكبيرة من المال "كيف، بحق محبة الله والناس، يستطيع إنسان أن يحتفظ بهذا القدر الكبير من الذهب والفضة والحلي والأثاث وسط الفقر المدقع الذي ابتلي به من يحيط بنا من الفقراء في هذه الأيام (٦٦) ". ورغبة في الاحتفاظ بقدرتها المالية بعد هذه الاستقطاعات، كانت مدام دسفينييه تعنى بتفقد أملاكها في لي روشيه بإقليم بريتني لتستوثق من أنها تلقى الرعاية الواجبة، ومن أن ريعها يصلها بعد اختلاسات معقولة. ووجدت سعادة جديدة في الحقول، والغابات، وفلاحي بريتني، وكتبت عنهم بنفس الحيوية التي كتبت بها عن المجتمع الباريسي الذي كانت له أشبه برسالة نصف أسبوعية لابنتها.
وكان ابنها مشكلًا من نوع آخر. فهي شديدة التعلق به لأنه فتى طيب، يملك كما قالت "معينًا من الذكاء وروح الفكاهة … وقد ألف أن يقرأ علينا فصولًا من رابليه يكاد يموت السامع من الضحك عليها" (٦٧). وكان شارل ابنًا مثاليًا، إلا إذا استثنينا ترسمه خطى أبيه في التنقل من إغراء إلى إغراء، إلى أن-ولكن لندع مدام دسفينيه، وهي تكتب
[ ٣١ / ٢٣٤ ]
لابنتها، تتحمل تبعة باقي القصة، فلا شيء أكثر إيضاحًا لطابع العصر:
"بقيت كلمة أو كلمتان عن شقيقكِ … فبالأمس أراد أن يقص عليّ نبأ حادث مروع وقع له. ذلك أنه صادف لحظة سعيدة، ولكن حين وصل إلى بيت القصيد-كان شيئًا عجيبًا! فإن الفتاة المسكينة لم يرفه عنها أحد في حياتها قط بمثل هذا، أما الفارس فقد تقهقر بعد أن هزم شر هزيمة، وظن أن سحرًا ألقي عليه، وألطف ما في القصة أنه لم يشعر بالراحة إلا بعد أن أنبأني بكارثته. وضحكنا عليه حتى استلقينا، وقلت له أنني مغتبطة جدًا لأنه عوقب حين أثم لقد كان منظرًا يستحق أن يسجله موليير (٦٨) ".
وأصيب الفتى بالزهري، فعنفته؛ ولكنها مرضته في حب. وحاولت أن تبث فيه شيئًا من الدين، ولكن نصيبها من الدين كان من الضآلة بحيث لم تستطع أن تعطيه الكثير منه. وقد تأثرت بمواعظ بوردالو، وخبرت دفقات فجائية من التقوى، ولكنها كانت تبتسم حين ترى المواكب الدينية التي أبهجت أهل المساكن الفقيرة. وقرأت آرنو، ونيكول، وبسكال، وتعاطفت مع ألبور-رويال، ولكن صدها تركيزهم على تجنب الهلاك الأبدي، ذلك أنها لم تستطع أن تقنع نفسها بالإيمان بالجحيم (٦٠). وكانت على العموم تجفل من التفكير الجاد، فمثل هذه الأمور ليست للنساء، ومن شأنها أن تعكر جمال الحياة الوادعة. ومع ذلك كانت ذواقة في قراءاتها-تقرأ فيرجل وناسيتوس والقديس أوغسطين باللاتينية، ومونتيني بالفرنسية، وتعرف مسرحيات كورنبي وراسين معرفة وثيقة. أما فكاهتها فكانت أعمق وأبهج من فكاهة موليير. فلنستمع إليها تتحدث عن صديق مدمن للتأمل الشارد:
"انقلب برانكا قبل أيام في مصرف وجد نفسه فيه مرتاحًا جدًا حتى لقد سأل من سارعوا ليخرجوه منه أبهم حاجة إلى خدماته. وقد كسرت نظارته، ولولا أن حظه كان خيرًا لكسر رأسه أيضًا، ولكن هذا كله لم يقطع تأملاته قط. وقد أرسلت له كلمة هذا الصباح … أنبئه
[ ٣١ / ٢٣٥ ]
فيها أنه انقلب وكاد عنقه يدق، لأنني اعتقد أنه الشخص الوحيد الذي لم يسمع بالحادث في باريس (٧٠) ".
وهذه الرسائل في مجموعها تؤلف صورة من أكثر الصور كشفًا في الدب، لأن المركيزة تسجل فيها أخطاءها وفضائلها دون تحفظ. فهي الأم المحبة، التي تجد نفسها على سجيتها سواء في صالونات العاصمة أو في حقول بريتني، وهي تكتب لابنتها عن أتفه أحاديث الأرستقراطية وقيلها وقالها، ولكنها تقول أيضًا "إن البلبل، والوقواق، والهزاز-كلها بدأت تصدح في ربيع الغابات"، وندر أن تفوه بكلمة سوء عن مئات الأشخاص الذي يرفون خلال صفحاتها الألفين، وهي على الدوام مستعدة لمديد المعونة للمكروبين، مجملة حديثها بالرقيق من التحية والمجاملة، مذنبة بين الحين والحين بالمرح القاسي (كضحكها على شنق بعض المتمردين المساكين في برتني)، ولكنها مرهفة الإحساس بآلام الفقراء، وهي تغضي عن فساد زمانها وطبقتها، ولكنها بلا لوم في سيرتها الشخصية؛ إنها روح تفيض بالنية الطيبة وحب الحياة، فيها من التواضع ما يمنعها من نشر كتاب، ولكنها تكتب أفضل فرنسية في عصر أفضل فرنسية كتبت على الإطلاق.
ترى هل خطر ببالها أن رسائلها قد تنشر في يوم ما؟ كانت أحيانًا تسترسل في تحليقات من البلاغة كأنها تشم مداد المطابع، غير أن رسائلها حافلة بتفاصيل العمل، وبالمصارحات العاطفية، والمكاشفات المحرجة التي لا يمكن أن تكون قصدت على القراء. كانت تعلم أن ابنتها تطلع أصدقاءها على رسائلها، ولكن مثل هذه المشاركة كانت كثيرة في تلك الأيام، حين كادت المراسلة أن تكون وسيلة الاتصال الوحيدة بين المسافات الطويلة، وقد ورثت وحفظت الرسائل حفيدتها بولين، التي منعتها من أن تدخل ديرًا كما فعلت شقيقتها بلانش ماري، ولكنها لم تنشر إلا عام ١٧٢٦، بعد موت المركيزة بثلاثين عامًا. وهي اليوم من أغلى عيون الأدب الفرنسي، وكأنها باقة زهر غنية يزداد عبيرها انتشارًا على الأيام.
[ ٣١ / ٢٣٦ ]
وازداد تفكيرها في الدين كلما دنت نهايتها، وقد اعترفت بخوفها من الموت والحساب. وبين ضباب بريتني ومطر باريس أصابها الروماتزم، ففقدت فرحتها بالحياة، وأدركت أنها بشر فانٍ.
"لقد ولجت الحياة دون رضاي، ويجب أن أخرج منها؛ هذه الفكرة تطغى علي .. وكيف أخرج؟ … ومتى؟ .. إنني أدفن نفسي في هذه الأفكار، وأجد الموت شديد الرهبة حتى لأبغض الحياة لأنها تفضي بي إلى الموت أكثر من بغضي لها لما يملؤها من أشواك. ستقولين أنني أريد أن أحيا إلى الأبد. ليس الأمر كذلك مطلقًا، ولكن لو أخذ رأيي لآثرت أن أموت بين ذراعي مربيتي، فقد كان هذا خليقًا بأن يوفر علي اضطرابات الروح ويكفل لي الجنة في كل يقين ويسر (٧١) ".
وليس صحيحًا أنها بغضت الحياة لأنها تفضي بالموت، إنما هي أبغضت الموت لأنها استمتعت بالحياة استمتاعًا شديدًا قرابة سبعين عامًا. وإذ كانت أمنيتها أن تموت في بيت ابنتها الحبيبة، فإنها عبرت فرنسا خلال أربعمائة ميل في رحلة عذاب إلى شاتو جرينيان. فلما أقبل الموت لقيته بشجاعة أدهشتها، ووجدت العزاء في تناول الأسرار المقدسة، وعللت نفسها بالخلود. ولقد وهب لها الخلود حقًا.