١٦٦٧ - ١٦٧٤
احتفظ ملتون مع دخوله في العقد السابع من العمر، فيما خلا فقد البصر، بصحبة جسمه واعتداده بنفسه، وهما اللذان دعماه وسانداه في كل الصراعات الدينية والسياسية التي خاضها. ويصفه أوبري بأنه "نحيل … متوسط القامة" … فهو جسم جميل متناسب الأجزاء، وبشرته فوق المتوسطة … صحيح الجسم، لا يشكو علة، قلما يتناول الدواء، كل ما في الأمر أن النقرس انتابه في أخريات أيامه (١٢٩) ". وكان شعره الذي فرقه
[ ٣٢ / ٩٤ ]
في الوسط يتدلى على كتفيه في حليقات أو عقصات. ولم تنبئ عيناه عن فقد بصره. وظلت مشيته ثابتة منتصبة. وكان إذا غادر بيته بدا على زيه شدة الحساسية والكلف بملابسه، وتمنطق بسيف، لأنه كان فخورًا ببراعته في المبارزة واللعب بالسيف (١٣٠). وأضفت عليه الثقة الزائدة عن الحد وقارًا، وعزوفًا عن المرح. ولكنه كان مع ذلك حلو الحديث إلا إذا لقي معارضة. ولم يكن بيوريتانيًا بكل معنى الكلمة: كان عنده شعور البيوريتانيين بالإثم، والجحيم والإصطفاء والأسفار المقدسة التي لا تخطئ، ولكنه استساغ الجمال واستمتع بالموسيقى، وألف رواية، واحتاج إلى عدة زوجات، وتخلفت أثاره من حيوية عصر اليزابث وسطر زانته الخالية من المرح. وكان أنانيًا، أو أنه كشف عن أنانيته الطبيعية إلى حد الإفراط غير المألوف. إنه كما قال أنطوني رود: "لم يكن يجهل مواهبه (١٣١) "، وكما قال جونسن "قل من الرجال من كتب كثيرًا وامتدح قليلًا من الناس، مثله (١٣٢) "، وربما تطلبت العبقرية أنانية يدعمها اعتداد داخلي بالنفس، حتى تقف في ثبات في وجه الجمهور. إن أثقل ما يمكن قبوله في ملتون هو طاقة الكراهية والبغضاء عنده، وإساءته المفرطة لمن اختلفوا عنه وذهب إلى أنه ينبغي علينا أن نصلي من أجل أعدائنا، ولكن ينبغي أيضًا أن نستنزل اللعنات جهارًا على أعداء الله وأعداء الكنيسة، وكذلك على الأخوان المضللين الزائفين، أو من يقترفون الآثام الفظيعة ضد الله، أو حتى ضد أنفسهم (١٣٣) ". أما الوجه الآخر لهذه العاطفة المشبوبة، فهو شجاعة النبي في استنكار زمانه، فإنه بدلًا من أن يكمم فاه ما اقترن بعودة الملكية من شغف وصخب، هاجم في عنف، غراميات البلاط "في عهد شارل الثاني"، "والشهوات والاغتصاب" في القصور، و"البسمات المشتراة على شفاه بنات الهوى" و"المسرحيات الخليعة أو حفلات الرقص في منتصف الليل (١٣٤) ".
وكأنما كان ملتون يقذف بآخر سهم في جعبته تحديًا للعصر المظلم،
[ ٣٢ / ٩٥ ]
حين نشر في يوم واحد (٢٠ سبتمبر ١٦٧٠) في غير ما شفقة ولا رحمة، اثنين من أعماله: "الفردوس المستعاد" و"شمشون الجبار". في ١٦٦٥ بعد أن انتهى توماس الوود من قراءة ملحمة ملتون الأولى تحداه قائلًا: "لقد تحدثت هنا كثيرًا عن الفردوس المفقود، فماذا عساك تقول الآن عن الفردوس الذي وجد؟ (١٣٥) "، وطرقت الفكرة ذهنه بشدة، ولكنه تسائل: كيف يعرض استعادة الفردوس في أية مرحلة في التاريخ، فإن موت المسيح نفسه لم يطهر الإنسان من الجريمة والشهوة والحرب ولكنه فكر أنه رأى في مقاومة المسيح لإغراء الشيطان، وعدًا بأن جانب الله في الإنسان لابد يومًا أن يقهر جانب الشيطان في الإنسان نفسه، ويهيئه للحياة تحت حكم المسيح والعدالة على الأرض.
ومن ثم فإن ملتون في الأقسام الأربعة من "الفردوس المسترد"، لم يركز في حياة المسيح على الصلب، بل على "تجربة الإغراء في البرية"، حيث يقدم الشيطان للمسيح "ولدانًا … أجمل من سقاة الآلهة"، ثم "الحور والعذارى الفاتنات، وسيدات من حدائق التفاح الذهبي" ثم يعرض عليه المال والثراء-ولكن أولئك دون جدوى. ثم يريه الشيطان روما الإمبراطورية تحت حكم تيبريوس المنهوك المكروه الذي لم يعقب، فهلا يريد المسيح أن يقود ثورة بعون من الشيطان، وينصب نفسه إمبراطورًا على العالم؟ ولما لم يرق هذا في عيني يسوع، ولم يستهو قلبه فإن الشيطان، أراه أثينا بلد أرسطو وأفلاطون، فهلا رغب في اللحاق بهما ليكون فيلسوفًا؟ ثم يدخل المسيح والشيطان في حوار غريب حول مزايا الأدب اليوناني والعبري. فينحاز المسيح إلى جانب أنبياء وشعراء بني إسرائيل على أنهم أسمى بكثير من اليونانيين:
أخذت اليونان عنا هذه الفنون، ولم تحسن تقليدها (١٣٧).
وبعد قسمين من الملحمة استغرقهما الحوار، أقر الشيطان بهزيمته، وبسط جناحيه وطار، على حين تتجمع فرقة من الملائكة حول المسيح
[ ٣٢ / ٩٦ ]
المنتصر، وتنشد:
الآن انتقمت لآدم المغدور به، وبالتغلب على الإغراء استعدت الفردوس المفقود (١٣٨).
ولم يروِ ملتون لنا القصة بمثل الروعة الفياضة الرنانة التي تجلت في الملحمة الأولى الكبرى، ولكن بمثل براعته في الشعر، وميله إلى الحاجة، وهما أمران معهودان فيه، كما كشف في القصة حتى حادث صلب المسيح، وربما كان مرد ذلك إلى أنه لم يتفق مع القائلين بأن موت المسيح هو الذي فتح أبواب الجنة من جديد. فالفضيلة وضبط النفس وحدهما اللذان يجلبان السعادة. ولم يدرك ملتون قط لما رفضت إنجلترا أن تأخذ بمأخذ الجد، إعادة كتابة الأناجيل على هذا الشكل المضحك، وذهب إلى القول بأن الملحمة الثانية ليست أقل من الملحمة الأولى، اللهم إلا من حيث مداها (١٣٩). وكان لا يطيق أن يسمع أن "الفردوس المفقود" تفضل "الفردوس المسترد" (١٤٠).
وتألقت عبقرية ملتون لآخر مرة في "شمشون أجونست-الجبار". إنه بعد أن تحدى هوميروس وفرجيل ودانتي، بملحمته، نراه الآن يتحدى أخيللس وسوفوكليس برواية ارتضت كل القيود المأساة (التراجيديا) اليونانية. وهو في المقدمة يطلب إلى القارئ أن يلحظ أن المسرحية (الدراما) تخضع للوحدات التقليدية القديمة، وتتجنب "خطأ الشاعر في خلط المادة الهزلية (الكوميدية) بأحزان المأساة ووقارها ورهبتها، أو في إدخال شخوص تافهين مبتذلين. وهنا نجد ملتون يولي ظهره لعصر اليزابث، ويشق طريقه إلى اليونان ولا يبعد كثيرًا عن النماذج اليونانية. إن شمشون الذي فارقته قوته بعد أن حلقت دليلة سبع خصلات من شعر رأسه، وقلع من أوثقوه من الفلسطينيين عينيه، نقول أن شمشون هذا لا يحكي فقط، أوديب المكفوف في كولونس، بل أنه يحكي ملتون نفسه يعيش في عالم بغيضًا يرى منه أثرًا:
[ ٣٢ / ٩٧ ]
"ضريرين أعداء، أواه هذا شيء أسوأ من الأغلال أو الزنزانة أو التسول، أو العجز بفعل الهرم، فالضياء، وهو فاتحة صنع الله، منطفئ أمامي، ولا أملك من مباهجه شيئًا. ربما كان يهدي من آلامي وأحزاني، آه، أنه الظلام والقتام والحكمة وسط وهج النور عند الظهيرة، ينشر كسوفًا كليلًا لا خلاص منه، دون أي أمل في بزوغ النهار (١٤١) ".
والحق أن الرواية كلها يمكن تفسيرها بأنها قصة رمزية متناغمة متماسكة: فملتون هو شمشون يناضل ويتعذب في محنته، وبنو إسرائيل المقهورون هم البيوريتانيون، أي الشعب المختار حطمته عودة الملكية، والفلسطينيون هو الملكيون الوثنيون المنتصرون، وهدم هيكلهم يكاد يكون تنبؤًا "بالثورة الجليلة" التي أطاحت بآل ستيوارت "الوثنيين" في ١٧٨٨. أما دليلة فهي المرأة الخائنة ماري باول، Powell. وتكرر فرقة الموسيقى (الكورس) حجج ملتون وناقشاته من أجل الطلاق (١٤٣). ويكاد ملتون يكون قد تخلص من غضبه وحقده بترديد تلك الحجج والناقشات على لسان شمشون الذي يتقبل نهايته التي لابد آتية:
"سوف تمضي سلالة المجد، أما سلالة الخزي والعار التي ستبقى فسألحق بها وشيكًا (١٤٣) ". وفي يوليه ١٦٧٤ أحس ملتون بأنه يضعف وتنحط قواه، ولأسباب لا نعلمها أهمل تدوين وصيته. وبدلًا من ذلك وجه إلى أخيه كريستوفر وصية "شفوية" تكاد تكون غير مسطورة، نقلها كريستوفر على وجه الآتي:
"أخي، إني أترك نصيبي من تركة مستر باول Powell والد زوجتي السابقة، لأولادي العاقين، ولكني لم أتسلم شيئًا منه ووصيتي ومقصودي ألا يستولوا على أي جزء آخر من ضيعتي أكثر من الجزء المذكور، ومما ضيعت من أجلهم، غيره، لأنهم قصروا أشد التقصير في القيام بواجباتهم نحوي، أما بقية ضيعتي فأني أضعها تحت تصرف زوجتي الحبيبة اليزابث" (١٤٤) وأعاد ملتون هذه الوصية الشفوية على أسماع زوجته وأناس غيرها في أوقات مختلفة.
[ ٣٢ / ٩٨ ]
وتشبث ملتون بالحياة في عزيمة قوية. ولكن آلام النقرس اشتدت عليه يومًا بعد يوم حتى شلت يداه وقدماه. وفي ٨ نوفمبر ١٦٧٤ وأنهكت الحمى قواه، وفارق الحياة في تلك الليلة. وعاش ملتون خمسًا وستين سنة وسبعة أشهر. ودفن في مقبرة كنيسة الأبرشية، في سانت جيل كربلجيت، بجوار والده.
وكان القانون الإنجليزي يعترف بالوصايا الشفوية حتى ١٦٧٧، ولكن المحاكم كانت تدقق قيها تدقيقًا شديدًا. واعترض البنات على وصية أبيهم، ورفضها القاضي، وأعطى ثلثي المال للزوجة، والثلث الباقي، وقدره ٣٠٠ جنيه للبنات. أما الحصة في أموال باول فلم يدفع منها شيء قط.
وأنا لنعلم عن ملتون أكثر كثيرًا مما نعلم عن شكسبير، ولا بد من تدوين الكثير عنه حتى نخرج له صورة حقيقية أو نصفه وصفًا كاملًا. ولكنا لا نزال نجهل ما يكفي للحكم عليه-إذا كان هذا ممكنًا بالنسبة لأي رجل. فنحن لا نعلم، بشكل كاف، لماذا أثار بناته استياءه إلى هذا الحد، ولا كيف عاملن زوجته الثالثة التي واسته وأراحته في سني شيخوخته، ولكنا نستطيع فقط أن نبدي الأسف على أنه عجز عن كسب حبهم. ولسنا ندري بالتفصيل لماذا ارتضى أن يكون رقيبًا على الصحافة أيام كرومول، بعد دفاعه المجيد عن "حرية المطبوعات". ويمكن أن نعزو كثيرًا من تعسفه وبذائته في الخصومة إلى أحول العصر ومعاييره. وقد نغتفر غروره وأنانيته باعتبارهما الركيزة التي تستند إليها العبقرية إذا لم تجد إلى القليل من ثناء الدنيا وإطرائها. ولسنا بحاجة إلى الاستماع به رجلًا. والإعجاب به شاعرًا، وواحدًا من أعظم الناشرين الإنجليز.
إن الذين يعتزمون قراءة الفردوس المفقود من البداية إلى النهاية، سيتولاهم الدهش إذ يجدون أنها غالبًا ما تحلق في آفاق عالية من الخيال والبيان، حتى ليغتفرون إن عاجلًا أو آجلًا، الصفحات المملة المحشوة بالنقاش أو العلوم أو الجغرافيا، وكأنها بمثابة فترات لالتقاط الأنفاس من فرط الثأر والتحليق. وأنه لمن الحمق أن نتوقع أن تبقى هذه التحليقات
[ ٣٢ / ٩٩ ]
المفرطة في التناغم والعاطفة بصفة مستمرة، فقد يكون هذا في القصائد القصيرة. وهناك في نثر ملتون وبخاصة في "الأريوباجيتيكا"، قطع، لا يسمو عليها، في قوتها وروعتها، وفكرها وموسيقاها، شيء من سلسلة الأدب الدنيوي في العالم.
وأضفى عليه معاصروه شهرة يشوبها الحسد والتذمر، وفي الفترة التي صعد فيها حزبه إلى منصة الحكم، كان مناضلًا ثائرًا، ونسيت قصائده الغنائية الأولى. ونشر ملتون قصائده الكبرى في عهد عودة الملكية، ذلك العهد الذي احتقر شيعته، ورضي له البقاء على قيد الحياة، على كره منه. وعندما طلب لويس الرابع عشر من سفيره في لندن أن يعدد له أحسن الكتاب الإنجليز الأحياء، كان جواب السفير: لا يوجد منهم من يستحق الذكر إلا ملتون الذي دافع من قبل، من سوء الحظ، عن قتل الملوك الذين كانوا آنذاك يشنقون أحياء أو أمواتًا. وحتى في هذا العصر المستهتر المشاغب، على أية حال، نجد أن أشهر شعرائه، جون دريدن، الذي قال عنه ملتون من قبل أنه "ناظم قواف جيد، وليس بشاعر (١٤٥) ". نقول أن دريدن هذا، اعتبر "الفردوس المفقود" "من أعظم وأروع وأسمى ما أبدع هذا العصر وهذه الأمة من قصائد (١٤٦) ". وبعد أن دالت دولة أسرة ستيوارت عاد إلى ملتون مجده ومكانته الرفيعة. وأطنب أديسون في مداحه في مجلة "سبكتاتور". ومنذ ذلك الوقت ازدادت صورة ملتون رفعة وقداسة في ضمير بريطانيا (١٤٧) حتى ناجاه وردزوث في ١٨٠٢:
"أي ملتون، ما كنا أجدرك أن تكون حيًا بيننا في هذه الساعة ..، أن روحك مثل نجم رحل عنا بعيدًا، لقد كان لك صوت يهدر كالبحر، صاف مثل السموات المكشوفة، صوت كريم حر".
أن نفسه كانت مثل أثر باق، قام بعيدًا عن أقرب الناس إليه، ولكن عقله حلق مثل السموات العلى، فوق كل هموم البشر، وصوته يدوي في الاستماع مثل "البحر المتلاطم الأمواج" عند هوميروس.
[ ٣٢ / ١٠٠ ]
الفصل التاسع