وأعقبت هذه الأحداث فترة كادت أن تتسم بالصفاء والتعقل. وحيث تسلم شارل من لويس الرابع عشر مبلغا إضافيًا قدره ٥٠٠ ألف كراون، فإنه عطل البرلمان المتعب من أجل، وعاد إلى عشيقاته. ولكن السياسة لم تتوقف. فان شافتسبري وغير من زعماء المعرضة أسسوا في ١٦٧٥ "نادي الوشاح الأخضر". ومن هذا المركز نشر "حزب الريف" دعايته دفاعًا عن البرلمان والبروتستانتية ضد ملك يتآمر على فرنسا الكاثوليكية، ووريثه الذي زف علنا زوجة كاثوليكية. وفي ١٦٨٠ أطلق على رجال حزب الريف اسم Whigs (^١)، وعلى المدافعين عن سلطة الملك Tories وبدا الملك شارل أن شافتسبري "أضعف الرجال وأخبثهم (١٤١) ". وقال عنه بيرنت "أن علمه سطحي هزيل، وأن غروره سخيف، وأن
_________________
(١) من الواضح أن هويج اختصار لكلمة "هويجامور" ةهذا أسم عصبة من الاسكتلنديين نشطت في مقاومة شار الأول (١٦٤٨). أما توري فهي لفظة أيرلندية معناه لص. وقد أطلقها تيتسي أوتس على "حزب البلاط" لأول مرة (١٦٨٠) (١٤٠).
[ ٣٢ / ١٦١ ]
عقليته تافهة (١٤٢) " ولكن جون لوك الذي عاش مع شافتسبري لمدة خمسة عشر عامًا رأى أنه مناضل باسل جرئ عن الحرية المدنية والدينية والفكرية االفلسفية. وقال عنه بيرنت أنه يدين بالربوبية (مذهب طبيعي يقوم على العقل لا على الوحي) وقد يحق لنا أن نرتاب في ديانته من قوله هو نفسه "ليس للعقلاء من الرجال إلا دين واحد"، فلما سألته إحدى السيدات، وما هو، كان جوابه "أن عقلاء الرجال لا يفصحون عنه قط" (١٤٣).
وخفت حدة التوتر الديني بعض الشيء في ١٦٦٧، حين تزوج وليم أورنج من ماري البروتستانتية كبرى بنات دوق يورك. فإذا ظل جيمس دون عقب ذكر، فان ماري سوف تخلفه، في وراثة العرش، ومن ثم ترتبط إنجلترا بهولندا البروتستانتية بحكم المصاهرة، ولكن في ٢٨ أغسطس ١٦٨٦ مثل تيتس أوتس أمام الملك وأعلن أنه أكتشف "مؤامرة بابوية: ذلك أن البابا وملك فرنسا ورئيس أساقفة أرماج واليوسوعيون في إنجلترا وأيرلندا وأسبانيا كانوا يدبرون قتل شارل وخلع أخيه، وفرض الكاثوليكية في إنجلترا بحد السيف، وأن ثلاثة آلاف سفاح سيتولون ذبح زعماء البروتستانت في لندن، وأن لندن نفسها -قلعة البروتستانتية- كانوا يدبرون إحراقها عن آخرها.
كان أوتس، وهو آنذاك في التاسعة والعشرين من العمر، ابن أحد أنصار تجديد العماد. وكان قد أصبح قسيسًا أنجليكانيًا، ولكنه فصل من وظيفته الكنيسة لسوء سلوكه (١٤٤). ثم قبل -أو تظاهر بقبول- التحول إلى الكثلكة. وكان قد درس في الكليات اليوسوعية في بلد الوليد (أسبانيا) وسانت أومر حيث فصل أيضًا. آخر الأمر (١٤٥)، وفي نفس الوقت، زعم الآن أنه كان قد اطلع على خطط الجوزيت السرية لغزوا إنجلترا. واعترف أنه شهد في ٢٤ أبريل ١٦٧٨ مؤتمرًا يسوعيًا في لندن، نوقشت فيه
[ ٣٢ / ١٦٢ ]
وسائل قتل الملك. وعدة أسماء خمسة من النبلاء الكاثوليك، على أنهم مشتركون في المؤامرة هم: أروندل، بويس، بتر، ستافورد، بللاسيس. وعندما أضاف أوتس بللاسيس هذا كان سيمين قائدًا عامًا لجيش البابا، ضحك شارل ساخرًا، حيث كان بلاسيس طريح الفراش بداء النقرس. وخلص الملك إلى أن أوتس لفق القصة كلها أملًا في الحصول على مكافأة، وصرفه من حضرته.
ولكن المجلس المخصوص ارتأى أنه من الحكمة أن يفترض بعض الصدق في الاتهامات، واستدعى أوتس ليمثل أمامه في ٢٨ سبتمبر. وخشي أوتس أن يزج به السجن، فقصد إلى قاضي الصلح سيراد موند بري جودفري وأدعه اعترافًا خطيًا مقرونًا بقسم، فصل فيه المؤامرة تفصيلًا. وأصدر المجلس، متأنرًا بهذه الأدلة، أوامر بالقبض على عدد من أنصار البابوية الذين تضمنهم اعتراف أوتس. وكان من بينهم أدوارد كزلمان الذي كان لعدة سنوات (حتى عزل بأمر من الملك) سكرتير دوقة يورك. وأحرق كولمان بعض أوراقه قبل القبض عليه، ولكن الأوراق التي لم يكن لديه متسع من الوقت لإحراقها أوضحت أن كولمان والأب لاشيز لويس الرابع عشر، تبادلا من الرسائل ما يعبر عن أمل الطرفين (شارل ولويس) في أن تصبح إنجلترا كاثوليكية في أسرع وقت وفي هذه الرسائل أقترح كولمان أن يرسل إليه "لويس الرابع عشر أموالًا ليكسب بها أعضاء البرلمان إلى جانب قضية الكثلكة، ثم أضاف "أن نجاحنا سوف يكون ضربة شديدة للعقيدة البروتستانتية، لم تتلق مثلها منذ نشأتها تلك هي تحول ثلاثة ممالك. ون ثم، فربما كان في هذا القضاء التام على هذه الهرطقة الوبيلة (١٤٦) إن إعدام كولمان لمعظم أوراقه حدا بالمجلس إلى الاعتقاد بأن كولمان على علم بالمؤامرة التي وصفها أوتس، وربما كان شريكًا فيها. واستنتج شارل نفسه من تلك الرسائل، وجود مؤامرة حقيقية بشكل ما.
[ ٣٢ / ١٦٣ ]
وفي ١٢ أكتوبر اختفى القاضي جودفري، وبعد خمسة أيام وجدت جثته في أحد الحقول في الضواحي. وبات من الواضح أنه قتل. بيد عملاء مجهولين، ولأسباب غير معروفة حتى الآن، ولكن البروتستانت نسبوا القتل إلى الكاثوليك الذين كانوا يأملون في الحيلولة دون نشر اعترافات أوتس. ويبدو أن هذا الحادث أكد الاتهامات. وفي هذا الجو الذي سادته الريبة وعدم الثقة، الذي خلقته معاهدة دوفر السرية، والخوف من اعتلاء جيمس عرش إنجلترا، كان طبيعيًا أن تصدق إنجلترا البروتستانتية آنذاك كل ما جاء على لسان أوتس من اتهامات، وأن يعتريها نوبة من الجنون بدمعها أن حماية البروتستانت تتطلب اعتقال كل فرد من أورد أوتس ذكرهم في المؤامرة، إن لم يكن إعدامهم.
وبدأت فترة من حكم من حكم الإرهاب امتدت لنحو أربع سنوات. وفر جيمس إلى الأراضي الوطيئة وتسلح أهالي لندن استعداد لمقاومة أي غزو متوقع. ونصبت المدافع في هويتهول. واتخذ الحراس أماكنهم في الأقبية والسراديب تحت مبنى البرلمان بمجلسية ليحولوا دون "مشروع بارود" آخر لنسف المبني. وأقر البرلمان قانونًا لطرد الكاثوليك من مجلس اللوردات، وكرم أوتس بوصفه "مخلص الأمة" وكافأه بتخصيص معاش سنوي له قدره ١٢٠٠ جنيه لمدى الحياة ومنحه مسكنًا في قصر هويتهول. وسرعان ما ازدحمت السجون باليسوعيين والكهنة غير المنتسبين إلى رهبنات، والكاثوليك العلمانيين الذين أورد ذكرهم أوتس أو وليم بدلو الذي ظهر، مدعيًا العلم لأشياء تؤكد صحة اتهامات أوتس.
وفي ٢٤ نوفمبر وضع أوتس أمام اتهامًا جديدًا مروعًا، ذلك أنه كان قد سمع الملكة تبدي موافقتها على قتل زوجها بالسم، بيد طبيبها الخاص. وهنا أخذه شارل بهذه الكذبة الصارخة. وفقد ثقته في أقواله كلها، وأمر بالقبض عليه. ولكن مجلس العموم أمر بالإفراج عنه، وبالقبض على ثلاثة من خدم الملكة. واقترع على إصدار بيان يطالب
[ ٣٢ / ١٦٤ ]
بعزلها. وقصد الملك إلى مجلس اللوردات ودافع عن إخلاص زوجته وولائها، وأقنع اللوردات بالامتناع عن الموافقة على بيان النواب. وفي ٢٧ نوفمبر حوكم كولمان وكاثوليكي علماني آخر، وثبتت إدانتهما وأعداما. وفي ١٧ ديسمبر أعدم ستة من اليسوعيين وثلاثة من الكهنة المنتسبين إلى رهينات. وفي ٥ فبراير ١٦٧٩ شنق ثلاثة رجال بتهمة قتل جودفري. وثبت فيما بعد براءة هؤلاء الاثني عشر.
وتزايدت الحملات اقترابًا من الملك، ففي ١٩ ديسمبر ١٦٧٨ تلقى البرلمان من باريس أنباء تفيد أن دانبي كان قد تسلم من لويس الرابع عشر مبالغ طائلة من المال. ورفض لوزير إيضاح أنها كانت إعانات فرنسية للملك. ووجه مجلس العموم الاتهام إلى الوزير. وخشي الملك الحكم على مستشاره قد التأم بالإعدام، فحل، وفي ٢٤ يناير ١٦٧٩ "برلمان الفرسان" الذي كان قد التأم على فترات متقطعة، ولمدة ثمانية عشر عامًا، أي أنه كان أطول من "البرلمان الطويل".
ولكن برلمان "الهويج" الذي اجتمع في ٦ مارس، كان في عدائه للكاثوليكية وللملك، أشد اندفاعًا وتحمسًا من البرلمان السابق. واتهم مجلس العموم دانبي بالخيانة العظمى، ولكن اللوردات أنقذوه بزجه في سجن لندن، حيث قضى فيه، في هدوء وقلق، السنوات الخمس المضطربة التالية. وبناء على نصيحة سير وليم ثمبل، عين شارل مجلسًا جديدًا من ثلاثين عضوًا، بينهم-رغبة في تخفيف حدة المعارضة-زعيمًا حزب الهويج: شافتسبري رئيسًا للمجلس. وسعيًا وراء المزيد من تهدئة لعاصفة، عرض الملك على البرلمان تسوية بديلة لاستبعاد أخيه عن العرش: ألا يسمح لأي كاثوليكي بمقعد في البرلمان أو بتولي منصب قيادي يتطلب الثقة، وألا يكون للملك حق التعيين في المناصب الدينية، وأن يخضع تعيين القضاء لموافقة البرلمان. وأن يكون للبرلمان حق الرقابة والإشراف
[ ٣٢ / ١٦٥ ]
على القوات البرية والبحرية (١٤٧). ولكن البرلمان أحس بشيء من الارتياب وعدم الثقة في موافقة جيمس على مثل هذه الاتفاقية. وفي ١١ مايو قدم شافتسبري نفسه أول مشروع قانون لاستبعاده (جيمس) في عبارة واضحة جلية لا لبس فيها "إسقاط حق دوق يورك في وراثة التاج الإمبراطوري لهذه المملكة". وكان موضع فخر وشرف للبرلمان أنه في ٢٦ مايو توسع في حق التحقيق في قانونية الاعتقال: بمعنى أنه يمكن الإفراج بكفالة عن أي سجين، فيما عدا المتهمين بالخيانة أو بجناية، وفي مثل هذه الحالة ينبغي أن يحاكم المتهم في الدورة التالية للمحكمة، وألا أطلق للمحكمة، وألا أطلق سراحه. وكان ينبغي أن يحاكم أن تنتظر ١١٠ سنوات حتى تنعم بضمانات مماثلة ضد الاعتقالات التعسفية. وفي ٢٧ مايو خشي الملك إقرار "مشروع قانون الاستبعاد" فحل البرلمان.
ولم يكن حق التحقيق في قانونية الاعتقال مجديًا بالنسبة لأنصار البابوية الذين اتهمهم أوتس، لأنهم حوكموا مع شيء من التباطؤ، حتى إذا أدينوا بالخيانة أعدموا في سرعة غاضبة، وحشد الكثير منهم إلى المقصلة أو ساحة الإعدام طيلة عام ١٦٧٩، وكانت محاكمتهم سريعة جدًا لأن القضاة الذين روعتهم صيحات الجموع المتعطشة للدماء خارج المحكمة، أدانوا كثيرًا من المدعي عليهم دون تمحيص الأدلة أو مواجهة الشهود بعضهم بعض. وهب الشهود المزيفون الذين أغراهم ما أغدق على اوتس من مكافأة، وكأنما هبوا من مرقدهم، وأقسموا بأغلظ الإيمان على ما يقولون: فروي أحدهم أن جيشًا من ثلاثين ألفًا كان قادمًا من أسبانيا، وقال آخر أنهم وعدوه بخمسمائة جنيه وبضمه إلى قائمة القديسين إذا هو أطاح برأس الملك، وذكر شاهد مزيف ثالث بأنه كان قد سمع أحد رجال المصارف الكاثوليك الأثرياء يأخذ على نفسه عهد بأن يقوم بمثل هذا العمل (١٤٨). ولم يسمح للمتهم بأي محام أو مستشار قانوني. ولم يبلغ بما نسب إليه إلا في يوم المحاكمة. وكان يفترض أنه مذهب حتى يستطيع أن يثبت براءته (١٤٩). وحتى تسهل
[ ٣٢ / ١٦٦ ]
الإدانة أحيوا قانونًا قديمًا كان معمولًا به في عهد اليزابيث: وهو أن وجود أي كاهن في إنجلترا جريمة عقوبتها الإعدام. وكانت الجموع المحتشدة حول مبنى المحكمة تصرخ وتولول في وجوه شهود الدفاع استهجانًا، وتقذفهم بالحجارة، ويهتفون ويهللون فرحًا عند إعلان الحكم بالإدانة (١٥٠).
فتوكل هذا في عضد شارل، وكان امتحانًا قاسيًا للملك الذي غمرته يومًا البهجة والفرح، والذي رأى الآن كل آماله تنهار، وسلطاته تنتقص، وزوجته تعاني الإذلال، وأخاه يبوء بالاحتقار والازدراء وينحى. وفي ذروة العاصفة خر شارل مريضًا مرضًا خطيرًا حتى توقعوا موته بين ساعة وأخرى، واستدعى هاليفاكس جيمس من بروكسل، ولكن زعماء الهويج أمروا الجيش بالحيلولة دون عودته. واتفق شافتسبري ومونمورث ولورد رسل ولورد جراي على أنهم-في حالة وفاة شارل-، سيتزعمون عصيانًا مسلحًا لمنع أخيه من ارتقاء العرش (١٥١). وتظاهر شارل بأنه أبل من مرضه، وابتسم للمخاوف التي ساورت جني أعداءه الذين توقعوا موته. والحق أنه لم يبرأ من علته قط.
وبقي العداء للكاثوليك على أشده حتى تخبط أوتس أثناء محاكمة سير جورج ويكمان طبيب الملكة. ففي شهادته أمام المجلس كان قد برأ الطبيب، ولكنه في المحاكمة اتهمه بتدبير دس السم للملك. واكتشف هذا التناقض في الأقوال قاضي سكرجوز الذي سبق له أن تولى محاكمة الكاثوليك بمنتهى الشدة. وصدر الحكم ببراءة ويكمان، ومن ثم سارت شهادة أوتس تسمع في مزيد من التدقيق، وامتنع الشهود المزيفون الذين كانوا يعززون أقواله، عن مساندته. وكان إعدام أوليفر بلنكت رئيس أساقفة آرماج الكاثوليكي، آخر إجراءاتكم في حركة الإرهاب التي قامت ضد الكاثوليك (١ يوليو ١٦٨١).
ولما خفت وطأة الرعب والانفعال تأكد لدى بعض عقلاء الرجال أن
[ ٣٢ / ١٦٧ ]
أوتس، عن طريق الريب التي لا تستند إلى أساس من ناحية ومن ناحية أخرى عن الأكاذيب، عجل بإرسال كثير من الأبرياء إلى الموت قبل الأوان. وانتهوا إلى أنه لم يسكن ثمة تدبير لقتل الملك أو ذبح البروتستانت أو إحراق لندن. ولكنهم أحسوا بأنه كانت هناك مؤامرة حقيقية، كاثوليكية، وأن لم تكن "بابوية": تلك هي أن أركان الحكومة دبروا، أو راودهم الأمل، بمساعدة أموال (أو جنود إذا لزم الأمر) من فرنسا، أن يقضوا على عجز الكاثوليك وعدم أهليتهم الشرعية في إنجلترا، ويحولوا الملك إلى الكاثوليكية، ويثبتوا حق أخيه الذي تحول فعلًا في ارتقاء العرش، ويستخدموا أن كل هذا تضمنته معاهدة دوفر السرية التي وقعت من قبل في ١٦٧٠ وكان شارل قد تراجع عن هذه الاتفاقية. ولكن رغباته لم تتبدل ولم يتخل عنها قط، وظل مصممًا على أن يعتلي أخوه عرش إنجلترا ويكون ملكًا عليها.