١٦١٣ - ١٦٨٠
شتان ما بين هذا الروح، وروح أشهر الكلبيين المحدثين، وأقسى من مزق القناع عن نقائصنا، ذلك العليل المكتئب الذي شوه سمعة النساء وافترى على الحب، والذي أحبته ثلاث نساء حتى الموت.
كان النبيل السادس المسمى فرانسوا دلاروشفوكو، سليل أسلاف كثيرين من الأمراء والكونتات، والابن البكر للرئيس الأكبر لإدارة الملابس والحلي للملكة والوصية ماري دمديتشي.
[ ٣١ / ٢٣٧ ]
وكان اسمه الأمير مارسياك إلى أن ورث لقب الدوقية عند وفاة أبيه (١٦٥٠). وقد تلقى التعليم في اللاتينية والرياضيات والموسيقى والرقص والمبارزة والأنساب والأتكيت. فلما ناهز الرابعة عشرة تزوج بتدبير أبيه من أندريه دفيفون، الابنة الوحيدة والوريثة لبازبار فرنسا الكبير المتوفى. وحين بلغ الخامسة عشرة أمر على فوج من الفرسان، وفي السادسة عشرة اشترى رتبة الكولونيل. وكان يختلف إلى صالون مدام درامبوييه الذي هذب عاداته وصقل أسلوبه. ومع كل مثالية الشباب وإثارة للنساء الناضجات نراه يعشق الملكة، ومدام دشفروز، والآنسة دهوتفور. وحين تآمرت آن النمساوية على ريشليو استخدمت فرانسوا، ثم كشف أمره، وأودع الباستيل أسبوعًا (١٦٣٦). فلما أفرج عنه سريعًا نفي إلى ضيعة أسرته بفيرتوي. وراضَ نفسه حينًا عل العيش مع زوجته، ولاعب ولديه الصغيرين فرانسوا وشارل، وتعلم أن للريف مباهج لا تستطيع فهمها غير المدينة. وفي تلك الأيام لم يكن ممكنًا فصم عرى الزواج الشرعي بين الطبقات العليا الفرنسية، ولكم كان من الممكن تجاهلها. وبعد أن قضى الأمير عشر سنوات في زواج المرأة الواحدة الذي أضجره، انطلق للمغامرة في الحب والحرب. وحين استهدفت عيناه مدام دلونجفيل (١٦٤٦) لم يعد دافعه إلى ذلك حب مثالي، بل تصميم على الاستيلاء على قلعة منيعة مشهورة، لأنه مما يرفع من قدره أن يغوي زوجة لدوق وأختًا لكونديه العظيم. أما هي فلعلها ارتضته لأسباب سياسة، فقد يكون حليفا، نافعًا في التمرد الأرستقراطي الذي اعتزمت أن تلعب فيه دورًا نشيطًا. ولما أخبرته أنها حبلت منه (٧٢)، منح كل تأييده للفروند. وفي ١٦٥٢ نبذته واتخذت الدوق نيمور عشيقًا، وحاول لاروشفوكو إقناع نفسه بأن ذلك ما كان يصبوا إليه، وكما قال بعد ذلك "حين نحب إنسانًا إلى درجة الملل … فإننا نرحب أشد الترحيب … بفعل من أفعال الخيانة يبرر تحللنا من ذلك الحب (٧٣) " في ذلك العام، وفيما كان يحارب في صفوف الفروند في ضاحية
[ ٣١ / ٢٣٨ ]
سانت أنطوان، أصابه رش بندقية في عينيه وخلف به عمى جزئيًا. فانكفأ راجعًا إلى فيرتوى.
وكان الآن في الأربعين، يحس بوادر النقرس، ويشعر المرارة من كوارث أكثرها من صنعه. أما مثاليته فماتت في إثر مدام دلونجفيل، وفي مؤامرات الفروند الخداعة والنهاية الحقيرة التي انتهت إليها. وقد أزجى فراغه ودافع عن سيرته في "مذكرات" (١٦٦٢) دل فيها على عظيم تمكنه من الأسلوب الكلاسيكي. وفي ١٦٦١ سمح له بالعودة إلى البلاط، ومنذ ذلك التاريخ قسم وقته بين زوجته في فيرتوى وأصحابه في صالونات باريس.
وكان أحب الصالونات إليه صالون مدام دسابليه. هناك كانت هي وضيوفها يلعبون أحيانًا لعبة "العبارات". يعلق أحدهم بعبارة على الطبيعة البشرية أو سلوك الإنسان، فتتقاذف الجماعة العبارة فيما بينها تأييدًا واعتراضًا. وكانت مدام دسابليه جارة وصديقة مخلصة للبور-رويال-دباري، فاعتنقت رأيه في شر الإنسان الفطري وخواء الحياة الدنيوية، ولعل تشاؤم لاروشفوكو الناجم عن خيبته في الحب والحرب، وعن الخيانه السياسية والألم البدني، وعن خدعه غيره وانخداعه بالغير-نقول لعل هذا التشاؤم وجد مساندة قليلة من جانسنيه مضيفته. وكان يجد لذة قاتمة في تهذيب عباراته وعبارات غيره وغربلتها على مهل، وسمح لمدام دسابليه وغيرها من الأصدقاء بأن يقرؤوا هذا الحكم، وأن يعدلوا فيها أحيانًا. وقد نسخها أحد هؤلاء، وطبع ناشر لص هولندي ١٧٩ منها، غفلًا من اسم المؤلف، حوالي سنة ١٦٦٣، وتبين فيها رواد الصالونات حكم لاروشفوكو، ثم أصدر المؤلف نفسه طبعة أفضل أضاف إليها ٣١٧ مثلًا عام ١٦٦٥ تحت عنوان "عبارات وأمثال أخلاقية". وأصبح هذا الكتيب الذي اختزل الناس اسمه بعد قليل إلى "الأمثال"، من عيون الأدب للتو تقريبًا. ولم يعجب القراء بأسلوبه الدقيق المحكم الأنيق فحسب، بل أنهم استمتعوا بما حوى
[ ٣١ / ٢٣٩ ]
من فضح لأثرة الغير. ولم يفطنوا إلى أن القصة إنما تروى عنهم، إلا فيما ندر.
ووجهة نظر لاروشفوكو أوردها ثاني أمثاله: "إن حب الذات هو حب الإنسان لنفسه، ولأي شيء آخر لأجله. وحياة الإنسان كلها ليست إلا ممارسة متصلة لهذا الحب وتحريضًا قويًا له" وليس الغرور إلا شكلًا من الأشكال الكثيرة التي يتخذها حب الذات، ولكن حتى هذا الشكل يدخل في كل فعل وفكر تقريبًا، وقد تنام شهواتنا أحيانًا، ولكن غرورنا لا يهدأ أبدًا "إن الذي يرفض الثناء أول مرة يرفضه أنه يريد سماعه ثانية (٧٤) ". والتلهف على استحسان الناس لنا هو الأصل لكل الأدب والبطولات الواعية. "وكل الناس يستوون كبرياء، والفرق الوحيد هو أنهم لا يتبعون كلهم نفس الطرق في إبدائها (٧٥) ". "إن الفضائل تضيع في المصلحة الذاتية كما تضيع الأنهار في البحر (٧٦) ". "ولو تأملنا أفكارنا الخفية لوجدنا في صدورنا بذرة كل الرذائل التي نستنكرها في غيرنا" ولاستطعنا أن نحكم من الواقع فسادنا الشخصي على الفساد المتأصل في الإنسان (٧٧). وما نحن إلا عبيد شهواتنا، وإذا قهرت شهوة منها فقاهرها ليس العقل بل شهوة أخرى (٧٨)، "والعقل يستغفله الوجدان دائمًا"، "والناس لا يشتهون شيئًا بلهفة إذا طلبوه انصياعا لأوامر العقل فقط (٧٩) "، "وأبسط الناس إذا أعانته العاطفة المشبوبة سينتصر أكثر من أفصح الناس بدونها (٨٠) ".
وفن الحياة يكمن في إخفائنا حب ذواتنا بقدر يكفي لتجنب إغضاب حب الغير لذواتهم. وعلينا أن نتظاهر بقدر من الإيثار "إن النفاق ضرب من الاحترام الذي تقدمه الرذيلة للفضيلة (٨١) ". واحتقار الفيلسوف المزعوم للثراء أو عراقة النسب ليس إلا طريقته في الترويج لبضاعته. وما الصداقة "إلا تجارة لا يفتأ حب الذات يطلب الكسب من ورائها (٨٢) " وقد نقيس إخلاصها إذا لاحظنا أننا نجد في نكبات أصدقائنا شيئًا ليس كله
[ ٣١ / ٢٤٠ ]
مسيئًا (٨٣). ونحن نبادر إلى الصفح عمن أساءوا إلينا بأسرع من صفحنا عمن أسأنا إليهم، أو عمن تفضلوا علينا-فألزمونا-بخدماتهم (٨٤). والمجتمع حرب بين الفرد والكل. "والحب الصادق أشبه بالأشباح-شيء يتحدث عنه كل إنسان ولكن نادرًا ما رآه أحد (٨٥) "، و"ما كنا لنقع في الحب قط لولا سمعنا الناس يتكلمون في الحب (٨٦) ". ومع ذلك فالحب إذا كان صادقًا تجربة فيها من العمق ما يجعل النساء اللاتي عرفن الحب مرة ضعيفات القدرة على الصداقة، لأنهن يجدنها باردة غثة بالقياس إلى الحب (٨٧) ومن هنا لم يكن للنساء وجود تقريبًا إلا وهن في الحب "قد تلقى نساء لم يسبق لهن غرام غط، ولكن من العسير جدًا أن تجد نساء لم يقعن إلا في غرام واحد لا أكثر (٨٨) ". "وأكثر النساء المحصنات كالكنوز المخفاة، التي لم تكن في مأمن إلا لأن أحدًا لم يفتش عنها (٨٩) ".
وكان هذا الكلبي العليل عليمًا بأن هذه الحكم البارعة ليست وصفًا منصفًا للبشر. لذلك راح يتجنب الجزم في الكثير منها بألفاظ مثل "تكاد" أو "تقريبًا" إلى غير ذلك من التحفظات الفلسفية، وقد اعترف أنه "أسهل أن يعرف المرء النوع الإنساني عمومًا من أن يعرف إنسانًا واحدًا بالذات (٩٠) "، وسلمت المقدمة بأن أمثاله لا تصدق على "المحظوظين القلائل، الذين سرت السماء بأن تحفظهم … بنعمة خاصة (٩١) ". ولابد أنه سلك نفسه في زمرة هؤلاء القلائل، لأنه كتب: "إنني أخلص لأصدقائي إخلاصًا لا أتردد معه لحظة في التضحية بمصالحي في سبيل مصالحهم (٩٢) ". -ولو أنه كان بلا شك يفسر هذا بأنه راجع لأنه يجد في بذل مثل هذه التضحية لذة أكثر مما يجده في منعها. وقد تحدث بين الحين والحين عن "عرفان الجميل، فضيلة العقول الحكيمة السمحة (٩٣) "، و"الحب، النقي الذي لا تشوبه شهوة (إذا وجد إطلاقًا)، الذي يكمن في أعماق قلوبنا (٩٤) " و"مع أنه يمكن القول، بقدر كبير من الصدق ..، أن الناس لا يفعلون شيئًا دون
[ ٣١ / ٢٤١ ]
مراعاة لمصلحتهم، إلا أنه لا يستتبع هذا أن كل ما يفعلوه فاسد، وأنه لم يبق في الدنيا شيء اسمه العدالة أو الأمانة. فالناس قد يحكمون أنفسهم بوسائل شريفة، ويختطون (لأنفسهم) مصالح كلها الخير والنبل (٩٥) ".
وقد ألانت الشيخوخة جانب لاروشفوكو، حتى وهي تزيده شجنًا على شجن. ففي ١٦٧٠ ماتت زوجته ثلاثة وأربعين عامًا من الوفاء الصابر، وبعد أن أنجبت له ثمانية أطفال، وقامت على تمريضه طوال الأعوام الثمانية عشر الأخيرة. وفي ١٦٧٢ ماتت أمه، وقد اعترف أن حياتها كانت معجزة طويلة من المحبة. وفي تلك السنة جرح اثنان من أبنائه في غزوة هولندا، ومات أحدهما من جروحه. كذلك سقط في نفس الحرب الفاجرة ابنه غير الشرعي الذي ولدته له مدام دلونجفيل، والذي لم يؤذن له بأن يطالب به ابنًا برغم أنه أحبه حبًا عميقًا. روت مدام دسفينييه "رأيت لاروشفوكو يبكي في حنان جعلني أعبده (٩٦) ". ترى أكان حبه لأمه وأولاده حبًا لذاته؟ أجل، إذا نظرنا إليهم على أنهم جزء من ذاته وامتدادها لها. وهذا هو التصالح بين الإيثار والأثرة-فلإيثار توزيع للذات، ولمحبة الذات، للأسرة، أو الأصدقاء، أو الجماعة. وفي وسع المجتمع أن يقنع بمثل هذه الأنانية السمحة الشاملة.
ومن أكثر ملاحظات لاروشفوكو سطحية قوله "أن فضل القليل من النساء يدوم أطول من جمالهن (٩٧) ". لقد كانت أمه وزوجته استثنائين، ولم يكن الكرم تجاهل آلاف النساء اللاتي ضيعن جمالهن الجسدي في خدمة الرجل والأطفال. وفي ١٦٦٥ بذلت امرأة ثالثة معظم حياتها. ولا شك في أن مدام دلافاييت أرضت قلبها هي وهي تحاول أن تسري عنه. فلقد كان يومها في الثانية والخمسين، يشكو النقرس ونصف العمى، أما هي فكانت في الثالثة والثلاثين، محتفظة بجمالها، ولكنها عليلة تشكو حمى الملاريا. ولقد روعها ما في أمثاله من كلبية، ولعل فكرة سارة بإصلاح هذا الرجل الشقي والتسرية عنه خالطت رأيها فيه، فدعته إلى بيتها في باريس،
[ ٣١ / ٢٤٢ ]
فجاء محمولًا على محفة، فعصبت قدمه الموجوعة ووسدتها، وأتت بأصحابها، ومنهم مدام دسفينييه المتدفقة العاطفة ليساعدنها في الترويح عنه. وعاد إليها ثانية، وكثرت زياراته حتى لغطت بها باريس. ولا علم لنا هل دخلت في هذه الزيارات الألفة الجنسية، ولكنها على أية حال كانت جزءًا صغيرًا في علاقة أصبحت تبادلًا بين الأرواح. قالت "لقد أعطاني الفهم، ولكنني أصلحت قلبه (٩٨) ". ولعله ساعدها في روايتها "أميرة كليف" وإن بعدت رقتها وحنانها عن قسوة "أمثاله" بعد السماء عن الأرض.
وبعد أن ماتت مدام دلاروشفوكو أصبحت هذه الصداقة التاريخية ضربًا من الزواج الروحي، وفي الأدب الفرنسي صور كثيرة لهذه المرأة القصيرة الضعيفة الجسد، تجلس في هدوء إلى جوار الفيلسوف العجوز الذي أقعده الألم عن الحركة. قالت مدام دسفينييه "لا شيء يمكن أن يقارن بسحر صداقتهما وثقتها (٩٩) ". وقال بعضهم إن المسيحية تبدأ حيث ينتهي لاروشفوكو (١٠٠)، وقد تبينت صحة القول في هذه الحالة، ولعل مدام دلافاييت الصادقة الورعة أقنعته بأن الدين هو الكفيل بالإجابة عن مشكلات الفلسفة. ولما شعر بدنو أجله طلب إلى الأسقف بوسويه أن يناوله الأسرار المقدسة الأخيرة (١٦٨٠). وقد عمرت صديقته بعده ثلاثة عشر عامًا حافلة بالألم.