٧ يوليو ١٨١٥
راح المجلسان والحكومة المؤقتة يتناقشون هل يحاربون الحلفاء الذين اقتربوا أم يتفاوضون للوصول لأفضل الشروط المتاحة. وعرض دافو أن يقود الميليشيا الموجودة بالمدينة (باريس) ضد ولينجتون وبلوخر إن أصرّا على إعادة لويس ١٨ إلى العرش. وخاف النوَّاب أن تؤدي المقاومة والهزيمة إلى تمزيق فرنسا وما يعقب ذلك بوقت وجيز، من فضّ المجلسين معا. ولم تكن بقايا جيش نابليون المعروف بجيش الشمال في حالة نفسيه تسمح بهزيمة أخرى (واترلو أخرى) بالإضافة إلى نقص المؤن، بينما كانت قوات الأعداء موحَّدة بين لون Loan وباريس.
وعندما علم لويس الثامن عشر أن فريقًا من الحلفاء كان يعمل على إحلال لويس فيليب (دوق دأورليان Duc d'Orleans) مكانه كملك لفرنسا انتقل وهو في حالة قلق من جنت Ghent إلى شاتو كمبريزي Cateau-Cambresis وأصدر من هناك (في ٢٥ يونيو) بيانا يعد فيه بالترضية (التسوية) ونظام الحكم الليبرالي. وأدى هذا إلى ابتهاج المجلسين، وفي ٣٠ يونيو وقَّعت الحكومة الفرنسية المؤقتة والحلفاء شروط تسليم العاصمة. كان على كل القوات الفرنسية أن تنسحب فيما وراء نهر اللوار مع ضمان أمن المواطنين وممتلكاتهم. وفي السابع من يوليو دخل الحلفاء باريس وفي الثامن من يوليو أصبح لويس ١٨ مرة أخرى ملكًا
[ ٤٧ / ١٠٠ ]
لفرنسا. واستخدم مدير شرطة دائرة (محافظة) السين Seine عند الترحيب به عبارة المائة اليوم Cent Jours للمرّة الأولى ليصف بها الفترة الواقعة بين اغتصاب نابليون الملك للمرة الثانية (٢٠ مارس) واستعادة لويس ١٨ عرشَه.
وقبل معظم الفرنسيين وَقْف المقاومة باعتباره الحل العملي الوحيد للمشاكل الناجمة عن انهيار حكم نابليون المفاجئ. وعلى أية حال فإن بلوخر قد أطلق صيحة احتجاج مؤدّاها أنه سيطلب من مهندسيه نسف جسر بونت دينا Pont d'Iena وذلك الجسر الذي يُذكّر بانتصار الفرنسيين على البروس في سنة ١٨٠٦، واقترح تدمير كل ما يذكّر بنابليون (المقصود الآثار والنصب التذكارية … الخ)، وانضم ولينجتون مع لويس ١٨ في حث بلوخر على الكف عن كل ذلك، لكنه أصر، غير أن وصول القيصر إسكندر والملك فريدريك وليم والإمبراطور فرانسيس الثاني على رأس قوات روسية ونمساوية وبيدمونتية أدى إلى إجبار الوطني العجوز (بلوخر) على التهدئة من حدة غضبه. لقد بلغ إجمالي القوات الأجنبية الآن نحو ٨٠٠،٠٠٠ لابد أن يُطعمها الشعب الفرنسي لقاء حمايتها له policing (أي قيامها بدور رجال الشرطة)، وعلى وفق حساب كاسلريه Castlereagh فإن هذا كان يكلّف فرنسا ١،٧٥٠،٠٠٠ فرنك في اليوم (لإطعام الذين يحتلّون بلاده)، وبالإضافة إلى هذا كان على كل ولاية أو منطقة أو محافظة أن تدفع للحلفاء تعويضات حرب، وكانت هذه التعويضات باهظة.
وأخبر لويس ١٨ قادةَ الحلفاء أنهم إذا لم يلتزموا بإعلان ٢٥ مارس واستمروا في معاملة رعاياه كأعداء، فإنه سيترك فرنسا باحثًا عن ملجأ له في إسبانيا. فوافق الحلفاء على تخفيض تعويضات الحرب إلى خمسين مليون فرنك متذرّعين بأنهم راضون تماما بقوانين الحرب وبالسوابق التي رسخّها نابليون عندما غزا بروسيا والنمسا.
ووجدنا أيضا الملكيّين في بعض المدن الفرنسيّة منهمكين في إرهاب أبيض White Terror ثأرا من الإرهاب الأحمر الذي أدى إلى مقتل عدد كبير من الملكيّين في عامي ١٧٩٣ - ١٧٩٤. ولم يكن هذا الإرهاب الأبيض دائما بغير إعدام عاجل، فعندما تظاهر فريق من الملكيّين في مرسيليا مطالبين بعودة لويس الثامن عشر إلى العرش قام بعض جنود الحامية المحلية ممن لا زالوا موالين لنابليون بإطلاق النار عليهم. وسرعان ما أوقف القائدُ
[ ٤٧ / ١٠١ ]
إطلاق النيران وحاول أن يقود جنوده خارج المدينة المعادية لكن في أثناء خروجهم تعرَّض مئات منهم لقذائف النيران التي أُطلقت عليهم من النوافذ ومن فوق الأسطح (٢٥ يونيو)
وفي هذا اليوم واليوم الذي تلاه راح الملكيون المسلحون يجرون حول المدينة مطلقين النار على البونابرتييِّن واليعاقبة فسقط منهم مئة ضحيّة، وكان كثيرون من هؤلاء الضحايا لا يزالون يهتفون حتى وهم يحتضرون عاش الإمبراطور وراحت النسوة الملكيات يرقصن حول جثت البونابرتييِّن واليعاقبة.
وفي أفنيون Avignon سجن الملكيون البونابرتيِّين وقتلوهم. وثمّة شخص كان الملكيون يبحثون عنه على نحو خاص، إنه جولوم برونيه Guillaume Brune الذي كان متهمًا بحمل رأس الأمير لامبل Lamballe على سن رمحه في سنة ١٧٩٢. لقد اختبأ في فندق أفنيون وعثرت عليه الجماهير فأطلقت عليه النار وجرّت جثته في شوارع المدينة وراحوا يضربون جثة بنشوة حانقة، ثم ألقوها في الرون Rhone وراح الرجال والنساء يرقصون بنشوة وسعادة (٢ أغسطس ١٨١٥). وشهدت مُدن نيم Nimes ومونبلييه Montpellier وتولوز Toulouse مشاهد مماثلة.
لقد كان لويس ١٨ رجلا متسامحا لا يمكن عَزو هذه البريرية له، لكنه لم يكن قادرا على التسامح مع ني Ney الذي سبق أن تعهد له (تعهد للويس ١٨) بإحضار نابليون حيا أو ميتا لكنه تخلّى عن وعده وانضم إلى نابليون وتسبب في موت كثيرين في واترلو. لقد فرّ ني Ney من باريس في ٦ يوليو وراح يتنقل متخفيا من مدينة إلى أخرى لكن تم التعرف عليه فقُبض عليه وقُدّم إلى محكمة مكونة من ١٦١ عضوا (نبيلا) Peers أصدرت حكمها بأنه متهم بالخيانة فتم إعدامه بإطلاق النار عليه في ٧ ديسمبر سنة ١٨١٥ بعد أن رفض أي خدمات دينية من القسس (رفض أن يُلقنه القسس أصول المسيحية الكاثوليكية كما رفض الطقوس الكنسية المرتبطة بالموت).
لقد أصبح فوشيه وتاليران الآن في خدمة (وزارة) لويس ١٨ لقد انتصرا لكنهما لم يكونا سعيدين. لقد وصم الملكيون في مجلس الوزراء فوشيه بأنه ضالع في قتل لويس ١٦ ونصحوا الملك بطرده، وسوّى الملك الأمر بتعيينه وزيرا له (سفيرا) في سكسونيا (١٥ سبتمبر) لكنه استدعاه بعد ثلاثة أشهر ونفاه من فرنسا، فراح فوشيه يتنقل من براغ إلى لينز
[ ٤٧ / ١٠٢ ]
(لينتس Linz) إلى تريست حيث مات في سنة ١٨٢٠ عن عمر يناهز الواحد والستين عاما مارس فيها كثيرا جدا من الشرور والسلوك الطائش.
وكان تاليران يضارعه مكرا ودهاء ويفوقه تحملا وصمودا. لقد وصفه لويس ١٨ بسطور من كورنيل Corneille: " لقد فعل معي كثيرا من الأمور الطيبة تمنعني من ذكره بشر، وألحق بي كثيرا من الأذى مما يمنعني من ذكره بخير"،.
ويبدو أن تاليران هو الذي قال (في سنة ١٧٩٦) عن البوربون:
"إنهم لم يتعلموا شيئا ولم ينسوا شيئا".
لكن هذا القول لا يكاد ينطبق على لويس الثامن عشر الذي تعلّم كيف يتعامل مع المجالس المنتخبة وكيف يُرحِّب بجنرالات نابليون وكيف يُبقي على كثير من التشريعات النابليونيّة. وكان الوزراء الملكيون يكرهون تاليران ليس لأنه كان شريكا في المؤامرة على قتل الملك (لويس ١٦) فحسب وإنما أيضا باعتباره خائنا لطبقته، وأذعن لويس ١٨ لهم فطرده (٢٤ سبتمبر ١٨١٥)، ولكن تاليَران عاد إلى منصبه، وعاش بعد لويس ١٨ بل وعاش بعد تنازل شارل العاشر (١٨٣٠) وتم تعيينه سفيرا لفرنسا لدى بريطانيا العظمى (١٨٣٠ - ١٨٣٤) وهو في السادسة والسبعين من عمره. وعندما انتقد مركِز لوندوندري Londonderry السفيرَ تاليران في مجلس اللوردات دافع عنه ولينجتون الذي كان قد تعامل مع السيد تاليران في مواقف كثيرة فوجده على حد تعبير دوق ولينجتون أكثر من عرف من الرجال حماسا ومهارة في حماية مصالح بلاده (فرنسا) وأكثر من عرف من الرجال استقامة وشرفا في تعامله مع الدول الأخرى. وعندما قرأ تاليران هذه الكلمات كاد يبكي، فلا شيء أفضل له من هذه الكلمات:
"إنني ممتن شديد الامتنان لدوق ولينجتون فهو رجل الدولة الوحيد في العالم الذي تحدث عني حديثا طيبا أَمَا وقد عاون في تنظيم التحالف الرباعي في سنة ١٨٣٤ ومات في سنة ١٨٣٨ عن عمر يناهز الرابعة والثمانين، وفاق الجميع حدة ذهن ودهاء، فإنه كاد يخدع الموتَ نفسه".
وفي ٢٠ نوفمبر ١٨١٥ وقّع لويس الثامن عشر مع الحلفاء معاهدة باريس الثانية التي صاغت العقوبات التي كان على فرنسا أن تتحمّلها لسماحها لنابليون بمواصلة الحكم (بعد عودته من إلبا) لقد كان على فرنسا أن تتنازل عن السار Saar وسافوي وأربع مدن حدودية
[ ٤٧ / ١٠٣ ]
بما في ذلك فيليبفيل Philippeville ومارينبورج Marienburg، وأن يعيد الأعمال الفنية التي استولى عليها جنرالاتها الغازون، وأن تدفع تعويضات حرب مقدارها ٧٠٠ مليون فرنك بالإضافة إلى ٢٤٠ مليون فرنك على وفق دعاوى (مطالبات) خاصة، وأن تظل قوات الحلفاء في الأراضي الفرنسية مدة تتراوح بين ثلاث سنوات وخمس وأن تدفع فرنسا تكاليف هذه القوات. ورفض تاليران توقيع هذه الوثيقة لكن وزير الخارجية الذي خلفه - أرمان إمانويل دي بلسِّ Armand-Emmanuel du Plessis دوق ريشليو Duc de Richelieu وقعها محتجّا (وقعها معلنا احتجاجه عليها) وبعدها صاح: لقد لوّثتُ شرفي.