لقد زادت قوات الحلفاء عددا وتمويلا. لقد أصبحت الآن نحو ٤٩٢،٠٠٠ مقاتل و١،٣٨٣ مدفعا، واستقبل نابليون فرقة عسكرية من الدنمرك، ودفعة مجنّدين كان ينتظرها وأصبح لديه الآن ٤٤٠،٠٠٠ مقاتل و١،٢٠٠ مدفع. وكوّن الحلفاء ثلاثة جيوش: جيش الشمال بقيادة بيرنادوت وتمركز في برلين، وجيش سيليزيا بقيادة بلوشر (بلوخر Blucher) المندفع الذي لا تنقصه الشجاعة، وتحلّق جيشه في تشكيلاته المختلفة حول بريسلو (بريسلاو Breslau) والجيش الثالث وهو أكبرها جميعا هو جيش بوهيميا بقيادة الأمير فون شفارتسنبرج von Schwarzenberg المتمركز في براغ. وكونت الجيوش الثلاثة نصف دائرة حول نابليون المتمركز في دريسدن.
وُترك لكل جيش من هذه الجيوش حرية القتال لشق طريقة إلى باريس بشكل مستقل. وفي مواجهة هذه الجيوش أعد نابليون جيش الميسرة Left بقيادة أودينو Oudinot لإيقاف بيرنادوت، وجيش الوسط بقيادة ني Ney لمراقبة بلوخر Blucher وجيش الميمنة بقيادته هو نفسه (نابليون) لحراسة الطرق التي قد يُطلق عبرها شفارتسنبرج من بوهيميا عددًا كبيرًا من قوّاته لقد كانت هناك عيوب في الموقف الفرنسي لم يكن يمكن كما هو واضح تجنبها؛ لم يكن نابليون بقادر على استخدام خطته التي استخدمها في إيطاليا بالتركيز بكل قواته على أحد الجيوش، فهذا قد يودي إلى فتح الطريق إلى باريس للجيشين الآخرين أو أحدهما،
وكان يتعيَّن على جيشين من جيوشه أن يتحركا بعيدًا عن الأثر المحمّس الذي كان يتركه وجوده في صفوف الجيش، وأدى عدم وجوده إلى حرمان هذين الجيشين من مناورته السريعة وتكتيكاته البارعة وفي ١٢ أغسطس بدأ بلوخر معركة خريف ١٨١٣ بالتحرك غربًا من برسلو (برسلاو Breslau) لمهاجمة قوات ني Ney من كاتسباخ Katzbach في سكسونيا فأخذهم على غِرّة وفرّوا وقد تملكهم الذعر، فاندفع نابليون من جورليتس Gorlitz بحرسه الإمبراطوري وقوات الفرسان بقيادة مورا Murat لإعادة تنظيم قوّات ني Ney، وقادهم إلى نصر كلف قوات بلوخر ٦،٠٠٠ قتيل.
لكن في الوقت نفسه قاد شفارتسنبرج قواته البالغ عددها ٢٠٠،٠٠٠ شمالًا في هجوم
[ ٤٧ / ٤٤ ]
سريع للاستيلاء على مقر القيادة الفرنسية في دريسدن. واستدار نابليون وكفّ عن متابعة بلوخر، وقاد ١٠٠،٠٠٠ رجل مسافة ١٢٠ ميلًا في أربعة أيام، ووجد أن النمساويين يكادون يتحكمون في كل المرتفعات حول العاصمة السكسونية، وفي ٢٦ أغسطس راح الجيش الفرنسي بقيادة الحرس القديم والحرس الجديد يهتف عاش الإمبراطور وهو - أي الجيش الفرنسي - يقتحم صفوف الأعداء ويحاربهم بضراوة شديدة حتى إن مورا Murat قاد سلاح الفرسان التابع له بتهوّر شديد كما كان يفعل أيام شبابه لدرجة أنه بعد يومين من المعركة، أمر شفارتسنبرج قواته بالتراجع مخلّفًا ٦،٠٠٠ من رجاله بين قتيل وجريح وأسير. وكان نابليون نفسه يوجه إطلاق المدافع فأصلى العدو نارًا كثيفة حامية.
وكان إسكندر يراقب الصراع من فوق تل مكشوف، وكان معه مورو Moreau الذي كان قد أصبح أثيرًا لديه. وأصابت قذيفة مدفع ساقي مورو فأطاحت بهما، ومات بعد أيام قليلة وسط جيش القيصر، لكنه صاح وهو يموت: "أأنا مورو! تصيبني طلقة من الجيش الفرنسي وأموت بين أعداء فرنسا!! ".
وتعقّب فاندام Vandamme النمساويين المنسحبين ولم يتبعه نابليون ولم يقدم له دعمًا (كان نابليون قد تعرّض لآلام حادة في معدته)، ووقع فاندام في شرك نصبه له العدو فاستسلم مع رجاله البالغين ٧،٠٠٠ في ٢٨ أغسطس لأحد أقسام جيش شفارتسنبرج، وبعد ذلك سرعان ما فقد ني Ney ١٥،٠٠٠ من رجاله في اشتباكات مع العدو في دنيفتس Dennewitz (٦ سبتمبر)، وحزن نابليون لأن نصره الذي أحرزه في دريسدن سرعان ما ضاع هباء. فأرسل (أي نابليون) إلى السينات Senate لاستدعاء ١٢٠،٠٠٠ مجند إلزامي من دفعة ١٨١٤ (الدفعة التي يحين وقت تجنيدها في سنة ١٨١٤) و١٦٠،٠٠٠ من دفعة ١٨١٥. وكان هؤلاء المجندون الجُدد صغارًا وسيحتاجون لشهور كثيرة لتدريبهم. وفي الوقت نفسه كان ٦٠،٠٠٠ جندي قد أُضيفوا إل الجيش الروسي، وكانوا ممّن تمرسوا على الحرب في معركة في بولندا، وفي ٨ أكتوبر انضم جيش بافاريا Bavaria إلى أعداء نابليون بعد أن كان يقاتل في صفّه.
[ ٤٧ / ٤٥ ]
أما وقد أصبح المتحالفون ضد نابليون على هذا القدر من القوّة فقد أصبح هدفهم هو الاستيلاء على ليبزج (ليبتسج) وأن يحسموا الحرب بمعركة تستطيع فيها قواتهم الموحّدة إحباط أي إستراتيجية نابليونية. وفي أكتوبر قاد كلٌّ من بلوخر وبنجسن وبيرنادوت وشفارتسنبرج ويوجين الفيرتمبرجي of Wurttemberg وغيرهم من الجنرالات - قوات من ١٦٠،٠٠٠ رجل حول المدينة. فاستدعى نابليون جيوشه من الشمال والوسط والجنوب فبلغ تعدادها ١١٥،٠٠٠ رجل بقيادة مارمون Marmont وإسكندر ماكدونالد وأوجيرو Augereau وبرتران Bertrand وكليرمان Kellermann وفيكتور، ومورا Murat وني Ney والأمير جوزيف بونياتوفسكي Poniatowski. قلما وجدنا مثل هذه العبقرية العسكرية وقلما رأينا هذا العدد من الجنسيات تتجمع لتتلاقى في معركة واحدة. إنها معركة الأمم أو كما سماها الألمان (فولكرشلاخت Volkerschlacht) والكلمة تعني حرفيًا (مذبحة الشعوب).
واتخذ نابليون موقعًا مكشوفًا في مؤخرة قواته وراح يُوجّه تحركاتها طوال ثلاثة أيام من العمليات (١٦ - ١٩ أكتوبر ١٨١٣)، على وفق ما قاله (أي نابليون) فقد ظلَّ للفرنسيين اليد العليا حتى ١٨ أكتوبر وعندها تحوّل الجنود السكسونيين Saxon troops إلى القوات المتحالفة ضد نابليون ووجهوا مدافعهم ضدّ الفرنسيين الذين اعترتهم الدهشة وغمرتهم الفوضى فبدءوا يفقدون مواقعهم. وفي اليوم التالي تخلّت كتائب كونفدرالية الراين عن الفرنسيين وانضمت إلى المتحالفين ضدهم. وعندما وجد نابليون أن رجاله بدأت تعوزهم الذخيرة وتعرضوا لخسائر فادحة - أمر بالتراجع (الانسحاب) عبر نهري بليس Pleisse وإلستر Elster. ونجحت معظم القوات الفرنسية في تنفيذ هذا الانسحاب عبر النهرين الآنف ذكرهما لكن مهندسًا مُهتاجا نسف جسرا فوق نهر الإلستر بينما كان بعض الفرنسيين يعبرونه، فغرق كثيرون بمن فيهم بونياتوفسكي الأنيق الذي كان قد حارب في صف نابليون ببراعة حتى إنه (أي نابليون) رقاه في ميدان المعركة إلى رتبة مارشال. ولم يصل من بين ١١٥،٠٠٠ من الجنود الذين حاربوا مع نابليون في ليبزج إلى نهر سال Saale إلاَّ ٦٠،٠٠٠، لقد وقع الآلاف أسرى، وتلقى الفرنسيون الذين وصلوا إلى نهر سال غذاء
[ ٤٧ / ٤٦ ]
وكساء ومؤنا ثم واصلوا طريقهم غربًا إلى المين Main عند هاناو Hanau وهناك حاربوا قوات نمساوية وبافارية وهزموها في ٢ نوفمبر وصلوا إلى الراين عند مينز Mainz بعد أسبوعين من الفرار، وعبروا النهر إلى فرنسا.