استعدَّ الإمبراطوران المتخاصمان للمعركة بتحركات دبلوماسية، وتجمعات عسكرية، وتهيئة جماهيرية، وحاول كل منهما إقناع الآخر بأنه مُخلص للسلام. اختار نابليون كسفير له في روسيا أرمان دي كولينكور Armand de Caulaincourt وهو رجل تفوق قيمته مجرد أصله النبيل. وعندما وصل هذا السفير إلى سان بطرسبرج (نوفمبر ١٨٠٧) تأثر بما لحق بإسكندر من تطور من حاكم شاب حَيِى - ذلك الحاكم الذي كان قد رآه في سنة ١٨٠١ إلى قيصر كان قد أصبح مثالًا للمظهر الطيب والعادات الرشيقة والأسلوب الودود في الحديث. واعترف إسكندر أنه مُحب لنابليون وأنه لا يزال متمسكًا بالاتفاقات التي عُقِدَت في تيلسيت Tilsit - وأبدى بعض التوافقات الخفيفة اعتبرها الإمبراطور الفرنسي الأريب معقولة.
لكن بولندا فرَّقت بينهما. لقد كان نابليون قد أسس دوقية وارسو (Warsaw) الكبيرة (١٨٠٧) تحت الحماية الفرنسية لكن إسكندر واجه هذا بأن راح يتودَّد للنبلاء البولنديين
[ ٤٧ / ١٠ ]
بعرضه عليهم إعادة بولندا مملكة موحّدة كما كانت قبل التقسيم تحكم نفسها حكمًا ذاتيًا مع الاعتراف بقيصر روسيا كمليك لها مهيمن على علاقاتها الخارجية. ووقعت خطابات تحوي هذا العرض في يد نابليون فاستشاط غضبًا، واستدعى كولينكور (فبراير ١٨١١) وعيّن بدلًا منه جاك لو Jacques Law (ماركيز لوريستور Lauriston مستقبلًا) سفيرًا لفرنسا في روسيا.
وفي هذا الشهر حثَّ إسكندر النمسا على الانضمام إليه في شن هجوم على قوات نابليون في بولندا مغريًا إيّاها بمكسب عرضي - نصف ملدافيا Moldavia وكل فاليشيا Wallachia، ورفضت النمسا. وقد ألقى نابليون - بعد ذلك - وهو في سانت هيلينا بعض الضوء على سياسته في بولندا لم أكن أبدًا لأشن الحرب على روسيا لأخدم - ببساطة - مصالح طبقة النبلاء البولنديين، أما بالنسبة إلى مسألة تحرير أقنان الأرض فإنني لا أستطيع أبدًا أن أنسى أنني عندما تحدثت إلى أقنان الأرض في بولندا عن الحرية، أجابوني: بالتأكيد نحن نحب الحرية كثيرًا جدًا، لكن من سيُطعمنا ويكسونا ويدبّر لنا سكنًا؟ وهذا يعني أنهم كانوا سيتعثرون في حالة حدوث أي تغيير مفاجئ.
ووصل كولينكور إلى باريس في ٥ يونيو ١٨١١ محملًا بالهدايا من القيصر، وحاول بكل جهده إقناع نابليون بنوايا إسكندر السلمية وحذّره من أن غزو فرنسا لروسيا قد ينتهي إلى هزيمة بسبب مناخها ومساحتها الشاسعة، وانتهى نابليون إلى أنّ كولينكور قد وقع في حب القيصر، فانتهك بذلك واجبات منصبه الدبلوماسي، وعبّأ نابليون جيشه في بروسيا أو بالقرب منها بعد أن استبعد الأمل في حل سلمي وبعد أن ساوره الشك أن روسيا تحاول كسب بروسيا والنمسا إلى جانبها، فأرهب - أي نابليون - فريدريك وليم الثالث لتوقيع تحالف مع فرنسا (٥ مارس ١٨١٢) ألزم بروسيا بتقديم عشرين ألف جندي ينضمون إلى الجيش الفرنسي لغزو روسيا، كما ألزمها بإطعام الجيش الفرنسي عند مروره بالأراضي البروسية على أن تُخصم تكاليف الطعام من تعويض الحرب الذي كانت بروسيا لا تزال ملتزمة بدفعه لفرنسا.
وفي ١٤ مارس دخلت النمسا في تحالف قَسْري مماثل مع فرنسا. وفي أبريل اقترح نابليون على السلطان (العثماني) تحالفًا يُتيح لتركيا تطوير صراعها مع
[ ٤٧ / ١١ ]
روسيا في حرب مقدسة (جهاد) وأن نتعاون مع فرنسا في مسيرة متزامنة إلى موسكو، ويستعيد الباب العالي - في حالة نجاح الحملة - ولاياته الدانوبية Danubian مع ضمان سيطرته على القرم Crimea والبحر الأسود. لكن الباب العالي وقد تذكر أن نابليون قد حارب الترك (العثمانيين) في مصر والشام، وأنه عرض في تيلسيت على إسكندر أن يتصرف كما يحلو له ضد تركيا (الدولة العثمانية) - رفض عروض نابليون، ووقع - أي السلطان العثماني - اتفاق سلام مع روسيا (٢٨ مايو ١٨١٢)، وفي ٥ أبريل وقع إسكندر اتفاقية تعاون مشترك مع السويد، وفي ١٨ أبريل عرض على بريطانيا العظمى التحالف. وفي ٢٩ مايو أعلن أن كل الموانئ الروسية مفتوحة لسفن كل الأمم. والحقيقة أن هذا الإعلان كان يعني الانسحاب من الحصار القاري (الذي فرضه نابليون) وإعلان الحرب على فرنسا.
ومع هذه المبارزة الدبلوماسية كانت تجري واحدة من أكثر الاستعدادات العسكرية في التاريخ ضخامة. وفي هذا المجال كانت مهمة إسكندر أبسط وأضيق من مهمة نابليون. لقد كان أمام إسكندر دولة واحدة كان عليه تعبئة قواتها ومشاعرها. أما تعبئة المشاعر فكادت تتم بدون مجهود منه: فروسيا الأم هبت بشكل تلقائي ضد جحافل البرابرة الذين نظموا أنفسهم وعلى رأسهم كافر وتوجهوا لغزو روسيا. وتحولت العاطفة الوطنية التي أدت فيما سبق إلى إدانة سلام تيلسيت إلى دعم ذي طابع ديني للقيصر، فحيثما ذهب تحلق حوله البسطاء رجالا ونساء يُقبّلون حصانه أو حذاءه. أما وقد وجد نفسه بهذه القوة فقد زاد من عدد جيوشه وأمرها بالاستعداد للحرب، ومرْكز ٢٠٠،٠٠٠ جندي على طوال الدفينا Dvina والدنيبر Dnieper وهما أطول نهرين يفصلان روسيا الروسية عن ليتوانيا والولايات البولندية التي حصلت عليها روسيا في أثناء تقسيم بولندا.
أما تعبئة نابليون فكانت أكثر تعقيدًا. لقد واجه الصعوبة المبدئية المتمثلة في أن ٣٠،٠٠٠ جندي فرنسي واثنى عشر جنرالًا فرنسيا كانوا متورطين في إسبانيا والحاجة إليهم أكثر لمنع ولينجتون Wellington من اجتياح شبه جزيرة أيبيريا واجتياز جبال البرانس إلى فرنسا. لقد كان نابليون يأمل العودة إلى إسبانيا ليكرر نصرًا آخر كالذي كان قد أحرزه في سنة ١٨٠٩، والآن كان على نابليون أن يختار بين فقد إسبانيا والبرتغال والحصار القاري من ناحية، وفقد
[ ٤٧ / ١٢ ]
التحالف الروسي والحصار:
"إنني أعلم أكثر من أي شخص آخر أن إسبانيا كانت سرطانًا مزعجًا كان لابد من علاجه قبل أن نستطيع الدخول في مثل هذه الحرب المرعبة التي لابد أن تكون معركتها الأولى على بعد ألف وخمسمائة ميل من حدودي".
وكان نابليون قد بدأ استعداداته العسكرية في سنة ١٨١٠ بتقوية الحاميات الفرنسية في دانتسج (دانزج) Danzig وأوعز - بالإضافة لذلك - بحذر شديد، إلى تنظيم أمور العسكر الفرنسيين في بروسيا. وفي يناير ١٨١١ استدعى للخدمة العسكرية الذين أتى عليهم الدور في هذا العام ووزَّعهم على طول الساحل الألماني من نهر إلبا Elbe إلى نهر أودر Oder تحسبًا لهجوم بحري روسي. وفي الربيع أمر أمراء كونفدرالية الراين أن يجهزوا حصتهم من الجنود المفروض تقديمها لجيوش نابليون، للقيام بعمل عسكري فعلي. وفي أغسطس بدأ في دراسة الأراضي الروسية دراسة جادة متأنية، ووقع اختياره على شهر يونيو كأفضل شهر لغزوها. وفي ديسمبر نشر شبكة جواسيس للعمل في روسيا وما حولها.
وبحلول شهر فبراير سنة ١٨١٢ كان الطرفان قد أتما التعبئة العامة اللازمة للحرب. كانت عملية التجنيد في فرنسا تُوحي بهبوط حاد في شعبية الجيش: من بين ٣٠٠،٠٠٠ تم استدعاؤهم للخدمة اختفى ٨٠،٠٠٠ وتم البحث عن آلاف منهم باعتبارهم مجرمين (هاربين من الخدمة العسكرية). وكثيرون من المجندين الجدد تركوا الخدمة العسكرية أو كانوا كارهين للجندية وأثبتوا - بشكل خطير - أنه لا يمكن الاعتماد عليهم في الأزمات. أما في المعارك السابقة فقد كان المجندون الجدد يجدون أمامهم القدوة والمثال الطيب الذي يدعو للفخر في التشجيع الأبوي من المحاربين المخضرمين القدماء في الحرس الإمبراطوري، أما الآن فقد كان معظم رفاق المعارك هؤلاء قد ماتوا أو كانوا في إسبانيا أو بلغ بهم العمر عتيا. فلم يعودوا قادرين على القيام بأدوار بطولية فعلية وكل ما كانوا يستطيعونه هو اجترار ذكريات بطولاتهم الماضية. بل إنه لم يكن للمجنَّدين الجُدد إلهام من أمة موحدة ومتحمسة تقف وراءهم.
وقد ناشدهم نابليون كما ناشد رعاياه أن ينظروا إلى هذا المشروع كحرب مقدسة تشنها الحضارة الغربية ضد موجة غرور البربرية السلافية Slavic barbarism لكن الفرنسيين المتشككين كانوا قد سمعوا مثل هذه الحكايات من قبل، وعلى أية حال فقد كانت روسيا بعيدة بعدًا
[ ٤٧ / ١٣ ]
يكفي لعدم إرهابهم. وحاول نابليون إلهاب مشاعر جنرالاته إلا أنهم لم يكادوا يُصيخون إليه سمعًا لأنهم كانوا ضد الحرب الجديدة لأنها - في رأيهم - دعوة إلى مأساة. وكان كثيرون منهم قد غدوا أثرياء بفضل هباته وكانوا راغبين أن يتركهم لينعموا بها في سلام.
وكان بعض مساعديه من الشجاعة بمكان بحيث صارحوه بشكوكهم. بل إن كولينكور رغم ولائه له وبرغم أنه خدمه حتى سنة ١٨١٤ كقيِّم على إسطبله الإمبراطوري ومشرف على خيوله - حذّره من أن الحرب مع روسيا مدمرة، بل وجرؤ على أن يقول له إنه قد سبّب كل هذه المتاعب لإرضاء ولعه الشديد بالحرب. أما فوشيه Fouche الذي كان قد أُبعد عن الحضرة الإمبراطورية بسبب تآمره الشديد، كما هو مفترض فقد استدعاه نابليون مرة أخرى ليضعه تحت ناظريه أو ليتمكن من توجيهه. فوشيه هذا قال لنابليون إنه من الصعب هزيمة روسيا بسبب المناخ وإنه - أي نابليون - يفعل كل هذا بسبب حلمه المضلل بأن يحكم العالم كله - هذا إن جاز لنا أن نصدّق فوشيه هذا.
وقد شرح نابليون أنه لا يحلم إلا بإيجاد ولايات متحدة أوربية وأن يقدم للقارة تشريعات قانونية واحدة وعُملة واحدة، ونظام مقاييس وموازين واحد ومحكمة استئناف واحدة - كل هذا تحت قبعة واحدة ذات زوايا ثلاث. وهذا الجيش الهائل الذي لم يسبق له مثيل الذي بذل جهودا كبيرة لجمعه وإعداده - كيف يُعيده إلى دياره الآن ليسير خلال ما بقي له من حياة وذيله بين سيقانه؟!
لقد كان فعلًا جيشًا هائلًا: ٦٨٠،٠٠٠ مقاتل من بينهم ١٠٠،٠٠٠ فارس وما لا يُحصى من المسئولين السياسيين والخدم والنسوة المرافقات. وكان أقل من نصف هذا العدد من الفرنسيين، أما الباقون فكانوا كتائب عسكرية مطلوبة من كل من إيطاليا، وإيليريا Illyria والنمسا وألمانيا وبولندا. وكان هناك خمسون جنرالًا: ليفبفر Lefebvre، دافو، أودينو Oudinot، ني Ney، مورا Murat، فيكتور Victor، أوجيرو Augereau، يوجين دي بوهارنيه Eugene de Beauharnais، الأمير جوزيف أنتوني بونياتوفسكي Jozef Antoni Poniatowski ابن أخي آخر ملوك بولندا الفرسان، وغيرهم. لقد تجمعت كل هذه القوى في جيوش منفصلة في نقاط مختلفة في الطريق إلى روسيا وتم تزويد كل جنرال بتعليمات محددة عن متى وأين يقود جيشه؟.
لقد كانت مهمة إعداد وتمويل هذا العدد الكبير تحتاج إلى عبقرية وصبر ومال، ربما أكثر
[ ٤٧ / ١٤ ]
من مهمة جمعها (حشدها). حقيقة لقد كانت المرحلة الأولى من هذا المشروع وكذلك الأخيرة قد تأثرت بشكل حيوي بظروف نقل الجنود وتمويلهم، ولم يكن من الممكن بدء المعركة إلا بعد أن تكون التربة قد سمحت بنمو الحشائش بقدر كاف لإطعام الخيول. وكان دمار الحملة يكاد يكون تامًا باستيلاء الروس على المؤن التي كان الفرنسيون الجوعي العائدون يتوقعون وجودها في سمولنسك Smolensk.
لقد حاول نابليون أن يحسب حساب كل شيء سوى الكارثة. لقد كان قد رتَّب أموره ليكون لديه مخازن للمواد وقطع الغيار الميكانيكية والطعام والملابس والأدوية في كل من وزل Wesel وكولوني Cologne وبون Bonn وكوبلنز (Coblenz) ومينز (Mainz) وغيرها من النقاط في طرق جيوشه المتجمعة، وكان لابد من إمدادات شبيهة ممثلة في مئات من عربات النقل تتبعُ الغزاة إلى روسيا. وكان نابليون يعرف أين يشتري وماذا يدفع. لقد كان يعرف خداع المورِّدين، وكان مستعدًا لإحراق أي تاجر يُحمِّل جيشه أكثر مما يطيق أو يبيعه بضائع رديئة أو مغشوشة.
كيف دفع تكاليف كل هذه المؤن ونقلها وخزنها وكيف دفع لجنده ومستخدميه؟ لقد فرض الضرائب وفرض على المقرضين إقراضه وأخذ القروض من بنك فرنسا ومن البنوك الخاصة، وأخذ الملايين من المبالغ الخاصة به والبالغة ٣٨٠ مليون فرنك ذهبًا والتي أودعها في أقبية التوليري Tuileries، وراح يقاوم الإسراف أينما كان ووبَّخ مطلّقته الحبيبة جوزيفين لأنها تنفق كإمبراطورة وامتدح الإمبراطورة ماري لويز Marie Louise لاقتصادها في النفقات. وباختصار فإنه قال في وقت لاحق: "إن معركة روسيا … كانت هي الأفضل، والأكثر إتقانًا، والأكثر براعة في قيادتها، بل والأكثر منهجية (نظامًا) من بين كل المعارك التي قُدْتها".
أكان كفؤًا لقيادتها؟ ربما كان أكثر معاصريه كفاءة لكنه كان أقل ملائمة مما تحتاجه مثل هذه المعركة. لقد كان في الثالثة والأربعين، وكان في هذه السن قد أَلِفَ بالفعل حياة المعسكرات وواجبات المعارك، ويمكننا أن نفترض أنه ربما كان يعاني من آلام عوَّقته في بورودينو Borodino وواترلو Waterloo (بعد ذلك): آلام في المعدة، صعوبات متوالية في التبوّل، آلام البواسير. ومع هذا فقد كان لا يزال رفيقًا عادلًا وزوجًا طيبًا لماري لويز وأبًا مولعًا
[ ٤٧ / ١٥ ]
بابنه منها. ولكنه كان قد أصبح بعد ثمانية أعوام من الحكم الإمبراطوري نافد الصبر دكتاتورًا سهل الاستثارة سريع الغضب مُغاليًا في تقدير قدراته العقلية وإمكاناته السياسية. مع استثناءات كثيرة: لقد تحمل انتقادات كولينكور بفكاهة وصدر رحب. وغفر كثيرًا من الأخطاء المكلّفة لإخوته وجنرالاته. وكانت تمر به لحظات ينظر فيها لنفسه نظرة واقعية: يخبرنا سكرتيره أنه: "في الحالات التي كان يستغرق فيها في التفكير والتأمل كنت أسمعه يشخّص وضعه وموقفه بعبارة يقول فيها لقد شددنا القوسَ إلى منتهاه". لكنه قلما كان يفقد الرؤية والإحساس بالقصور. لقد قال لناربون Narbonne وبعد كل هذا، "فإن هذا الطريق الطويل [إلى موسكو] هو الطريق إلى الهند".
وعلى هذا ففي ٩ مايو ١٨١٢ غادر سان كلود St.-Cloud قاصدًا موسكو على الأقل، لقد كان كل شيء في حياته مقامرة، وكانت هذه (ذهابه بجيشه إلى موسكو) هي أكبرها.