بعد أن نكون قد فرغنا من هذا الكتاب نكون جميعا - المؤلفان والقراء - قد حقَّقنا نبوءته - إن العالم سيحييّ موته بتنهيدة ارتياح. لقد كان قوّة جرى استنفادها، وظاهرة من ظواهر الطاقة الكافية المتفجرة، طاقة صاعدة حارقة، شعلة ماحقة تلتهم تماما كلَّ من يلمسها. إننا لم نجد في التاريخ روحًا أخرى تحرق بهذه الشدّة وعلى طول هذا المدى. لقد كانت إرادته في البداية متردّدة خائفة كئيبة، لكنه سرعان ما اكتشف أسلحتها ومصادرها في ذهن ثاقب وعين فاحصة، فأصبحت إرادة واثقة مندفعة مهيبة كل ذلك مع فهم وإدراك وقوة، حتى حارت الأرباب معه، فربطت إرادات أقل من إرادته قوة لتتحالف معا وتتعقبه وتحاصره وتقيده إلى صخرة حتى تخمد نيرانه. إنها واحدة من أعظم أنواع الدراما في التاريخ، لا تزال تنتظر كاتبا مثل إيسخيلوس Aeschylus ليكتبها.
لكن حتى في عصره كان لديه شخص كهيجل Hegel، لم تُعميه الحدود فرأى فيه قوة عالمية -
[ ٤٧ / ١٣٨ ]
تتحدث من خلاله لوازم الأحداث والظروف - لتحيل التفرّق إلى وحدة. والفوضى إلى معنى مؤثر. هنا - في فرنسا أولا ثم في وسط أوربا - كانت توجد روح العصر Zeitgeist: الحاجة إلى الانضباط والنظام، نهاية الإفراط المدمّر في الحرية الفردية، والإفراط المدمر في تشظِّي الحكم (المقصود تقسيم أوربا إلى كيانات سياسية صغيرة يحكم كل منها حاكم). بهذا المعنى كان نابليون قوة تقدميّة، أرسى دعائم الاستقرار السياسي، وأعاد القيم الأخلاقية ونظم الهُويّة وحدّث القوانين ونقّاها وقنّنَها (نظّمها)، وحمى الحياة والممتلكات، وأنهى الإقطاع أو خفّف وطأته، وطمأن الفلاّحين وقدم العون للصناعة، وحافظ على العملة الصحيحة، وطهرّ الإدارة والقضاء وطوّرهما وشجع العلوم والفنون (لكنه لم يشجع الأدب وقمع الصحافة) وشيّد المدارس، وجمّل المدن وأصلح بعض ما دمّرته الحرب، وبفضل حثّه وَدَأَبِه تقدّمت أوربا في ظرف الخمسة عشر عاما التي حكم فيها تقدمًا ما كان يحدث إلا في خمسين عاما.
ولم يكن نابليون هو أقوى قوة في عصره وأكثرها دوما، فقد كانت الثورة الصناعية أقوى منه، فقد جعلت بريطانيا العظمى من الثراء بحيث أمدّت وموّلت كي تُسقط نابليون، وبعدها جعلت هذه الثورة الصناعية من أوربا قوّة فعّالة بحيث سيطرت على الكرة الأرضية ثم إن هذه الثورة الصناعية استطاعت بعد ذلك أن تجعل من أمريكا قارة ذات موارد بما يكفي لإنقاذ أوربا وتعويض ما نقص فيها وما كان يلي الثورة الصناعية في القوة هو الثورة الفرنسية التي بدأت في فرنسا ١٧٨٩ والتي هي بدورها أقوى من نابليون (ابن الثورة) بكثير وأبقى منه بمراحل، فهذه الثورة الفرنسية (١٧٨٩) نشرت تأثيراتها في كل أنحاء أوربا إذ ألغت الروابط الإقطاعية والرسوم الإقطاعية وأحلّت محلها الحقوق الفردية، وجعلت الجياع (المتعطشين) على مستوى العالم يجدون فيها (أي في الثورة الفرنسية أوضح صوت معبرّ عنهم: الجياع للحرية - حرية الحركة والنمو والعمل الاقتصادي والعبادة والفكر والصحافة، والجياع للمساواة - في الفرص المتاحة والتعليم والصحة والعدالة القانونية.
هؤلاء الجياع (المتعطشون) المعادون - لما هو قائم أخذوا دورهم في السيطرة على تاريخ الإنسان المعاصر: لقد أصبح التعطش للحرية، والضرر الناتج عن المساواة موضوعْين أثيرْين تمّ
[ ٤٧ / ١٣٩ ]
تناولهما بشكل مستمر في أوربا وأمريكا في القرن التاسع عشر، وأصبح التعطّش للمساواة - على حساب الحرية - جانبا مهيمنا على التاريخ الأوربي والأمريكي في القرن العشرين. فالثورة الفرنسية، والثورة الأمريكية كما فسّرها جيفرسون Jefferson حمَّلت الحرية فوق طاقتها وأفرطت فيها. حَّررت الفرد إلى حد إفساد النظام، وحَّررت القدرات المتفوقة إلى حد نشوء أزمات متكررة بسبب تكدّس الثروة. وقد قدَّم نابليون النظام الذي قمع الفوضى السياسية والاقتصادية والأخلاقية في فرنسا في فترة ما بعد الثورة. وليس هناك نظام يكبح هذه الفوضى في زماننا.
وعندما بالغ نابليون في فرض النظام بعد سلام تيلسيت Tilsit (١٨٠٧) وأخضع أمور الدولة لإرادة السلطة (القوة) فإنه ساعتها لم يعد يمثل روح العصر. لقد انضم وقتها إلى ملكيات أوربا المطلقة وراح يقلّدها، تلك الملكيات التي كان هو نفسه قد حاربها. لقد حسد الأرستقراطية وحاول إغراءها، تلك الأرستقراطية التي احتقرته وتآمرت لتدميره. لقد أصبح قوة رجعية عندما راحت فرنسا من جديد تَتُوق للحرية وتطالب بالديمقراطية.
ومن سخرية التاريخ أنه بينما كان نابليون في أثناء حياته يعمل على تجسيد حاجة بلاده للانضباط والنظام بعد فترة من الحرية المنفلتة، فإنه أصبح مرة أخرى بعد مماته ابنا للثورة وعدوا للحكم المطلق والأرستقراطية ورمزا للثوار والمتحدث المتمكن المنادي بالحرية (وكان هذا بفضل إعادة صياغة تاريخ حياته، تلك الحياة التي اتخذت طابعا أسطوريا). في سنة ١٧٩٩ كانت الظروف وطبيعته قد جعلتاه دكتاتورا يكاد يكون أكثر دكتاتورية من التاريخ، وبعد سنة ١٨١٥ وسجنه في سانت هيلينا أعاد الخيال العام تشكيله، وكانت إعادة التشكيل هذه أوضح بعد موته ١٨٢١، ليصبح طوال نصف قرن أكثر الدعاة إلى الحرية. لقد ترك لنا عدد قليل من الرجَال العظماء بعد موتهم ما يفيدنا بما كانوا عليه في أثناء حياتهم.
أكان نابليون مثير حرب؟ أكان مسئولًا عن هذه السلسلة المتعاقبة من الحروب الحاشدة،
[ ٤٧ / ١٤٠ ]
وعن هؤلاء الملايين من الشباب الذين قضوا نَحْبهم ولم يستفيدوا شيئا سوى نشوة المعركة وخُدارها، وملايين النسوة اللائي لم يعد إليهن ذووهن؟ فلنسمعه (أي نسمع نابليون). لقد اعترف أنه كان يسعد بالقيادة العسكرية (بكونه جنرال) لأنه كان قد تدرب على الفن العسكري ومارسه ممارسة جيدة، لكن كيف كان غالبا ما يتطلّع للخلاص من الحرب لممارسة أحد فنونه الأخرى - الإدارة تحويل الفوضى (الهيولى) السائدة في الحياة إلى نظام فعّال بتأسيس بنية قانونية قوية وقاعدة أخلاقية متينة! كم مرة عرض السلام فووجه بالتسفيه والاحتقار والرفض!
لقد رحب به الإيطاليون كمحرّر سواء في عام ١٧٩٦ أو في عام ١٨٠٠. وأعاد النمساويين، ضمّهم (إخضاعهم) عندما كان (أي نابليون) في مصر. وهاجمه النمساويون بينما كان مشغولا عند القنال الإنجليزي، وانضمت بروسيا وروسيا إلى هذا الهجوم دون أن يكون قد ألحق بأيّهما ضررا. وهاجمته النمسا مرة أخرى بينما كان يحارب في إسبانيا، ونقضت روسيا عهدها فلم تدعمه في مثل هذا الموقف، وتعهّدت روسيا في تيلسيت أن تُحكم الحصار القاري على البضائع البريطانية وكان هذا الحصار (المضاد) الذي فرضه نابليون هو السبيل الوحيد أمام فرنسا لمواجهة الحصار البريطاني للموانئ الفرنسية، واستيلاء البريطانيين على السفن الفرنسية والمستعمرات الفرنسية.
وكان الذهب البريطاني قد موّل تحالفًا إثْر تحالف ضد نابليون حتى عندما جنح أعداؤه الآخرون للسلم، وعاملته الحكومة البريطانية كمجرم رغم تسليمه نفسه طوْعا، بينما كان هو نفسه يعامل ضباط الأعداء المأسورين في أثناء المعارك بمودة وإنسانية. لقد قرر أعداؤه تدميره لأنه وصل للملك بجهده وعمله وليس بالوراثة. وهكذا جرى دفاع نابليون. لقد اتفق المؤرخون الإنجليز (عادة ما كانوا عادلين) والمؤرخون الألمان (عادة ما كانوا دقيقين) وكثير من المؤرخين الفرنسيين (عادة ما كانوا وطنيين) مثل ميشيل Michelet ولانفري Lanfrey وتين Taine وليفيبفر Lefebvre - على إدانة الكورسيكي Corsican .
لقد اغتصب العرش إذ استفاد من إعدام لويس السادس عشر وانهيار حكومة الإدارة الفاسدة ليستولي على عرش هو حق للويس الثامن عشر. مثل هذا الاغتصاب لا يمكن التسامح فيه طالما كان يقلقل الاستقرار السياسي العزيز على كل أمم أوربا. ولم تكن مطالباته بمؤتمرات سلام تؤخذ على محمل الجد طالما كان
[ ٤٧ / ١٤١ ]
الحلفاء يرفضون الاعتراف بأمور يرونها غير محتملة كالاعتراف بالسيادة الفرنسية على سويسرا وإيطاليا، وفي وقت لاحق على كونفدرالية الراين.
وشجعته مهارته الحربية على شن الحرب لذا فقد كان سيفًا مصلتًا لا على توازن القوى المطلوب لتحقيق السلام فحسب وإنما على النظام السياسي الأوربي كله، وأدت غرامات الحرب الباهظة التي فرضها بعد انتصاراته إلى أن أصبحت الحكومات المهزومة غير قادرة على تمويل أية حركة مقاومة لحلمه الخيالي، ألا وهو توحيد كل أوربا تحت السيادة الفرنسية وفي ظل قوانين المدوّنة القانونية النابليونية، فاضطرت هذه الحكومات المهزومة إلى أن تقبل راضية الإعانات المالية التي قدّمتها لها الحكومة البريطانية.
وكان الاستيلاء على المستعمرات الفرنسية كوسيلة لإعادة فرنسا إلى وعيها متفقًا مع ما جرى عليه العرف بين الحكومات في حروب القرن الثامن عشر. أكان يمكن لحكومات كاثوليكية - كحكومة النمسا - أن تكون في ظل ملحد لا يخفي إلحاده (المقصود معاد للكاثوليكية) كان قد اضطهد بقسوة البابا الذي مسحه بالزيت (كرّسه) والذي لا يملك سلاحًا سوى تقواه؟ وقد عامل الحلفاء نابليون بكرم بعد تنازله عن العرش للمرة الأولى إلا أنه بمغادرته إلبا نقض الاتفاق فأجبر أوربا على إنفاق الملايين من عوائدها والآلاف من أرواح أبنائها لقمعه وأسره، واكتفت إنجلترا وحلفاؤها بعزله بعيدًا من مكان يستحيل معه أن ينطلق مرة أخرى لتحطيم السلام في أوربا.
قلما تكون الحقيقة بسيطة، فغالبًا ما يكون لها يد يمنى وأخرى يسرى وغالبًا ما تمشي على قدمين. أكان هناك - منذ أشوكا Ashoka - حرب كبرى قدمت فيها أمّة واحدة لقضية أعدائها حلا عادلًا عدالة كاملة؟ يوجد جانب في طبيعة المواطن يجعله يؤمن بأن الله شريك في حروب بلاده. (يحارب في صف بلاده). ليست هناك دولة مهما كبرت ومهما قوت يمكنها أن تحل المشكلة لأن بعض حروبنا الكبرى ذوات أبعاد غير حربية (مدنية). إن أفضل سبيل نأمل تحقيقها هو أن نحث مزيدا من الرجال والنساء على تقديم نزاعاتهم إلى محكمة دولية أو عصبة أمم دولية، لكن يجب ألاّ نتوقَّع أن تقدِّم أمة للتحكيم ما تعتبره مسألة حياة أو موت. فالحفاظ على النفس يظل هو القانون الأساسي للحياة.
في نطاق هذه الحدود، على الفيلسوف أن يعمل على تطبيق بضاعته (أفكاره أو
[ ٤٧ / ١٤٢ ]
فلسفته)، إن عليه أن يفهم ويتسامح. إننا نستطيع أن نفهم الإمبراطور فرانسيس الثاني الذي جرّده نابليون من نصف دولته، وطرده من عاصمته الحبيبة إلى نفسه، ومع هذا فقد عاد إليها وظل محبوبًا من شعبه، رغم أنه سُلب وتعرّض للإهانة، ونستطيع أن نفهم الكاثوليكي الطيب وقد صدمه أن يُعامل البابا معاملةً سيئة، ومع هذا فقد طلب من الحلفاء في وقت لاحق تيسير ظروف سجن نابليون الذي اضطهد البابا. ونستطيع أن نفهم ممانعة القيصر إسكندر في التضحية بتجارة بلاده بالتزامه بالحصار القاري (المضاد) الذي فرضه نابليون، ونستطيع أن نفهم قرار إنجلترا بالدفاع عن توازن القوى، ذلك التوازن الذي تعتمد عليه لضمان أمنها وحماية نفسها من سيطرة القوى الخارجية عليها.
ونستطيع أن نفهم دفاع فرنسا عن الرجل الذي خلص حكومتها وقيمها من الفوضى القاتلة، والذي وسّع حدودها بانتصاراته العبقرية وحقق لها عظمة غير مسبوقة. لا. إن نابليون، هذا الرجل الرائع ليس مجرد غول قاتل مخرّب. حقيقة إن رغبته في السلطة وتوقه إليها، واتساع مدى حُلمه الذي لا يقاوم - كل أولئك قاده إلى أفعاله ومصيره، لقد كان أوتوقراطيا (مؤمنا بحكم الفرد) واثقا من أنه يعرف أفضل مما يعرف مواطنوه، ما هو خير لفرنسا وأوربا. لكنه كان أيضًا رجلا كريما، سريع العفو، حنونا يخفي حنانه، تردّد عدة سنوات قبل أن يطلّق جوزيفين، تلك المرأة التي تُقَاد للإثم بسهولة. ويمكننا أن نقول من أجله أنه هو أيضًا قد عانى وكفّر عن ذنوبه، لقد عانى من الأمراض والأطباء وعانى عند تراجعه من روسيا (انسحابه) وعانى في سانت هيلينا التي كان فيها ميتًا حيًا.
إنه يبقى الشخصية البارزة المميزة في عصره، وبقي منه شيء نبيل ظل باقيًا رغم حبه الأناني للسلطة ورغم تعرضه للهبوط بين الحين والحين من سؤدد العظمة إلى الهزيمة. لقد ظنّ نابليون أننا لن نرى مثيلًا له مرة أخرى لمدة خمسمائة عام. إننا لا نتمنّى هذا، بل إنه لأمر طيب (طيب بما فيه الكفاية) أن نتأمل ونعاني - مرة كل ألف عام - في سلطان العقل البشري، مدى قوته، ومدى قصوره.
[ ٤٧ / ١٤٣ ]