لقد كان العدو اللدود لهؤلاء المنفيِّين هو الوقت وابنه الضجر، فهم رجال كانوا قد أدمنوا العمل وتآلفوا مع الموت، وصاروا الآن وقد أصبحت مهمتهم هي العناية بشخصية عالمية سقط من عليائه الإمبراطورية إلى سجين لا حول له ولا قوة بكل آلامه وأمراضه وضعفه البشري، بل إن نابليون نفسه قال:
"إن وضْعي مُرْعب، إنني كميّت حي أو كميت لازالت رغباته موجودة"،
فالبطل الذي كان فيما سبق يتطلع إلى مزيد من الوقت لمواجهة مهامه التي اختارها أو لينفذ خططه، أصبح يشعر الآن أن الساعات تمر ثِقَالا، وأصبح يرحب بالليل ليخفف عنه - بالنوم - وطأة الوقت، بل لم يكن الليل حتى ليشفي علّته، فنظرًا لقلة العمل وجد صعوبة في النوم فراح يتنقّل من سرير إلى أريكة إلى كرسي، ثم يعود مرة أخرى بحثا عن اللاوعي (راغبًا في الغَيبوبة).
وغالبا ما كان يلعب الشطرنج يوميا، وكان يضجر بانتصاره (في الشطرنج) فلم يكن من ندٍ له يجرؤ على هزيمته (في لعبة الشطرنج) وخلال السنة الأولى في منفاه كان يركب حصانه لعدة أميال يوميا لكنه سرعان ما عزف عن ذلك عندما لاحظ أن بعض الضباط البريطانيين كانوا يراقبونه دوما. وكان يقرأ لعدّة ساعات في اليوم لقد كان دَوْما يحب الكتب، وكان لابد أن يقرأ بعض الوقت حتى في الأيام التي يكون مشغولًا فيها، لقد كان
[ ٤٧ / ١١٨ ]
يأخذ معه مئات المجلدات في أثناء المعارك، ولقد أخذ معه مئات إلى واترلو (كان من بينها سبعون مجلدا لفولتير).
وكان قد جلب معه إلى سانت هيلينا ٤٠٠ كتاب من فرنسا، وعند توقف السفينة نورثمبرلاند في ماديرا Madeira أرسل طلبًا للحكومة البريطانية طالبًا عددًا من الكتب التعليمية وصلته في يونيو سنة ١٨١٦، ووصلته شحنة أخرى في العام التالي، وأرسل له السير هدسون لو بعض الكتب من مكتبته. وأصبح خبيرا في معارك الإسكندر الأكبر وهانيبعل Hannibal (هانيبال) وقيصر. وقرأ مرارا درامات كورنيل Corneille وراسين بل لقد كان يقرأهما بصوت عال أمام رفاقه ويوزّع عليهم الأدوار. وكان يحب الأدب الإنجليزي وجعل لا كاس يعلّمه المزيد من الإنجليزية ليتمكن من القراءة بها بل والحديث بها. ذكر جورجو: "أن الإمبراطور كان دَوْما يتحدث معي بالإنجليزية".
وكان لديه ميزة يتميز بها عن سائر مرافقيه في المنفى: لقد كان يستطيع أن يدمج الحاضر في الماضي بإعادة سرد تاريخ بلاده، وتاريخ نصف أوربا من سنة ١٧٩٦ إلى سنة ١٨١٥، وغالبا ما كان هذا من الذاكرة (كان التاريخ حاضرًا في ذاكرته)، ومن وجهة نظر المشارك الرئيسي (في الحدث)، ولم يكن يطيق صبرا على الكتابة لكنه كان يستطيع أن يتحدث. ويبدو أن لا كاس هو الذي اقترح أنه (أي نابليون) بإملائه مذكراته لواحد أو آخر من حاشيته يعطي قيمة وتشويقا لكل يوم يمر. والآن قد لا يجد نابليون في قول دانتي حقيقة ينقصها الكمال: "ليس هناك أكثر مدعاة للألم من تذكر السعادة في أيام الشقاء"، فإن ذكريات الأيام السعيدة قد تخفف الأحزان الحالية وإن كانت تعمقها في الوقت نفسه. لقد هتف قائلا:
لقد كانت إمبراطورية جميلة! لقد كان هناك ٨٣ مليون إنسان تحت حكمي - آه إنهم نصف سكان أوربا.
ومن هنا فقد دشَّن دكتاتورية جديدة في السفينة نورثمبرلاند واستمر يمارسها على نحو أو آخر في سانت هيلينا طوال أربع سنوات. لقد بدأ بأن راح يعيد على لا كاس رواية معاركه الإيطالية في سنة ١٧٩٦ حيث أدت سرعته الحاسمة وانبهار أوربا إلى أن أصبح (أي نابليون) لازما لفرنسا لزوما لا فكاك منه. وعندما لم يصبح لا كاس موجودا بسبب حنق لو Low راح الإمبراطور يملي على جورجو، وبعد ذلك على مونثولو، وقليلا على بيرتران
[ ٤٧ / ١١٩ ]
وأحيانا كان يملي على اثنين منهم في يوم واحد.
الآن، تحوّل هؤلاء المقاتلون من السيف إلى القلم، فأراقوا أحبارا كثيرة واستهلكوا أوراقا كثيرة لحفظ ذكريات الإمبراطور من الضياع وليصبح اسمه مقبولا حسن السمعة في فرنسا التي أصبحت بوربونية من جديد، وأمام محكمة التاريخ. وسرعان ما تعبوا أسرع مما تعب هو، فقد شعر أن هذه هي فرصته الأخيرة ليدافع عن نفسه في مواجهة الخطباء والبلغاء والصحفيين ورسّامي الرسوم الكاريكاتيرية الذين مكّنوا أعداءَه من تصويره في صورة لا إنسانية بجعله غولًا متعطشا للدماء. وكان نابليون يعلم أنه لا يمكن أن يكون وازعهم لتسجيل أعماله ومذكراته دون مقابل، لذا فقد أعطى لكل منهم الحق الكامل للتصرف في مخطوطته وما تدرّه من عوائد. والحقيقة أن كل مخطوطة من هذه المخطوطات أفاضت - عندما نُشرت - على كاتبها أو ورثته ثروة.
ومن الطبيعي أن يُبرز المؤلف أفضل الوجوه مبررا أخطاءه لكن - بشكل عام - كانت هذه المذكرات صحيحة بقدر ما يمكن أن يُتوقع من رجل يدافع عما فعله في حياته. وقد كان نابليون قد تعلم في هذا الوقت أنه ارتكب أخطاء خطيرة في مجالي السياسة والقيادة العسكرية.
"لقد كنتُ مخطئا في الاختلاف مع تاليران. لقد كان يمتلك كل ما ينقصني. فلو أنني سمحت له بنفس رضيّة أن يشاركني عظمتي لكان قد خدمني جيدا، ولظللتُ حتى تحين منيتي وأنا أعتلي عرش فرنسا"
وقد اعترف أنه أساء تقدير صعوبات غزو إسبانيا، وقهر روسيا. "لقد تسرّعت في الانطلاق من إلبا. لقد كان عليّ أن أنتظر حتى ينفض مؤتمر فينا وحتى يكون الأمراء والملوك قد عادوا إلى بلادهم". "لا أستطيع أن أفهم حتى الآن الهزيمة في والترلو". "لقد كنت أتمنى أن أموت في واترلو".
لقد كاد الذين أَمْلى عليهم مذكراته يتعبون، فلم يجدوا وقتا لتدوين مناقشاته إلا بشق الأنفس. وكانت بطبيعة الحال شائقة فمن في عصره يضارعه في مغامراته المثيرة التي شملت ثلاث قارات؟ لقد كان راوية ممتازا يذكر كثيرا من النوادر والطرائف في أي موضوع يتناوله. لقد كان بطريقته الموضوعية (المحايدة) فيلسوفا، وكان يمكنه أن يتحدث بتسامح في أي موضوع بدءا من الزراعة حتى زيوس Zeus. لقد قرأ التاريخ وتوسع في قراءته توسعا
[ ٤٧ / ١٢٠ ]
جعله يتنبأ بالمستقبل وإن كان في بعض تنبؤاته جنوح عن الصواب.
"النظام الاستعماري … انتهى بالنسبة إلى الجميع، انتهى بالنسبة إلى إنجلترا التي تملك كل المستعمرات، وانتهى بالنسبة إلى القوى الأخرى". "سرعان ما سيطيح الشعب الفرنسي بعبودية البوربون". "سرعان ما ستواصل ألمانيا طريقه الذي بدأه هو (أي نابليون) نحو الوحدة". "سيكون القرن التاسع عشر قرن الثورات، فمبادئ الثورة الفرنسية - باستثناء بعض الإسفاف - ستنتصر في أمريكا وفرنسا وإنجلترا، ومن هذه الدول الثلاث سيغمر النورُ العالَم". "لقد انتهى النظام القديم، وثمة نظام جديد يقوّي من نفسه ولن يكونَ قبل حدوث اضطرابات عنيفة إن روسيا قوة ستتقدم مندفعة بالتأكيد، وبخطىً واسعة نحو الهيمنة العالمية". وإحدى تخميناته الخاطئة "إن السلطة الملكية في إنجلترا تزداد قوة يوميا إنها الآن تسير ولا يعوقها عائق نحو السيادة المطلقة"
وأخيرا عرض لنا سياسة ولخصها لنا بشكلٍ مُرْضٍ:
"لقد أغلقت خليج الأنارشية gulf of anarchy (المناداة بمبدأ القضاء على الحكومة) وطهرت الطريق من الفوضوية. لقد نقّيت الثورة ووقّرتُ الأُمم ورسخت أقدام الملوك. وضربت المثل وكنتُ القدوة ومددتُ حدود العظمة، وكافأت على كل تميّز .. إن الدكتاتورية كانت ضرورية بكل ما في كلمة الضرورة من معنى. ألن يُقال إنني قمعتُ الحرية؟ لقد كان هذا هو مستهل الحرية. ألن أتّهم أيضًا بأنني كنتُ مولعًا بالحرب ولعًا شديدا؟ لقد كنتُ أنا الذي أتلقّى الهجوم الأول. ألن يُقال إنني كنت أهدف إلى حُكم العالم كله (أن أتربّع على عرش العالم؟) إن أعدائي أنفسهم هم الذين قادوني خطوة بخطوة إلى هذا العزم. وأخيرا، أسوف أُلامُ على طموحي؟ لابد أن يُسمح لي بالطموح بلا شك، فطموحي هو أسمى وأنبل أنواع الطموح، بل وربما أسمى وأنبل أنواع الطموح على الإطلاق - إنه الطموح إلى تأسيس إمبراطورية العقل وتكريسها، وإلى الاستفادة الكاملة من كل القدرات والملكات البشرية والتنعّم بها. هنا ربما يشعر المؤرخ أنه مضطر إلى الأسف لأن هذا الطموح لم يتحقق ولم يُكافأ صاحبه عليه … هذا هو كل تاريخي في كلمات قلائل".
[ ٤٧ / ١٢١ ]
وفي ٩ مارس ١٨١٢ أدفأ قلبه اُلمحبَط بالتنبؤ برؤيا فخورة:
سيظل خيال الفرنسيين طوال الخمسمائة سنة القادمة عامرًا بذكراي. إنهم لن يتحدثوا إلا عن عظمة معاركنا العبقرية. فليكن الله في عون من سيجرؤ على الحديث عني بشكل سيء.