ألحت عليه ماري لويز أن تصاحبه حتى دريسدن Dresden وأن يدعو والديها للقائهما هناك لتكون مرة أخرى مع أسرتها لفترة، وستكون هذه الفترة وجيزة على أية حال. ووافق نابليون، ووجد من الحكمة أن يدعو أيضًا فريدريك الثالث البروسي وعددًا كبيرًا من الشخصيات الملكية وذوي الحيثية. لقد أصبحت مسيرته من مينز مُشرِّقا عبر بلاد الراين موكب نصر، إذ كان الحكام المحليون يخرجون لاستقبال سيّدهم الأعلى، وكانوا ينضمون إلى موكبه طوال تقدمه في سكسونيا. وإلى الغرب من دريسدن بأميال قليلة التقى بالملك فريدريك أوغسطس الذي صحبه ومن معه إلى العاصمة، فوصلوا المدينة قبل منتصف الليل بساعة في ١٦ مايو وازدحمت الشوارع التي مرّوا بها بالناس حاملين المشاعل وهاتفين مرحبين ودقت أجراس الكنائس ودوَّت المدافع بطلقات التحية.
وفي ١٨ مايو وصل ميترنيخ Metternich مع إمبراطور النمسا وإمبراطورتها، وعانقت ماري لويز
[ ٤٧ / ١٦ ]
أباها بعاطفة جياشة وكانت سعادتها قد قلّت بسبب هواجس اعترتها بأن هذا العام مليء بالنحس. وسرعان ما أتى ملك بروسيا وولي عهدها وربما لم يكونا سعيدين وسط هذا الجو من التوافق والود بين أعداء وطنهم التاريخيين، وعلى أية حال فقد كان القيصر إسكندر قد تلقّى تأكيدات سرية بأن بروسيا والنمسا تتمنيان هزيمة نابليون. وقام الملك فريدريك أوغسطس كمضيف بتخفيف أمور السياسة بالأوبرا والدراما والصيد والألعاب النارية والرقص والاستقبالات التي كان حكام ألمانيا يقدمون فيها لنابليون فروض الولاء والطاعة (البيعة homage) وكان هذا مبهجًا له - رغم تواضعه - وبلغ ابتهاجه الذروة.
وفي ٢٨ مايو انطلق نابليون لينضم إلى أحد جيوشه في ثورن Thorn على الفيستولا Vistula، وكانت الأوامر قد صدرت لجنرالاته للقائه عند شاطئ نهر نيمن Niemen الذي يفصل دوقية وارسو (فرسافا) الكبيرة عن روسيا. وركب هو نفسه في عربة مزوّدة بمصباح ومنضدة وأدوات كتابة وخرائط وكتب. وكانت هذه الأدوات تُنقل كل يوم في أثناء المسيرة إلى خيمته حيث كان يكتب الأوامر ويطلب من سكرتيريه نقلها لجنرالاته، وكانت هذه الأوامر تتعلق بالعمليات في صباح اليوم التالي. وقد صحبه سكرتيره العجوز مينيفال Meneval وسكرتيره الجديد نسبيًا فرانسوا فا Fain وخادمه الخصوصي كونستانت Constant طوال الطريق إلى موسكو وطوال رحلة العودة.
ووصل نابليون إلى شاطئ نهر نيمن في ٢٣ يوليو فاستطلع الأحوال ولم يجد أثرًا لوجود العدو على الضفة الأخرى من النهر، فأقيمت ثلاثة جسور عائمة بسرعة، وفي ٢٤ - ٢٦ يونيو عبر ٢٠٠،٠٠٠ من جنوده إلى مدينة كوفنو Kovno (الآن كاوناس Kaunas) وفي الوقت نفسه تقريبًا عبر جيش فرنسي آخر مكوّن من نحو ٢٠٠،٠٠٠ مقاتل النهر نفسه في أدنى المجرى عند تيلسيت، الآن سوفيتسيك Sovetsk، حيث التقى نابليون وإسكندر منذ خمس سنوات خلت وأقسما على أن يظلاَّ صديقين حتى الممات.
لقد كان إسكندر الآن في فيلنا Vilna إلى الجنوب الشرقي من كوفنو بسبعة وخمسين ميلًا. وكانت هناك عدة جيوش في انتظار أوامره: في الشمال ١٥٠،٠٠٠ مقاتل بقيادة الأمير ميخائيل بارسلي دي توللي Mikhail Barclay de Tolly (من أصول
[ ٤٧ / ١٧ ]
اسكتلندية) وفي الجنوب ٦٠،٠٠٠ بقيادة الأمير بيوتر باجراتيون Pyotr Bagration (من جورجيا)، وفي الشرق ٤٠،٠٠٠ بقيادة الجنرال إسكندر تورماسوف Aleksandr Tarmasov. ولم تكن هذه الجيوش ندًا قويًا لجيوش نابليون البالغ عددها ٤٠٠،٠٠٠، لكن بالانسحاب المنظّم يمكنها أن تستهلك أو تدمّر كل المؤن وموارد الطعام أو تبعدها، ولا تترك إلاّ القليل لينهبه الغزاة. وكان هناك جيش روسي آخر مكون من ٦٠،٠٠٠ مقاتل شديد البأس أصبح متاحًا الآن بعد الاتفاق مع تركيا وتوقيع معاهدة سلام معها، وكان هذا الجيش في طريقه للشمال بقيادة الجنرال بول شيخاجوف Chichagov لكن هذا الجيش كان يبعد مسيرة سبعة أيام.
وفي ٢٤ يونيو كان إسكندر هو ضيف الشرف في حفل راقص في مزارع الكونت ليفين بنيجسن Levin Bennigsen الذي سبق له أن حارب نابليون في إيلاو Eylau سنة ١٨٠٧. وفي أثناء الحفل أفضى حامل الرسائل لقيصر بأن الفرنسيين عبروا النيمن Niemen إلى روسيا، فأخفى قيصر الخبر حتى انتهى الاحتفال. ولما عاد لمقره أصدر الأوامر لجيوشه المحلية بالانضمام معًا إن أمكن، وعليها في كل الأحوال أن تنسحب إلى المناطق الداخلية. لقد وصل الفرنسيون أسرع مما كان متوقعًا ولم تستطع القوات الروسية أن ينضم بعضها إلى بعضها الآخر لكنها راحت تتراجع (تنسحب) بنظام جيد.
وفي ٢٦ يونيو أرسل قيصر إلى نابليون طالبًا فتح باب المفاوضات شريطة مغادرة القوات الفرنسية للأراضي الروسية فورًا. ولم يكن هو نفسه مؤمنًا بجدوى اقتراحه، فغادر فيلنا Vilna مع جيش باسلي دي تولي Barclay de Tolly قاصدًا فيتبسك Vitebsk، وهنالك، ألح عليه ضباطه بأنه غير مؤهّل لوضع إستراتيجية عسكرية، فغادر قاصدًا موسكو وناشد المواطنين التضحية بالمال والدم للدفاع عن بلاد آبائهم وأجدادهم فتفاعلوا بحماس مع مناشداته فعاد إلى سان بطرسبرج وقد امتلأ شجاعة.
وفي ٢٧ يونيو بدأ نابليون وجيشه الرئيس مسيرة طويلة - ٥٥٠ ميل - من كوفنو إلى موسكو. وحتى هذه الأيام الأولى في روسيا كانت محنة؛ إذ بلّل المطر الثقيل كل شيء ونقعه في الماء. وكان كل جندي يحمل معه طعامًا يكفيه لخمسة أيام لكنهم راحوا ينهبون
[ ٤٧ / ١٨ ]
الحقول وأكواخ القرى دون مراعاة لأوامر الإمبراطور بالكف عن السلب والنهب، وكان هذا رغبة منهم في زيادة كميات الطعام لديهم أو تعزيزها بأنواع أخرى. ووصل الجيش إلى فيلنا Vilna في ٢٨ يونيو ونهبها بقدر ما يستطيع قبل وصول نابليون، وأتى (أي نابليون) وهو يتوقع أن يستقبله أهلها كمحرر، وحياه بعض اللتوانيين والبولنديين لكن آخرين قابلوه بصمت مُتجهِّم مُمتعضين مما قام به جيشه من سلب ونهب وأتته وفود طالبة منه أن يضمن عودة العرش البولندي، ولم يستطع أن يُلزم نفسه خوفًا من تحوّل البروس والنمساويين في حكومته عنه أو تمرد الجنود البروس والنمساويين في جيشه عليه، وطلب من الوفود تأجيل هذا الطلب إلى حين عودته منتصرًا من موسكو.
وكان نابليون يأمل أن يُفاجئ في فيلنا أحد جيوش القيصر ويدمّره، لكن بارسلي Barclay وجنوده كانوا قد هربوا (انسحبوا) إلى فيتبسك Vitebsk وكانت قوات نابليون تخشى ملاحقته خشية شديدة، واستمر نابليون طوال أسبوعين يستعيد النظام ويرفع الروح المعنوية للجنود، وتعكّر مزاج الإمبراطور لأحداث متوالية غير مواتية، فقد كان قد أرسل أخاه جيروم Jerome بجيش مهم لملاحقة باجراتيون في الجنوب، وفشل جيروم في الإيقاع بفريسته فعاد إلى الجيش الفرنسي الرئيسي فوبَّخه نابليون لإجراءاته البطيئة وقيادته المتراخية فسلَّم القيادة وانسحب إلى بلاطه في وستفاليا Westphalia .
وفي ١٦ يوليو قاد نابليون جيشه الذي أُعيد إنعاشه وتمويله خارج فيلنا Vilna في مسيرة بلغ طولها ٢٥٠ ميلًا إلى فيتبسك Vitebsk. وكان يخطط أن يلحق هناك بجيش بارسلي دي تولي Barclay de Tolly لكن الاسكتلندي (المقصود: ذو الأصول الاسكتلندية) البارع كان بالفعل قد تقدم في الطريق إلى سمولنسك ولم يستطع نابليون ملاحقته إلى أبعد من فيتبسك لأنه (أي نابليون) كان قد أمر بإرسال دعم ومؤن لجيشه في فيتبسك، فلا شيء يمكن به إجبار إسكندر على الإذعان لشروطه (شروط نابليون) سوى الاستيلاء على عاصمة روسيا المقدسة والعريقة.
وبعد أن قضى نابليون خمسة عشر يومًا في فيتبسك قاد جيشه في ١٣ أغسطس آملًا أن يلحق بجيش بارسلي في سمولنسك التي كانت مركزًا مزدحمًا بالسكان وكانت
[ ٤٧ / ١٩ ]
المناطق المحيطة بها ذوات تربة خصبة وتقع على نهر الدنيبر Dnieper فازدهرت تجارتها وصناعتها وكانت محصنة بشكل جيد حتى إن بارسلي وباجراتيون Bagration بعد أن وحّدا جيشيهما قررا مواجهة نابليون فيها أو على الأقل إيقاف تقدمه.
ووصل الفرنسيون في ١٦ أغسطس مُنهكين بسبب مسيرتهم الطويلة وقل عددهم بسبب من مات منهم وبسبب فرار الجنود إذ بلغ عدد من مات أو فرّ ١٦٠،٠٠٠ رجل. ومع هذا كان الهجوم الفرنسي عنيفًا وفعّالًا، وفي ليل ١٧ أغسطس اشتعلت المدينة بالنار سواء بسبب المدفعية الفرنسية، أو بفعل الروس أنفسهم يأسًا منهم، وكان هذا مبعث بهجة لنابليون ولذوقه الجمالي إذ قال متسائلًا لمسئول خيوله (كولينكور): ألا ترى هذا المشهد بهيجًا؟ فأجابه: هذا مرعب يا سيدي فقال له نابليون: ياه!! تذَّكر ما قاله إمبراطور روماني: رائحة جثة العدو رائحة زكية دائمًا. وفي ١٨ أغسطس أرسل الإمبراطور إلى مارا Maret وزير الشؤون الخارجية تقريرا لرفع الروح المعنوية في باريس: "لقد استولينا على سمولنسك Smolensk ودون أن نخسر رجلًا واحدًا" لكن تقريرًا آخر لمؤرخ إنجليزي ذكر أن "الفرنسيين خسروا في هذه المعركة ما بين ٨،٠٠٠ و٩،٠٠٠ رجل أما الروس فخسروا ٦،٠٠٠". وكان من المحال تعويض الخسارة الفرنسية (بقوات أخرى)، وتراجعت الجيوش الروسية إلى المدن. ومناطق تجمع المياه Pools الموالية للجيش الروسي حيث يمكن تجنيد مزيد من الرجال.
وفي ٢٠ يوليو - بعد أن استاء القيصر من خلافات جنرالاته وتكتيكاتهم - قرر أن قواته المسلحة في حاجة إلى قيادة واحدة، فعين في منصب القائد العام ميخائيل إلارينوفيتش كوتوزوف Mikhail Ilarionovich Kutuzov (١٧٤٥ - ١٨١٣) الذي كان قد حقَّق شهرة بسبب قيادته الناجحة في كثير من المعارك. لقد كان قد بلغ الثالثة والستين من عمره كسولًا قعيدًا سمينًا لدرجة أنه كان يتعين نقله إلى المعسكر أو ميدان المعركة في عربة، وكان قد فقد إحدى عينيه وكانت الأخرى معتلَّة وكان - شيئًا ما - داعرًا، دُبًّا مع النساء، لكنه كان قد تعلّم فن الحرب خلال خمسين عاما من الممارسة الفعلية، واستاءت كل روسيا لهذا التعيين. لقد استاء كل الناس تقريبًا بمن فيهم نابليون بسبب تجنبه المواجهة العسكرية وأمره
[ ٤٧ / ٢٠ ]
بمزيد من الانسحاب (أمره بالانسحاب إلى مناطق داخلية أبعد)
وعالج نابليون التوقَّف عن المطاردة بأن جعل من سمولنسك Smolensk مركزًا حصينًا في وسط روسيا وقضى الشتاء هناك وحافظ على خطوط مواصلات - تحميها قواته - مع غرب أوربا، لكنه الآن قد وجد نفسه في موقف غير متوقع بالمرّة: جيشه عير منضبط بسبب الانقسامات العرقية (لم يكن جميع أفراده من الفرنسيين) وانهيار النظام فيه حتى أنه - أي نابليون - وجد أكثر أمانًا أن يواصل المسيرة حيث يؤدي الخوف من هجوم العدو إلى تماسك جيشه. لقد قال للجنرال سيباستياني Sebastiani: " هذا الجيش لا يمكن أن يتوقف الآن .. فالحركة وحدها هي التي تجعله على قلب رجل واحد. إن المرء يمكنه أن يتقدم على رأسه، لكن دون توقف أو تراجع" وعلى هذا فبعد منتصف ليلة ٢٥ أغسطس بقليل - أي بعد أسبوع واحد من الاستيلاء على المدينة - غادرها بجنوده في طريق حار ومترب إلى فيازما Viazma وجازهاتسك Gzhatsk … وموسكو - التي تبعد مسيرة ثلاثة أسابيع. وكان مورا Murat على رأس قوات الخيّالة (الفرسان) قد راح يرفع الروح المعنوية لقواته بطيش مرح بأن راح - وقواته - يحاربون للخلف (يتراجعون) لمواجهة أي هجوم من مؤخرة الجيش الروسي المنسحب. وقد وصفه نابليون في وقت لاحق:
"إنه لا يكون شجاعًا إلاّ في حضور العدو، وفي هذه الحال تجده أشجع رجل في العالم. لقد أدت به شجاعته الطائشة (المتهوّرة) إلى وضع نفسه وسط الأخطار. لقد كان وقتها مُثقلًا بالذهب والريش فوق رأسه فبدا كبرج الكنيسة. لقد نجا باستمرار - كما لو كان ذلك بفعل معجزة - لأنه كان معروفًا بلباسه. لقد كان هدفا دائمًا للعدو، واعتاد القوزاق الإعجاب به بسبب شجاعته المدهشة".
وفي الخامس من سبتمبر، وبينما كان الجيش الفرنسي يقترب من بورودينو Borodino (لازال هناك خمسة وسبعون ميلًا للوصول إلى موسكو) وصلت طليعة الجيش إلى قمة تل فرأوا في السهل أمامهم منظرًا أبهجهم وأحزنهم: مئات من المتاريس والحواجز الدفاعية المكتملة يمكن أن تختفي وراءها المدافع، وإلى الأبعد من السهل حيث يلتقي نهرا كالاشا Kalacha وموسكفا Moskva آلاف الجند. من الظاهر أن كوتوزوف Kutuzov قرر المواجهة.
[ ٤٧ / ٢١ ]
وطوال السادس من سبتمبر ظل الجيشان يستعدان للمعركة. وفي هذا الليل البارد الرطب كان من الصعب أن ينام أحد. وفي الثانية صباحًا أرسل نابليون بيانًا ليُقرأ على جنوده، مصحوبًا بترجمة إلى اللغات التي يتحدث بها جنوده غير الفرنسيين: "أيها الجنود! ها هي المعركة التي طال انتظاركم لها. الآن، النصر يعتمد عليكم إنه آتٍ لا ريب. إنه سيتيح لنا رخاء ومنتجعا شتويًا طيبًا وعودة باكرة إلى بلاد آبائنا وأجدادنا"،
وفي هذه الليلة - وبناء على أوامر كوتوزوف - حمل القسسُ المصاحبون للجيش الروسي أيقونة العذراء السوداء Black Virgin وطافوا بها في المعسكرات وكانت هذه الأيقونة قد تم إنقاذها من حريق سمولنسك (السابق ذكره) وركع الجنود ورسموا شارة الصليب وتجاوبوا مع القسس وراحوا يدعون الله رحيم وانحنى كوتوزوف ليقبِّل الأيقونة.
وفي نحو هذا الوقت أتى حامل الرسائل لنابليون بخطاب من ماري لويز مع صورة جانبية حديثة لابنهما البالغ من العمر عاما واحدا، كما وصلت إليه أخبار مفادها أن جيشه عانى هزيمة عصيبة على يد ولينجتون Wellington في سالامنكا Salamanca، وقضى نابليون جانبًا كبيرًا من الليل يصدر التوجيهات لضباطه فيما يتعلق بتكتيكات الصباح. ولابد أنه كان من الصعب عليه أن ينام لأن عُسر البول كان يسبب له آلامًا، وكان لون بوله متغيرًا بشكل ينذر بالخطر وكانت ساقاه متورمتين مع استسقاء وكان نبضه ضعيفا غير محسوس بشكل متتابع.
ورغم هذا فقد أرهق ثلاثة خيول في اليوم الأول من المعركة إذ راح يتنقل من جانب إلى آخر في جيشه.
لقد كان نابليون يقود ٣٠،٠٠٠ رجل مرهق، أما كوتوزوف فكان على رأس ١١٢،٠٠٠، وكان مع الجيش الفرنسي ٥٨٧ مدفعًا بينما كان مع الروس ٦٤٠. وطوال السابع من سبتمبر راحت هذه الألوف المؤلفّة من الجيش تحارب بعناد وبطولة، يقتلون ويُقتلون وقد شملهم الخوف والكراهية، وكان كلا الطرفين يحاربان ببطولة وكأنما كانا يشعران أن مصير أوروبا سيتحدد بنتيجة المعركة. وضحّى باجراتيون بحياته، وفقد كولينكور في هذه الحرب التي سبق له أن عمل لمنعها أخاه الحبيب، وواجه يوجين
[ ٤٧ / ٢٢ ]
ودافو Davout ومورا الموت مئات المرّات، وفاز نَي Ney في ميدان المعركة من نابليون بلقب أمير موسكو Moskva هذا اللقب الأثير المغري، لقد كان النصر عوانًا بين الجانبين المتقاتلين وعندما حلّ الليل انسحب الروس بهدوء وظل الفرنسيون سادة الميدان لكن نابليون اعتبر النصر أبعد ما يكون عن أن يكون أكيدًا. وأرسل كوتوزوف إلى إسكندر تقريرًا فخورًا حتى إن كاتدرائيات سان بطرسبرج وموسكو قدّمت ابتهالات الشكر للرب. لقد فقد الفرنسيون ٣٠،٠٠٠ ما بين قتيل وجريح أما الروس ففقدوا ٥٠،٠٠٠.
وفي البداية، في ٨ سبتمبر فكر كوتوزوف في تجديد المعركة لكن عندما علم بعدد قتلاه وجرحاه شعر أنه لا يستطيع تعريض جنوده الباقين لمذبحة مماثلة ليوم آخر، فواصل سياسة التراجع ومن الآن فصاعدا سيواصل هذه السياسة حتى النهاية. وفي ١٣ سبتمبر أمر بإخلاء موسكو، وفي ١٤ من الشهر نفسه انطلق محزونًا إلى حيث لا يدري الخطوة التالية.
وفي هذا اليوم وصل نابليون ومن تبقى معه (٥٩،٠٠٠ مقاتل) إلى بوابات موسكو بعد مسيرة ثلاثة وثمانين يومًا من كوفنو Kovno ووصلته رسالة من الجنرال ميلورادوفتش Miloradovich قائد حامية موسكو بوقف إطلاق النار في أثناء خروجه ورجاله من المدينة فوافق نابليون، وانتظر نابليون قدوم ذوي الحيثيَّة في المدينة ليقدموا أنفسهم له ويطلبوا منه الحماية لكن أحدًا منهم لم يأتِ. وعندما دخل المدينة (موسكو) لاحظ أن أحدًا من ساكنيها لم يبق فيها خلا آلاف قليلة من الطبقات الدنيا. لقد بقي بعض البغايا طمعًا في الفرنكات وكن مستعدات لتقديم المطلوب مقابل المأوي والغذاء. وكان نابليون قد أحضر معه حملًا من أوراق البنكنوت الروسية المزيَّفة ورفضها الروس فأحرقها نابليون. وجال المنتصرون في المدينة ونهبوا القصور ومزارع الريف المحيطة بالمدينة وحملوا النبيذ والأمتعة (خاصة الأعمال الفنية).
وكان مقدرًا لهذه الأعمال الفنية أن تُفقد (بالبيع أو خلافه) عملًا إثر عمل، في أثناء طريق العودة.
وفي ١٥ سبتمبر تحرك نابليون إلى الكرملين وراح ينتظر أن يطلب إسكندر السلام. وفي المساء بدأت موسكو MOSCOW تحترق.
[ ٤٧ / ٢٣ ]