٦/ ١ - ١٥ يونيو ١٨١٥ بلجيكا
كانت خطة نابليون للمعركة القادمة تقوم على المعلومات التي جمعها عن حجم قوات الحلفاء وتقسيمها وقيادتها وموقعها وإستراتيجيتها القادمة. لقد كانت قوات الحلفاء قد تباطأت في تقدمها غربًا لإتاحة الوقت اللازم لوصول القوات الروسية واشتراكها في المعركة، لكن تقدم نابليون السريع حسم المسألة قبل وصول القوات الروسية لنهر الراين.
وفي أول يونيو تجمع جيش بروسي قوامه ١٢٠،٠٠٠ مقاتل بالقرب من نامور Namur في بلجيكا بقياده المارشال بلوخر (بلوشر Blucher) البالغ من العمر ٧٣ سنة. وإلى الأبعد شمالا كان الدوق ولينجتون Wellington (كانت مهمته في البرتغال وإسبانيا قد انتهت بالنصر) على رأس ما أسماه الجيش سيء السمعة المكوّن من ٩٣،٠٠٠ مجنَّد بريطاني وهولندي وبلجيكي وألماني، وكان معظمهم لا يعرف الواحد منهم سوى لغة واحدة مما سبّب مشكلة للقائد الإنجليزي. وكان على ولينجتون أن يعوّض نقص تدريبهم، بقرارات وحلول يبتدعها من عند نفسه على وفق خبرته. وقد رسم له لورنس صورة شخصية وهو في لحظة تأمل تُظهره في وضع فخور (معتز ينفسه) وملامح وسيمة ونظرة هادئة ثابتة، ومن هذه الصورة يمكن أن نستنتج ما كان يجب على نابليون المرهَق والمعتَل كبير السن أن يفعله عند المواجهة في ١٨ يونيو.
وكان نابليون قد ترك جزءًا من جيشه لحماية باريس وخطوط مواصلاته. ولم يكن مع نابليون سوى ١٢٦،٠٠٠ مقاتل مما يسمّى بجيش الشمال Armee dn Nord لمواجهة ٢١٣،٠٠٠ مقاتل بقيادة بلوخر وولينجتون وبطبيعة الحال فقد كان يأمل أن يلتقي بواحدٍ من الجيشين (جيش بلوخر أو جيش ولينجتون) ويهزمة قبل أن يجتمع شمل الجيشين، ومن ثم يعطي جيشه قسطا من الراحة ويعيد تنظيم صفوفه قبل خوض معركة مع الجيش الآخر.
لقد كان الطريق بين الجيشين المتحالفين (جيش بلوخر وجيش ولينجتون) يمتد من نامور عَبْر سومبريف Sombreffe إلى كاتر - برا - Quatre-Bras (أربعة جيوش) ومن ثمّ
[ ٤٧ / ٨٧ ]
غربًا (حيث يتسع الطريق عن ذي قبل) من الحدود الفرنسية البلجيكية عند شارلروي Charleroi فشمالًا من واترلو إلى بروكسل. وكان هدف نابليون الأول هو الاستيلاء على كاتر - برا Quatre-Bras ومن ثم يُوصد الطريق بين الجيشين الحليفين.
وكان نابليون قد أصدر تعليمات بأن تتقارب الكتائب الثلاث من جيشه (جيش الشمال) في ١٤ يونيو عند نهر سامبر Sambre في مواجهة شارلروي. وانضم هو إلى واحدة من الكتائب الثلاث وأمر الكتائب الثلاث جميعا بعبور النهر إلى الأرض البلجيكية نحو الساعة الثالثة من صباح ١٥ يونيو، وتمَّ هذا، فاستولوا بسهولة على شارلروي بعد أن هزموا حاميتها البروسية الصغيرة.
وعلى أية حال، ففي الوقت نفسه انهزم الجنرال لويس دي بورمون لصالح الحلفاء وأفضى إلى ضباط بلوخر بخطط نابليون. لكن الحَذِر (بلوخر) كان قد استنتج هذه الخطط وبالتالي فقد كان قد أرسل جانبا من جيشه غربا إلى سومبريف Sombreffe وانضم إليه في نحو الساعة الرابعة من صباح ١٥ يونيو. لقد قسم نابليون الآن جيشه إلى ميمنة بقيادة جروشي Grouchy وميسرة بقيادة ني Ney وقوة احتياطية بقيادة درو دَرْلو Drouet d'Erlon بالقرب من شارلروي لتهب لنجدة جروشي أو نَيْ على وفق ما تمليه الظروف. وكان على جروشي أن يتقدم شمالا بشرق نحو سومبريف لمواجهة بلوخر. وكان على نَيْ Ney أن يتوجه شمالًا للاستيلاء على كاتر - برا وأن يمنع في كل الأحوال قوات ولينجتون من الانضمام إلى قوات بلوخر. ولأن نابليون نفسه كان يتوقع صداما حادا مع بلوخر، فقد ركب مع جروشي.
ونَيْ Ney الذي كان حتى الآن أشجع الشجعان راح طوال ١٥ و١٦ يونيو يتبع سياسة الحذر التي عطلت خطط نابليون بشكل سيء. لقد توجه شمالا من شالروي وطرد البروسيين من جوسِّيل Gosselies ومن ثمَّ توقّف مخافة مواجهة قوات ولينجتون الأكثر عددا. لقد أرسل فصيلة خيّالة (فرسان) لدراسة الموقع عند كاتر - برا فعادت له بتقرير مُفاده أنها خالية من قوات العدو، فقاد ٣،٠٠٠ من رجاله للاستيلاء عليها اعتقادا منه أن هذا سيكون كافيا لكن في الوقت الذي رأى فيه كاتر - برا،
[ ٤٧ / ٨٨ ]
كانت قوات الأمير بيرنهارد الساكس - فيماري Bernhard of Saxe-Weimar البالغ عددها ٤،٠٠٠ مقاتل قد استولت عليها، وكان بيرنهارد يصحب معه أربعة مدافع، فاستدار نَيْ Ney عائدا إلى جوسيل وراح ينتظر هناك تعليمات أخرى. وأرسل بيرنهارد رسالة إلى ولينجتون طالبا أن يحضر بقواته الرئيسية إلى كاتر - برا مخافة أن تأتي قوات ني Ney سريعا لحصارها.
وفي الساعة الثالثة صباح ١٥ يونيو تلقى ولينجتون في بروكسل أخبارا مفادها أن جيش نابليون قد عبر إلى بلجيكا، واحتفظ ولينجتون بقواته في حالة استعداد قرب العاصمة البلجيكية ظنًا منه أن نابليون سينفذ خطته المعتادة بالإسراع للقيام بهجوم جانبي (على جناح العدو). وفي تلك الليلة كان هو وكثيرون من ضباطه الرجال الشجعان منهمكين مع النسوة الجميلات إذ كانوا في حفل راقص أعدته الدوقة ريشمون Richmond وفي أثناء الحفل تلقى في منتصف الليل الرسالة التي تُفيد أن كاتر - برا في خطر، فأصدر أوامره بهدوء لضباطه بالاستعداد للانطلاق في بكور الصباح، أما هو فلم يُعكّر صفو الحفل الراقص وظل يرقص حتى الساعة الثالثة صباحا.
٦/ ٢ - ١٦ يونيو لِنيْ Ligny
في نحو الساعة الثانية من صباح ١٦ يونيو، أرسل المارشال سول (صول Soult) رئيس أركان نابليون أوامر نهائية إلى ني Ney:
كلَّفني الإمبراطور أن أحيطك علما بأنّ العدو جمَّع جانبا من قواته بين سومبريف وبري Brye وأنه في الساعة الثانية والنصف صباحا سيهاجم بالفصيل الثالث والرابع هذه القوات. إن صاحب الجلالة الإمبراطور يريد أن تهاجم أيّ عدو تواجهه وبعد الضغط عليه بشدّة وإجباره على التراجع، عُد إلينا لتنضم إلى قواتنا لتطويق العدو.
لقد أحضر بلوخر كل رجاله البالغ عددهم ٨٣،٠٠٠ لمقاومة الفرنسيين، وبدأت المعركة في نحو الساعة الثالثة بعد الظهر بالقرب من مدينة لني (ليجني Ligny) بهجوم متزامن
[ ٤٧ / ٨٩ ]
(في الوقت نفسه) تقوم به ميمنة جروشي بقيادة فاندام وقلب قوات جروشي بقيادة جيرار Gerard، وميسرة جيشه (جيش جروشي) بالإضافة إلى سلاح الفرسان بقيادة جروشي نفسه، بينما يوجِّه نابليون العمليات الثلاث التي ينفذها ٧٨،٠٠٠ مقاتل. وسرعان ما اتضح أنّ تحطيم بلوخر المهيب ليس أمرًا سهلا، وإذا كان لابد أن ينهزم الفرنسيون هنا إذن فقد تنهار معركتهم كلها (يفقدوا المعركة الأساسية كلها). وفي الساعة الثالثة والربع أرسل نابليون إلى ني Ney:
سيتبدّد الجيش البروسي إن حاربت بضراوة. مستقبل فرنسا بين يديك، لذا فلا تتوانَ للحظة في إنجاز ما أُوكِلَ إليك، ثم عد إلى سان أمان Amand وبري Brye لتشارك في النصر الذي قد يقرر مصيرنا جميعا.
لكن ني Ney أيضا كان يواجه صعوبات. فبحلول الساعة الثالثة بعد الظهر كان ولينجتون قد جلب معظم جيشه إلى كاتر - برا Quatre-Bras. ولم يعلم نابليون بهذا (لأن السيطرة على وسائل الاتصال كانت قد أفلتت من صول)، لذا فقد أرسل الأوامر إلى درو درلو في شارلروي ليسرع شمالا بقوات الاحتياط التابعة له ليهاجم ميمنة بلوخر، وتقدم درو بالفعل حتى كاد يصل إلى لني (لجني) حيث وصله طلب عاجل من ني Ney ليندفع مسارعا إلى نجدته في مواجهة قوات ويلنجنون الأكثر عددا في كاتر - برا، ووجد درو أن طلب ني Ney هو الأكثر إلحاحا فسارع إليه ليجده - بعد جهود يائسة - قد تخلَّى عن محاولة طرد ولينجتون من المدينة (كاتر - برا).
في لني (لجني) استمرت المعركة ست ساعات من المذابح. وتذكر ضابط بروسي - في وقت لاحق - ما حدث، قائلًا: "لقد راح الرجال يذبح بعضهم بعضا بكراهية شديدة وكأنما الواحد منهم يكن للآخر كراهية شخصية". إن قريتين هادئتين مثل سان أمان ولا هاي La Haye كانتا تنتقلان من حَوْزة فريق إلى حَوْزة فريق آخر، والحرب على أشدها رجلا إزاء رجل، واشتعلت النيران في لني (لجني) نفسها، وبينما الليل يرخى سدوله والمطر يهطل، أمر نابليون حرسه القديم بمهاجمة قلب Center القوات البروسية، وأصبح المطر مصحوبا برعد، فأفسح القلب البروسي الطريق، وسقط بلوخر الذي كان لا يزال يقاوم من فوق حصانه، وكان لابد من حمله بعيدا. وكانت القوات الفرنسية
[ ٤٧ / ٩٠ ]
قد اعتراها إرهاق شديد فلم تحّول هزيمة أعدائها إلى هزيمة منكرة لا قيامة بعدها. وانسحبت القوات البروسية شمالا نحو ويفر Wavre مُخلِّفة وراءها ١٢،٠٠٠ قتيل وجريح. وكان نابليون نفسه قد كاد يستنفد كل موارده وأعصابه، فلو أن ولينجتون كان قد استطاع الوصول هذه اللحظة إلى هنا من كاتر - برا لما كانت هناك حاجة إلى معركة واترلو.
٦/ ٣ - ١٧ يونيو المطر
لقد كان من صالح نابليون أن جعل المطُر الغزيرُ المعركة الكبرى مستحيلة في ١٧ يونيو. لقد كانت الأرض غاصّة بالطين فكيف يمكن سحب المدافع وتثبيتها فوق أرض مشبعة بالمياه وغير ثابتة بسبب الطين الكثير فوقها؟ ربما كانت هذه الأوضاع واضحة في عقل الإمبراطور عندما وصلته رسالة من ني Ney تفيد أنَّ ولينجتون قابض على زمام الأمر في كاتر - برا Quatre-Bras، ولمحّ - أي ني Ney - إلى أنه: "لا يمكن إخراجه منها إلاّ بالقوات الفرنسية مجتمعة"، فأجابه نابليون بعبارة مبهمة لابد أنها تركت ني Ney أكثر ارتباكًا من ذي قبل: "تمسّك بموقعك عند كاتر - برا .. لكن إن كان هذا مستحيلا، أرسل حالًا معلومات عن الموقف، وسيتصرف الإمبراطور على وفقها. وإذا لم يكن هناك إلاَّ مؤخرة جيش العدو فهاجمها واستولِ على الموقع". وكان هناك أكثر من المؤخرة، ورفض ني Ney أن يجدّد الهجوم. وكان ولينجتون - بعد أن علم بهزيمة بلوخر - قد سحب جيشه شمالًا إلى هضبة مونت سان جان Mont St. Jean التي يمكن الدفاع منها وتراجع هو إلى مركز قيادته بالقرب من واترلو.
ووجّه نابليون جنراله جروشي على رأس ٣٠،٠٠٠ لمتابعه البروس طوال يوم ١٧ يونيو ولمنعهم في كل الأحوال من الانضمام إلى قوات ولينجتون أما هو نفسه (نابليون) فقاد ٤٠،٠٠٠ ممن نجوا من معركة لني (لجني) لينضم إلى ني Ney عند كاتر - برا، وعندما وصل في الساعة الثانية مساء ثبطت همته فتفجّع صارخا ضاعت منا فرنسا! فراح يلاحقه وقاد هو نفسه عملية الملاحقة هذه لكن المطر الكثيف أجبره على إنهاء هذه العملية، وفي التاسعة مساء حيث كانت الرطوبة شديدة ركب عاندًا قاطعا
[ ٤٧ / ٩١ ]
ميلا أو ميلين لينام في مخدع في كيلو Caillou بينما عسكر جيشه المنهك على أرض رطبة طوال الليل، وكان المطر قد توقف.
٦/ ٤ - الأحد ١٨ يونيو واترلو
في الثانية صباحًا أرسل بلوخر رسالة إلى ولينجتون يعده فيها بأن جيشا بروسيا بقيادة الجنرال فريدريش فيلهيلم فون بولو Friedrich Wilhelm Von Bulow سيغادر ويفر فجرًا لينضم بقواته إليه لقتال الفرنسيين، وأن جيشين بروسيّين آخرين سرعان ما سيتبعانه. وفي العاشرة صباحا أرسل نابليون الذي لم يكن يعلم بهذا التدبير تعليمات إلى جروشي لمواصلة ملاحقة بلوخر إلى ويفر Wavre.
لقد كان قد خطط ليبدأ العمليات في التاسعة صباحا لكن قادة المدفعية حثّوه على التأجيل حتى تبدأ التربة في الجفاف. وفي هذه الأثناء ركز ميلنجتون قواته فوق أرض مرتفعة جنوب تل مونت سان - جان Mont St. Jean لقد كان معه ٧٠،٠٠٠ مقاتل و١٨٤ مدفعًا، أما نابليون فكان على رأس ٧٤،٠٠٠ مقاتل وكان معه ٢٦٦ مدفعًا. وكان مع كل منهما (ولينجتون ونابليون) جنرالات كان لهم مكانة في التاريخ (أو حققوا في هذه المعركة مكانة): الأمير فريدريش البرونسفيكي Friedrich of Brunswick (ابن الدوق الذي خسر في فالمي وجُرِح جرحًا مميتا في أورشتدت Auerstedt) ودورنبرج Dornberg وألتن Alten وكمبت Kempt وسومرست Somerset وأكسبردج Uxbridge وهِل Hill وبونسونبي Ponsonby وبيكتون Picton، وكان كل هؤلاء مرتبطين بولينجتون، وكان كل واحد منهم معتزا بنفسه كدوق. وبالإضافة إلى هؤلاء كان هناك بولوف Bulow وتسيدتن Zieten وبيرخ (بيرش Pirch) تحت قيادة بلوشر (بلوخر)، وبالنسبة إلى الفرنسيين كان هناك ني Ney وجروشي وفاندام وجيرار وكامبرون وكيلرمان Kellermann وريل Reille ولوبو Lobau ونابليون.
لقد كان نابليون قد بدأ يدفع حساب سنواته المزدحمة بالأحداث حيث كان يأكل بعجلة ويضاجع بعجلة ويعاني غاية التوتر وهو فوق العرش أو في ميدان المعارك وأخيرا وجد
[ ٤٧ / ٩٢ ]
سلواه في الأكل بنهم. وبعد ذلك بست سنوات أثبت تشريح أعضائه بعد مماته وجود ست علل. والآن في واترلو كان عليه أن يظل ممتطيًا جواده طوال ساعات بينما هو يعاني من داء البواسير، وكان يعاني من حصوات في المثانة، وكان عُسر البول يتطلب منه محاولة التبول مرارا وغالبا ما يكون ذلك في أوقات غير مناسبة. وربما يكون السرطان الذي أودى بحياته وحياة أبيه قد بدأ فعلًا في التغلغل في بدنه. هذه المتاعب قد ثبطت من همته وأثرت في شجاعته وصبره وثقته:
لم أعد أجد في نفسي الإحساس بالنجاح النهائي … إنني أحس أن الحظّ قد تخلّى عني ومع هذا فقد أكّد لجنرالاته الذين اعتراهم الخوف (من المفترض أن ذلك لتقوية عزيمتهم): إذا تم تنفيذ أوامري بشكل جيد، فسننام الليلة في بروكسل.
لكن جنرالاته كانوا يرون الموقف بشكل أوضح. لقد نصحه صول Soult أن يأمر جروشي Grouchy بالاتجاه بقواته البالغ عددها ٣٠،٠٠٠ غربا بالسرعة الممكنة لينضم إلى الهجوم، لكن بدلًا من ذلك سمح نابليون لهم أن يضيعوا الوقت وأنفسهم في مطاردة قوات بلوخر شمالًا حتى ويفر Wavre، ومن المفترض أنه كان يأمل أنه إذا اتجه البروس غربا لمساعدة ولينجتون لاستطاع جروشي مهاجمة المؤخرة. وقد ارتكب ولينجتون على وفق ما ورد في تحليل لاحق سلسلة من الأخطاء المماثلة بتركه ١٧،٠٠٠ من رجاله بالقرب من بروكسل لمواجهة هجوم فرنسي جانبي على طرقه المهمة والحيوية المؤدية إلى البحر.
وأمر نابليون في الساعة الحادية عشرة صباحا جيشه ببدء الهجوم على قلب (مركز أو وسط) العدو حيث كان المقاتلون من الاسكتلنديين الأشداء. وقاد ني Ney قواته باندفاعه وبسالته المعروفين لكن البريطانيين ثبتوا وراحوا من وراء تل بعد تل ينشرون الموت بالجملة بمدافعهم (التي أخفوها عن الأعين) في صفوف الفرنسيين الذين اعتراهم الهلع. وفي نحو الساعة الواحدة بعد الظهر رأى نابليون من موقع المراقبة جنوب غرب العمليات جيشا في أقصى الشرق يتحرك صَوْب ميدان العمليات، فأخبره أسير ألماني أن هذه القوات هي طليعة قوات بولو Bulow البروسية تتقدم لمساعدة ولينجتون
فأرسل نابليون كتيبة بقيادة الجنرال لوبو لوقف القوات البروسية المتقدمة، وأرسل إلى جروشي لمهاجمة بولو (بولوف)
[ ٤٧ / ٩٣ ]
Bulow ثم القدوم لمساعدة الجيش الفرنسي الرئيسي ضد ولينجتون وفي نحو الساعة الحادية عشرة صباحا توجه جروشي شمالا بين جمبلو Gembloux وويفر فسمع صوت إطلاق المدافع قادما (أي الصوت) من الغرب، فحثّه الجنرال جيرار Gerard ليكفَّ عن ملاحقة بلوخر وأن يشق طريقه عبر المنطقة ليضم جنوده البالغ عددهم ٣٠،٠٠٠ إلى قوات نابليون، والتقى جروشي بجزء من قوات بلوخر وهزمها، ودخل ويفر فاستراح بقواته بعد أن وجد بلوخر قد ابتعد بقواته.
لكن في هذا الوقت (الساعة الرابعة عصرا) كانت معركة واترلو في ذروتها: تلاحم صاخب بين رجال يقتلون ويُقتلون (بضم الياء) يفقدون ضربات إستراتيجية أو يستعيدونها، يواجهون الخيول المندفعة يتلقَّون ضربات السيوف أو يروغون منها، يسقطون ويموتون في الوحل. وفر الآلاف من الجانبيْن تاركين ساحة الوغى. وقضى ولينجتون جانبا من وقته يُرهب الفارين للعودة إلى مواقعهم. وتولّى ني Ney مهمّة بعد مهمّة ومسئولية بعد مسئولية، وماتت تحته أربعة خيول.
وفي نحو الساعة التاسعة مساء تلقى أمرًا من نابليون بالاستيلاء على لاهاي سانت La Haye Sainte - الهولي هيدجرو the Holy Hedgerow. ونجح في مهمته وظن أنه وجد طريقا (فتحة) إلى مؤخرة ولينجتون، فأرسل إلى نابليون طالبا مزيدا من الجنود المشاة واندفع متقدما. واستشاط نابليون غضبا بسبب تقدّمه الطائش إذ لم يكن لدى نابليون الدّعم العسكري الكافي الذي يُمكن إرساله إليه دون أن يكون ذلك على حساب الخطة العامة (أي دون أن يؤدّي هذا إلى إضعاف الموقف العام) لكنه - أي نابليون - شعر أنه لا يجب تَرْك هذا البائس ليهلك ومن معه، فأمر كيلرمان Kellermann بالتوجه لدعْم نَيْ بثلاثة آلاف من الفرسان المدّرعين (اللابسين دروعا).
وعندما طلب قائد الخط البريطاني الأخير دعمًا من ولينجتون أجاب الدوق بأنه لا يستطيع تقديم أية تعزيزات. ويُقال إن الضابط أجابه: "حسنا جدا يا سيدي اللورد، إننا سنصمد حتى آخر رجل". وعندما بدأ هذا الخط الإنجليزي في الانكسار اندفع الفرسان الفرنسيون إلى الأمام للمشاركة في النصر؛ فعلّق ضابط إنجليزي هو الكولونيل جولد Gould: " لقد انتهى كل شيء"، وهربت كتيبة هانوفرية عند هذا الحد إلى بروكسل،
[ ٤٧ / ٩٤ ]
وراح أفرادها يصيحون جميعا: "خسرنا المعركة، والفرنسيون قادمون".
وحقيقة الأمر أن البروسيِّين كانوا هم القادمين. لقد كسر بولو (بولوف Bulow) (البروسي) مقاومة لوبو Lobau (الفرنسي) وراح يقترب بسرعة من مسرح العمليات الرئيسية، كما كانت قوتان بروسيتان أخريان تقتربان. ورأى نابليون أنّ فرصته الأخيرة هو أن يهزم الإنجليز قبل أن يتمكّن البروسي من التدخّل، فدعا حرسه القديم ليتبعه في معركة حاسمة، واتخذ هارب فرنسي طريقه إلى ولينجتون وحذّره ستصل إليك قوات الحرس الفرنسي في غضون نصف ساعة. وفي نحو هذا الوقت رأى رجل مراقبة بريطاني - نابليون، وقال: "ها هو نابليون يا سيدي أظن أنني أستطيع اصطياده، هل أطلق عليه النار"؟ فمنعه الدوق:
"لا .. لا .. فالجنرالات الذين يقودون الجيوش، لديهم ما هو أهم من إطلاقهم النار بعضهم على بعضهم الآخر".
وهنا ظن الفرنسيون أنّهم الغالبون، لكنهم علموا فجأة بهجوم ٣٠،٠٠٠ جندي بروسي راحوا ينشرون الفزع والفوضى في صفوف الفرنسيين. وعندما شرع ني Ney في مواصلة مهمته تماسكت القوات البريطانية بسرعة وتراجع ني Ney، وانتهز ولينجتون هذه الفرصة فصعد قمة منحدر وراح يلوّح بقبعته - كإشارة متّفق عليها لتتقدَّم قواته كلها، وواصلت الطبول والأبواق توصيل الرسالة، فتحوّل ٤٠،٠٠٠ إنجليزي واسكتلندي وبلجيكي وألماني من الدفاع إلى الهجوم واندفعوا متقدمين لا يهابون الموت. ووهنت الروح المعنوية للفرنسيين وعمهم الانهيار فولّوا مُدْبرين، حتى أفراد الحرس القديم بدءوا يُديرون رؤوس خيولهم متراجعين.
وصاح نابليون مُصدرا الأوامر بالتوقف فذهب صوته أدراج الرياح وسط الجلبة، ولم يعد من الممكن تمييزه (التعرف عليه) بسبب دخان المعركة والأتربة المتصاعدة فاستسلم لهذا الاستفتاء العام (بمعنى أنه أذعن للتحركات العفوية لقوّاته) فأمر بالانسحاب في تشكيلات لكن القوات الفرنسية التي كانت تتعرض لهجوم من قوات تفوقها عددًا بكثير، من المقدمة ومن الجانب - لم يكن لديها الوقت لتنظم نفسها في تشكيلات، فأصبح شعار كل فرد فيها "دع كل فرد يُنقذ نفسه بقدر ما يستطيع" لقد أصبح هذا هو الشعار السائد سواء نطقوا به أم لا، ذلك أنهم لم يعودوا جنودا بل بشرًا ليس إلَّا ووسط
[ ٤٧ / ٩٥ ]
هذه الهزيمة وقف المارشال ني Ney مذهولا بلا حصان، وقد اسودّ وجهه بالبارود وتمزقت ثيابه العسكرية، وسيفه مكسور في يده، هذا السيف الذي طالما حقق به النصر. كان هذا هو وضع ني Ney بطل الأبطال في واترلو،. لقد انضم هو ونابليون إلى أربعين ألف فرنسي يندفعون في الطرقات والحقول إلى جيناب Gennape وإلى كاتر - برا وإلى شارلروي Charleroi ومن ثم عبروا بكل وسيلة متاحة نهر سامبر Sambre إلى فرنسا. لقد ترك الفرنسيون في ميدان المعركة ٢٥.٠٠٠ ما بين قتيل وجريح و٨،٠٠٠ أسير، وفقد ولينجتون ١٥،٠٠٠ وفقد بلوخر ٧،٠٠٠. والتقى المنتصران (ولينجتون وبلوخر) في الطريق بالقرب من لا بِل أليانس La Belle Alliance وتبادلا القبلات فرحًا بالنصر. وترك ولينجتون مهمة ملاحقة الفرنسيين للبروس المتحمسين.
وبلوخر أيضا كان كبير السن بدرجة لا تسمح له بالمطاردة، فترك هذه المهمّة لجنايسناو Gneisenau في جيناب التي أرسل منها خطابا لزوجته: "بالتنسيق مع صديقي ولينجتون أبدنا جيش نابليون". لكنه كتب أيضا لصديقه كنيزبك Knesebeck: " لقد اضطربت كل أعضائي، فقد بذلنا جهودا مُضنية".
أما ولينجتون فقد بَسَط الأمر أمام لورد أكسبردج Uxbridge بطريقة حماسية: "لقد وجهنا لنابليون ضربة حاسمة فليس أمامه إلاّ أن يشنق نفسه".
وفي أثناء الانسحاب انضم نابليون إلى كتيبة أكثر انضباطا من غيرها، وترجّل وسار على قدميه مع الآخرين. وبكى لضياع جيشه، وحزن لأنه لم يَلْق حتفه.
[ ٤٧ / ٩٦ ]
الفصل الثامن والثلاثون