وكَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ (^١) مَلِكًا مِنَ الْمُلُوكِ الْعَادِلِينَ وكَانَ مُوَحِّدًا مُؤْمِنًا بِاَللَّهِ، وآتاه الله من كُلَّ شيء سَبَبًا يَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى نَيْلِ مَقْصُودِهِ فِي الْمَمْلَكَةِ وَغَيْرِهَا; فَإِنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ إِقْلِيمٍ مِنَ الْأَمْتِعَةِ وَالْمَطَاعِمِ وَالزَّادِ مَا يَكْفِيهِ وَيُعِينُهُ عَلَى أَهْلِ الْإِقْلِيمِ الْآخَرِ. وقد مُكّن له في الأرض فقهر الجبابرة وأذلهم وكان يغزو عُبَّاد الأصنام، وسار بالعدل فيما آتاه الله. وقد وَصَلَ إلَى آخر العمارة من الأرض من جهة المغرب فرأى الشمس عند الغروب في رأي العين تغرب في البحر المحيط كأنها تغرب في عين حمئة أي: سوداء، كما أنا نشاهدها في الأرض الملساء كأنها تدخل في الأرض، وهذا هو المعتاد لمن كان بينه وبين أفق الشمس الغربي ماء، رآها تغرب في نفس الماء وإن كانت في غاية الارتفاع. ثم وَصَلَ ذُو الْقَرْنَيْنِ إلَى آخر العمارة من الأرض من جهة المشرق، ووجد الشّمْسِ (تَطْلُعُ عَلَىَ قَوْمٍ لّمْ نَجْعَل لّهُمْ مّن دُونِهَا سِتْرًا)، لأنهم أول من تطلع عليهم، وليس أنها تماسهم وتلاصقهم. ثم ذهب متوجها من المشرق، قاصدًا للشمال، فوصل إلى ما بين السدين، وهما سلاسل جبال معروفين في ذلك الزمان، ووجد من دون السدين قومًا لا يكادون يفقهون قولًا لعجمة ألسنتهم، واستعجام أذهانهم وقلوبهم، وقد أعطى الله ذا القرنين من الأسباب العلمية ما فقه به ألسنة أولئك القوم وفقّههم، وراجعهم، وراجعوه، فاشتكوا إليه ضرر يأجوج ومأجوج -وهما أمتان عظيمتان من بني آدم- فقالوا: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ﴾ بالقتل وأخذ الأموال وغير ذلك. ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ أي أُجرة ﴿عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾، وذلك لعدم اقتدارهم بأنفسهم على بنيان السد، وظنهم باقتدار ذي القرنين عليه، فبذلوا له أجرة، ليفعل ذلك، فلم يكن ذو القرنين ذا طمع، ولا رغبة في الدنيا، وكان قصده الإصلاح، فلذلك أجاب طلبتهم لما فيها من المصلحة، ولم يأخذ منهم أجرة، وشكر ربه على تمكينه واقتداره، فقال لهم: ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ أي: مما تبذلون لي وتعطوني، وإنما أطلب منكم أن تعينوني بقوة منكم بأيديكم ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ أي: مانعًا من عبورهم عليكم.
_________________
(١) يذكر أنه عاش في عهد إبراهيم ﵇ أو قريبًا منه، وقيل: أنه أسلم على يدي إبراهيم ﵇، وأنه حج البيت ماشيًا، وأنه كان مِنَ الْعَرَبِ. ولا يُعلم هل كان نبيًا أم لا؟ لقول النبي ﷺ: "وما أدري ذا القرنين نبيًا كان أم لا". قَالَ مُجَاهِدٌ: "مَلَكَ الْأَرْضَ مُؤْمِنَانِ وَكَافِرَانِ؛ فَالْمُؤْمِنَانِ: سُلَيْمَانُ وَذُو الْقَرْنَيْنِ. وَالْكَافِرَانِ: بختنصر ونمرود. وَسَيَمْلِكُهَا خَامِسٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ".
[ ٥٣ ]
﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ أي: قطع الحديد، فأعطوه ذلك فوضعها. ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ أي: الجبلين اللذين بني بينهما السد ﴿قَالَ انْفُخُوا﴾ النار أي: أوقدوها إيقادًا عظيمًا، واستعملوا لها المنافيخ لتشتد، فتذيب النحاس، فلما ذاب النحاس، ﴿قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ أي: نحاسًا مذابًا، فأفرغه على الردم الذي بناه من قطع الحديد، فاستحكم السد استحكامًا هائلًا وامتنع به من وراءه من الناس، من ضرر يأجوج ومأجوج. ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ أي: فما لهم استطاعة، ولا قدرة على الصعود عليه لارتفاعه، ولا على نقبه لإحكامه وقوته. فلما فعل هذا الفعل الجميل والأثر الجليل، أضاف النعمة إلى موليها وقال: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ أي: من فضله وإحسانه عليَّ وعلى خلقه، وهذه حال الخلفاء الصالحين، إذا منَّ الله عليهم بالنعم الجليلة، ازداد شكرهم وإقرارهم، واعترافهم بنعمة الله. ثم قال: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ بقيام الساعة أو بأن شارف قيامُها ﴿جَعَلَهُ﴾ أي: ذلك السد المحكم المتقن ﴿دَكَّاءَ﴾ أي: دكه فانهدم، واستوى هو والأرض ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾.
[ ٥٤ ]