بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين رَوَى أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَفْصِ بْنِ مِهْرَانَ الْبَرْدَعِيُّ أَعَزَّهُ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَحْمَدُ بْنُ أَعْثَمَ الْكُوفِيُّ [١] قِرَاءَةً عَلَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنِي نُعَيْمُ بْنُ مُزَاحِمٍ الْمِنْقَرِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ وَاقِدٍ الْوَاقِدِيُّ الأَسْلَمِيُّ [٢]، وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَلاءِ الْقُرَشِيُّ الْمَدَنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْكِنْدِيُّ، وَنَصْرُ بْنُ خَالِدٍ النَّحْوِيُّ وَأَبُو حَمْزَةَ الْقُرَشِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ الْمُطَّلِبِيِّ [٣]، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ زَيْدُ بْنُ رُومَانَ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ [٤]،
_________________
(١) أحمد بن محمد بن علي بن أعثم الكوفي، أبو محمد، مؤرخ من أهل الكوفة، من كتبه المشهورة (الفتوح) انتهى فيه إلى أيام الرشيد، و(التاريخ) من أيام المأمون إلى أيام المقتدر، قال ياقوت: رأيت الكتابين، توفي ابن أعثم سنة ٣١٤ هـ-. (معجم الأدباء ٢/ ٢٣٠، دائرة المعارف الإسلامية ١/ ٩١، الأعلام ١/ ٢٠٦» .
(٢) في الأصل: (السلمي) .
(٣) محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي بالولاء، المدني، من أقدم مؤرخي العرب، من أهل المدينة، كان جده يسار من سبى عين التمر، قال ابن حبان: لم يكن أحد بالمدينة يقارب ابن إسحاق في علمه أو يوازيه في جمعه، وهو من أحسن الناس سياقا للأخبار، له من الكتب (السيرة النبوية) هذّبها ابن هشام و(كتاب الخلفاء) و(كتاب المبدأ) وكان من حفّاظ الحديث، سكن بغداد ومات فيها سنة ١٥١ هـ-. (تهذيب التهذيب ٩/ ٣٨، طبقات ابن سعد ٢/ ٧/ ٦٧، معجم الأدباء ٦/ ٣٩٩، وفيات الأعيان ١/ ٤٨٣، تاريخ بغداد ١/ ٢١٤، الأعلام ٦/ ٢٨) .
(٤) صالح بن كيسان المدني، من فقهاء المدينة الجامعين للحديث والفقه، وهو أحد الثقات
[ ٢٧ ]
وَيَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ [١]، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ [٢]، وَمَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ [٣]، وَعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ [٤]، كُلٌّ يَذْكُرُ: أَنَّهُ لَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ ﵌، شَمِتَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بِأَهْلِ الإِسْلامِ، وَظَهَرَ النِّفَاقُ فِي الْمَدِينَةِ مِمَّنْ كَانَ يُخْفِيهِ قَبْلَ ذلك، وماج الناس
_________________
(١) [()] في رواية الحديث، وهو مؤدب أبناء عمر بن عبد العزيز، قيل إنه عاش أكثر من مائة سنة، توفي سنة ١٤٠ هـ-. (تهذيب التهذيب ٤/ ٣٩٩، تهذيب ابن عساكر ٦/ ٣٧٨، الإصابة ٣/ ٤٥٨، الأعلام ٣/ ١٩٥) .
(٢) يحيى بن عروة بن الزبير بن العوام الأسدي، من أعيان المدينة له رواية قليلة للحديث وله شعر، وهو ابن أخي عبد الله بن الزبير، وأمه عمة عبد الملك بن مروان، قال أبياتا يعرض فيها بإبراهيم بن هشام المخزومي والي المدينة فضربه حتى مات سنة ١١٤ هـ-. (نسب قريش ص ٢٥٦، ٢٤٧، ٣٨٠، جمهرة أنساب العرب ص ١٢٤، المحبر ص ٢٦٢، تهذيب التهذيب ١١/ ٢٥٨، البيان والتبيين ١/ ٣٢٠، الأعلام ٨/ ١٥٦) .
(٣) الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي، الصحابي، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأول من سلّ سيفه في الإسلام، وهو ابن عمة النبي ﵌ وله ١٢ سنة، شهد بدرا وأحدا واليرموك، وشهد الجابية مع عمر بن الخطاب، روى الحديث النبوي وله ٣٨ حديثا، خرج من طلحة وعائشة على علي بن أبي طالب، وقتل غيلة، قتله ابن جرموز يوم الجمل بوادي السباع سنة ٣٦ هـ-. (تهذيب ابن عساكر ٥/ ٣٥٥، صفة الصفوة ١/ ١٣٢، حلية الأولياء ١/ ٨٩، البدء والتاريخ ٥/ ٨٣، الأعلام ٣/ ٤٣) .
(٤) في الأصل: (معوذ بن لبيد)، وصوابه محمود بن لبيد الذي يروي عن عاصم بن عمر بن قتادة، وهو محمود بن لبيد بن عقبة بن رافع الأوسي الأنصاري المدني، وأمه أم منظور بنت محمد بن مسلمة، روى عن النبي ﵌ أحاديث ولم تصح له رؤية ولا سماع منه، روى عنه الزهري وعاصم بن عمرو بن قتادة وجعفر بن عبد الله بن الحكم وغيرهم، ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين، فيمن ولد على عهد النبي ﵌، وقال: سمع من عمر وتوفي بالمدينة سنة تسعين للهجرة. (تهذيب التهذيب ١٠/ ٦٦) .
(٥) عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الخزرجي الأنصاري، روى الحديث، وقال ابن معين وأبو زرعة والنسائي: ثقة، وقال ابن سعد: كان راوية للعلم وله علم بالمغازي والسير، وأمره عمر بن عبد العزيز أن يجلس في مسجد دمشق فيحدث الناس بالمغازي ومناقب الصحابة ففعل، وكان ثقة كثير الحديث عالما، توفي سنة ١٢٠ هـ-. (تهذيب التهذيب ٥/ ٥٤) .
[ ٢٨ ]
وَاضْطَرَبُوا، وَأَقْبَلَ مَالِكُ بْنُ التَّيِّهَانِ الأَنْصَارِيُّ حَتَّى وَقَفَ عَلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ:
يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَنْصِتُوا وَاسْمَعُوا مَقَالَتِي، وَتَفَهَّمُوا مَا أُلْقِيهِ إِلَيْكُمْ، اعْلَمُوا أَنَّهُ قَدْ شَمِتَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بِمَوْتِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﵇، وَقَدْ ظَهَرَتْ حَسِيكَةُ [١] أَهْلِ الرِّدَّةِ، وَعِظَمُ الْمَصَائِبِ عَلَيْنَا أَنَّ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ [٢] خَرَجَ بِأَرْضِ الْيَمَامَةِ [٣] بِرَعْدٍ وَبَرْقٍ، وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَانَ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ فِي حَيَاةِ نبينا ﵌، وَالآنَ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ طُلَيْحَةَ بْنَ خُوَيْلِدٍ الأَسَدِيَّ أَيْضًا قَدِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ بِبِلادِ نَجْدٍ، وَأَنَا وَاللَّهِ خَائِفٌ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ أَنْ تَرْتَدَّ عَنْ دِينِ الإِسْلامِ، فَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِهَذَا الأَمْرِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، أَوْ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَهُوَ وَاللَّهِ الْهَلاكُ والبوار، ثم أنشأ أبو الهيثم يقول [٤]:
_________________
(١) الحسك والحسيكة: الحقد والعداوة.
(٢) مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب الحنفي الوائلي، أبو ثمامة، متنبئ من المعمرين ولد ونشأ باليمامة في القرية المسماة بالجبيلة بوادي حنيفة في نجد، وتلقب في الجاهلية بالرحمن، وعرف برحمان اليمامة، كان مع وفد حنيفة الذي وفد على النبي ﵌ بعد فتح مكة، وأسلم الوفد وتخلّف مسيلمة في الرحال خارج مكة وهو شيخ هرم، ولما رجع الوفد ادعى مسيلمة النبوّة، وتوفي رسول الله قبل القضاء على فتنة مسيلمة، وسار خالد ابن الوليد إلى بني حنيفة وقضى على مسيلمة، وقتل سنة ١٢ هـ-. (السيرة النبوية ٣/ ٧٤، الروض الأنف ٢/ ٣٤٠، الكامل في التاريخ ٢/ ١٣٧- ١٤٠، تاريخ الخميس ٢/ ١٥٧، البدء والتاريخ ١/ ١٦٢، الأعلام ٧/ ٢٢٦) .
(٣) اليمامة: في كتاب العزيزي: إنها في الإقليم الثالث وعرضها خمس وثلاثون درجة وكان فتحها وقتل مسيلمة الكذاب في أيام أبي بكر الصديق ﵁ سنة ١٢ للهجرة وفتحها خالد بن الوليد عنوة ثم صولحوا، وبين اليمامة والبحرين عشرة أيام وهي معدودة من نجد وقاعدتها حجر، وتسمى اليمامة جوا والعروض (بفتح العين)، وكان اسمها قديما جوّا، فسميت اليمامة باليمامة بنت سهم بن طسم، قال أهل السير: كانت منازل طسم وجديس اليمامة وكانت تدعى جوا وما حولها إلى البحرين، ومنازل عاد الأولى الأحقاف، وهو الرمل ما بين عمان إلى الشحر إلى حضرموت إلى عدن أبين وكانت اليمامة أحسن بلاد الله أرضا وأكثرها خيرا وشجرا ونخلا. (ياقوت: اليمامة) .
(٤) الشاعر هو أبو الهيثم مالك بن التيهان بن مالك بن عتيك الأنصاري الأوسي، شهد بيعة
[ ٢٩ ]
أَلا قَدْ أَرَى أَنَّ الْفَتَى لَمْ يَخْلُدِ وَأَنَّ الْمَنَايَا لِلرِّجَالِ بِمَرْصَدِ [١]
لَقَدْ جُدِّعَتْ آذَانُنَا وَأُنُوفُنَا غَدَاةَ فُجِعْنَا بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدِ [٢]
نَصَارَى يَقُولُونَ الشَّجَا وَمُنَافِقٌ وَكُلُّ كَفُورٍ شَامِتٍ مُتَهَوِّدِ
ثَلاثَةُ أَصْنَافٍ مِنَ النَّاسِ كُلُّهُمْ يَرُوحُ عَلَيْنَا بِالسِّنَانِ وَيَغْتَدِي
تَكَلَّمَ أَهْلُ الْكُفْرِ مِنْ بَعْدِ ذِلَّةٍ لِغَيْبَةِ هَادٍ كَانَ فِينَا وَمُهْتَدِ
وَأَرْعَدَ كَذَّابَ الْيَمَامَةِ [٣] جَهْدَهُ وَأَكْلَبَ فِينَا بِاللِّسَانِ وَبِالْيَدِ
وَدَانَاهُ فِيمَا قَالَ غَيْرُ مُقَصِّرٍ أَخُو الْجَهْلِ حَقًّا طَلْحَةُ [٤] بْنُ خُوَيْلِدِ
فَإِنْ يَكُ هَذَا الْيَوْمَ مِنْهُمْ شَمَاتَةٌ فَلا تَأْمَنُوا مَا يُحْدِثُ اللَّهُ فِي غَدِ
وَمَا نَحْنُ إِنْ لَمْ يَجْمَعِ اللَّهُ أَمْرَنَا بِخَيْرِ قُرَيْشٍ كُلِّهَا بَعْدَ أَحْمَدِ
بِأَمْنَعِ مَنْ شَاءَ [٥] بِقَفْرٍ مَطِيرَةٍ وَفَقْعَةِ قَاعٍ أَوْ ضِبَاعٍ بِفَدْفَدِ [٦]
وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَقُومَ بِأَمْرِنَا عَلِيٌّ أَوِ الصِّدِّيقُ أَوْ عَمْرٌو مِنْ غَدِ [٧]
وَتَعْدُو زَكَاةُ الْحَيِّ فِهْرَ بْنَ مَالِكٍ وأنصار هذا الدين من كلّ معتد
_________________
(١) [()] العقبة وكان أول من بايع وشهد بدرا، أخى النبي ﵌ بينه وبين عثمان بن مظعون، وشهد المشاهد كلها، مات سنة عشرين، وقيل قتل بصفين سنة ٣٧ هـ-. (الإصابة ٧/ ٤٤٩- ٤٥٠) .
(٢) جعل الناسخ الشعر في الكتاب مع الكلام دون أن يميزه عن النثر.
(٣) جاء البيت الثاني فقط في الإصابة ٧/ ٤٥٠ في ترجمة مالك بن التيهان (أبو الهيثم) .
(٤) في الأصل: (كذاب الإمامة) . وكذاب اليمامة: مسيلمة الحنفي.
(٥) في الأصل: (طليحة) وبها يختل الوزن.
(٦) في الأصل: (من شي) .
(٧) الفقعة: الكمأة البيضاء وهي أردأ الكمإ، ويشبه بها الرجل الذليل، وفي المثل: (أذل من فقع بقاع) و(أذل من فقع بقرقرة) . (الميداني ١/ ٢٨٤، جمهرة الأمثال ١/ ٤٦٩، اللسان: فقع) .
(٨) الأبيات الثلاثة الأخيرة خرجة من الحاشية، وفيها خلل في الوزن، ولعل البيت الأول في الأصل: (أو العمر)، وأراد بعمرو: عمر بن الخطاب، والضرورة ساقته إلى تغيير الاسم.
[ ٣٠ ]
وَأَمْسَى مُسَيْلِمٌ [١] فِي الْيَمَامَةِ غَالِبًا عَلَى النَّاسِ طُرًّا بِالْقَنَا وَالْمُهَنَّدِ
قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁، عَلَى الْمُسْلِمِين فَقَالَ: (أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لا يَمُوتُ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَاللَّهُ لَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ ﵇ فَقَالَ ﵎:
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ٣٩: ٣٠ [٢]، ثُمَّ قَالَ: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ، كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ٢١: ٣٤- ٣٥ [٣]، ثُمَّ قَالَ: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ٣: ١٤٤ الآيَةَ [٤]، أَلا وَإِنَّ مُحَمَّدًا ﵇ قَدْ مَضَى لِسَبِيلِهِ، وَلا بُدَّ لِهَذَا الأَمْرِ مِنْ قَائِمٍ يَقُومُ بِهِ، فَدَبِّرُوا وَانْظُرُوا وَهَاتُوا مَا عندكم رحمكم الله) .
_________________
(١) في الأصل: (مسيلمة في اليمامة غالب) وهي مختلة الوزن ويستقيم بما أثبتنا، ولعل الأبيات الثلاثة إضافة من متأخر.
(٢) سورة الزمر ٣٠.
(٣) الأنبياء ٣٤- ٣٥.
(٤) آل عمران ١٤٤.
[ ٣١ ]