قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنْ حَرْبِ بَنِي أَسَدٍ وَغَطَفَانَ وَفَزَارَةَ، وَأَمْكَنَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ، أَقْبَلَ عَلَى مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ لَهُمْ: «إِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ خَلِيفَةَ رَسُولِ الله ﵌ قَدْ كَانَ أَمَرَنِي بِالْبِطَاحِ [١] مِنْ أَرْضِ بَنِي تَمِيمٍ إِلَى مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَأَنَا سَائِرٌ، فَمَا الَّذِي عِنْدَكُمْ مِنَ الرَّأْيِ»، قَالَ: فَقَالَتْ لَهُ الأَنْصَارُ: «يَا أَبَا سُلَيْمَانَ، إِنَّكَ لَسْتَ عِنْدَنَا بِمُتَّهَمٍ، غَيْرَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَعْهَدْ إِلَيْنَا عَهْدًا فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ أَمَرَكَ بِالْمَسِيرِ إِلَى بَنِي تَمِيمٍ فَسِرْ رَاشِدًا، فَإِنَّاَ غَيْرُ سَائِرِينَ»، فَقَالَ خَالِدٌ: «لَسْتُ أُكْرِهُكُمْ عَلَى شَيْءٍ، وَأَنَا سَائِرٌ بِمَنْ مَعِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى أُنْفِذَ أَمْرَ أَبِي بَكْرٍ» .
قَالَ: ثُمَّ سَارَ خَالِدٌ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ يُرِيدُ أَرْضَ بَنِي تَمِيمٍ، وَأَقَامَتِ الأَنْصَارُ فِي مَوَاضِعِهَا، حَتَّى إِذَا سَارَ خَالِدٌ يَوْمَهُ ذَلِكَ كَأَنَّهُ اغْتَمَّ عَلَى تَخَلُّفِ الأَنْصَارِ عَنْهُ.
قَالَ: وَتَلاوَمَتِ الأَنْصَارُ أَيْضًا، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: (وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ غَدًا عَلَى هَذَا الْجَيْشِ مُصِيبَةٌ فَإِنَّهُ لَعَارٌ عَلَيْنَا، لَيَقُولَنَّ النَّاسُ بِأَنَّكُمْ خَذَلْتُمُ الْمُهَاجِرِينَ وَأَسْلَمْتُمُوهُمْ لِعَدُوِّهِمْ، وَلَئِنْ أَصَابُوا فَتْحًا فَإِنَّهُ خَيْرٌ حُرِمْتُمُوهُ، وَلَكِنْ سِيرُوا والحقوا [٢] إخوانكم) .
_________________
(١) البطاح: ماء في ديار بني أسد بن خزيمة وهناك كانت الحرب بين المسلمين وأميرهم خالد بن الوليد، وأهل الردة. (ياقوت: البطاح) .
(٢) حقه (بالكسر) ولحق به لحاقا (بالفتح): أي أدركه.
[ ١٠٣ ]
قَالَ: فَسَارَتِ الأَنْصَارُ حَتَّى لَحِقَتْ بِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَصَارَ الْقَوْمُ جَمْعًا وَاحِدًا، وَتَوَسَّطَ خَالِدٌ أَرْضَ الْبِطَاحِ [١]، وَبِالْبِطَاحِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ بَنِي تَمِيمٍ يُقَالُ لَهُ (الْجُفُولُ) [٢]، لأَنَّهُ جَفَلَ إِبِلَ الصَّدَقَةِ وَمَنَعَ الزَّكَاةَ، وَجَعَلَ يَقُولُ لِقَوْمِهِ:
(يَا بَنِي تَمِيمٍ، إِنَّكُم قَدْ عَلِمْتُمْ بِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كَانَ قَدْ جَعَلَنِي عَلَى صَدَقَاتِكُمْ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَقَدْ هَلَكَ مُحَمَّدٌ وَمَضَى لِسَبِيلِهِ وَلا بُدَّ لِهَذَا الأَمْرِ مِنْ قَائِمٍ يَقُومُ بِهِ، فَلا تُطْمِعُوا أَحَدًا فِي أَمْوَالِكُمْ، فَأَنْتُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِكُمْ)، قَالَ: فَلامَهُ بَعْضُ قَوْمِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَحَمِدَ بَعْضُهُمْ وَسَدَّدَ لَهُ رَأْيَهُ، فَأَنْشَأَ مَالِكٌ يَقُولُ [٣]:
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- يَقُولُ [٤] رِجَالٌ سُدِّدَ الْيَوْمَ مَالِكٌ وَقَوْمٌ يَقُولُوا [٥] مَالِكٌ لَمْ يُسَدَّدِ
٢- وَقُلْتُ خُذُوا أَمْوَالَكُمْ غَيْرَ خَائِفٍ وَلا نَاظِرٍ فِيمَا تَخَافُونَ مِنْ غد
_________________
(١) ينظر خبر البطاح ومقتل مالك بن نويرة في الطبري ٣/ ٢٧٦- ٢٨٠، والأغاني ١٥/ ٢٩٨- ٣١٤، وطبقات الشعراء ١/ ٢٠٥- ٢٠٩، وقد مرت ترجمة مالك في هامش هذا الكتاب.
(٢) الجفول: هو مالك بن نويرة، سمي الجفول لأنه جفل إبل الصدقة أي ذهب بها، وقيل: سمي الجفول لكثرة شعره، ولعله سمي الجفول لجرأته وإقدامه، كالريح الجفول وهي السريعة تجفل السحاب وتسوقه. (انظر معجم الشعراء ص ٣٦٠ وطبقات الشعراء ١/ ٢٠٥ هامش المحقق) .
(٣) الأبيات: ١- ٥ في الاكتفاء ص ٧٩ مع بيت زيادة، والأبيات غير السادس مع بيت زيادة في شرح نهج البلاغة ٥/ ١٥٢ ط بيروت. والبيتان: ٢، ٥ في طبقات الشعراء ١/ ٢٠٦ وكتاب العفو والاعتذار ١/ ١٠٨، والأغاني ١٥/ ٣٠٥، ومعجم الشعراء ص ٢٦٠، والأنوار ومحاسن الأشعار ص ١٣٧- ١٣٨ والإصابة ٥/ ٧٥٥. والبيت الثاني مع عجز الثالث والبيت الرابع في اللسان: صرر.
(٤) في الأصل: (تقول) .
(٥) كذا بالأصل، والوجه (يقولون) وحذف النون لضرورة الشعر وهو لحن، وفي المصادر: (وقال رجال مالك لم يسدد) .
(٦) طبقات الشعراء والأغاني والعفو والاعتذار والإصابة: (ولا ناظر فيما يجيء من الغد) . اللسان: (وقلت خذوها هذه صدقاتكم مصررة أخلافها لم تحرد)
[ ١٠٤ ]
٣- وَدُونَكُمُوهَا إِنَّهَا صَدَقاتُكُمْ مُصَرَّرَةٌ أَخْلافُهَا لَمْ تُجَدَّدِ [١]
٤- سَأَجْعَلُ نَفْسِي دُونَ مَا تَحْذَرُونَهُ/ وَأَرْهِنُكُمْ يَوْمًا بما أفلتت يدي [٢] [١٧ ب]
٥- فَإِنْ قَامَ [٣] بِالأَمْرِ الْمُخَوَّفِ قَائِمٌ أَطَعْنَا [٤] وَقُلْنَا الدِّينُ دِينُ مُحَمَّدِ
٦- وَإِلا فَلَسْنَا فِقَعَةً بِتَنُوفَةٍ وَلا شَحْمَ شَاءٍ أَوْ ظِبَاءٍ بِفَدْفَدِ [٥]
قَالَ: وَبَلَغَ شِعْرُهُ وَكَلامُهُ أَبَا بَكْرٍ وَالْمُسْلِمِينَ فَازْدَادُوا عَلَيْهِ حَنَقًا [٦] وَغَيْظًا، وَأَمَّا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَإِنَّهُ حَلَفَ وَعَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ لَيَقْتُلَنَّهُ وَلَيَجْعَلَنَّ رَأْسَهُ أَثْفِيَّةً [٧] لِلْقِدْرِ.
قَالَ: ثُمَّ ضَرَبَ خَالِدٌ عَسْكَرَهُ بِأَرْضِ بَنِي تَمِيمٍ، وَبَثَّ السَّرَايَا فِي الْبِلادِ يُمْنَةً وَيُسْرَةً، قَالَ: فَوَقَفَتْ سَرِيَّةٌ مِنْ تِلْكَ السَّرَايَا عَلَى مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ، وَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ لَهُ [٨]، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ بَنِي عَمِّهِ. قَالَ: فَلَمْ يعلم مالك إلا والخيل
_________________
(١) مصررة أخلافها: مشدودة ضروعها، والصّرار: ما يشد به ضرع الناقة لئلا يرضعها ولدها (اللسان: صرر) . لم تجدد: لم يذهب لبنها.
(٢) اللسان: (وأرهنكم يوما بما قلته يدي) .
(٣) في الأصل: (فإن خاف) .
(٤) طبقات الشعراء والأغاني والعفو والاعتذار: (منعنا وقلنا) . الإصابة: (فإن قام بالأمر المحوق قائم أطعنا وقلنا) . المحوق: من حوق عليه الكلام: عوج عليه (القاموس: حوق) .
(٥) في الأصل: (بفرقد) وهو تحريف فدفد. الفقعة: الأبيض الرخو من الكمأة، وبه يشبه الرجل الذليل، فيقال: (أذل من فقع بقاع، و(أذل من فقع بقرقرة) انظر: الدرة الفاخرة ١/ ٢٠٣، ٢٠٤ ومجمع الأمثال ١/ ٢٨٤ وجمهرة الأمثال ١/ ٤٦٩ والمستقصي ١/ ١٣٤. الفدفد: الفلاة التي لا شيء فيها، والأرض الغليظة ذات الحصى، والأرض المستوية، والموضع الذي فيه غلظ وارتفاع. (اللسان: فدفد) .
(٦) في الأصل: (حفظا) ثم كتب فوقها (حنقا)، والحفظ بمعنى الحنق.
(٧) في الأصل: (تقية)، والأثفية: الحجر توضع عليه القدر.
(٨) الحائط: يراد به الحديقة والروضة والبستان.
[ ١٠٥ ]
قَدْ أَحْدَقَتْ بِهِ، فَأَخَذُوهُ أَسِيرًا، وَأَخَذُوا امْرَأَتَهُ مَعَهُ، وَكَانَتْ بِهَا مُسَيْحَةٌ مِنْ جَمَالٍ.
قَالَ: وَأَخَذُوا كُلَّ مَا كَانَ مِنْ بَنِي عَمِّهِ، فَأَتَوْا بِهِمْ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ حَتَّى أَوْقَفُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ: فَأَمَرَ خَالِدٌ بِضَرْبِ أَعْنَاقِ بَنِي عَمِّهِ بَدْيًا [١]، فَقَالَ الْقَوْمُ: (إِنَّا مُسْلِمُونَ فَعَلامَ تَضْرِبُ أَعْنَاقَنَا)؟ قَالَ خَالِدٌ: (وَاللَّهِ لأَقْتُلَنَّكُمْ)، فَقَالَ لَهُ شَيْخٌ مِنْهُمْ: (أَلَيْسَ قَدْ نَهَاكُمْ أَبُو بَكْرٍ أَنْ تَقْتُلُوا مَنْ صَلَّى إِلَى الْقِبْلَةِ)، فَقَالَ خَالِدٌ:
(بَلَى قَدْ أَمَرَنَا بِذَلِكَ، وَلَكِنَّكُمْ لَمْ تُصَلُّوا سَاعَةً قَطُّ) . قَالَ: فَوَثَبَ أَبُو قَتَادَةَ [٢] إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَقَالَ: (إِنِّي أَشْهَدُ أَنَّهُ لا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهِمْ)، قَالَ خَالِدٌ: (وَكَيْفَ ذَلِكَ)، قَالَ: (لأَنِّي كُنْتُ فِي السَّرِيَّةِ [٣] الَّتِي قَدْ وَافَتْهُمْ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْنَا قَالُوا:
مَنْ أَنْتُمْ، قُلْنَا: نَحْنُ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالُوا: وَنَحْنُ الْمُسْلِمُونَ، ثُمَّ أَذَنَّا وَصَلَّيْنَا وَصَلَّوْا مَعَنَا) . فَقَالَ خَالِدٌ: (صَدَقْتَ يَا قَتَادَةُ، إِنْ كَانُوا قَدْ صَلَّوْا مَعَكُمْ فَقَدْ مَنَعُوا الزَّكَاةَ الَّتِي تَجِبُ عَلَيْهِمْ، وَلا بُدَّ مِنْ قَتْلِهِمْ)، قَالَ: فَرَفَعَ شَيْخٌ مِنْهُمْ صَوْتَهُ يَقُولُ:
(مِنَ الْكَامِلِ)
١- يَا مَعْشَرَ الأَشْهَادِ إِنَّ أَمِيرَكُمْ أَمَرَ الْغَدَاةَ بِبَعْضِ مَا لَمْ يُؤْمَرِ [٤]
٢- حَرُمَتْ عَلَيْهِ دِمَاؤُنَا بِصَلاتِنَا وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّنَا لَمْ نَكْفُرِ
٣- إِنْ تَقْتُلُونَا تَقْتُلُوا إِخْوَانَكُمْ وَالرَّاقِصَاتِ إِلَى منى والمشفر
_________________
(١) أي بدءا، أولا.
(٢) في الأصل: (أبى قتادة) أو (أي قتادة)، وأبو قتادة هو الحارث بن ربعي الأنصاري الخزرجي السلمي، صحابي من الأبطال الولاة، اشتهر بكنيته (أبو قتادة) وكان يقال له: (فارس رسول الله)، وفي الحديث: (خير فرساننا أبو قتادة) شهد الوقائع مع النبي ﵌ ابتداء من وقعة أحد، ولي مكة زمن علي بن أبي طالب، وشهد صفين مع علي، ومات بالمدينة سنة ٥٤ هـ-. (الإصابة ٧/ ٣٢٧- ٣٢٩، الاستيعاب ٤/ ١٧٣١- ١٧٣٢، تهذيب التهذيب ١٢/ ٢٠٤- ٢٠٥، الأعلام ٢/ ١٥٤) .
(٣) في الأصل: (في السيرة) وهو تحريف.
(٤) في الأصل: (ما لا يؤمر) وبالجزم يستقيم روي البيت بالكسرة.
(٥) في الأصل: (المعشر) محرفة. الراقصات: الإبل المسرعة، ورقص البعير رقصا: إذا أسرع. المشعر: مزدلفة.
[ ١٠٦ ]
٤- يا ابن الْمُغِيرَةِ إِنَّ فِينَا خُطَّةً شَنْعَاءَ فَاحِشَةً فَخُذْهَا أَوْ ذَرِ
قَالَ: فَلَمْ يَلْتَفِتْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ إِلَى مَقَالَةِ الشَّيْخِ، فَقَدَّمَهُمْ وَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ. قَالَ: وَكَانَ قَتَادَةُ قَدْ عَاهَدَ اللَّهَ أَنْ لا يَشْهَدَ مَعَ خَالِدٍ مَشْهَدًا أَبَدًا بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
قَالَ: ثُمَّ قَدَّمَ خَالِدٌ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ لِيَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ مَالِكٌ: (أَتَقْتُلُنِي وَأَنَا مُسْلِمٌ أُصَلِّي الْقِبْلَةَ)، فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: (لَوْ كُنْتَ مُسْلِمًا لَمَا مَنَعْتَ الزَّكَاةَ وَلا أَمَرْتَ قَوْمَكَ بِمَنْعِهَا، وَاللَّهِ لَمَا قِلْتَ بِمَا فِي مَنَامِكَ [١] حَتَّى أَقْتُلَكَ) . قَالَ: فَالْتَفَتَ مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ إِلَى امْرَأَتِهِ فَنَظَرَ إِلَيْهَا ثُمَّ قَالَ: (يَا خَالِدُ، بِهَذَا تَقْتُلُنِي) . فَقَالَ خَالِدٌ: (بَلْ للَّه أَقْتُلُكَ بِرُجُوعِكَ عَنْ دين الإسلام/ وجفلك لإبل الصدقة [٢]، [١٨ أ] وَأَمْرِكَ لِقَوْمِكَ بِحَبْسِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ زَكَاةِ أَمْوَالِهِمْ)، قَالَ: ثُمَّ قَدَّمَهُ خَالِدٌ فَضَرَبَ عُنُقَهُ صَبْرًا. فَيُقَالُ إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةِ مَالِكٍ، وَدَخَلَ بِهَا، وَعَلَى ذَلِكَ أَجْمَعَ أَهْلَ الْعِلْمِ، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ حَوِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ زُهْرَةَ السَّعْدِيُّ [٣]، حَيْثُ يَقُولُ [٤]:
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- أَلا قُلْ لِحَيٍّ أَوْطِئُوا بالسَّنابك تَطَاوَلَ هَذَا اللَّيْلُ مِنْ بَعْدِ مَالِكِ
٢- عَدَا خَالِدٌ بَغْيًا [٥] عَلَيْهِ لِعُرْسِهِ وَكَانَ لَهُ فِيهَا هوى قبل ذلك
_________________
(١) كذا ولعلها: (مقامك) .
(٢) جفل الإبل: أي طردها، وبهذا سمي (الجفول) . انظر معجم الشعراء ص ٣٦٠.
(٣) الشاعر هو أبو زهير السعدي، راجع ترجمة وثيمة بن الفرات الذي صنّف كتابا في أخبار الردّة وذكر فيها القبائل التي ارتدت، وما جرى لخالد مع مالك بن نويرة. (وفيات الأعيان ٦/ ١٢- ١٥) .
(٤) الأبيات الستة في وفيات الأعيان ٦/ ١٥. والأبيات: ١، ٢، ٣، ٤ في المختصر في أخبار البشر المعروف بتاريخ أبي الفداء ١/ ١٥٨ والبيت الأول في قطع من كتاب الردّة ص ١٢.
(٥) في الأصل: (غدا خالد بغتا) .
[ ١٠٧ ]
٣- وَأَمْضَى هَوَاهُ [١] خَالِدٌ غَيْرُ عَاطِفٍ عِنَانَ الْهَوَى عَنْهَا وَلا مُتَمَالِكِ
٤- فَأَصْبَحَ ذَا أَهْلٍ وَأَصْبَحَ مَالِكٌ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ هَالِكًا فِي الْهَوَالِكِ
٥- فَمَنْ لِلْيَتَامَى عَائِلٌ [٢] بْعَد مَالِكٍ وَمَنْ لِلرِّجَالِ الْمُرْمِلِينَ الصَّعَالِكِ
٦- (أُصِيبَتْ تَمِيمٌ غَثُّهَا وَسَمِينُهَا) [٣] بِفَارِسِهَا الْمَرْجُوِّ تَحْتَ الْحَوَالِكِ [٤]
[٥]، هَذَا مَا كَانَ (مِنْ أَمْرِ) [٦] هَؤُلاءِ. قَالَ: وَأَقَامَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِالْبِطَاحِ مِنْ أَرْضِ بَنِي تَمِيمٍ بَعْدَ قَتْلِ مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ لِيَنْظُرَ أَمْرَ أَبِي بَكْرٍ ﵁.
وَجَعَلَ مُسَيْلِمَةُ بْنُ حَبِيبٍ الْكَذَّابُ [٧] يَعْلُو أَمْرُهُ بِالْيَمَامَةِ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وَيَقُولُ لِقَوْمِهِ: (يَا بَنِي حَنِيفَةَ، أُرِيدُ أَنْ تُخْبِرُونِي بِمَاذَا صَارَتْ قُرَيْشٌ أَحَقَّ بِالنُّبُوَّةِ وَالإِمَامَةِ مِنْكُمْ، وَاللَّهِ مَا هُمْ بِأَكْثَرَ مِنْكُمْ وَأَنْجَدَ [٨]، وَإِنَّ بِلادَكُمْ لأَوْسَعُ مِنْ بِلادِهِمْ، وَأَمْوَالَكُمْ أَكْثَرُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ لَيَأْتِينِي فِي كُلِّ يَوْمٍ بِالَّذِي أُرِيدُهُ مِنَ الأُمُورِ، ينزل علي كما كان يَنْزِلُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ.
وَبَعْدُ، هَذَا الرَّجَّالُ بْنُ نَهْشَلٍ [٩]، وَمُحْكَمُ بن الطفيل [١٠]، وهما من سادات أهل
_________________
(١) في الأصل: (هوا خالد) .
(٢) في الأصل: (ليلتنا ما علمه) وهو تحريف. في وفيات الأعيان: (فمن لليتامى والأرامل بعده)، (ومن للرجال المعدمين) .
(٣) في الأصل: (أصبت على ) وبعدها بياض، والتصويب والتكملة من وفيات الأعيان.
(٤) وفيات الأعيان: (تحت الحوارك) .
(٥) بياض في الأصل بقدر نصف سطر.
(٦) تكملة يقتضيها السياق.
(٧) مرت ترجمة مسيلمة، وانظر خبره في الطبري ٣/ ٢٨١- ٣٠١.
(٨) أنجد: أكثر نجدة وشجاعة.
(٩) الرجال بن نهشل: وقيل رجّال بن عنفوة الحنفي، قدم على النبي ﵌ في وفد بني حنيفة، وكانوا بضعة عشر رجلا فأسلموا، ولكنه ارتد وقتل على الكفر، وقالوا: افتتن وشهد لمسيلمة أن رسول الله ﵌ أشركه في الأمر، وكان الرجال يقول: كبشان انتطحا فأحبهما إلينا كبشنا. (الطبري ٣/ ٢٨٧- ٢٨٩، الإصابة ٢/ ٥٤٠، والاستيعاب ٢/ ٥٥١- ٥٥٢) .
(١٠) محكم بن الطفيل: من أعوان مسيلمة وفرسانه وممن شهد له أن النبي ﵌ أشركه في
[ ١٠٨ ]
الْيَمَامَةِ، وَهُمَا يَشْهَدَانِ لِي أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَدْ أَشْرَكَنِي فِي نُبُوَّتِهِ مِنْ قَبْلِ وَفَاتِهِ) .
قَالَ: فَأَقْبَلَ قَوْمٌ مِنْ أَشْرَافِ بَنِي حَنِيفَةَ إِلَى الرَّجَّالِ بْنِ نَهْشَلٍ وَمُحْكَمِ بْنِ الطُّفَيْلِ فَقَالُوا لَهُمَا: (إِنَّ مُسَيْلِمَةَ بْنَ حَبِيبٍ قَدِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا مُنْذُ كَذَا وَكَذَا، وَيَزْعُمُ لَنَا أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَدْ أَشْرَكَهُ فِي النُّبُوَّةِ قَبْلَ وَفَاتِهِ وَأَنْتُمَا شَاهِدَانِ، مَا مَعَكُمَا وَأَنْتُمَا شَيْخَانِ صَادِقَانِ، فَمَا الَّذِي عِنْدَكُمَا) . قَالَ الرَّجَّالُ بْنُ نَهْشَلٍ: (لَقَدْ صَدَقَ مُسَيْلِمَةُ فِي قَوْلِهِ، أَنَا أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَدْ أَشْرَكَهُ فِي نُبُوَّتَهِ قَبْلَ وَفَاتِهِ)، وَقَالَ مُحْكَمُ بن الطفيل: (وأنا أشهد بذلك) .
قال: فعندها تَسَارَعَ النَّاسُ إِلَى مُسَيْلِمَةَ، وَآمَنُوا بِنُبُوَّتِهِ إِلا الْقَلِيلَ مِنْهُمْ، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ [١] مِنْ مُؤْمِنِي أَهْلِ اليمامة يقول [٢]:
_________________
(١) [()] الأمر، كان من سادات أهل اليمامة يلقب بمحكم اليمامة، قتل مع مسيلمة في حديقة الموت، رماه عبد الرحمن بن أبي بكر بسهم وهو قائم يخطب في بني حنيفة يحرضهم على الصبر والقتال. (الطبري ٣/ ٨٨- ٩٥، الكامل في التاريخ ٢/ ٢٦٥- ٢٦٧، البداية والنهاية ٦/ ٣٤١، الاكتفاء ص ٨٥، ١١٤، كتاب الفتوح ١/ ٣١- ٣٧) .
(٢) الشاعر هو ابن عمرو اليشكري، كما في الاكتفاء ص ٧٦، وتنسب لغيره منهم: حنيف بن عمير اليشكري (معجم الشعراء ص ٢٤٣ والحماسة البصرية ٢/ ٧٧ والإصابة ٢/ ١٨٤)، ويزيد بن المهلب (البيان والتبيين ٣/ ٢٦٠)، وإبراهيم بن العباس (أمالي المرتضى ١/ ٤٨٦) .
(٣) الأبيات مع بيت آخر في: الاكتفاء ص ٧٨- ٧٩. والأبيات: ١، ٢، ٥، ٦، ٨ في الإصابة ٢/ ١٨٥ لحنيف بن عمير اليشكري، وخزانة الأدب ٢/ ٥٤١ ط بولاق، ومن الضائع من معجم الشعراء ص ٤٩. والأبيات: ١، ٣، ٥، ٩ في الإصابة ٥/ ١٦١ لعمير بن ضابئ اليشكري، وقطع من كتاب الردة ص ١٦- ١٧. والبيت الثامن: في كتاب سيبويه ٢/ ١٠٩، ٣١٥، والبيان والتبيين ٣/ ٢٩٠، والحيوان ٣/ ٤٩، والممتع في صنعة الشعر ص ٣٣٦، وجمهرة اللغة ٢/ ٨٢ وأساس البلاغة ١/ ٤٦٧، ومعجم الشعراء ص ٢٤٣، وأمالي المرتضى ١/ ٤٨٦، والصحاح واللسان والتاج (فرج) لأمية بن أبي الصلت، وروى في كتب كثيرة أخرى لأن البيت من الشواهد النحوية وأبيات الحكمة.
[ ١٠٩ ]
(مِنَ الْخَفِيفِ)
١- يَا سُعَادَ الْفُؤَادِ بِنْتَ أُثَالٍ طَالَ لَيْلِي لِفِتْنَةِ الرِّجَالِ [١]
٢- إِنَّهَا يَا سُعَادُ مِنْ حَدَثِ الدَّهْ- رِ عَلَيْكُمْ كَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ
[١٨ ب] ٣- فِتَنُ الْقَوْمِ بِالشَّهَادَةِ وَاللَّ- هُـ عَزِيزٌ ذُو قُوَّةٍ وَمَعَالِي [٢]
٤- لا يُسَاوِي الَّذِي يَقُولُ مِنَ الأَمْ- رِ فَتِيلا وَإِنَّهُ ذُو ضَلالٍ
٥- إِنَّ دِينِي دِينُ الْوَفِيِّ وَفِي الْقَوْ مِ رِجَالٌ عَلَى الْهُدَى أَمْثَالِي [٣]
٦- أَهْلَكَ الْقَوْمَ مُحْكَمُ بْنُ طُفَيْلٍ وَرِجَالٌ لَيْسُوا لَنَا بِرِجَالِ
٧- بَزَّهُمْ أَمْرَهُمْ مُسَيْلِمَةُ الْيَوْمَ فَلَنْ يَرْجِعُوا بِإِحْدَى اللَّيَالِي [٤]
٨- رُبَمَا تَجْزَعُ النُّفُوسُ مِنَ الأَمْ- رِ لَهُ فُرْجَةٌ كَحَلِّ الْعِقَالِ [٥]
٩- إِنْ تَكُنْ مُنْيَتِي [٦] عَلَى فِطْرَةِ اللّ- هـ حنيفا [٧] فإنّني لا أبالي
_________________
(١) الإصابة ٢/ ١٨٥: (يا سواد) (بفتنة الرجّال)، وفي الإصابة ٥/ ١٦١: (يا سعاد.. لفتنة الرجال) . الخزانة: (بفتنة الرحال) بالحاء المهملة. وسعاد هذه: هي سعاد بنت أثال بن النعمان الحنفي من أعوان مسيلمة في الردة (الإصابة ١/ ٣٠) .
(٢) الإصابة: (ذو قوة ومحال) .
(٣) الإصابة والخزانة والضائع من معجم الشعراء: (إن دين الرسول ديني) وفي الإصابة ٥/ ١٦١: (إن ديني دين النبي) .
(٤) في الأصل: (برهم) والناسخ قد لا يعجم بعض الكلمات، وبزهم: غلبهم وغصبهم. بعد هذا البيت في الاكتفاء: قلت للنفس إذ تعاظمها الصبر وساءت مقالة الأقوال
(٥) في الأصل: (ولها فرحة) ويختل بها الوزن والمعنى. الإصابة: (له فرجة)، كتاب سيبويه وأساس البلاغة والحماسة البصرية وأمالي المرتضى واللسان والتاج والخزانة: (ربما تكره النفوس) .
(٦) تخفف شدة (منيتي) لضرورة الوزن.
(٧) في الأصل: (وإنني)، والوجه بالفاء. الحنيف: المسلم الذي يتحنف عن الأديان ويميل إلى الحق، وسمي حنيفا لعدوله عن الشرك. (اللسان: حنف) .
[ ١١٠ ]
قَالَ: فَبَلَغَ مُسَيْلِمَةَ هَذِهِ الأَبْيَاتُ، فَهَمَّ بِقَتْلِ قَائِلِهَا، فَهَرَبَ حَتَّى لَحِقَ بِأَبِي بَكْرٍ ﵁.
قَالَ: وَظَهَرَ أَمْرُ مُسَيْلِمَةَ بِالْيَمَامَةِ، وَانْتَشَرَ ذِكْرُهُ فِي النَّاسِ، وَسَمِعَتْ بِهِ سَجَاحُ بِنْتُ الْمُنْذِرِ [١]، وَقَدْ كَانَتِ ادَّعَتِ النُّبُوَّةَ وَتَبِعَهَا رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهَا: غَيْلانُ بْنُ خَرْشَنَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ الأَهْتَمِ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ. قَالَ: وَكَانَ لَهَا مُؤَذِّنٌ يُؤَذِّنُ لَهَا وَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّ سَجَاحَ نَبِيَّةُ اللَّهِ.
قَالَ فَسَارَتْ سَجَاحُ [٢] هَذِهِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، فَسَلَّمَتْ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ، وَقَالَتْ: (إِنَّهُ بَلَغَنِي أَمْرُكَ، وَسَمِعْتُ بِنُبُوَّتِكَ، وَقَدْ أَقْبَلْتُ إِلَيْكَ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ بِكَ. وَلَكِنْ أَخْبِرْنِي مَا الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ. فقال المسيلمة: أُنْزِلَ عَلَيَّ مِنْ رَبِّي: «لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ، ٩٠: ١ وَلا تَبْرَحْ هَذَا الْبَلَدَ، حَتَّى تَكُونَ ذَا مَالٍ وَوَلَدٍ، وَوَفْرٍ وَصَفَدٍ، وَخَيْلٍ وَعَدَدٍ، إِلَى آخِرِ الأَبَدِ، عَلَى رَغْمٍ مِنْ حَسَدٍ» . قَالَ: فَقَالَتْ سَجَاحُ: (إِنَّكَ نَبِيٌّ حَقًّا وَقَدْ رَضِيتُ بِكَ، وَزَوَّجْتُكَ نَفْسِي، وَلَكِنْ أُرِيدُ أَنْ تَجْعَلَ لِي صَدَاقًا يُشْبِهُنِي) . قَالَ مُسَيْلِمَةُ: (فَإِنِّي قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ)، ثُمَّ دَعَا بِمُؤَذِّنِهِ فَقَالَ:
(نَادِ [٣] فِي قَوْمِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ: أَلا إِنَّ نَبِيَّكُمْ مُسَيْلِمَةَ قَدْ رَفَعَ عَنْكُمْ صَلاتَيْنِ مِنَ الْخَمْسِ الَّتِي جَاءَ بِهَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَهِيَ صَلاةُ الْفَجْرِ وَصَلاةُ الْعِشَاءِ الأَخِيرَةِ) . فَقَالَتْ سَجَاحُ: (أَشْهَدُ لَقَدْ جِئْتَ بِالصَّوَابِ) .
قَالَ: وَلِمُسَيْلِمَةَ عِنْدَ مُوَاقَعَتِهَا كَلامٌ قَبِيحٌ لا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، وَهَذَا كلامه لها [٤]:
_________________
(١) سجاح بنت المنذر: مرت ترجمتها، وفي الطبري ٣/ ٢٣٦: سجاح بنت الحارث بن سويد، وفي جمهرة النسب ص ٢٢٦: سجاح بنت أوس بن حريز بن أسامة بن العنبر بن يربوع.
(٢) تكرر في الأصل رسم (شجاح) بالشين المعجمة.
(٣) في الأصل: (نادى) .
(٤) الأبيات أربعة في الطبري ٣/ ٢٧٣، والكامل في التاريخ ٢/ ٣٥٦، نهاية الأرب ١٩/ ٣٢٩. والأبيات: ١، ٢، ٣ في الأوائل- العسكري ٢/ ١٧٤، والأغاني ٢١/ ٣٤ (مع بيت آخر)، وثمار القلوب ص ٣١٥، والدرّة الفاخرة ١/ ٣٢٥، ومحاضرات الأدباء ٤/ ٤٣١، والمستقصى ١/ ٢٩، وجمهرة اللغة ٣/ ٤١، ٨٣، والتاج (خدع) .
[ ١١١ ]
(مِنَ الْهَزَجِ)
١- أَلا قُومِي إِلَى الْمَخْدَعْ فَقَدْ هُيِّئْ لَكِ الْمَضْجَعْ [١]
٢- وَإِنْ شِئْتِ [٢] سَلَقْنَاكِ [٣] وَإِنْ شِئْتِ عَلَى أَرْبَعْ
٣- وَإِنْ شِئْتِ بِتَثْلِيثِ [٤] وَإِنْ شِئْتِ بِهِ أَجْمَعْ
فَقَالَتْ سَجَاحُ: (قَدْ شِئْتُ بِهِ أَجْمَعَ، فَهُوَ أَجْمَعُ لِلشَّمْلِ، وَأَجْدَرُ أَنْ يَنْفَعَ) .
قَالَ: فَضَجَّ الْمُسْلِمُونَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، وَقَالُوا: (يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ الله ﵌، أَلا تَسْمَعُ إِلَى مَا قَدِ انْتَشَرَ مِنْ ذِكْرِ هَذَا الْمَلْعُونِ الْكَذَّابِ بِأَرْضِ الْيَمَامَةِ)، قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: (لا تَعْجَلُوا فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ ﵎ قَدْ أَذِنَ بِهَلاكِهِ) .
قَالَ: ثُمَّ كَتَبَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُقِيمٌ فِي الْبِطَاحِ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ عَبْدِ الله بن عثمان، خليفة [١٩ أ] رسول الله ﵌ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَمَنْ مَعَهُ/ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالتَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ، أَمَّا بَعْدُ، يَا خَالِدُ، فَإِنِّي قَدْ أَمَرْتُكَ بِالْجِدِّ فِي أَمْرِ اللَّهِ، وَالْمُجَاهَدَةِ لِمَنْ تَوَلَّى عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ وَرَجَعَ عَنْ دِينِ الإِسْلامِ وَالْهُدَى، إِلَى الضَّلالَةِ وَالرَّدَى، وَعَهْدِي إِلَيْكَ يَا خَالِدُ أَنْ تَتَّقِيَ اللَّهَ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَعَلَيْكَ بالرفق والتأني،
_________________
(١) الطبري والأغاني: (ألا قومي إلى النيك) . محاضرات الأدباء: (إلى المهجع) . وبعده في الطبري والأغاني وبقية المصادر: وإن شئت ففي البيت وإن شئت ففي المخدع
(٢) في الأصل: (وإن شئتي) وكذلك الكلمات المكررة بعدها.
(٣) في الأصل: (سنلقاك) تحريفا، والصواب ما أثبتناه كما هو في مصادر التخريج. المختصر في أخبار البشر وجمهرة اللغة ٣/ ٨٤: (صلقناك) أي سلقناك. الجمهرة ٣/ ٤١ ومحاضرات الأدباء: (علقناك) .
(٤) في بقية المصادر: (وإن شئت بثلثيه) .
[ ١١٢ ]
وَسِرْ نَحْوَ بَنِي حَنِيفَةَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، وَاعْلَمْ بِأَنَّكَ لَمْ تَلْقَ قَوْمًا قَطُّ يُشْبِهُونَ بَنِي حَنِيفَةَ فِي الْبَأْسِ وَالشِّدَّةِ، فَإِذَا قَدِمْتَ عَلَيْهِمْ فَلا تَبْدَأْهُمْ بِقِتَالٍ حَتَّى تَدْعُوهُمْ إِلَى دَاعِيَةِ الإِسْلامِ، وَاحْرِصْ عَلَى صَلاحِهِمْ، فَمَنْ أَجَابَكَ مِنْهُمْ فَاقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَمَنْ أَبَى فَاسْتَعْمِلْ فِيهِ السَّيْفَ، وَاعْلَمْ يَا خَالِدُ فَإِنَّكَ إِنَّمَا تُقَاتِلُ قَوْمًا كُفَّارًا باللَّه وَبِالرَّسُولِ مُحَمَّدٍ ﵌، فَإِذَا عَزَمْتَ عَلَى الْحَرْبِ فَبَاشِرْهَا بِنَفْسِكَ وَلا تَتَّكِلْ عَلَى غَيْرِكَ، وَصُفَّ صُفُوفَكَ وَاحْكُمْ تَعْبِيَتَكَ وَاحْزِمْ عَلَى أَمْرِكَ، وَاجْعَلْ عَلَى مَيْمَنَتِكَ رَجُلا تَرْضَاهُ، وَعَلَى مَيْسَرَتِكَ مِثْلَهُ، وَاجْعَلْ عَلَى خَيْلِكَ رَجُلا عَالِمًا صَابِرًا، وَاسْتَشِرْ مَنْ مَعَكَ مِنْ أَكَابِرِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ مُوَفِّقُكَ بِمَشُورَتِهِمْ، وَاعْرِفْ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ حَقَّهُمْ وَفَضْلَهُمْ، وَلا تَكْسَلْ وَلا تَفْشَلْ، وَأَعِدَّ السَّيْفَ لِلسَّيْفِ، وَالرُّمْحَ لِلرُّمْحِ، وَالسَّهْمَ لِلسَّهْمِ، وَاسْتَوْصِ بِمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، وَلَيِّنِ الْكَلامَ وَأَحْسِنِ الصُّحْبَةَ وَاحْفَظْ وَصِيَّةَ نبيك محمد ﵌ فِي الأَنْصَارِ خَاصَّةً، وَأَنْ تُحْسِنَ إِلَى مُحْسِنِهِمْ وَتَتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَقُلْ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا باللَّه» .
قَالَ: فَلَمَّا وَرَدَ الْكِتَابُ عَلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، جَمَعَ أَصْحَابَهُ ثُمَّ أَقْرَأَهُمُ الْكِتَابَ، وَقَالَ: (مَا الَّذِي تَرَوْنَ مِنَ الرَّأْيِ)، فَقَالُوا: (الرَّأْيُ رَأْيُكَ، وَلَيْسَ فِينَا أَحَدٌ يُخَالِفُكَ)، قَالَ: فَعِنْدَهَا عَزَمَ خَالِدٌ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ وَأَصْحَابِهِ.
وَكَتَبَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ إِلَى مُحْكَمِ بْنِ الطُّفَيْلِ وَزِيرِ مُسَيْلِمَةَ بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ [١]:
(مِنَ الْبَسِيطِ)
١- يَا مُحْكَمُ بْنَ طُفَيْلٍ [٢] قَدْ نَصَحْتُ لَكُمْ أَتَاكُمُ اللَّيْثُ لَيْثُ الحضر والبادي
_________________
(١) ليست في ديوان حسان، وجاء البيت الثاني من زيادات المحقق نقلا عن الروض الأنف ١/ ٨٦، انظر ديوان حسان بتحقيق وليد عرفات ص ٤٦٨. الأبيات غير الأول والأخير في الاكتفاء ص ٨٦- ٨٧. والبيت الثاني: في الروض الأنف ١/ ٨٦.
(٢) في الأصل: (محكم بن الطفيل) وكذلك في البيتين بعده، ولا يستقيم الوزن بألف التعريف.
[ ١١٣ ]
٢- يَا مُحْكَمُ بْنَ طُفَيْلٍ قَدْ أُتِيحَ لَكُمْ للَّه دَرُّ أَبِيكُمْ حَيَّةِ الْوَادِي [١]
٣- يَا مُحْكَمُ بْنَ طُفَيْلٍ إِنَّكُمْ نَفَرٌ كَالشَّاءِ أَسْلَمَهَا الرَّاعِي لآسَادِ
٤- مَا فِي مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ مِنْ عِوَضٍ مِنْ دَارِ قَوْمٍ وَأَمْوَالٍ [٢] وَأَوْلادِ
٥- فَاكْفُفْ حَنِيفَةُ عَنْهُمْ قَبْلَ نَاعِيَةٍ [٣] تَنْعَى فَوَارِسَ حَرْبٍ شَجْوُهَا بَادِ
٦- وَيْلُ الْيَمَامَةِ [٤] وَيْلٌ لا قَوَامَ لَهُ إِنْ حَالَتِ الْخَيْلُ فِيهَا بِالْقَنَا الصَّادِي [٥]
٧- وَاللَّهِ وَاللَّهِ لا تُثْنَى أَعِنَّتُهَا [٦] حَتَّى تَكُونُوا كَأَهْلِ الْحِجْرِ أَوْ عَادِ [٧]
٨- لا تَأْمَنُوا خَالِدًا بِالْبَرْدِ مُلْتَثِمًا [٨] وَسْطَ الْعَجَاجَةِ مِثْلَ الضَّيْغَمِ الْعَادِي
٩- تَعْدُو بِه سَرِحَ [٩] الرِّجْلَيْنِ طَاوِيَةٌ قُبٌّ مُشَرَّفَةُ الْمَتْنَيْنِ والهادي
[١٩ ب] قَالَ: فَلَمَّا وَصَلَ هَذَا الشِّعْرُ إِلَى مُحْكَمِ بْنِ الطُّفَيْلِ وَزِيرِ مُسَيْلِمَةَ/ قَرَأَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى وُجُوهِ الْيَمَامَةِ فَجَمَعَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: (يَا بَنِي حَنِيفَةَ، هَذَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَدْ سَارَ إِلَيْكُمْ فِي جَمْعِ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّكُمْ تَلْقَوْنَ غَدًا قَوْمًا يَبْذُلُونَ أَنْفُسَهُمْ دُونَ صَاحِبِهِمْ، فَابْذُلُوا أَنْفُسَكُمْ دُونَ صَاحِبِكُمْ) . قَالَ: فَقَالَتْ بَنُو حَنِيفَةَ: (سَيَعْلَمُ خَالِدٌ غَدًا إِذَا نَحْنُ الْتَقَيْنَا بِخِلافِ مَنْ لَقِيَ مِنَ الْعَرَبِ)، فَقَالَ مُحْكَمُ بْنُ الطُّفَيْلِ:
(فَهَذَا الَّذِي أُرِيدُ مِنْكُمْ)، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى خالد بن الوليد بهذه الأبيات:
_________________
(١) السهيلي: يقال: (فلان حية الوادي) إذا كان مهيبا يذعر منه، قال حسان: (وذكر البيت)، يعني بحية الوادي خالد بن الوليد.
(٢) الاكتفاء: (وإخوان وأولاد) .
(٣) الاكتفاء: (قبل نائحة فوارس شاج شجوها باد) .
(٤) في الأصل: (ويل اللامامة) .
(٥) في الأصل: (الصاد) .
(٦) في الاكتفاء: (والله لا تنثني عنكم أعنتها) .
(٧) الحجر: بلد بين الشام والحجاز، وهو ديار ثمود قوم النبي صالح ﵇. (معجم ما استعجم ٢/ ٤٢٦) (واللسان: حجر) . عاد: قوم النبي هود ﵇.
(٨) الاكتفاء: (بالبرد معتجرا) (تحت العجاجة مثل الأغضف) .
(٩) في الأصل: (يعدو به سرحتي الرجلين) وهو تحريف، والسرح: السريعة السهلة المشي.
[ ١١٤ ]
(من المتقارب)
١- (أيا) [١] ابن الوليد ويا خالد ويا أيّها الأَسَدُ اللابِدُ
٢- لَرُبَّ أُنَاسٍ قَدْ أَفْنَيْتَهُمْ وَأَنْتَ إِلَى مِثْلِهَا عَائِدُ
٣- وَرُبَّ أُنَاسٍ لَهُمْ سَوْرَةٌ [٢] قَصَدْتَ وَأَنْتَ لَهُمْ عَائِدُ
٤- فَأَنْتَ تَدُلُّ عَلَى حَرْبِهِ وَأَنْتَ عَلَى فِعْلِهِمْ حَاقِدُ
٥- وَأَمَّا الْيَمَامَةُ فَاشْدُدْ لَهَا حَيَازِمَكَ [٣] الْيَوْمَ يَا خَالِدُ
٦- سَتَلْقَى الْيَمَامَةَ مَمْنُوعَةً بِصُمِّ الْقَنَا عِزُّهَا تَالِدُ
٧- وَبِيضُ السُّيُوفِ بِأَيْدِي الرِّجَالِ يَحِنُّ لَهَا الْكَفُّ وَالسَّاعِدُ
٨- وَهَامٌ يَطِيرُ بِأَقْفَائِهَا وَشُدَّ عَلَيْكَ لَهُمْ وَاحِدُ
٩- فَإِنْ تَلْقَهُمْ تَلْقَهُمْ مَعْشَرًا مَتَى يَنْزِلُوا بِكَ يَسْتَأْسِدُوا [٤]
١٠- إِذَا مَا قَضَى الْقَوْمُ حَقَّ الرِّمَاحِ وَقَالُوا الطِّعَانُ بِهَا جَالَدُوا [٥]
١١- فَإِنْ أَنْتَ قَارَبْتَهُمْ قَارَبُوا وَإِنْ أَنْتَ بَاعَدْتَهُمْ بَاعَدُوا
١٢- بِهِ يَأْمَنُ الْقَوْمُ أَمْوَالَهُمْ كَمَا أَمِنَ الْجَدُّ وَالْوَالِدُ
قَالَ: فأجابه حسان بن ثابت الأنصاري يقول [٦]:
_________________
(١) زيادة يقتضيها الوزن.
(٢) في الأصل: (صورة) وهو تحريف، والسورة: الشدة والقوة.
(٣) الحيازم: جمع حزيم وهو موضع الحزام من الصدر والظهر كله ما استدار، يقال: قد شد حزيمه، وأنشد: شيخ إذا حمل مكروهة شد الحيازيم لها والحزيما وقول علي بن أبي طالب: أشدد حيازيمك للموت فإن الموت لاقيكا وهو كناية عن التشمر للأمر والاستعداد له.
(٤) في الأصل: (يستأسد) .
(٥) في الأصل: (جالد) .
(٦) ليست القطعة في ديوانه.
[ ١١٥ ]
(مِنَ الْمُتَقَارِبِ)
١- حَنِيفَةُ قَدْ كَادَكَ الْكَائِدُ وَبَعْدَ غَدٍ جَمْعُهُمْ هَامِدُ
٢- فَوَيْلُ الْيَمَامَةِ وَيْلٌ لَهَا إِذَا مَا أَنَاخَ بِهِمْ خَالِدُ
٣- فَلا تَأْمَنُوهُ عَلَى غِرَّةٍ وَهَلْ يُؤْمَنُ الأَسَدُ اللابِدُ
٤- هُوَ الْقَاتِلُ الْقَوْمَ يَوْمَ الْبُزَاخِ [١] وَقَدْ طَاعَنُوهُ وَقَدْ جَالَدُوا
٥- وَأَوْطَا بَنِي [٢] أَسَدٍ ذِلَّةً وَذُبْيَانُ أَوْطَا [٣] وَقَدْ عَانَدُوا
٦- فَوَلَّى طُلَيْحَتُهُمْ هَارِبًا وَمَا مِثْلُهُ مِنْكُمْ وَاحِدُ
٧- وَقَادَ عُيَيْنَةُ [٤] فِي غِلِّهِ فَسُبَّ بِهِ الْجَدُّ وَالْوَالِدُ
٨- وَأَمْكَنَهُ اللَّهُ مِنْ قُرَّةَ [٥] وَمَالِكٍ إِذْ [٦] كُفْرُهُ تَالِدُ
٩- وَأَنْتُمْ غَدًا مِثْلُهُ بِهَلَّةٍ [٧] يُعْنَى بِهَا الصَّادِرُ وَالْوَارِدُ
قَالَ: وَبَلَغَ بَنِي حَنِيفَةَ أَنَّ خَالِدًا قَدْ سَارَ إِلَيْهِمْ فِي الْحَدِّ وَالْحَدِيدِ، وَالْخَيْلِ وَالْجُنُودِ، فَاجْتَمَعُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَكَابِرِهِمْ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أثال [٨]، وكان ذا
_________________
(١) يوم البزاخ: يريد يوم بزاخة حيث أوقع خالد بأسد وغطفان الذين تابعوا طليحة، راجع الترجمة فيما مضى.
(٢) في الأصل: (بنو أسد) .
(٣) في الأصل: (أوطى) .
(٤) هو عيينة بن حصن الفزاري، مرت ترجمته.
(٥) هو قرة بن هبيرة، مرت ترجمته.
(٦) توصل همزة (إذ) لإقامة الوزن، ومالك: هو مالك بن نويرة، مرت ترجمته.
(٧) بهلة: إبل سارحة مهملة دون راع، والناقة غير المصرورة يحلبها من شاء، وأبهل الوالي رعيته واستبهلها: إذا أهملها، ومنه قول النابغة في بني شيبان: وشيبان حيث استبهلتها البواهل أي أهملها ملوك الحيرة لأنهم كانوا نازلين على ساحل الفرات لا يصل إليهم السلطان يفعلون ما شاءوا (اللسان: بهل) .
(٨) ثمامة بن أثال الحنفي: صحابي من الفرسان الشعراء، أسلم وخرج معتمرا، فلما كان ببطن مكة لبى فكان أول من دخل مكة ملبيا، ولما كانت الردة وارتد قومه ثبت على
[ ١١٦ ]
عَقْلٍ وَفَهْمٍ وَرَأْيٍ، وَكَانَ مُخَالِفًا لِمُسَيْلِمَةَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَقَالُوا: (يَا أَبَا عَامِرٍ، إِنَّهُ قَدْ سَارَ هَذَا الرَّجُلُ إِلَى مَا قَبْلَنَا يُرِيدُ قَتْلَنَا وَبَوَارَنَا وَاسْتِئْصَالَنَا عَنْ جَدِيدِ الأَرْضِ، فَهَذَا مُسَيْلِمَةُ بْنُ حَبِيبٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَقَدِ ادَّعَى مَا قَدْ عَلِمْتَ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَهَاتِ الَّذِي عِنْدَكَ مِنَ الرَّأْيِ) . قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ ثُمَامَةُ: (وَيْحُكُمْ يَا بَنِي حَنِيفَةَ، اسْمَعُوا قَوْلِي تَهْتَدُوا وَأَطِيعُوا/ أَمْرِي تَرْشُدُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ محمد بن عبد الله نبي [٢٠ أ] مُرْسَلٌ [١] لا شَكَّ فِي نُبُوَّتِهِ، وَهَذَا مُسَيْلِمَةُ رَجُلٌ كَذَّابٌ، فَلا تَغْتَرُّوا بِهِ وَلا بِقَوْلِهِ وَكَذِبِهِ، فَإِنَّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمُ الْقُرْآنَ الَّذِي أَتَى به محمد ﵌ عَنْ رَبِّهِ إِذْ يَقُولُ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، حم، تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ٤٠: ٠- ٣ [٢]، فَأَيْنَ هَذَا الْكَلامُ مِنْ كَلامِ مُسَيْلِمَةَ، فَانْظُرُوا فِي أُمُورِكُمْ وَلا يَذْهَبَنَّ هَذَا عَنْكُمْ، أَلا وَإِنِّي خَارِجٌ إِلَى ابْنِ الْوَلِيدِ فِي لَيْلَتِي هَذِهِ، وَطَالِبٌ مِنْهُ الأَمَانَ عَلَى نَفْسِي وَمَالِي وَأَهْلِي وَوَلَدِي) . فَقَالَ الْقَوْمُ: (نَحْنُ مَعَكَ يَا أَبَا عَامِرٍ [٣]، فَكُنْ مِنْ ذَلِكَ عَلَى عِلْمٍ) .
ثُمَّ خَرَجَ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فِي نَفَرٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، حَتَّى صَارَ إِلَى خَالِدٍ فَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ، فَأَمَّنَهُ خَالِدٌ وَأَمَّنَ أَصْحَابَهُ. قَالَ: وَكَتَبَ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ بهذه الأبيات [٤] إلى مسيلمة [٥]:
_________________
(١) [()] الإسلام ونهى قومه عن اتباع مسيلمة، ثم فارقهم والتحق بخالد بن الوليد ثم خرج مع العلاء بن الحضرمي لقتال المرتدين في البحرين، وقتل بعد ذلك سنة ١٢ هـ-. (الإصابة ١/ ٤١٠- ٤١٢ الاستيعاب ١/ ٢١٣ السيرة النبوية ٢/ ٦٣٨ تاريخ دمشق ٦/ ١٧٠ الأعلام ٢/ ١٠٠) .
(٢) في الأصل: (نبيا مرسلا) .
(٣) [غافر ١- ٣]
(٤) في الأصل: (يا أبا سليمان عامر) والصواب: يا أبا عامر، كما مر في الصفحة السابقة.
(٥) قوله: (بهذه الأبيات) خرجة من الحاشية.
(٦) الأبيات غير الأخير في الاكتفاء ص ٩٠.
[ ١١٧ ]
(مِنَ الْمُتَقَارِبِ)
١- مُسَيْلِمَةُ ارْجِعْ وَلا تَمْحَكْ [١] فَإِنَّكَ فِي الأَمْرِ لَمْ تُشْرَكْ
٢- كَذَبْتَ عَلَى اللَّهِ فِي وَحْيِهِ وَكَانَ هَوَاكَ هَوَى الأَنْوَكْ [٢]
٣- وَمَنَّاكَ قَوْمُكَ أَنْ يَمْنَعُو كَ وَإِنْ يَأْتِهِمْ خَالِدٌ تُتْرَكْ
٤- فَمَا لَكَ فِي الْجَوِّ مِنْ مَصْعَدٍ وَمَا لَكَ فِي الأَرْضِ مِنْ مَسْلَكْ [٣]
٥- سَحَبْتَ الذُّيُولَ إِلَى سَوْأَةٍ عَلَى مَنْ يَقُلْ مِثْلَهُ يُهْلَكْ
قَالَ: وَسَارَ خَالِدٌ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، حَتَّى إِذَا تَقَارَبَ مِنْ أَرْضِ الْيَمَامَةِ نَزَلَ إِلَى جَنْبِ وَادٍ مِنْ أَوْدِيَتِهَا، ثُمَّ بَعَثَ بِجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يَزِيدُونَ عَلَى مِائَتَيْ فَارِسٍ، وَقَالَ لَهُمْ: (سِيرُوا فِي هَذِهِ الْبِلادِ فَأْتُونِي بِكُلِّ مَنْ قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ) . فَسَارُوا فَإِذَا هُمْ بِرَجُلٍ مِنْ أَشْرَافِ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ مُجَّاعَةُ بْنُ مُرَارَةَ [٤] وَمَعَهُ ثَلاثَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلا مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ. قَالَ: فَدَنَا منهم المسلمون،
_________________
(١) في الأصل: (ولا تدعى) والتصويب من الاكتفاء، تمحك: من المحك وهو اللجاجة وسوء الخلق (القاموس: محك) . وقوله: (فإنك في الأمر لم تشرك) إشارة إلى زعم مسيلمة أنه أشرك في النبوة مع النبي محمد ﵌، وكان قد كتب مسيلمة إلى الرسول ﵌ سنة عشر من الهجرة: (من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله سلام عليك، أما بعد فإني قد أشركت في الأمر معك، وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشا قوم يعتدون) السيرة النبوية ٢/ ٦٠٠) .
(٢) في الأصل: (الأوتد) والتصويب من الاكتفاء، والنوك: الحمق.
(٣) في الاكتفاء: (فما لك من مصعد في السما ء ولا لك في الأرض من مسلك)
(٤) مجاعة بن مرارة بن سلمى الحنفي اليمامي، صحابي كان بليغا حكيما من رؤساء قومه، أقطعه النبي ﵌ أرضا في اليمامة، أسره خالد يوم اليمامة واستبقاه، وتزوج خالد ابنته، وكان مجاعة شاعرا عاش إلى عهد معاوية وتوفي سنة ٤٥ هـ-. (الإصابة ٥/ ٧٦٨- ٧٧٠، تهذيب التهذيب ١٠/ ٣٩، معجم الشعراء ص ٤٧٢، الأعلام ٥/ ٢٧٧) .
[ ١١٨ ]
قَالُوا: (مَنْ أَنْتُمْ)، قَالُوا: (نَحْنُ قَوْمٌ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ)، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: (فَلا أَنْعَمَ اللَّهُ بِكُمْ عَيْنًا يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ)، ثُمَّ أَحَاطُوا بِهِمْ فَأَخَذُوهُمْ، وَجَاءُوا بِهِمْ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، حَتَّى أَوْقَفُوهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ خَالِدٌ: (يَا بَنِي حَنِيفَةَ، مَا تَقُولُونَ فِي صَاحِبِكُمْ مُسَيْلِمَةَ)، فَقَالُوا: (نَقُولُ إِنَّهُ شَرِيكُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي نُبُوَّتِهِ) . فَقَالَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ سَارِيَةُ بْنُ عَامِرٍ [١]: (يَا أَبَا سُلَيْمَانَ، وَلَكِنِّي لا أَقُولُ ذَلِكَ)، قَالَ خَالِدٌ: (يَا مُجَّاعَةُ، مَا تَقُولُ فِيمَا يَقُولُ أَصْحَابُكَ هَؤُلاءِ)، فَقَالَ مُجَّاعَةُ: (أَقُولُ إِنِّي قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ [٢] وبها رسول الله ﵌، فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُهُ أَنا وَصَاحِبِي هَذَا سَارِيَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَلا وَاللَّهِ مَا غَيَّرْنَا وَلا بَدَّلْنَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَنَا بُدٌّ مِنْ مُدَارَاةِ مُسَيْلِمَةَ خَوْفًا عَلَى أَنْفُسِنَا وَأَمْوَالِنَا وَأَوْلادِنَا) . قَالَ: فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ:
(فَاعْتَزِلْ أَنْتَ وَصَاحِبُكَ/ هَذَا نَاحِيَةً مِنْ هَؤُلاءِ الْكُفَّارِ)، ثم قدم خالد بقية القوم [٢٠ ب] فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ صَبْرًا، ثُمَّ عَمِدَ إِلَى مُجَّاعَةَ، فَقَالَ مُجَّاعَةُ: (أَيُّهَا الأَمِيرُ، إِنِّي لَمْ أَزَلْ مُسْلِمًا، وَأَنَا الْيَوْمَ عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ أَمْسِ، وَقَدْ رَأَيْتُكَ عَجِلْتَ عَلَى هَؤُلاءِ الْقَوْمِ بِالْقَتْلِ، وَأَنَا وَاللَّهِ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِي مِنْكَ، وَلَكِنْ أَيُّهَا الأَمِيرُ إِنْ كَانَ رَجُلٌ كَذَّابٌ خَرَجَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَادَّعَى مَا ادَّعَى، فَلَيْسَ يَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَأْخُذَ الْبَرِيءَ بِأَمْرِ السَّقِيمِ، فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ٦: ١٦٤ [٣]، ثُمَّ أَنْشَأَ مُجَّاعَةُ يَقُولُ [٤]:
(مِنَ الْخَفِيفِ)
١- أَتَرَى خَالِدًا يَقْتُلُنَا الْيَوْ مَ بِذَنْبِ الأُصَيْفِرِ [٥] الْكَذَّابِ
_________________
(١) سارية بن عامر: وفي الإصابة: سارية بن عمرو الحنفي، وهو الذي قال لخالد بن الوليد يوم اليمامة: إن كان لك في أهل اليمامة حاجة فاستبق هذا، يعني مجاعة بن مرارة. (الإصابة ٣/ ٢٤٦) .
(٢) في الأصل: (أقول إلى قدمت المدينة) .
(٣) [الأنعام: ١٦٤] .
(٤) البيتان: ١، ٣ في الإصابة ٥/ ٧٦٩، وفي الإصابة ٦/ ٥٨٠ منسوبة للهيثم الحنفي، وقطع من كتاب الردة ص ١٥.
(٥) في الأصل والإصابة: (الأصفر) وهو تحريف، والأصيفر: هو مسيلمة، وكذلك جاءت
[ ١١٩ ]
٢- عِنْدَنَا الْيَوْمَ فِي مُسَيْلِمَةَ الرَّ دِّ لِتِلْكَ الْقُرَى وَطُولِ الْعِتَابِ
٣- لَمْ نَدَعْ مِلَّةَ النَّبِيِّ وَلا نَحْ- - نُ رَجَعْنَا عَنْهَا عَلَى الأَعْقَابِ [١]
٤- إِنْ يَكُنْ خَالِدٌ يُرِيدُ دِمَى الْيَوْ مَ فَمَا إِنْ أَرَادَهُ [٢] بِصَوَابِ
٥- وَلَسَفْكُ الدِّمَا [٣] أَخَفُّ عَلَيْهِ يَا لَكَ الْخَيْرُ مِنْ طَنِينِ الذُّبَابِ
٦- قُلْتُ لِلنَّفْسِ إِنْ تَعَاظَمَكِ الْمَوْ تُ فَعُدِّي مَنْ مَاتَ مِنْ أَصْحَابِي
٧- مِنْ عَدِيٍّ وَعَامِرٍ وَمَنَاةَ وَبَنِي الدُّوَلِ تِلْكُمُ أَحْبَابِي
٨- وَلَنَا أُسْوَةٌ بمن أكل الدّه- - ر [٤] وليس الرؤوس كَالأَذْنَابِ
قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ سَارِيَةُ بْنُ عَامِرٍ، فَقَالَ: (أَيُّهَا الأَمِيرُ، مَنْ خَافَ سَيْفَكَ رَجَاَ عَدْلَكَ، وَمَنْ رَجَا عَدْلَكَ، رَجَا أَمَانًا مُنَعَّمًا، وَقَدْ خِفْتُكَ وَرَجَوْتُكَ، وَأَنَا بِحَمْدِ اللَّهِ عَلَى دِينِ الإِسْلامِ مَا غَيَّرْتُ وَلا بَدَّلْتُ، فَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَسْتَقِيمَ لَكَ أَمْرُ بَنِي حَنِيفَةَ [٥] فَاسْتَبْقِنِي وَاسْتَبْقِ هَذَا الشَّيْخَ فَإِنَّهُ سَيِّدُ أهل اليمامة، ولا تؤاخذنا بِمَا كَانَ مِنْ تَخَلُّفِنَا عَنْكَ وَالسَّلامُ) .
ثُمَّ أنشأ يقول:
(من البسيط)
١- يا ابن الْوَلِيدِ لَقَدْ أَسْرَعْتَ فِي نَفَرٍ مِنْ عَامِرٍ وَعَدِيٍّ أَوْ مِنَ الدُّوَلِ
٢- فَاسْتَبْقِ مُجَّاعَةَ الْمَأْمُولِ إِنَّ لَهُ خَطْبًا عَظِيمًا وَرَأْيًا غَيْرَ مَجْهُولِ
٣- إِنْ تُعْطِهِ مِنْكَ عَهْدًا لا تَجِيشُ بِهِ [٦] تقطع به عنك عيب القال والقيل
_________________
(١) [()] صفته في الطبري حين بحث عنه بين القتلى: (فإذا رويجل أصيفر أخينس) فقال مجّاعة: هذا صاحبكم قد فرغتم منه. (الطبري ٣/ ٢٩٥) . وفي الإصابة ٦/ ٥٨٠: (بذنب الأصيغر) بالغين المعجمة.
(٢) الإصابة: (لم يدع ملة)، (رجعنا فيها) وفي موضع آخر: (رجعنا منها) .
(٣) في الأصل: (فما أراداده) وصحح ذلك في الحاشية.
(٤) في الأصل: (الدماء) ولا يستقيم بها الوزن.
(٥) أكل الدهر: كناية عن الهلاك.
(٦) في الأصل: (أن تستقيم لك أمرتي حنيفة) .
(٧) أي: تعطه عهدا ثابتا لا تهيج به ولا تثور عليه، وجاش من جيشان القدر إذا غلت وارتفعت
[ ١٢٠ ]
٤- وَيْلُ الْيَمَامَةِ وَيْلٌ لا ارْتِجَاعَ لَهُ إِنْ كَانَ مَا قُلْتُ فِيهِ غَيْرَ مَقْبُولِ
قَالَ خَالِدٌ: (فَإِنِّي قَدْ عَفَوْتُ عَنْكُمَا، وَلَكِنْ أَقِيمَا فِي عَسْكَرِي وَلا تَبْرَحَا حَتَّى أَنْظُرَ عَلَى مَا يَنْصَرِمُ أَمْرِي وَأَمْرُ بَنِي حَنِيفَةَ) . ثُمَّ أَمْرُ خَالِدٍ بِمُجَّاعَةَ [١] وَسَارِيَةَ فَأُطْلِقَا مِنْ حَدِيدِهِمَا فَأَنْشَأَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُ [٢]:
(مِنَ الْمُتَقَارَبِ)
١- بَنِي عَامِرٍ أَنْتُمُ عُصْبَةٌ لِعَالِي الْمَكَارِمِ مُتْبَاعَهْ
٢- وَقَدْ زَانَ مَجْدَكُمُ خَالِدٌ بِإِطْلاقِهِ غُلَّ مجَّاعه
٣- وَسَارِيَةٍ (ذَاكَ) [٣] قَدْ فَكَّهُ وَكَانَ رَهِينَةَ مُجَّاعَهْ
٤- بِعَضْبٍ حُسَامٍ رَقِيقِ الذُّبَابِ بكفِّ فَتًى غَيْرِ جَعْجَاعَهْ [٤]
٥- فإنَّ [٥] الْمُخَالِفَ لابْنِ الْوَلِيدِ أَذَلَّ مِنَ الْفَقْعِ في القاعة [٦]
٦- فيا ابن الْوَلِيدِ وَأَنْتَ امْرُؤٌ/ تُقَاتِلُ مَنْ شَكَّ فِي السّاعه [٢١ أ]
٧- وَمَنْ مَنَعَ الْحَقَّ مِنْ مَالِهِ وَنَفْسُكَ لِلذُّلِّ مَنَّاعَهْ
٨- وَكَفَّاكَ كَفٌّ تَضُرُّ [٧] الْعِدَى وَكَفٌّ لِمَنْ شئت نفّاعه
_________________
(١) [()] (انظر اللسان: جيش)، ولعلها: (لا تخيس) أي لا تنكث ولا تغدر.
(٢) في الأصل: (بعجاجة) تحريفا.
(٣) لم أقف على اسمه.
(٤) في الأصل: (وسارية قد فكه) والشعر ناقص، ولعله: (وسارية ذاك قد فكه)، أو: (وسارية الخير قد فكه)، وبهما يستقيم الوزن والمعنى.
(٥) الجعجاعة: الرجل الكثير الكلام ولا خير فيه، والذي يعد ولا يفعل، ومنه المثل: (أسمع جعجعة ولا أرى طحنا)، والجعجعة: صوت الرحى ونحوها. (اللسان: جعع، وانظر المثل أيضا: «جعجعة ولا أرى طحنا» في مجمع الأمثال ١/ ١٦٠) .
(٦) في الأصل: (فأنت المخالف) .
(٧) القاعة والقاع: أرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عنها الجبال والآكام والجمع قيع وقيعة وقيعان (القاموس: قاع)، والفقع: الكمأة، وفي المثل: (أذل من فقع بقاع) (الدرة الفاخرة ١/ ٢٠٣، واللسان: فقع) .
(٨) في الأصل: (نصر العدى) .
[ ١٢١ ]
٩- فَمَا لِلْيَمَامَةِ [١] مِنْ مَلْجَإٍ سِوَى السَّمْعِ للَّه وَالطَّاعَهْ
قَالَ: وَسَارَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِالْمُسْلِمِينَ حَتَّى نَزَلَ بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ عَقْرُبَاءَ [٢] مِنْ أَرْضِ الْيَمَامَةِ، فَضَرَبَ عَسْكَرَهُ هُنَاكَ، وَسَارَ مُسَيْلِمَةُ فِي جَمِيعِ بَنِي حَنِيفَةَ حَتَّى نَزَلَ حِذَاءَ خَالِدٍ، فَأَقَامُوا يَوْمَهُمْ ذَلِكَ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ وَثَبَ خَالِدٌ [٣] يُعَبِّئُ [٤] أَصْحَابَهُ، فَكَانَ عَلَى مَيْمَنَتِهِ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ [٥]، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ [٦] مَوْلَى رسول الله ﵌، وَعَلَى الْجَنَاحِ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ [٧] أَخُو أنس بن مالك.
_________________
(١) في الأصل: للإمامة) وهو تحريف اليمامة.
(٢) عقرباء: منزل من أرض اليمامة في طريق النّباج قريب من قرقرى، وهو من أعمال العرض وهو لقوم من بني عامر بن ربيعة، وخرج إليها مسيلمة لما بلغه سري خالد إلى اليمامة فنزل بها في طرف اليمامة ودون الأموال، وجعل ريف اليمامة وراء ظهره، وجاءت في شعر ضرار بن الأزور بعد قتل مسيلمة: ولو سئلت عنّا جنوب لأخبرت عشية سالت عقرباء وملهم (معجم البلدان: عقرباء)
(٣) في الأصل: (وثب مسيلمة) وهو خطأ ظاهر.
(٤) في الأصل: (يعني) .
(٥) زيد بن الخطاب: بن نفيل بن عبد العزي القرشي العدوي، وهو أخو عمر بن الخطاب، صحابي من شجعان العرب في الجاهلية والإسلام، كان أكبر من عمر وأسلم قبله، شهد المشاهد ثم كانت راية المسلمين يوم اليمامة في يده إلى أن قتل، قتله أبو مريم الحنفي سنة ١٢ هـ- فحزن عمر عليه حزنا شديدا. (طبقات ابن سعد ٣/ ٢٧٤، أسد الغابة ٢/ ٢٨٥، الإصابة ٢/ ٦٠٤، الاستيعاب ٢/ ٥٥٠- ٥٥٣، الأعلام ٣/ ٥٨) .
(٦) مرت ترجمته.
(٧) البراء بن مالك: بن النضر بن ضمضم الخزرجي صحابي، هو أخو مالك بن أنس خادم رسول الله ﵌، شهد أحدا وما بعدها مع رسول الله ﵌ وكان من أشجع الناس وهو الذي اقتحم على المرتدين يوم اليمامة حديقتهم، حيث أجلسوه على ترس وقال: ارفعوني برماحكم فألقوني إليهم، ففعلوا فأدركوه وقد قتل عشرة منهم، وكان على ميمنة أبي موسى الأشعري يوم فتح تستر فاستشهد على بابها الشرقي سنة ٢٠ هـ-. (الطبري ٣/ ٢٩٠، صفة الصفوة ١/ ٢٥٦، حلية الأولياء ١/ ٣٥٠، معجم البلدان: تستر، تاريخ الإسلام ٣/ ٣٠، أسد الغابة ١/ ٢٠٦، الإصابة ١/ ٢٧٩- ٢٨٢، الأعلام ٢/ ٤٧) .
[ ١٢٢ ]
قَالَ: وَسَلَّتْ بَنُو حَنِيفَةَ سُيُوفَهَا مِنْ أَجْفَانِهَا وَأَبْرَقُوا بِهَا، ثُمَّ إِنَّهُمْ ضَجُّوا ضَجَّةً، وَنَفِرُوا نَفْرَةً مُنْكَرَةً، فَقَالَ خَالِدٌ: أَيُّهَا الْقَوْمُ، أَبْشِرُوا، فَإِنَّ الْقَوْمَ مَخْذُولُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنَّمَا سَلُّوا هَذِهِ السُّيُوفَ لِيُرْهِبُوكُمْ، وَلَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ إِلا جَزَعًا وَفَشَلا. قَالَ: فَسَمِعَ رَجُلٌ من بني حنيفة فقال: (هيهات والله يا ابن الْوَلِيدِ، وَلَكِنْ أَبْرَزْنَاهَا لَكُمْ مِنْ أَغْمَادِهَا لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا لَيْسَتْ كَسُيُوفِكُمُ الْخَشِنَةِ الْكَلِيلَةِ) .
قَالَ: وَدَنَا الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَتَقَدَّمَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي أَوَائِلِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ يَقُولُ [١]:
(مِنْ مَشْطُورِ الرَّجَزِ)
١- لا تُوعِدُونَا بِالسُّيُوفِ الْمُبْرَقَهْ ٢- إِنَّ السِّهَامَ بِالرَّدَى مُفَوَّقَهْ [٢]
٣- وَالْحَرْبُ خُلْوٌ مِنْ عِقَالٍ مُطْلَقَهْ [٣] ٤- لا ذَهَبَ يُنْجِيكُمْ وَلا رِقَهْ [٤]
٥- وَخَالِدٌ مِنْ دِينِهِ عَلَى ثِقَهْ
ثُمَّ حَمَلَ سَاعَةً وَرَجَعَ. وَتَقَدَّمَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ [٥] وَفِي يَدِهِ صفيحة يمانية، وهو يرتجز ويقول:
_________________
(١) الرجز غير الأول في: لسان العرب: ورق، مع خلاف في الترتيب.
(٢) في الأصل: (موفقة) وهو تحريف (مفوقة)، والتصويب من اللسان.
(٣) في اللسان: (والحرب ورهاء العقال مطلقة) .
(٤) في الأصل: (لا ذهبا) وهو لحن. الرقة: الفضة والدراهم المضروبة، وفي الحديث: (في الرّقة ربع العشر) (اللسان: ورق) (والحديث في البخاري: زكاة ٣٨ أبو داود: زكاة ٥) .
(٥) عمار بن ياسر بن عامر الكناني المذحجي، أبو اليقظان، صحابي من الولاة الشجعان ذوي الرأي، وهو أحد السابقين إلى الإسلام والجهر به، هاجر إلى المدينة وشهد بدرا وأحدا والخندق، وكان النبي ﵌ يسميه (الطيب المطيب)، وهو أول من بنى مسجدا في الإسلام هو مسجد قباء، ولّاه عمر الكوفة، وشهد الجمل وصفين مع علي بن أبي طالب، وقتل في صفين سنة ٣٧ هـ- وعمره ثلاث وتسعون سنة.
[ ١٢٣ ]
(مِنْ مَشْطُورِ الرَّجَزِ)
١- إِنِّي أَبُو الْيَقْظَانِ شَيْخِي يَاسِرُ ٢- مِنْ مَعْشَرٍ آبَاؤُهُمْ أَخَايِرُ
٣- وَفِي يَمِينِي ذُو وَمِيضٍ بَاتِرُ ٤- صَفِيحَةٌ وَرِثْتُهَا يَا عَامِرُ
ثم حمل، فلم يزل يقاتل حتى قتل مِنْهُمْ جَمَاعَةً. وَحَمَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ وَضَرَبَهُ ضَرْبَةً فَالْتَقَاهَا بِحَجَفَتِهِ [١] فَزَاحَتِ الضَّرْبَةُ فِي الْحَجَفَةِ وَهَوَتْ إِلَى أُذُنِ عَمَّارٍ فَرَمَتْ بِهَا. قَالَ: وَدَاخَلَهُ عَمَّارٌ فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً فَقَتَلَهُ.
قَالَ: ثُمَّ تَقَدَّمَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ [٢] أَخُو أَبِي جَهْلِ [٣] بْنِ هِشَامٍ، فَجَعَلَ يَهْدِرُ كَالْفَحْلِ وَهُوَ يَقُولُ:
(مِنْ مَشْطُورِ الرَّجَزِ)
١- إِنِّي بِرَبِّي وَالنَّبِيِّ مُؤْمِنُ ٢- وَالْبَعْثِ مِنْ بَعْدِ الْمَمَاتِ مُوقِنُ
_________________
(١) [()] (الإصابة ٤/ ٥٧٥، الاستيعاب ٣/ ١١٣٥- ١١٤١، المحبر ص ٢٨٩- ٢٩٦، حلية الأولياء ١/ ١٣٩، صفة الصفوة ١/ ١٧٥ الأعلام ٥/ ٣٦) .
(٢) الحجفة: الترس، يقال للترس إذا كان من جلود وليس فيه خشب ولا عقب حجفة ودرقة والجمع حجف (الصحاح: حجف) .
(٣) الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي، صحابي كان شريفا في الجاهلية والإسلام وهو أخو أبي جهل، يضرب المثل ببناته في الحسن والشرف وغلاء المهر، شهد بدرا مع المشركين فانهزم فعيّره حسان بن ثابت بأبيات، فاعتذر بأبيات هي أحسن ما قيل في الاعتذار من الفرار، أسلم يوم فتح مكة وخرج في أيام عمر إلى الشام فلم يزل مجاهدا بالشام إلى أن مات في طاعون عمواس سنة ١٨ هـ-. (الإصابة ١/ ٦٠٥- ٦٠٨، الاستيعاب ١/ ٣٠١، ابن عساكر ٤/ ٥، ثمار القلوب ص ٢٣٨، الأعلام ٢/ ١٥٨) .
(٤) في الأصل: (أخو أبا جهل) .
[ ١٢٤ ]
٣- وَالدَّهْرُ قِدْمًا بِالرَّحِيلِ مُؤْذِنُ ٤- أَقْبِحْ بِشَخْصٍ لِلْحَيَاةِ مَوْطِنُ
ثُمَّ حَمَلَ فَقَاتَلَ قِتَالا شَدِيدًا وَرَجَعَ إِلَى مَوْقِفِهِ.
وَتَقَدَّمَ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ:
(مِنْ مَشْطُورِ الرَّجَزِ)
١- قَدْ عَلِمَ الأَقْوَامُ أَنِّي زَيْدُ ٢- لَيْثٌ هَصُورٌ لَيْسَ مِنِّي حَيْدُ
٣- لَكِنَّنِي فِي الْحَرْبِ عِنْدِي كَيْدُ ٤- وَذُو أَنَاةٍ ثُمَّ عِنْدِي أَيْدُ [١]
ثُمَّ حَمَلَ، وَذَلِكَ فِي آخِرِ النَّهَارِ، فَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُ حَتَّى قتل خمسة من/ [٢١ ب] وُجُوهِ الْقَوْمِ وَفُرْسَانِهِمْ، وَقُتِلَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
قَالَ: فَتَقَدَّمَ ابْنُ عَمٍّ يُقَالُ لَهُ: عَامِرُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَدَوِيُّ حَتَّى وَقَفَ بَيْنَ الْجَمْعَيْنِ وَأَنْشَأَ يَقُولُ [٢]:
(مِنَ الْوَافِرِ)
١- أَلا يَا زَيْدُ زَيْدُ بَنِي نُفَيْلِ لَقَدْ أَوْرَثْتَنَا وَيْلا بِوَيْلِ
٢- كَأَنَّكَ وَالْقَنَا لَيْثٌ هَصُورٌ أَبُو شِبْلَيْنِ يَحْمِي بطن غيل
٣- غداة غدت حَنِيفَةُ فِي مِكَرٍّ كَأَنَّ جُمُوعَهُمْ دَفَّاعُ سَيْلِ
٤- فَلَمْ تَبْرَحْ تُضَارِبُهُمْ بِعَضْبٍ يُنَفِّحُهُمْ صَبَاحًا جُنْحَ لَيْلِ
٥- فَأَمْسَيْتُ الْعَشِيَّةَ ذَا اغْتِبَاطٍ غَفِيرَ الْخَدِّ من رجل وخيل
_________________
(١) الأناة: الحلم والوقار. الأيد: القوة والشدة.
(٢) البيت الأول فقط: في الإصابة ٢/ ٤٩٩ منسوب لرهم العدوي ابن عم عمر بن الخطاب، وقطع من كتاب الردة ص ٢٢.
(٣) في الأصل: (من خيل ورجل) وهو من وهم الناسخ الذي قدم وأخّر ويكون فيه عيب هو سناد الردف.
[ ١٢٥ ]
٦- فَتِلْكَ مُصِيبَةٌ عَظُمَتْ وَجَلَّتْ مُجَدَّعَةُ الْمَعَاطِسِ مِنْ نُفَيْلِ [١]
قَالَ: ثُمَّ حَمَلَ، فَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُ حَتَّى قُتِلَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
قَالَ: وَاشْتَبَكَ الْحَرْبُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، فَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [٢] عَلَى زُهَاءِ ثَلاثِ مِائَةِ رَجُلٍ، وَمِنْ بَنِي حَنِيفَةَ أَضْعَافُهُمْ، وَأَمْسَى الْمَسَاءُ فَرَجَعَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ. وَتَقَدَّمَ مُحْكِمُ بْنُ الطُّفَيْلِ لَمَّا يَخَافُونَ مِنَ الْبَيَاتِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ دَنَا بعضهم من بعض، وتقدم محكم ابن الطُّفَيْلِ وَزِيرُ مُسَيْلِمَةَ حَتَّى وَقَفَ أَمَامَ أَصْحَابِهِ وَهُوَ شَاهِرٌ سَيْفَهُ عَلَى عَاتِقِهِ، رَافِعًا صَوْتَهُ وَهُوَ يَقُولُ:
(مِنَ الْخَفِيفِ)
١- رُبَّ رَخْوِ النِّجَادِ [٣] مصطلم الكش- - حين بَدْرٍ يَلُوحُ كَالْمِخْرَاقِ
٢- أَبْلَغَتْهُ [٤] السُّيُوفُ لَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَ فِي أَهْلِهِ عَزِيزَ الْفِرَاقِ
٣- مَنْ يَرَ الْمَوْتَ غُنْمًا عَظِيمًا عِنْدَ وَقْتِ الْهَيَاجِ وَالْمِصْدَاقِ
٤- سَاقَهُمْ حَتْفُهُمْ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ فِيهِ فَرْيُ [٥] السُّيُوفِ للأعناق
_________________
(١) المعاطس: الأنوف، مجدعة المعاطس: مقطعة الأنوف، كناية عن الذل.
(٢) انظر خبر القتال في الطبري ٣/ ٢٩٠- ٣٠١، وذكر الطبري أن قتلى المسلمين من أهل قصبة المدينة يومئذ ثلاث مائة وستون، ومن المهاجرين من غير أهل المدينة والتابعين بإحسان ثلاث مائة من هؤلاء وثلاث مائة من هؤلاء، ستمائة أو يزيدون، وقتل من بني حنيفة في الفضاء بعقرباء سبعة آلاف، وفي حديقة الموت سبعة آلاف وفي الطلب نحو منها. (الطبري ٣/ ٢٩٦- ٢٩٧) .
(٣) في الأصل: (النجاة) وهو تحريف. رخو النجاد: أي طويل، والنجاد: ما وقع على العاتق من حمائل السيف، ويكنون بطول النجاد عن طول الرجل (اللسان: نجد) . مصطلم الكشحين: أي أهيف ليس سمينا، والصلم: القطع والاستئصال، ويذم الرجل إذا كان سمينا عظيم الكشحين، هو ذم للرجل ومدح للمرأة. المخراق: ثور الوحش، وهو أبيض، ولذلك شبّه به فقال: بدر كالمخراق، والمخراق أيضا: الرجل الحسن الجسم. (القاموس: خرق) .
(٤) في الأصل: (أبلغت) .
(٥) في الأصل: (قرى) وهو تصحيف، والفرى: الشق والقطع.
[ ١٢٦ ]
٥- فَأَنَا مُحْكِمٌ فَهَلْ مِنْ شُجَاعٍ يَبْرُزُ الْيَوْمَ لِلسُّيُوفِ الرِّقَاقِ
قَالَ: ثُمَّ حَمَلَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَاتَلَ قِتَالا شَدِيدًا، وَحَمَلَ عَلَيْهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ الأَنْصَارِيُّ، فَطَعَنَهُ فِي خَاصِرَتِهِ طَعْنَةً نَكَّسَهُ عَنْ فَرَسِهِ قَتِيلا، ثُمَّ جَالَ الأَنْصَارِيُّ فِي مَيْدَانِ الْحَرْبِ جَوْلَةً، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
(مِنَ الْكَامِلِ)
١- سَائِلْ بِنَا أَهْلَ الْيَمَامَةِ إِذْ بَغَوْا وَتَمَرَّدُوا فِي الْكُفْرِ وَالإِصْغَارِ
٢- جَعَلُوا مُسَيْلِمَةَ الْكَذُوبَ نَبِيَّهُمْ يَا بِئْسَ فِعْلِ مَعَاشِرِ الْفُجَّارِ
٣- سِرْنَا إِلَيْهِمْ بِالْقَنَابِلِ [١] وَالْقَنَا وَبِكُلِّ عَضْبٍ مُرْهَفٍ بَتَّارِ
٤- وَمُهَاجِرِينَ كَأَنَّهُمْ أُسْدُ الشِّرَى [٢] قَدْ أُيِّدُوا بِالأَوْسِ وَالنَّجَّارِ [٣]
٥- فِي جَيْشِ سَيْفِ اللَّهِ جُنْدِ مُحَمَّدٍ وَالسَّابِقِينَ بِسُنَّةِ الأَخْيَارِ
قَالَ: ثُمَّ حَمَلَ هَذَا الأَنْصَارِيُّ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، حَتَّى قُتِلَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
قَالَ: ثُمَّ تَقَدَّمَ السَّائِبُ بْنُ الْعَوَّامِ [٤]، أَخُو الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وهو يرتجز ويقول:
_________________
(١) القنابل: جمع قنبلة، طائفة من الخيل ما بين الثلاثين إلى الأربعين ونحوه، وكذلك القنبلة من الناس: طائفة منهم. (الصحاح: قنبل) .
(٢) الشرى: موضع تنسب إليه الأسد، يقال للشجعان: ما هم إلا أسود الشرى، وقال بعضهم: شرى موضع بعينه تأوي إليه الأسد، وقيل: هو شرى الفرات وناحيته، وبه غياض وآجام ومأسدة، قال الشاعر الأشهب بن رميلة: أسود شرى لاقت أسود خفيّة تساقوا على حرد دماء الأساود والشرى: طريق في جبل سلمى كثير الأسد. (اللسان: شرى، وأمالي القالي ص ٦) .
(٣) ذكر النجار خضوعا للقافية وأراد الخزرج، والنجار من الخزرج، فهو: النجار بن ثعلبة ابن عمرو بن الخزرج. (جمهرة النسب ص ٣٤٦) .
(٤) السائب بن العوام القرشي الأسدي، أخو الزبير بن العوام شقيقه، شهد بدرا والخندق وغيرها مع رسول الله ﵌، استشهد باليمامة سنة ١٢ هـ-. (الإصابة ٣/ ٢٥، الاستيعاب ٢/ ٥٧٥) .
[ ١٢٧ ]
(مِنْ مَشْطُورِ الرَّجَزِ)
١- يَا قَوْمِ جِدُّوا فِي قِتَالِ الْقَوْمِ ٢- وَاهْتَجِرُوا النَّوْمَ فَمَا مِنْ نَوْمِ
٣- قد ذهب اللّوم [١] فما من لوم [٢٢ أ] ٤- إِنْ لَمْ تُغَاثُوا بِالدُّعَا وَالصَّوْمِ/
قَالَ: ثُمَّ حَمَلَ فَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُ حَتَّى قُتِلَ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
قَالَ: وَكَانَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ فَارِسًا بَطَلا [٢] لا يَصْطَلِي بِنَارِهِ، وَكَانَ إِذَا شَهِدَ الْحَرْبَ وَعَايَنَهَا أَخَذَتْهُ الرِّعْدَةُ وَيَنْتَفِضُ انْتِفَاضًا شَدِيدًا، حَتَّى كَأَنَّهُ يُعْقَلُ بِالْحِبَالِ وَيَضْبِطُهُ الرِّجَالُ فَلا يَزَالُ كَذَلِكَ سَاعَةً حَتَّى يُفِيقَ، فَإِذَا أَفَاقَ يَبُولُ بَوْلا أَحْمَرَ كَأَنَّهُ الدَّمُ، ثُمَّ إِنَّهُ يَثِبُ قَائِمًا مِثْلَ الأَسَدِ، فَيُقَاتِلُ قِتَالا لا يَقُومُ لَهُ أَحَدٌ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ، وَعَايَنَ مِنْ شِدَّةِ الْحَرْبِ مَا عَايَنَ أَخَذَتْهُ الرِّعْدَةُ وَالنَّفْضَةُ، فَلَمَّا أَفَاقَ وَثَبَ، وَجَعَلَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ:
(مِنْ مَشْطُورِ الرَّجَزِ)
١- قَدْ ثَارَ لَيْثُ الْغَيْلِ لِلْقِرَاعِ ٢- بِذِي غَرَارٍ خَذِمٍ قَطَّاعِ
٣- وَلَهْذَمٍ [٣] مُقَوَّمٍ لَمَّاعِ ٤- لَهُ بَرِيقٌ وَهُوَ ذُو شُعَاعِ
ثُمَّ حَمَلَ عَلَى جَمِيعِ بَنِي حَنِيفَةَ، فَجَعَلَ تَارَةً يَضْرِبُ بِسَيْفِهِ، وَتَارَةً يَطْعَنُ بِرُمْحِهِ، حَتَّى قَتَلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً وَرَجَعَ إِلَى مَوْقِفِهِ.
_________________
(١) في الأصل: (النوم) وهما.
(٢) في الأصل: (بطالا)، وقد مرّت ترجمة البراء بن مالك، انظر خبره في هذه الوقعة وصفته في الطبري ٣/ ٢٩٠.
(٣) في الأصل: (والهدم)، واللهذم: السنان القاطع.
[ ١٢٨ ]
قَالَ: وَصَاحَتْ بَنُو حَنِيفَةَ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ، وَحَمَلُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَمْلَةً مُنْكَرَةً، فَأَزَالُوهُمْ عَنْ مَوْقِفِهِمْ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ نَيِّفًا عَلَى ثَمَانِينَ [١] رَجُلا، قَالَ: ثُمَّ كَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ وَكَشَفُوهُمْ كَشْفَةً قَبِيحَةً، ثُمَّ تَرَاجَعَتْ بَنُو حَنِيفَةَ وَمَعَهُمْ صَاحِبُهُمْ مُسَيْلِمَةُ، حَتَّى وَقَفَ أَمَامَ قَوْمِهِ، ثُمَّ حَسَرَ عَنْ رَأْسِهِ، وَجَعَلَ يَقُولُ:
(مِنْ مَشْطُورِ الرَّجَزِ)
١- أَنَا رَسُولٌ وَارْتَضَانِي الْخَالِقُ ٢- الْقَابِضُ الْبَاسِطُ ذَاكَ الرّازق
٣- يا ابن الْوَلِيدِ أَنْتَ عِنْدِي فَاسِقُ ٤- وَكَافِرٌ بِرَبِّهِ مُنَافِقُ
قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ حَمَلَ، وَحَمَلَتْ مَعَهُ بَنُو حَنِيفَةَ كَحَمْلَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَأَسْلَمُوا سَوَادَهُمْ. قَالَ: وَصَارَتْ بَنُو حَنِيفَةَ إِلَى فُسْطَاطِ خَالِدٍ، فَأَحْدَقُوا بِهِ، وَثَبَتَ لَهُمْ خَالِدٌ يَوْمَئِذٍ وَحْدَهُ، يُقَاتِلُهُمْ بِالسَّيْفِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ كَشَفَهُمْ عَنْ فُسْطَاطِهِ، وَيَلْتَفِتُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ فَيُنَادِيهِمْ: (وَيْحَكُمْ يَا قُرَّاءَ الْقُرْآنِ، أَمَا تَخَافُونَ غَضَبَ الرَّحْمَنِ، وَعَذَابَ النِّيرَانِ، وَيْحَكُمْ يَا أَهْلَ دِينِ الإِسْلامِ، أَيْنَ الْقُرْآنُ مِمَّنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ شَرِيكُ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ فِي نُبُوَّتِهِ وَرِسَالَتِهِ، أَمَا تخافون الله أن يطلع عليكم فيجازيكم عَلَى شَرِّ أَفْعَالِكُمْ) .
قَالَ: فَثَابَ إِلَيْهِ النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ حَتَّى أَحْدَقُوا بِهِ، وَدَنَتْ بَنُو حَنِيفَةَ لِلْقِتَالِ كَأَنَّهُمُ الأُسْدُ الضَّارِيَةُ، وَاشْتَدَّ الْحَرْبُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَتَقَدَّمَ أَبُو دُجَانَةَ سِمَاكُ بن خرشة [٢] الأنصاري،
_________________
(١) كذا في الأصل: (نيّفا على)، ونيّف على: أي زاد.
(٢) في الأصل: (شمال بن خرشنة) . وهو سماك بن خرشة، وقيل: سماك بن أوس بن خرشة، الخزرجي البياضي الأنصاري، المعروف بأبي دجانة، صحابي من الأبطال الشجعان شهد بدرا وثبت يوم أحد، وأصيب بجراحات كثيرة، يسمى ذا السيفين لقتاله يوم أحد بسيفه وسيف رسول الله ﵌، وكانت له مشية عجيبة في الخيلاء يضرب بها المثل، نظر إليه النبي ﵌ في معركة وهو يتبختر بين الصفين فقال: (هذه مشية يبغضها الله إلا في
[ ١٢٩ ]
وَجَعَلَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ [١]:
(مِنْ مَشْطُورِ الرَّجَزِ)
١- أَسْتَعْدِي اللَّهَ عَلَى الأَنْصَارِ [٢] ٢- كَانُوا يَدًا طُرًّا عَلَى الْكُفَّارِ
٣- فِي كُلِّ يَوْمٍ طَالِعِ الْغُبَارِ [٣] ٤- فَاسْتَبْدَلُوا النَّجْدَةَ بِالْفِرَارِ [٤]
٥- يَا بِئْسَ فِعْلِ الْمَعْشَرِ الأَبْرَارِ/ ٦- الْيَوْمَ طَعْنٌ [٥] وَغَدًا فِرَارُ
٧- الْيَوْمَ أُفْنِي مَعْشَرَ الْفُجَّارِ
قَالَ: ثُمَّ حَمَلَ أَبُو دُجَانَةَ عَلَى بَنِي حَنِيفَةَ حَتَّى قَتَلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً، قَالَ:
وَحَمَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ سَادَاتِ بَنِي حَنِيفَةَ لِيَضْرِبَهُ بِالسَّيْفِ فَأَخْطَأَهُ، وَضَرَبَهُ أَبُو دُجَانَةَ ضَرْبَةً فَقَطَعَهُ نِصْفَيْنِ، وَحَمَلَ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، وَوَلَّى الْحَنَفِيُّ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَلَحِقَهُ أَبُو دُجَانَةَ فَضَرَبَهُ فَقَطَعَ سَاقَيْهِ جَمِيعًا، ثُمَّ حَمَلَ عَلَى مَيْمَنِتِهِمْ فَضَرَبَ فِيهِمْ ضَرْبًا وَجِيعًا، وَحَمَلَ عَلَى مَيْسَرَتِهِمْ فَفَعَلَ كَذَلِكَ، وَكَانَ رُبَّمَا حَمَلَ عَلَى الرَّجُلِ فَيُعَانِقُهُ ثُمَّ يَذْبَحُهُ، ثُمَّ يَقِفُ وَيُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا أَهْلَ الدِّينِ وَالإِسْلامِ، إِلَيَّ إِلَيَّ، فِدَاكُمْ أَبِي وَأُمِّي، فثاب إليه أهل السواتر [٦] من أهل
_________________
(١) [()] هذا المكان)، استشهد يوم اليمامة سنة ١٢ هـ-. (الإكليل ٢ الورقة ١٧٨، ثمار القلوب ص ٦٨، التاج (دجن) المحبر ص ٧٢، الاستيعاب ٤/ ١٦٤٤، الإصابة ٧/ ١١٩، الأعلام ٢/ ١٢٨- ١٢٩) .
(٢) الأبيات: ١- ٤ في كتاب الاكتفاء ص ١١١.
(٣) في الاكتفاء: (أسعدني ربي على الأنصار) .
(٤) في الاكتفاء: (ساطع الغبار) .
(٥) الاكتفاء: (فاستبدلوا النجاة بالفرار)، والوجه أن يقول: (فاستبدلوا بالنجدة الفرار) لأنه في مجال لومهم وليس في مجال مدحهم، والباء تلزم المتروك.
(٦) في الأصل: (اليوم يوم طعن) ولا يستقيم البيت، وكلمة (يوم) زائدة.
(٧) في الأصل: (السواتر)، ولعلها السوابق.
[ ١٣٠ ]
بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَالأَحْزَابِ، وَكَبَّرُوا وَحَمَلُوا مَعَهُ حَمْلَةً عَجِيبَةً عَلَى مُسَيْلِمَةَ وَأَصْحَابِهِ فَكَشَفُوهُمْ كَشْفَةً فَاضِحَةً، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ جَمَاعَةً ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى مَوْقِفِهِمْ.
فَتَقَدَّمَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شِمَاسٍ الأَنْصَارِيُّ [١] خَطِيبُ الأَنْصَارِ وَشَيْخُهُمْ، وَفِي يَدِهِ رَايَةٌ صَفْرَاءُ، فَجَعَلَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ:
(مِنْ مَشْطُورِ الرَّجَزِ)
١- آمَنْتُ باللَّه الْعَلِيِّ الأَمْجَدِ ٢- هَادٍ إِلَى سُبْلِ الْهُدَى وَمُهْتَدِ [٢]
٣- قَدْ كَانَتِ [٣] الأَنْصَارُ فِي الْيَوْمِ الْبَدِي [٤] ٤- آسَادُ غَيْلٍ لا ضِبَاعُ فَدْفَدِ
٥- فَأَصْبَحُوا مِثْلَ النَّعَامِ الشُّرَّدِ ٦- وَالْمَوْتُ لا شَكَّ بِهِمْ رَهْنُ يَدِي
قَالَ: ثُمَّ حَمَلَ عَلَى الْقَوْمِ، فَلَمْ يزل يقاتل حتى قتل رحمة الله عليه.
قَالَ: فَحَمَلَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ يُقَالُ لَهُ بَشِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [٥] مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ النَّجَّارِ، حَتَّى وَقَفَ بَيْنَ الْجَمْعَيْنِ وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
(مِنَ الْبَسِيطِ)
١- بِأَبِي يَا بِنْتَ نُعْمَانَ بْنِ خِرَاسِ طَالَ الْبَلاءُ عَلَى النَّاسِ مِنَ النَّاسِ
٢- أَبْقَى لَنَا ثَابِتٌ وَالدَّهْرُ ذُو عَجَبٍ حزنا طويلا وجرحا ما له آس
_________________
(١) مرت ترجمة ثابت بن قيس.
(٢) في الأصل: (هادي ومهتدى)، وسكنت باء (سبل) لضرورة الوزن.
(٣) في الأصل: (فكانت) ولا يستقيم بها الوزن.
(٤) اليوم البدي: اليوم العجب، ومنه قول الشاعر: (اللسان: بدا) . عجبت جارتي لشيب علاني عمرك الله هل رأيت بديّا
(٥) بشير بن عبد الله بن الحارث بن النجار، قيل: استشهد باليمامة سنة ١٢ هـ-. (الإصابة ١/ ٣١٢، الاستيعاب ١/ ١٧٥) .
[ ١٣١ ]
٣- لَمَّا رَأَى النَّاسَ قَدْ وَلَّوْا ظُهُورَهُمُ لاقَى الْقِتَالَ وَحَامَى عُرْضَةَ النَّاسِ
٤- مَا زَالَ يَطْعَنُ بِالْخُطَى مُعْتَرِضًا جَمْعَ الْعِدَاةِ كَلَيْثٍ بَيْنَ أَخْيَاسِ [١]
٥- يَمْضِي إِلَى اللَّهِ قِدْمًا لا يُرِيدُ بِهِ دُنْيَا وَلا يَبْتَغِي حَمْدًا مِنَ النَّاسِ
٦- حَتَّى أَصَابَ الَّذِي قَدْ كَانَ أَمَلُهُ أَعْظِمْ بِمَا نَالَهُ الْمَرْءُ ابْنُ شِمَاسِ
قَالَ: ثُمَّ حَمَلَ بَشِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا، فَلَمْ يَزَلْ يقاتل حتى قتل، رحمة الله عليه.
قال رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ الأَنْصَارِيُّ [٢]: (وَاللَّهِ لَقَدْ كُنَّا نَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ فِيمَا مَضَى:
سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ٤٨: ١٦ [٣]، فَلَمْ نَعْلَمْ مَنْ هُمْ، حَتَّى دَعَانَا أَبُو بَكْرٍ ﵁ إِلَى قِتَالِ بَنِي حَنِيفَةَ، فَلَمَّا قَاتَلْنَاهُمْ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ أُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ هَزَمُونَا نَيِّفًا عَلَى عِشْرِينَ هَزِيمَةً، وَقَتَلُوا مِنَّا مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، كَادُوا أَنْ يَفْتَحُونَا مِرَارًا، غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ ﵎ أحب أن يعز دينه) .
[٢٣ أ] قَالَ: ثُمَّ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ اجْتَمَعَتْ آرَاؤُهُمْ/ أَنْ يَحْمِلُوا بِأَجْمَعِهِمْ عَلَى بَنِي حَنِيفَةَ حَمْلَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ إِنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ حَتَّى يَنْكَوْا [٤] فِيهِمْ، فَعَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُمُ اجْتَمَعُوا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَكَبَّرُوا تَكْبِيرَةً، ثُمَّ حَمَلُوا عَلَيْهِمْ فكشفوهم، حتى ألجئوهم إِلَى حَدِيقَةٍ [٥] لَهُمْ فَلَمَّا دَخَلُوا إِلَى الْحَدِيقَةِ وحصنوا
_________________
(١) في الأصل: (أجناس)، والأخياس: جمع خيس (بالكسر) وهو موضع الأسد.
(٢) رافع بن خديج بن رافع بن عدي الخزرجي الأنصاري، عرض على النبي ﵌ يوم بدر فاستصغره وأجازه يوم أحد، فخرج بها وشهد ما بعدها، كان عريف قومه في المدينة، توفي متأثرا من جراحه سنة ٧٤ هـ- وصلّى عليه عبد الله بن عمر. (الإصابة ٢/ ٤٣٦- ٤٣٧، الاستيعاب ٢/ ٤٧٩، الأعلام ٣/ ١٢) .
(٣) [الفتح: ١٦] .
(٤) ينكوا فيهم: يقتلوا ويجرحوا، نكى في العدو: قتل فيهم وجرح، ينكي نكاية. (الصحاح: نكى) .
(٥) الحديقة: بستان كان بقنا حجر من أرض اليمامة لمسيلمة الكذاب، كانوا يسمونه حديقة الرحمن. (ياقوت: الحديقة) وعرفت بعد ذلك بحديقة الموت.
[ ١٣٢ ]
فِي جَوْفِهَا، وَمُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ مَعَهُمْ، أَقْبَلَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الْحَدِيقَةِ فَقَالَ أَبُو دُجَانَةَ الأَنْصَارِيُّ: وَيْحَكُمْ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، احْمِلُونِي حَمْلَةً وَأَلْقُونِي إِلَيْهِمْ. قَالَ:
فَحَمَلَ أَبُو دُجَانَةَ عَلَى تُرْسِ بَعْضِ الأَنْصَارِ ثُمَّ رَفَعَ بِالرِّمَاحِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي جَوْفِ الْحَدِيقَةِ. قَالَ: فَوَقَعَ أَبُو دُجَانَةَ فِي الْحَدِيقَةِ، ثُمَّ وَثَبَ كَاللَّيْثِ الْمُغْضِبِ، وَهُوَ يَرْتَجِزُ ويقول:
(من مشطور الرجز)
١- أنا سماك (و) [١] أبو دُجَانَهْ ٢- لَسْتُ بِذِي ذُلٍّ وَلا مَهَانَهْ
٣- وَلا جَبَانِ الْقَلْبِ ذِي اسْتِكَانَهْ ٤- لا خَيْرَ فِي قَوْمٍ بِدِينٍ خَانَهْ [٢]
قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُ فِي جَوْفِ الْحَدِيقَةِ حَتَّى قُتِلَ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
قَالَ: وَصَاحَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ بِأَصْحَابِهِ: وَيْلَكُمْ يَا مَعْشَرَ بَنِي حَنِيَفَةَ، اعْلَمُوا أَنَّ هذِهِ الْحَدِيقَةَ حَدِيقَةُ الْمَوْتِ، فَقَاتِلُوا أَبَدًا حَتَّى تَمُوتُوا كِرَامًا.
قَالَ: وَاقْتَحَمَ خَالُدَ بْن الُوَلِيدِ ﵁ عِنْدَ الْحَدِيقَةِ بِفَرَسِهِ، وَفِي يَدِهِ سَيْفُهُ لَوْ ضَرَبَ الْحَجَرَ قَطَعَهُ، فَجَعَلَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ:
(مِنْ مَشْطُورِ الرَّجَزِ)
١- أَسْعَدَنَا قَوْمٌ عَلَى الْمَوْتِ فَنَوْا ٢- لَمْ يَهْدِمُوا الدِّينَ وَلا الدُّنْيَا أَبَوْا
٣- وَاللَّهُ يَجْزِي كُلَّ قَوْمٍ مَا نَوَوْا ٤- فَطَالَمَا جَاعُوا وَطَالَمَا ظَمَوْا
٥- فَالْيَوْمَ حقّا شبعوا ثم رووا
_________________
(١) الواو زيادة يقتضيها الوزن.
(٢) خانة: جمع خائن.
[ ١٣٣ ]
قَالَ: فَاسْتَقْبَلَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ فَقَالَ له: أين تريد يا ابن كَذَا وَكَذَا، فَحَمَلَ عَلَيْهِ خَالِدٌ وَاعْتَنَقَهُ الْحَنَفِيُّ فَسَقَطَا عَنْ فَرَسَيْهِمَا [١] جَمِيعًا إِلَى الأَرْضِ، فَسَقَطَ الْحَنَفِيُّ تَحْتَ خَالِدٍ، فَجَعَلَ يَجْرَحُهُ مِنْ تَحْتِهِ بِخِنْجَرٍ سَبْعَ جِرَاحَاتٍ، وَوَثَبَ خَالِدٌ مِنْ فَوْقِهِ وَتَرَكَهُ، وَإِذَا فَرَسُ خَالِدٍ قَدْ غَابَ فِي الْحَدِيقَةِ، وَجَعَلَ يُقَاتِلُ حَتَّى تَخَلَّصَ وَهُوَ لِمَا بِهِ.
قَالَ: وَأَقْبَلَ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ الأَنْصَارِيُّ [٢] حَتَّى وَقَفَ عَلَى بَابِ الْحَدِيقَةِ، ثُمَّ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: (يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، احْطِمُوا جُفُونَ سُيُوفِكُمْ وَاقْتَحِمُوا هَذِهِ [٣] الْحَدِيقَةَ عَلَيْهِمْ، فَقَاتِلُوهُمْ أَبَدًا، أَوْ يَقْتُلُ اللَّهُ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ)، قَالَ: ثُمَّ كسر عباد بن بشر جَفْنَ سَيْفِهِ، وَكَسَرَتِ الأَنْصَارُ جُفُونَ سُيُوفِهِمْ، فَاقْتَحَمُوا الْحَدِيقَةَ وَهُمْ عِشْرُونَ وَمِائَةُ رَجُلٍ، فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى مَا بَقِيَ مِنْهُمْ إِلا أَرْبَعَةُ نَفَرٍ، فَإِنَّهُمْ أَقْبَلُوا مَجْرُوحِينَ لِمَا بِهِمْ.
قَالَ: وَعَظُمَ الأَمْرُ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا، وَالْتَفَتَتْ بَنُو حَنِيفَةَ إِلَى مُسَيْلِمَةَ، فَقَالُوا لَهُ: (أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ قِتَالِ هَؤُلاءِ)، فَقَالَ: (بِهَذَا أتاني الوحي، [٢٣ ب] إِنَّ الْقَوْمَ/ يُلْجِئُونَكُمْ إِلَى هَذِهِ الْحَدِيقَةِ وَيَكُونُ قِتَالُكُمْ [٤] مَعَهُمْ فِي جَوْفِهَا)، فَقَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: فَأَيْنَ مَا وَعَدْتَنَا مِنْ رَبِّكَ أَنْ يَنْصُرَنَا عَلَى عَدُوِّنَا، وَإِنَّ هَذَا الدِّينَ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ هُوَ الدِّينُ الْقَيِّمُ)، فَقَالَ مُسَيْلِمَةُ: (أَمَّا الدِّينُ فَلا دِينَ لَكُمْ، وَلَكِنْ قَاتِلُوا عَنْ أَحْسَابِكُمْ، أَتَظُنُّونَ أَنَّا إِنَّمَا كُنَّا نُقَاتِلُ إِلَى الساعة ونحن على الحق وهم على
_________________
(١) في الأصل: (عن فرسهم) .
(٢) في الأصل: (عباد بن بشير) وصوابه: بشر، وهو: عباد بن بشر بن وقش الأشهلي الخزرجي الأنصاري، صحابي من الفرسان، أسلم في المدينة وشهد المشاهد كلها، وكان رسول الله ﵌ يبعثه إلى القبائل يصدّقها (يجمع الصدقات)، وجعله على مقاسم حنين واستعمله على حرسه بتبوك، استشهد يوم اليمامة سنة ١٢ هـ-. (ابن سعد ٢/ ٣/ ١٧، تهذيب التهذيب ٥/ ٩٠، المحبر ص ٢٨٢، الإصابة ٣/ ٦١١- ٦١٢، الاستيعاب ٣/ ٨٠١، الأعلام ٣/ ٢٥٧) .
(٣) في الأصل: (هذا) .
(٤) في الأصل: (قتال قتالكم)، والناسخ كثيرا ما يكتب الكلمة أو جزءا منها ثم يتركها ناقصة، ويعيد كتابتها ثانية دون أن يلغيها بالشطب عليها، وكثيرا ما يكون هذا في نهاية السطر.
[ ١٣٤ ]
الْبَاطِلِ، إِنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى مَا تَظُنُّونَ إِذَنْ لَمَا قُهِرْنَا، وَلا فَلَّ أَحَدٌ جَمْعَنَا) . قَالَ:
وَجَعَلَ مُسَيْلِمَةُ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ:
(مِنْ مَشْطُورِ الرَّجَزِ)
١- فَلَوْ عَلَى الْحَقِّ صَبَرْنَا صَبْرَنَا ٢- وَعَانَدَ الْقَوْمُ فَكَانُوا مِثْلَنَا
٣- وَكَانَ فِي حَقٍّ يَجُوزُ أَمْرُنَا ٤- مَا فَلَّ خَلْقٌ فِي الأَنَامِ جَمْعَنَا
فَعِنْدَهَا عَلِمَ الْقَوْمُ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي غُرُورٍ وَضَلالٍ مِنِ اسْتِمْسَاكِهِمْ بِدِينِ مُسَيْلِمَةِ الْكَذَّابِ النَّجِسِ، وَجَعَل رَجُلٌ [١] مِنْهُمْ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ [٢]:
(مِنْ مَشْطُورِ الرَّجَزِ)
١- لَبِئْسَ مَا أَوْرَدَنَا مُسَيْلِمَهْ ٢- أَبْقَى لَنَا [٣] مِنْ بَعْدِنَا أُغَيْلِمَهْ
٣- وَنِسْوَةً جُرًّا لَهُمْ مُنَيْنِمَهْ [٤] ٤- وَاشتما رِمَالهَا أُمَيْنِمَهْ [٥]
قَالَ: ثُمَّ اقْتَحَمَ الْمُسْلِمُونَ بِأَجْمَعِهِمْ إِلَى مُسَيْلِمَةَ وَأَصْحَابِهِ، فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى احْمَرَّتْ أَرْضُ الْحَدِيقَةِ مِنَ الدِّمَاءِ.
قَالَ: وَنَظَرَ وَحْشِيٌّ [٦]
_________________
(١) هو محكم بن الطفيل الحنفي، كما في الاكتفاء ص ١١٤.
(٢) الشطران الأول والثاني في الاكتفاء ص ١١٤.
(٣) في الاكتفاء: (أوردنا من بعده) .
(٤) كذا بالأصل.
(٥) كذا بالأصل.
(٦) وحشي بن حرب الحبشي غلام جبير بن مطعم بن عدي، صحابي من سواد مكة، وهو قاتل حمزة بن عبد المطلب عم النبي ﵌ بتحريض من هند بنت عتبة أم معاوية بن أبي سفيان، ثم وفد على النبي ﵌ مع وفد أهل الطائف بعد أخذها، وأسلم وشهد اليرموك وشارك في قتل مسيلمة، وزعم أنه رماه بحربته التي قتل فيها حمزة، وكان يقول:
[ ١٣٥ ]
غُلام جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ إِلَى مُسَيْلِمَةَ [١] وَقَدْ أَلْجَأَهُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى جَانِبِ الْحَدِيقَةِ، فَقَصَدَهُ وَحْشِيٌّ، وَقَصَدَهُ أَيْضًا رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ [٢]، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا مُسَيْلِمَةُ وَقَدْ قَصَدَاهُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمَا، فَبَدَرَهُ الأَنْصَارِيُّ بِضَرْبَةٍ عَلَى رَأْسِهِ فَأَوْهَنَهُ، وَرَمَى وَحْشِيٌّ بِحَرْبَةٍ كَانَتْ فِي يَدِهِ، فَوَقَعَتِ الْحَرْبَةُ فِي خَاصِرَتِهِ فَسَقَطَ مُسَيْلِمَةُ عَدُوُّ اللَّهِ عَنْ فَرَسِهِ قَتِيلا.
قَالَ: وَتَصَايَحَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ: أَلا أَنَّ مُسَيْلِمَةَ عَدُوَّ اللَّهِ قَدْ قَتَلَهُ عَبْدٌ أَسْوَدُ وَهُوَ وَحْشِيٌّ غُلامُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ.
قَالَ: وَجَعَلَ وَحْشِيٌّ يُنَادِي: (أَيُّهَا النَّاسُ، أَنَا وَحْشِيٌّ غُلامُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَتَلْتُ خَيْرَ النَّاسِ وَأَنَا كَافِرٌ، أَعْنِي حَمْزَةَ بْنَ عبد المطلب [٣]، وقتلت أشر الناس
_________________
(١) [()] قتلت بحربتي هذه خير الناس وشر الناس، سكن حمص ومات فيها سنة ٢٥ هـ-. (الإصابة ٦/ ٦٠١، الاستيعاب ٤/ ١٥٦٤، الأعلام ٨/ ١١١) .
(٢) انظر خبر مقتل مسيلمة في الطبري ٣/ ٢٩٠- ٢٩١.
(٣) عبد الله بن زيد بن عاصم بن ليث الأنصاري من بني النجار، صحابي كان فارسا شجاعا، شهد بدرا واشترك في قتل مسيلمة الكذاب مع وحشي بن حرب، وكان مسيلمة قتل أخاه حبيب بن زيد، قتل عبد الله في وقعة الحرة سنة ٦٣ هـ-. (تهذيب التهذيب ٥/ ٢٢٣، إمتاع الأسماع ١/ ١٤٨- ١٤٩، الإصابة ٤/ ٩٨- ٩٩، كتاب المحن ص ١٦٤- ١٦٥، الاستيعاب ٣/ ٩١٣، الأعلام ٤/ ٨٨) . (تهذيب التهذيب ٥/ ٢٢٣، إمتاع الأسماع ١/ ١٤٨- ١٤٩، الإصابة ٤/ ٩٨- ٩٩، كتاب المحن ص ١٦٤- ١٦٥، الاستيعاب ٣/ ٩١٣، الأعلام ٤/ ٨٨) .
(٤) حمزة بن عبد المطلب بن هاشم عمّ النبي ﵌ وأحد أبطال قريش وساداتهم في الجاهلية والإسلام، ولد ونشأ في مكة وكان أعز قريش وأشدها شكيمة، كان يدافع عن النبي قبل أن يسلم، هاجر مع النبي ﵌ إلى المدينة وحضر وقعة بدر وغيرها، وكان أول لواء عقده النبي ﵌ لواء حمزة، قاتل يوم بدر بسيفين، استشهد يوم أحد، قتله وحشي بن حرب الحبشي بتحريض من هند بنت عتبة سنة ٣ هـ-. (الإصابة ٢/ ١٢١ صفة الصفوة ١/ ١٤٤، تاريخ الخميس ١/ ١٦٤، تاريخ الإسلام ١/ ٩٩، الاستيعاب ١/ ٣٦٩، الروض الأنف ١/ ١٨٥، ٢/ ١٣١، الأعلام ٢/ ٢٧٨) .
(٥) كذا بالأصل: (أشر الناس) وتحذف الهمزة من أفعل التفضيل هذا لكثرة الاستعمال حذفا شاذا، فيقال: (شر الناس) .
[ ١٣٦ ]
وَأَنَا مُسْلِمٌ)، يَعْنِي مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ، ثُمَّ أَنْشَأَ الأَنْصَارِيُّ [١] يَقُولُ [٢] .
(مِنَ الْمُتَقَارِبِ)
١- أَلَمْ تَرَ أَنِّي [٣] وَوَحْشِيُّهُمْ قَتَلْنَا مُسَيْلِمَةَ الْمُفْتَتَنْ
٢- تُسَائِلُنِي النَّاسُ عَنْ قَتْلِهِ فَقُلْتُ ضَرَبْتُ وَهَذَا طَعَنْ
٣- وَقَدْ زَعَمَ الْعَبْدُ أَنَّ السِّنَانَ هَوَى فِي خَوَاصِرِهِ وَارْجَحَنّْ [٤]
٤- ويزعم أنّي ضربت الشّؤون بِأَبْيَضَ عَضْبٍ يُطِيرُ الْقَنَنْ [٥]
٥- فَلَسْتُ بِصَاحِبِهِ دُونَهُ وَلا هُوَ بِصَاحِبِهِ فَاعْلَمَنْ [٦]
٦- وَلَكِنْ شَرِيكَانِ فِي قَتْلِهِ كَمَا شَارَكَ الرُّوحَ [٧] وَالْبَدَنْ
٧- وَلَمْ يَكُنِ الْحَظُّ إِلا لَهُ وَلا الْحَظُّ إِلا لِمَنْ قد طعن/ [٢٤ أ]
قَالَ: فَدَفَعْتُ حَنِيفَةَ جَانِبًا [٨] مِنَ الْحَائِطِ الَّذِي لِلْحَدِيقَةِ، وَخَرَجُوا مِنْهَا، وَالسَّيْفُ يَأْخُذُهُمْ. فَأَقْبَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ﵁، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَوَقَفُوا عَلَى مُسَيْلِمَةَ [٩] وَهُوَ مَقْتُولٌ ونظر إليه، فإذا هو أجفس
_________________
(١) هو عبد الله بن زيد الأنصاري كما مر أعلاه، ونسبها صاحب الإصابة إلى شنّ الجرشي حليف الأنصار وذكر له بيتين هما الأول والخامس، الإصابة ٣/ ٣٦٣.
(٢) البيتان: ١، ٥ في الإصابة ٣/ ٣٦٣، وقطع من كتاب الردّة ص ٢١ والأخير مصدره الإصابة.
(٣) في الأصل: (ألم تر أني الغلام ووحشيهم) . ولا يستقيم الوزن ب (الغلام) .
(٤) في الأصل: (حوى) بدلا من (هوى)، ارجحن: مال واهتز.
(٥) القنن: هنا الرؤوس، وقنة كل شيء أعلاه.
(٦) في الأصل: (نعلمن) . وفي الإصابة: (وليس بصاحبه دون شن)، قال: شن الجرشي حليف الأنصار، ذكر وثيمة في الردّة أنه شارك وحشي بن حرب في قتل مسيلمة.
(٧) في الأصل: كلمة مطموسة.
(٨) في الأصل: (جانب) .
(٩) في الأصل: (على المسيلمة) .
(١٠) في الأصل: (أجهس) أو (أجعس) أو (أجفس) وتحتمل الكلمة الهاء والعين والفاء. الأجعس: اللئيم الخلقة والخلق، والجعس: العذرة (اللسان: جعس) . الأجفس: اللئيم من الناس مع ضعف وفدامة (اللسان: جفس)، وكلا المعنيين وارد في صفة مسيلمة.
[ ١٣٧ ]
ضَعِيفُ الْبَدَنِ [١]، فَقَالَ خَالِدٌ: (أَيْنَ مُجَّاعَةُ بْنُ مُرَارَةَ)، فَقَالَ: (هَا أَنَا ذَا أَصْلَحَ اللَّهُ الأَمِيرَ)، فَقَالَ: (هَذَا صَاحِبُكُمُ الَّذِي أَوْقَعَكُمْ)، فَقَالَ مُجَّاعَةُ: (نَعَمْ أَصْلَحَ اللَّهُ الأَمِيرَ، هَذَا صَاحِبُنَا، فلعنة الله عليه، فلقد كان مشؤوما عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى بَنِي حَنِيفَةَ) . قَالَ: ثُمَّ جَعَلَ مُجَّاعَةُ بْنُ مُرَارَةَ يَقُولُ:
(مِنَ الرَّمَلِ)
١- قُلْتُ وَالأُفْقُ عَلَيْهِ [٢] قَتَمُهْ بِئْسَ [٣] مَا جَرَّ عَلَيْنَا مَسْلَمَهْ [٤]
٢- حَاوَلَ الْقَتْلَ فَأَلْفَى خَالِدًا [٥] كَعَتِيقِ [٦] الطَّيْرِ خَلَّى رَخِمَهْ
٣- قَالَ لَمَّا أَنْ رَآهُ [٧] مُقْبِلا إِنَّ هَذَا قَدْ يُرِيدُ الْقَحَمَهْ
٤- أَصْبَحَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا ضَائِعًا [٨] وَيْلَكَ الْخَيْرُ عَلَى مَا دَهَمَهْ [٩]
قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ مُجَّاعَةُ عَلَى خَالِدٍ فَقَالَ: (أَيُّهَا الأَمِيرُ، فَلِمَ [لا] تُصَالِحُنِي عَلَى مَنْ وَرَائِي مِنَ النَّاسِ، فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ مَا آتَاكَ إِلَى الْحَرْبِ إِلا سَرْعَانُ الْخَيْلِ) [١٠] . فَقَالَ خَالِدٌ: (وَيْلَكَ مَا تَقُولُ يَا مُجَّاعَةُ)، فَقَالَ: (أَقُولُ: أَرَى الْحُصُونَ مَمْلُوءَةً رِجَالا وَسِلاحًا) . فَظَنَّ خَالِدٌ كَمَا يَقُولُ، فَجَعَلَ يُقَدِّمُ وَيُؤَخِّرُ في الصلح.
_________________
(١) في الطبري ٣/ ٢٩٥: (فإذا رويجل أصيفر أخينس) .
(٢) في الأصل: (عليها) .
(٣) في الأصل: (ليس) وهو تحريف.
(٤) في الأصل: (مسيلمة) ولا يستقيم به الوزن.
(٥) في الأصل: (فألقى خالد) .
(٦) في الأصل: (يعتنق)، وعتيق الطير: الجوارح. الرخمة: طير أبقع يشبه النسر في الخلقة، يقال له الأنوق (الصحاح: عتق، رخم) .
(٧) في الأصل: (قال ما رآه مقبلا) .
(٨) في الأصل: (ضائع) .
(٩) البيتان الأخيران خرجة من الحاشية.
(١٠) في الطبري ٣/ ٢٩٦: (فقال له مجاعة: إنه والله ما جاءك إلا سرعان الناس، وإن الحصون لمملوءة رجالا، فهلمّ لك إلى الصلح على ما ورائي، فصالحه على كل شيء دون النفوس) .
[ ١٣٨ ]
قَالَ: وَكَانَ مُجَّاعَةُ أَرْسَلَ إِلَى الْحُصُونِ [١] فَأَمَرَ النساء أن يلبس الدُّرُوعَ وَالْمَغَافِرَ وَيَتَقَلَّدْنَ السُّيُوفَ، وَيَقِفْنَ عَلَى أَسْوَارِ الْحُصُونِ، حَتَّى نَظَرَ إِلَيْهِنَّ خَالِدٌ، فَلَمَّا نَظَرَ خالد إليهن قال: (يوحك يَا مُجَّاعَةُ، إِنِّي أَرَى الْحُصُونَ مَمْلُوءَةً رِجَالا وَسِلاحًا)، فَقَالَ مُجَّاعَةُ: (قَدْ خَبَّرْتُكَ بِذَلِكَ أَيُّهَا الأَمِيرُ لَكِنَّكَ أَبَيْتَ أَنْ تُصَالِحَنِي) . قَالَ خَالِدٌ: (إِنِّي قَدْ صَالَحْتُكَ) [٢] . فَصَالَحَهُ خَالِدٌ عَلَى مَا ظَهَرَ مِنَ الصَّفْرَاءِ وَالْبَيْضَاءِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَعَلَى ثُلُثِ الْكُرَاعِ وَرُبُعٍ مِنَ السَّبْيِ.
وَأَقْبَلَ مُجَّاعَةُ نَحْوَ الْحُصُونِ، فَإِذَا هُوَ بِامْرَأَةٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ قَدْ رَفَعَتْ صَوْتَهَا تَقُولُ [٣]:
(مِنَ المتقارب)
١- مُسَيْلِمُ [٤] لَمْ يَبْقَ إِلا النِّسَاءُ سَبَايَا لِذِي الْخُفِّ وَالْحَافِرِ
٢- وَطِفْلٌ تُرَشِّحُهُ أُمُّهُ صَغِيرٌ مَتَى يُدْعَ يَسْتَأْخِرِ
٣- فَأَمَّا الرِّجَالُ فَأَوْرَدْتَهُمْ [٥] حَوَادِثَ مِنْ دَهْرِنَا الْغَابِرِ
٤- فَلَيْتَ أَبَاكَ مَضَى حَيْضَةً وَلَيْتَكَ قَدْ كُنْتَ فِي الْقَابِرِ [٦]
٥- سَحَبْتَ عَلَيْنَا ذُيُولَ الْبَلاءِ وَجِئْتَ بِهِنَّ سَمَا قَاشِرِ [٧]
٦- أَلا يَا مُجَاعَةَ فَانْظُرْ لَنَا [٨] فَلَيْسَ لَنَا الْيَوْمَ مِنْ نَاظِرِ
٧- سِوَاكَ فَإِنَّا عَلَى حَالَةٍ يَرِقُّ لَهَا قلب ذا الكافر
_________________
(١) في الأصل: (حتى نظر إليهن خالد) ثم شطب عليها لأنها ستأتي.
(٢) انظر الروايات في خبر الصلح، الطبري ٣/ ٢٩٦- ٢٩٨.
(٣) الأبيات غير الثامن في: الاكتفاء ص ١٢٨- ١٢٩.
(٤) في الأصل: (مسيلمة) ويرخم، ويجوز في حركة الميم الضم على لغة من لا ينتظر، أو الفتح على لغة من ينتظر.
(٥) في الأصل: (فاودتهم) . وفي الاكتفاء: (فأودى بهم) .
(٦) في الاكتفاء: (وليتك لم تك في الغابر) .
(٧) في الأصل: (وقد جئت مسلما بالفاقر) وهو مختل، والتصويب من الاكتفاء.
(٨) كذا في الأصل والشعر مختل الوزن.
(٩) في الاكتفاء: (تروعنا مرة الطائر) .
[ ١٣٩ ]
٨- نِسَاءُ عَدِيٍّ وَعَبْدِ مَنَاةَ وَحَيِّ بَنِي الدُّولِ أو عامر
[٢٤ ب] قَالَ: فَدَنَا مِنْهُمْ مُجَّاعَةُ [١] وَقَالَ لَهَا: (بِرِضَى اللَّهِ، أَنَا مُجَّاعَةُ بْنُ مُرَارَةَ/ وَقَدْ صَالَحْتُ خَالِدًا صُلْحَ مَكْرٍ، فَلا تَبْرَحْنَ عَنْ مَوَاضِعِكُنَّ [٢] حَتَّى يَتِمَّ الصُّلْحُ) .
قَالَ: وَأُحْصِيَ مَنْ قُتِلَ من المسلمين ألفان ومائتا رجل [٣]، منهم سبعمائة رَجُلٍ [مِنْ] حُفَّاظِ الْقُرْآنِ. وَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ ﵁، فَقَامَتِ النَّائِحَاتُ فِي المدينة على الفتلى.
قَالَ: وَكَتَبَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى خَالِدٍ يُحَرِّضُهُ عَلَى قَتْلِ مَنْ بَقِيَ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ:
(مِنَ الْكَامِلِ)
١- يَا أَيُّهَا الرَّجُلانِ إِنَّ كُلُومَنَا دَمِيَتْ وَعَاوَدَ قَرْحَهَا [٤] التَّنْزِيفُ
٢- سِيرَا بِهَا للَّه [٥] دَرُّ أَبِيكُمَا سَيْرًا حَثِيثًا فِي مَدَاهُ وَجِيفُ
٣- قَتَلَتْ حَنِيفَةُ وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ أَهْلَ الْقُرْآنِ فَدَمْعُنَا تَذْرِيفُ
٤- قُولا لِخَالِدٍ الْمُزَاحِمِ دُونَنَا قَوْلا لَهُ في بعضه تعنيف
٥- يا ابن الْوَلِيدِ فَشَرِّدَنْ [٦] مَنْ خَلْفَهُمْ بِهِمُ وَذَا خَطْبٌ عَلَيْكَ خَفِيفُ
٦- لا يَقْتُلَنَّكَ مِنْهُمُ ذُو لَهْجَةٍ فالطف فإنّك في الأمور لطيف
_________________
(١) في الأصل: (المجاعة) .
(٢) في الأصل: (مواضع كن) .
(٣) راجع في عدد القتلى الطبري ٣/ ٢٩٦- ٢٩٧ وفيه: (وقد قتل من المهاجرين والأنصار من أهل قصبة المدينة يومئذ ثلاثمائة وستون، قال سهل: ومن المهاجرين من غير أهل المدينة والتابعين بإحسان ثلاثمائة من هؤلاء وثلاثمائة من هؤلاء، ستمائة أو يزيدون، وقتل من بني حنيفة في الفضاء بعقرباء سبعة آلاف، وفي حديقة الموت سبعة آلاف وفي الطلب نحو منها) .
(٤) في الأصل: (قروحها) .
(٥) في الأصل: (أسرى بها الله) .
(٦) في الأصل: (فشردا) .
[ ١٤٠ ]
٧- واقتلهم قتل الكلاب ولا تكن يا ابن الْمُغِيرَةِ دَأْبُكَ [١] التَّسْوِيفُ
٨- تَبِعُوا مُسَيْلِمَةَ الْكَذُوبَ سَفَاهَةً قَبُحَ الشَّرِيفُ وَقُبِّحَ الْمَشْرُوفُ
قَالَ: فَلَمَّا وَصَلَتْ هَذِهِ الأَبْيَاتُ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَنَظَرَ فِيهَا، قَالَ: (إِنَّهُ لَوْلا مَا قَدْ مَضَى مِنْ صُلْحِ الْقَوْمِ لَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَمَّا الآنَ فَلَيْسَ إِلَى قَتْلِهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) .
قَالَ: ثُمَّ كَتَبَ خَالِدٌ الْكِتَابَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ يَقُولُ فِيهِ:
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ خَلِيفَةِ رَسُولِ الله ﵌، مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ لَمْ يُرِدْ بِأَهْلِ الْيَمَامَةِ [٢] إِلا مَا صَارُوا إِلَيْهِ، وَقَدْ صَالَحْتُ الْقَوْمَ عَلَى مَا وُجِدَ مِنَ الصَّفْرَاءِ وَالْبَيْضَاءِ، وَعَلَى ثُلُثِ الْكُرَاعِ وَرُبُعِ السَّبْيِ، وَلَعَلَّ اللَّهَ ﵎ أَنْ يَجْعَلَ فِي عَاقِبَةِ صُلْحِهِمْ خَيْرًا، وَالسَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ) .
قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ ﵁:
(أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ قَرَأْتُ كِتَابَكَ، وَمَا ذَكَرْتَ فِيهِ مِنْ صُلْحِ الْقَوْمِ بِأَنَّهُمْ صَالَحُوكَ، فَأَتْمِمْ لِلْقَوْمِ مَا صَالَحْتَهُمْ عَلَيْهِ، وَلا تَغْدُرْ بِهِمْ، وَاجْمَعِ الْغَنَائِمَ وَالسَّبْيَ وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنْ مَالِ بَنِي حَنِيفَةَ، فَأَخْرِجْ مِنْ ذَلِكَ الْخُمُسَ، وَوَجِّهْ بِهِ إِلَيْنَا لِيُقَسَّمَ فِيمَنْ يَحْضُرُنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَادْفَعْ إِلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَالسَّلامُ) .
وَبَلَغَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَنَّ مُجَّاعَةَ بْنَ مُرَارَةَ قَدْ خَدَعَهُ، وَأَوْقَفَ النِّسَاءَ عَلَى حِيطَانِ السُّورِ، وَأَلْبَسَهُمُ السِّلاحَ، فَإِنَّهُ صَالَحَ خَالِدًا صُلْحَ مَكْرٍ. قَالَ: فَدَعَا بِهِ خَالِدٌ وَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: (نَعَمْ أَيُّهَا الأَمِيرُ، إِنِّي لَمْ أَجِدْ بُدًّا مِمَّا فَعَلْتُ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَوْمِي وَعَشِيرَتِي، وَخَشِيتُ عَلَيْهِمُ الْفَنَاءَ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونُوا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ/ أَعْوَانًا لَكَ عَلَى مَنْ نَاوَأَكَ) . قَالَ: فَسَكَتَ عَنْهُ خَالِدٌ، ولم يحب أن ينقض [٢٥ أ]
_________________
(١) في الأصل: (بدابك) من وهم الناسخ.
(٢) في الأصل: (الإمامة) وهو تحريف.
[ ١٤١ ]
الصُّلْحَ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُجَّاعَةَ، فَانْصَرَفَ مُجَّاعَةُ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- يَلُومُ عَلَى بَنِي حَنِيفَةَ ضَلَّةً وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ لِلْعُلَى غَيْرُ وَاحِدِ
٢- وَهَلْ يَنْهَضُ الْبَازِيُّ [١] إِلا بِرِيشِهِ وَهَلْ يَحْمِلُ الأَعْضَادَ غَيْرُ السَّوَاعِدِ
٣- فَمَا لِي إِلا مَنْ بَقِي الْيَوْمَ مِنْهُمُ وَمَا مَنْ مَضَى مِنْهُمْ إِلَيَّ بِعَائِدِ
٤- وَلَوْ قِيلَ أَفْدِي مَنْ مَضَى لَفَدَيْتُهُ بِنَفْسِي وَمَا لِي مِنْ طَرِيفٍ وَتَالِدِ
٥- وَإِنْ كُنْتُ قَدْ خَاطَرْتُ فِيهِمْ بِمُهْجَتِي فَلَمْ أَجِدْ إِلا وَجْدَ جَدِّي وَوَالِدِي [٢]
٦- هُمَا مَا هُمَا كَانَا لِكُلِّ عَظِيمَةٍ تَهَابُ وَتَخْشَى رَأْيَ أَهْلِ الْمَحَامِدِ
٧- فَأَحْيَيْتُ مَا أَحْيَا مُرَارَةُ [٣] إِنَّهُ وَوَالِدُهُ كَانَا لِتِلْكَ الشَّدَائِدِ
٨- وَقُلْتُ لِقَوْمِي قَلِّدُونِي أُمُورَكُمْ فَلَسْتُ لِمَا حَمَّلْتُمُونِي بِقَاعِدِ
٩- وَلَوْ خَالِدٌ [٤] كَانَ الْمُصَابَ بِقَوْمِهِ لَنَاظَرَ فِيهِمْ بِالْوَغَى وَالْمَكَائِدِ
١٠- لَقَالَتْ قُرَيْشٌ: خَالِدٌ سَيِّدُ الْوَرَى وَإِنْ كَانَ فِيهَا قَطْعُ تِلْكَ الْقَلائِدِ
١١- فَلَمْ يَنْقُضِ الْحَقَّ الْمَكِيدَةُ عِنْدَهُ وَلَكِنَّهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ زَائِدُ [٥]
قَالَ: ثُمَّ جَمَعَ خَالِدٌ ﵁ الْغَنَائِمَ، فَأَخْرَجَ مِنْهَا الْخُمُسَ، وَقَسَّمَ بَاقِي ذَلِكَ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَبَعَثَ الْخُمُسَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَانْتَخَبَ خَمْسِينَ مِنْ وُجُوهِ أَهْلِ الْيَمَامَةِ فَوَجَّهَ بِهِمْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، حَتَّى قَدِمَ هَؤُلاءِ الْقَوْمُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ مَعَ الْخُمُسِ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ وَسَلَّمُوا رَدَّ ﵈، ثُمَّ قَالَ:
(يَا بَنِي حَنِيفَةَ، مَا هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ أَزْمَعْتُمْ [٦] عليه من أمر مسيلمة) .
_________________
(١) في الأصل: (الباز) .
(٢) في الأصل: (ألا جد وجدي ووالد) . أجدى: من الجدوى وهي العطية.
(٣) مرارة: هو أبو مجاعة.
(٤) في الأصل: (ولو خالدا) وهو لحن.
(٥) في البيت اقواء.
(٦) في الأصل: (أزعمتم) وهو تحريف.
[ ١٤٢ ]
قَالَ: فَتَكَلَّمَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ عَمْرُو بْنُ سَمُرَةَ فَقَالَ: (يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، خرج بيننا وكان رجلا مشؤوما، أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ وَأَمَانِيِّ الشَّيْطَانِ، دَعَا إِلَيْهِ قَوْمَهُ مَنْ مِثْلَهُ فَأَجَابُوهُ إِلَى مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ، فَلَمْ يُبَارِكِ اللَّهُ لَهُ وَلا لِقَوْمِهِ فِيهِ، وَقَدْ كَانَ مِنَّا مِمَّا كَانَ مِنْ غَيْرِنَا، مِمَّنِ ارْتَدَّ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَأَنْتَ أَوْلَى بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ الْجَمِيلِ وَالسَّلامُ)، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ [١]:
(مِنَ الْمُتَقَارِبِ)
١- رَمَتْنَا الْقَبَائِلُ بِالْمُنْكَرَاتِ وَمَا نَحْنُ إِلا كَمَنْ قَدْ جَحَدْ
٢- وَلَسْنَا بِأَكْفَرَ مِنْ عَامِرٍ وَلا غَطَفَانَ وَلا مِنْ أَسَدْ
٣- وَلا مِنْ سُلَيْمٍ وَسَادَاتِهَا [٢] وَلا مِنْ تَمِيمٍ وَأَهْلِ الْجَنَدْ [٣]
٤- وَلا ذِي الْخِمَارِ [٤] وَلا قَوْمِهِ وَلا الأَشْعَثِ [٥] الْيَوْمَ لَوْلا النَّكَدْ
٥- وَلا مِنْ عَرَانِينَ مِنْ وَائِلٍ تَسُوقُ [٦] الْمُحَرَّقَ سوق النّقد
_________________
(١) القصيدة لعمرو بن سمرة الحنفي أحد الوفد الذين وفدوا إلى أبي بكر الصديق، كما مر، وفي معجم البلدان (الجند) منسوبة لعلي بن هوذة الحنفي، قالها بعد قتل مسيلمة، وسمع الناس يعيرون بني حنيفة بالردة، ويذكر من ارتد من العرب غير بني حنيفة. الأبيات السبعة الأولى فقط في معجم البلدان: (جند) .
(٢) في معجم البلدان: (ولا من سليم وألفافها) .
(٣) الجند: مخلاف في اليمن، قال أبو سنان اليماني: وأعمال اليمن في الإسلام مقسومة على ثلاثة ولاة، فوال على الجند ومخاليفها، وهو أعظمها، ووال على صنعاء ومخاليفها وهو أوسطها، ووال على حضرموت ومخاليفها وهو أدناها، والجند: مسماة بجند بن شهران بطن من معافر. (ياقوت: الجند) .
(٤) في الأصل: (ذا الخمار) وقد مرت ترجمته.
(٥) معجم البلدان: (ولا أشعث العرب لولا النكد) .
(٦) معجم البلدان: (بسوق النجير وسوق النقد) .
(٧) النقد (بالتحريك): جنس من الغنم قصار الأرجل قباح الوجوه تكون بالبحرين، الواحدة نقدة، ويقال: (أذل من النقد)، قال الأصمعي: أجود الصوف صوف النقد. (الصحاح: نقد) .
[ ١٤٣ ]
٦- وَكُنَّا أُنَاسًا عَلَى شُبْهَةٍ [١] نَرَى الْغَيَّ لا شَكَّ [٢] مِثْلَ الرَّشَدْ
٧- نَدِينُ بِمَا دَانَ [٣] كَذَّابُنَا فَيَا لَيْتَ وَالِدَهُ لَمْ يَلِدْ
٨- تَمَنَّى النُّبُوَّةَ فِي شِرْكِهِ وَمَا قَالَهَا قَبْلَهُ مِنْ أَحَدْ
٩- فَلَمَّا أَنَاخَ بِنَا خَالِدٌ جَهِدْنَا لَدَى الْحَرْبِ فِيمَنْ جَهِدْ
١٠- فَصَالَحَنَا بَعْدَ حَرِّ الْقِتَالِ عَلَى مَا أَرَادَ وَمَا لَمْ نُرِدْ
١١- خَرَجْنَا إِلَيْهِ بِأَمْوَالِنَا وَرُبْعِ النِّسَاءِ وَثُلْثِ النَّقَدْ
١٢- عَلَى الصَّغْرِ مِنَّا بِلا مِرْيَةٍ فَقَلَّدَنَا عَارَهَا فِي الأَبَدْ
[٢٥ ب] قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ عَمْرٌو مِنْ شِعْرِهِ أَقْبَلَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ/ ﵁، فَقَالَ:
ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ، وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ٣: ١٨٢ [٤]، قَالَ: ثُمَّ رَضِيَ عَنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَأَمَرَهُمْ بِالرُّجُوعِ إِلَى بَلَدِهِمْ بِالْيَمَامَةِ.
قَالَ: وَخَطَبَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ إِلَى مُجَّاعَةَ ابْنَتَهُ فَزَوَّجَهُ إِيَّاهَا، ودخل خالد بها هنا لك بِأَرْضِ الْيَمَامَةِ، فَكَانَ إِذَا جَاءَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ يَرُدُّ ﵈ وَيَأْمُرُهُمْ بِالْجُلُوسِ، فَيَجْلِسُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ حَيْثُ مَا لَحِقَ، وَإِذَا جَاءَ أَعْمَامُ هَذِهِ الْجَارِيَةِ الَّتِي قَدْ تَزَوَّجَ بِهَا، يَرْفَعُ مَجَالِسَهُمْ وَيَقْضِي حَوَائِجَهُمْ، قَالَ:
فَغَضِبَ الْمُسْلِمُونَ لِذَلِكَ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ مَا يَفْعَلُهُ خَالِدٌ، فَكَتَبَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ، يَقُولُ [٥]:
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- أَلا أَبْلِغِ الصِّدِّيقَ قَوْلا كَأَنَّهُ إِذَا بثّ بين المسلمين المبارد
_________________
(١) معجم البلدان: (على غرة) .
(٢) معجم البلدان: (نرى الغي في أمرنا كالرشد) .
(٣) معجم البلدان: (ندين كما دان كذابنا) .
(٤) [آل عمران: ١٨٢]، و[الأنفال: ٥١] .
(٥) الأبيات غير الخامس في: ديوان حسان ١/ ٤٥٩ (ط وليد عرفات)، والاشتقاق ١/ ١٤٩، والأبيات: ١، ٣، ٤ في كتاب العفو والاعتذار ١/ ١١٥.
(٦) في الأصل: (المبادر) تحريفا. ديوان حسان والاشتقاق: (إذا قص بين المسلمين المبارد) .
[ ١٤٤ ]
٢- أَتَرْضَى بِأَنَّا لا تَجِفُّ [١] دِمَاؤُنَا وَهَذَا عَرُوسٌ بِالْيَمَامَةِ خَالِدُ
٣- يَبِيتُ يُنَاغِي عُرْسَهُ فِي فِرَاشِهِ [٢] وَهَامٌ لَنَا مَطْرُوحَةٌ وَسَوَاعِدُ
٤- إِذَا نَحْنُ جِئْنَا صَدَّ عَنَّا بِوَجْهِهِ وَتُثْنَى [٣] لأَعْمَامِ الْعَرُوسِ الْوَسَائِدُ
٥- وَقَدْ كَانَتِ الأَنْصَارُ مِنْهُ قَرِيبَةً فَلَمَّا رَأَوْهُ قَدْ تَبَاعَدَ بَاعَدُوا
٦- وَمَا كَانَ فِي صِهْرِ الْيَمَامِيِّ رَغْبَةً وَلَوْ لَمْ يُصَبْ [٤] إِلا مِنَ النَّاسِ وَاحِدُ
٧- فَكَيْفَ بِأَلْفٍ قَدْ أُصِيبُوا وَنَيِّفٍ على المائتين [٥] الْيَوْمَ أَوْ زَادَ زَائِدُ
٨- فَإِنْ تَرْضَ هَذَا فَالرِّضَا مَا رَضِيتَهُ وَإِلا فَأَيْقِظْ إِنَّ مَنْ تَحْتَ رَاقِدُ [٦]
قَالَ: فَلَمَّا وَرَدَتْ هَذِهِ الأَبْيَاتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، غَضِبَ لِذَلِكَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، فَقَالَ: (يَاَ أَبَا حَفْصٍ مَا تَرَى إِلَى خَالِد بْنِ الْوَلِيدِ وَحِرْصِهِ عَلَى التَّزَوُّجِ، وَقِلَّةِ اكْتِرَاثِهِ بِمَنْ قُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، فَقَالَ عُمَرُ: (إِنَّا وَاللَّهِ لا يَزَالُ يَأْتِينَا مِنْ خَالِدٍ فِي كُلِّ حِينٍ مَا تَضِيقُ بِهِ الصُّدُورُ) .
قَالَ: ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ أبو بكر [٧]:
_________________
(١) [()] العفو والاعتذار: (من مبلغ الصديق) .
(٢) الديوان والاشتقاق: (لم تجف) .
(٣) الديوان والاشتقاق: (يناغي عرسه ويضمها) . العفو والاعتذار: (يظل يناجي عرسه في فراشها وهام لنا مبثوثة وسواعد)
(٤) الديوان والاشتقاق: (وتلقى لأعمام العروس) . العفو والاعتذار: (إذا أبصر الأنصار صد بوجهه وتلقى لأعمام العروس الوسائد)
(٥) في الأصل: (ولم يصبه)، والتصويب من ديوان حسان والاشتقاق.
(٦) في الديوان والاشتقاق: (قد أصيبوا كأنما دماؤهم بين السيوف المجاسد) وقد مر في الورقة ٢٤ ب من المخطوطة أن قتلى المسلمين بلغوا ألفا ومائتين، وإلى هذا يشير حسان وهو يوافق الواقع التاريخي، وسيذكر ذلك العدد أبو بكر في رسالته إلى خالد فيما يلي.
(٧) الديوان والاشتقاق: (وإلا فغير إن أمرك راشد) .
(٨) في الطبري ٣/ ٣٠٠: (فبلغ ذلك أبا بكر فكتب إليه كتابا يقطر الدم، لعمري يا ابن أم خالد،
[ ١٤٥ ]
(أما بعد يا ابن الْوَلِيدِ، فَإِنَّكَ فَارِغُ الْقَلْبِ حَسَنُ الْعَزَاءِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، إِذْ قَدِ اعْتَكَفْتَ عَلَى النِّسَاءِ وَبِفِنَاءِ بَيْتِكَ أَلْفٌ وَمِائَتَا رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، مِنْهُمْ سبعمائة رَجُلٍ مِنْ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ، إِنْ لَمْ يَخْدَعْكَ مُجَّاعَةُ بْنُ مُرَارَةَ عَنْ رَأْيِكَ أَنْ صَالَحَكَ عَنْهُ صُلْحَ مَكْرٍ، وَقَدْ أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْهُمْ، أَمَا وَاللَّهِ يَا خَالِدُ مَا هِيَ بِنُكْرٍ، وَإِنَّهَا شَبِيهَةٌ بِفِعْلِكَ بِمَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ، فَسَوْأَةٌ لَكَ وَلأَفْعَالِكَ هَذِهِ الْقَبِيحَةِ الَّتِي سَاءَتْكَ فِي بَنِي مَخْزُومٍ وَالسَّلامُ) .
قَالَ: فَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ إِلَى خَالِدٍ وَقَرَأَهُ تَبَسَّمَ ضَاحِكًا، ثُمَّ قَالَ: (يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ، وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ كَلامِهِ شَيْئًا، وَلا هَذَا إِلا مِنْ كَلامِ ابْنِ الْخَطَّابِ [١] ﵁، وَقَدْ كَانَ الَّذِي كَانَ وَلَيْسَ إِلَى رَدِّهِ مِنْ سَبِيلٍ) .
قَالَ: وَغَضِبَ أَهْلُ الْيَمَامَةِ لِمَا كَانَ مِنْ إِزْرَاءِ أَبِي بَكْرٍ عَلَى خَالِدٍ فِي تَزْوِيجِهِ مِنْهُمْ، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يَقُولُ:
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- إِنَّا وَإِنْ كَانَتْ قُرَيْشٌ أَئِمَّةً عَلَيْنَا وَفِيهِمْ نَخْوَةُ الْعِزِّ وَالشَّرَفْ
[٢٦ أ] ٢- فَلَسْنَا نَرَى صِهْرَ الْمُغِيرِيِّ خَالِدٍ [٢] لِمُجَّاعَةَ الْحَامِي الدِّيَارِ مِنَ السَّرَفْ/
٣- لَهُ شَرَفٌ فِي حَيِّ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ إِلَى خَلَفٍ مَا مِثْلُهُ فِيهِ مِنْ خَلَفْ
٤- عَلَى أَنَّ سَيْفَ اللَّهِ عِزَّةُ قَوْمِهِ بَرِيءٌ مِنَ الأَمْرِ الْمُقَرِّبِ لِلتَّلَفْ
٥- وَلَكِنَّ مُجَّاعَ الْيَمَامَةِ سَيِّدٌ خِضَمٌّ [٣] فَمَنْ شَا أَنْكَرَ الْيَوْمَ أَوْ عَرَفْ
٦- وَقَدْ نَفَّرَ الصِّدِّيقُ لِلصِّهْرِ نَخْوَةً تَوَخَّى لَهَا مِنْ خَالِدٍ بَعْضَ مَا سَلَفْ
٧- فَمَا كَرِهَ الصِّدِّيقُ مِنْهُ كَرِيهَةً وما سخف الصدّيق من أمره سخف
_________________
(١) [()] إنك لفارغ تنكح النساء، وبفناء بيتك دم ألف ومائتي رجل من المسلمين لم يجف بعد) .
(٢) في الطبري ٣/ ٣٠٠: (قال: فلما نظر خالد في الكتاب جعل يقول: هذا عمل الأعيسر، يعني عمر بن الخطاب) .
(٣) في الأصل: (خالدا) .
(٤) في الأصل: (حصم) غير معجمة. الخضمّ: السيد الحمول الجواد المعطاء الكثير المعروف والعطية. (اللسان: خضم) .
[ ١٤٦ ]