قال: فلما فرغ أبو بكر ﵁ مِنْ حَرْبِ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ، عَزَمَ عَلَى مُحَارَبَةِ أَهْلِ حَضْرَمَوْتَ مِنْ كِنْدَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ عَامِلَهُمْ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ الأَنْصَارِيَّ [٣] الَّذِي كَانَ وَلاهُ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ [٤]، كَانَ مُقِيمًا بِحَضْرَمَوْتَ، يُصَلِّي بِهِمْ وَيَأْخُذُ مِنْهُمْ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ زَكَاةِ أَمْوَالِهِمْ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ مَضَى رَسُولُ الله ﵌ لِسَبِيلِهِ، وَصَارَ الأَمْرُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَقَالَ لَهُ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: (يَا هَذَا، إِنَّا قَدْ سَمِعْنَا كَلامَكَ ودعائك إِلَى هَذَا الرَّجُلِ، فَإِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ اجْتَمَعْنَا)، قَالَ لَهُ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ [٥]: (يَا هَذَا، إِنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ)، فَقَالَ الأَشْعَثُ: (إِنَّكَ لا تَدْرِي كَيْفَ يَكُونُ الأَمْرُ بَعْدَ ذَلِكَ) .
قَالَ: فَسَكَت زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قَامَ إِلَى الأَشْعَثِ بن قيس
_________________
(١) في الأصل: (أرض حضرموت) .
(٢) انظر في ردة حضرموت وكندة: الطبري ٣/ ٣٣٠- ٣٤٢، وابن الأثير ٢/ ٣٧٨- ٣٨٣.
(٣) زياد بن لبيد بن ثعلبة بن سنان البياضي الأنصاري من بني بياضة بن عامر، خرج إلى رسول الله ﵌ وأقام معه في مكة، ثم هاجر معه إلى المدينة، شهد بدرا والمشاهد كلها، ولّاه الرسول ﵌ حضرموت وأقرّه عليها أبو بكر وأمره بقتال المرتدين، توفي في خلافة عمر، وقيل في خلافة معاوية. (الطبري ٣/ ٣٣٠ وما بعدها، أنساب الأشراف ص ٢٤٥، ٥٢٥، الإصابة ٢/ ٥٨٦- ٥٨٧) .
(٤) قوله: (كان مقيما بينهم ما يجب عليهم) خرجة من الحاشية.
(٥) في الأصل: (نهيان بن لبيد) .
[ ١٦٧ ]
ابْنِ عَمٍّ لَهُ مِنْ كِنْدَةَ يُقَالُ لَهُ امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ عَابِسٍ [١]، فَقَالَ: (يَا أَشْعَثُ، أَنْشُدُكَ باللَّه وَبِإيَمانِكَ وَقُدُومِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌ إِنْ نَكَصْتَ أَوْ رَجَعْتَ عَنْ دِينِ الإِسْلامِ، فَإِنَّكَ إِنْ تَقَدَّمْتَ تَقَدَّمَتِ النَّاسُ مَعَكَ، وَإِنَّ هَذَا الأَمْرَ لا بُدَّ لَهُ مِنْ قَائِمٍ يَقُومُ بِهِ فَيَقْتُلُ مَنْ خَالَفَهُ عَلَيْهِ، فَاتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، فَقَدْ عَلِمْتَ بِمَا جَرَى عَلَى مَنْ خَالَفَ أَبَا بَكْرٍ مِنَ العرب ومنعة الزكاة) . فقال له الأشعث: (يا ابن عَابْسٍ، إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَضَى لِسَبِيلِهِ، وَإِنَّ الْعَرَبَ قَدْ رَجَعَتْ إِلَى مَا تَعْبُدُ مِنَ الآبَاءِ، وَنَحْنُ أَقْصَى الْعَرَبِ دَارًا) . قَالَ لَهُ امْرُؤُ الْقَيْسِ: (فَسَيَبْعَثُ إِلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ جَيْشًا كَمَا بَعَثَ إِلَى غَيْرِكَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَهُوَ عَامِلٌ عَلَيْنَا، فَلا يَدَعْكَ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ الإيمان) . قال: فضحك الأشعث، ثم قال: (أو لا يرضى زياد يا ابن عَابِسٍ أَنْ نُجِيرَهُ وَيَكُونَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا)، قَالَ لَهُ امْرُؤُ الْقَيْسِ: (يَا أَشْعَثُ، انْظُرْ مَا يَكُونُ بَعْدَ هَذَا) .
قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفَ امْرُؤُ الْقَيْسِ وَهُوَ يَقُولُ [٢]:
(مِنَ الْوَافِرِ)
١- أَلا أَبْلِغْ أبا بكر رسولا وسكّان المدينة أجمعينا
_________________
(١) امرؤ القيس بن عابس (في الأعلام عانس وهما) بن المنذر بن امرئ القيس الكندي، وفد إلى النبي ﵌ فأسلم وثبت على إسلامه ولم يرتد مع المرتدين من قومه كندة، شاعر مخضرم من أهل حضرموت، شهد فتح حصن النجير وخباية شرقي تريم، سكن الكوفة وتوفي بها سنة ٢٥ هـ-. (الإصابة ١/ ١١٢- ١١٣، أسد الغابة ١/ ١٣٧، المؤتلف والمختلف ص ٥، تاريخ شعر الحضرميين ١/ ٤٤، الأعلام ٢/ ١٢) .
(٢) جاءت الأبيات غير الرابع في: المؤتلف والمختلف ص ٥، وتاريخ دمشق ٣/ ١١٥، وشرح أبيات مغني اللبيب- البغدادي ٥/ ٣١٠. والأبيات: ١، ٤، ٥ في كتاب العفو والاعتذار ١/ ١٣٥. والأبيات: ١، ٢، ٤، ٥ في الوحشيات ص ٥٨- ٥٩ نسبها لابن عامر الكندي. والبيتان: ١، ٥ في كتاب المكاثرة عند المذاكرة ص ٣٠٠. والبيتان: ١، ٢ في الإصابة ١/ ١١٢، والبيتان: ٣، ٥ في اللسان (سلم) .
(٣) المؤتلف والمختلف وشرح أبيات المغني: (وخص بها جميع المسلمينا) .
[ ١٦٨ ]
٢- فَلَيْسَ مُجَاوِرًا [١] بَيْتِي بُيُوتًا بِمَا قَالَ النَّبِيُّ مُكَذِّبِينَا [٢]
٣- دَعَوْتُ عَشِيرَتِي لِلسِّلْمِ لَمَّا رَأَيْتُهُمُ تَوَلَّوْا مدبرينا [٣] / [٣٠ ب]
٤- شأمتم قومكم وشأمتمونا وغابركم سيشأم [٤] غَابِرِينَا
٥- فَلَسْتُ بِعَادِلٍ للَّه رَبًّا [٥] وَلا مُتَبَدِّلا بِالسِّلْمِ [٦] دِينَا
قَالَ: وَافْتَرَقَ الْقَوْمُ فِرْقَتَيْنِ، فِرْقَةٌ أَقَامُوا عَلَى دِينِ الإِسْلامِ، فَلَمْ يَرْجِعُوا وَعَزَمُوا عَلَى إِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَفِرْقَةٌ عَزَمُوا عَلَى مَنْعِ الزَّكَاةِ وَالْعِصْيَانِ.
وَانْصَرَفَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ مَغْمُومًا إِلَى مَنْزِلِهِ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ نَادَى فِي أَهْلِ حَضْرَمَوْتَ فَجَمَعَهُمْ ثُمَّ قَالَ: (اجْمَعُوا صَدَقَاتِكُمْ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَوُجِّهَ بِهَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، لأَنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَقَدْ أَهْلَكَ اللَّهُ أَهْلَ الرِّدَّةِ وَأَمْكَنَ مِنْهُمُ الْمُسْلِمِينَ) .
قَالَ: فَجَعَلَ قَوْمٌ يُعْطُونَهُ الزَّكَاةَ طَائِعِينَ، وَقَوْمٌ يُعْطُونَهُ إِيَّاهَا كَارِهِينَ، وَزِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ يَجْمَعُ الصَّدَقَاتِ وَلا يُرِيهِمْ مِنْ نَفْسِهِ إِلا الصَّرَامَةَ، غَيْرَ أنه أخذ
_________________
(١) [()] الوحشيات: (وأبلغها جميع المسلمينا) الإصابة: (وبلغها جميع المسلمينا)، العفو والاعتذار: (وخص به سراة المؤمنينا)، المكاثرة: (وبلغه سراة المؤمنينا) .
(٢) في الأصل: (مجاوري) .
(٣) المؤتلف وشرح أبيات المغني: (فلست مجاورا أبدا قبيلا بما قال النبي مكذبينا)
(٤) المؤتلف وشرح أبيات المغني: (للسلم حتى رأيتهم أغاروا مفسدينا) .
(٥) في الأصل: (وعايركم سيام عابرينا) دون إعجام. الوحشيات: (وآخركم سيشأم آخرينا)، العفو والاعتذار: (كأشأم غابرينا) .
(٦) المؤتلف والمكاثرة وأبيات المغني واللسان والعفو والاعتذار: فلست مبدلا باللَّه ربا ولا مستبدلا بالسلم دينا الوحشيات: ولا متبدلا باللَّه ربا ولا متبدلا بالدين دينا
(٧) السلم: هنا الإسلام، ويلمح إلى قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ٢: ٢٠٨ [البقرة: ٢٠٨] .
[ ١٦٩ ]
يَوْمًا مِنَ الأَيَّامِ نَاقَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَوَسَمَهَا وَسَرَّحَهَا مَعَ الإِبِلِ الَّتِي يُرِيدُ [أَنْ] يُوَجِّهَ بِهَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَتْ هَذِهِ النَّاقَةُ لِفَتًى مِنْ كِنْدَةَ يُقَالُ لَهُ زَيْدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيُّ [١] مِنْ بَنِي قُشَيْرٍ، فَأَقْبَلَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ سَادَاتِ كِنْدَةَ يُقَالُ لَهُ حارثة بن سراقة [٢]، فقال له: (يا ابن عَمٍّ، إِنَّ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ قَدْ أَخَذَ نَاقَةً لِي فَوَسَمَهَا وَجَعَلَهَا فِي إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَأَنَا مَشْغُوفٌ بِهَا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُكَلِّمَهُ فِيهَا فَلَعَلَّهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَيَأْخُذَ غَيْرَهَا مِنْ إبلي، فإني لست أمنع عَلَيْهِ) .
قَالَ: فَأَقْبَلَ حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ إِلَى زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ وَقَالَ: (أَرَأَيْتَ أَنْ تَرُدَّ نَاقَةَ هَذَا الْفَتَى عَلَيْهِ وَتَأْخُذَ غَيْرَهَا فَعَلْتَ مُنَعَّمًا)، فَقَالَ لَهُ زِيَادٌ: (إِنَّهَا قَدْ دَخَلَتْ فِي حَقِّ اللَّهِ، وَقَدْ وَضَعَ عَلَيْهَا مِيسَمَ الصَّدَقَةِ وَلا أُحِبُّ أَنْ آخُذَ غَيْرَهَا)، فَغَضِبَ حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: (أَطْلِقْهَا وَأَنْتَ كَرِيمٌ، وَإِلا أَطْلِقْهَا وَأَنْتَ لَئِيمٌ)، قَالَ: فَغَضِبَ زِيَادٌ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: (لا أُطَلِّقُهَا حَتَّى أَنْظُرَ مَنْ يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَهَا أَوْ يَمْنَعُهَا)، قَالَ: فَتَبَسَّمَ حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ وَجَعَلَ يَقُولُ [٣]:
(مِنْ مَشْطُورِ السَّرِيعِ)
١- يَمْنَعُهَا شَيْخٌ بِخَدَّيْهِ الشَّيْبُ ٢- مُلَمَّعٌ كَمَا يَلْمَعُ الثَّوْبُ
_________________
(١) قوله: (زيد بن معاوية يقال له) خرجة من الحاشية.
(٢) حارثة بن سراقة بن معديكرب بن وليعة بن شرحبيل الكندي، أحد رؤساء كندة، ارتد ومنع الزكاة وقاتل زياد بن لبيد البياضي عامل أبي بكر الصديق ﵁. (الطبري ٣/ ٣٣٢، كتاب الفتوح ١/ ٤٨- ٥٠، معجم البلدان: حضرموت) .
(٣) الأشطار في تاريخ دمشق ٣/ ٦٣. والأشطار غير الرابع في كتاب الأوائل للعسكري ٢/ ٤٦ ومعجم البلدان (حضرموت) . والشطران: ١، ٢ في تاريخ الطبري ٣/ ٣٣٢، وكتاب الفتوح ١/ ٥٨، وتاريخ دمشق ٣/ ٧٢. والشطران: ١، ٣ في كتاب الأمثال- للقاسم بن سلام ص ١٠٧.
(٤) الأوائل: (ملمعا فيه كتلميع الثوب) . تاريخ دمشق: (قد لمع الوجه كتلميع الثوب) .
[ ١٧٠ ]
٣- مَاضٍ عَلَى الرَّيْبِ إِذَا خِيفَ الرَّيْبُ [١] ٤- مَا إِنْ يُبَالِي الْعَيْبَ وَقْتَ الْعَيْبِ [٢]
قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ حَارِثَةُ [٣] بْنُ سُرَاقَةَ إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَأَخْرَجَ النَّاقَةَ بِعَيْنِهَا، ثُمَّ قَالَ لِصَاحِبِهَا: خُذْ نَاقَتَكَ إِلَيْكَ، فَإِنْ كَلَّمَكَ أَحَدٌ فَاخْطِمْ [٤] أَنْفَهُ بِالسَّيْفِ، نَحْنُ إِنَّمَا أَطَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﵌ إِذْ كَانَ حَيًّا، وَلَوْ قَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ لأَطَعْنَاهُ، وَأَمَّا [ابْنُ] أَبِي قُحَافَةَ فَمَا لَهُ طَاعَةٌ فِي رِقَابِنَا وَلا بَيْعَةٌ، ثُمَّ أَنْشَأَ حَارِثَةُ يَقُولُ [٥]:
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- أَطَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ إِذْ كَانَ وَسْطَنَا فَيَا عجبا ممّن يطيع أبا بكر
_________________
(١) معجم البلدان: (إذا كان الريب) والقافية فيه مضمومة. كتاب الأمثال: (لا يحذر الريب إذا خيف الريب) . تاريخ دمشق: (اليوم لا أخلط بالعلم الريب) .
(٢) تاريخ دمشق: (وليس في منعي حريمي من عيب) .
(٣) في الأصل: (الحارثة بن سراقة) .
(٤) خطم أنفه: الخطم من الدابة مقدم أنفها وفمها، وخطمه: ضرب أنفه، والخطام: كل ما وضع في أنف البعير ليقتاد به. (القاموس: خطم) .
(٥) البيتان: ١، ٢ في معجم البلدان (حضرموت) ٢/ ٢٧١ لحارثة بن سراقة. الأبيات ١، ٢، ٤ مع بيت آخر في الطبري ٣/ ٢٤٦ للخيطل بن أوس أخي الحطيئة. قارن هذه القصيدة بقصيدة الحطيئة: ألا كلّ أرماح ركزن على الغمر فداء لأرماح ركزن على الغمر (ديوان الحطيئة ص ٣٢٩- ٣٣٠) إذ تتداخل بعض الأبيات والمعاني، ولعل هذه من تلك.
(٦) معجم البلدان: (ما دام بيننا فيا عجبا ما شأني وشأن أبي بكر) الطبري: (ما كان بيننا فيا لعباد الله ما لأبي بكر) ديوان الحطيئة: (إذ كان صادقا فيا عجبا ما بال دين أبي بكر)
[ ١٧١ ]
٢- لِيُورِثَهُ بَكْرًا إِذَا كَانَ بَعْدَهُ وَتِلْكَ وَبَيْتِ اللَّهِ قَاصِمَةُ الظَّهْرِ [١]
٣- وَإِنَّ أُنَاسًا يَأْخُذُونَ زَكَاتَكُمْ أقلّ وربّ البيت عندي من الذّرّ
[٣١ أ] ٤- وَإِنَّ الَّذِي تُعْطُونَهُ بِجَهَالَةٍ/ لَكَالتَّمْرِ أَوْ أَحْلَى بِفِينَا مِنَ التَّمْرِ [٢]
٥- حَلَفْتُ يَمِينًا غَيْرَ حَنْثٍ مَشُوبَةً وَإِنِّي لأَهْلٌ أَنْ أُوَفِّي بِهَا نَذْرِي
٦- عَلَى مَا تَرْجُو قُرَيْشٌ وَدُونَ مَا يُرَجُّونَ طَعْنٌ [٣] بِالْمُثَقَّفَةِ السُّمْرِ
٧- وَضَرْبٌ يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مُسْتَقَرِّهِ كَمَا كَانَتِ الأَشْيَاخُ فِي سَالِفِ الدَّهْرِ
٨- أَنُعْطِي قُرَيْشِا مَالَنَا إِنَّ هَذِهِ لَتِلْكَ الَّتِي [٤] يَخْزَى بِهَا الْمَرْءُ فِي الْقَبْرِ
٩- فَيَا قَوْمِ لا تُعْطُوا اللِّئَامَ مُقَادَةً وَقُومُوا وَإِنْ كَانَ الْمُقَامُ عَلَى الْجَمْرِ [٥]
١٠- فَكِنْدَةُ مَا زَالَتْ لُيُوثًا لدى الْوَغَى وَغَيْثَ بَنِي [حَوَّاءَ] [٦] فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ
١١- وَمَا لِبَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ [٧] إِمْرَةٌ عَلَيْنَا وَلا تِلْكَ الْقَبَائِلُ مِنْ فِهْرِ [٨]
١٢- لأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَوْجَبَ طَاعَةً وَأَوْلَى بِمَا اسْتَوْلَى عَلَيْهِمْ مِنَ الأَمْرِ
قَالَ: فَلَمَّا سَمِعَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ هَذِهِ الأَبْيَاتِ، كَأَنَّهُ اتَّقَى عَلَى مَا جمع من إبل
_________________
(١) ديوان الحطيئة والطبري ومعجم البلدان: (أيورثها بكرا إذا مات بعده فتلك لعمر الله قاصمة الظهر)
(٢) ديوان الحطيئة: (فإن الذي أعطيتم أو منعتم لكالتمر أو أحلى لحلف بني فهر)
(٣) في الأصل: (ترجو قريشا طعنا) والصواب ما أثبتنا، أي: دون الذي يرجون طعن.
(٤) في الأصل: (الذي) .
(٥) في ديوان الحطيئة: (فقوموا ولا تعطوا اللئام مقادة وقوموا وإن كان القيام على الجمر)
(٦) في الأصل: (بني حرا) ولم أر لها وجها، ولعلها (حواء) أم البشر.
(٧) في الأصل (تميم بن مرة) تحريف تيم، ويريد بتيم بن مرة أبا بكر وقومه، لأن أبا بكر من عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة. (جمهرة النسب ص ١٣٦- ١٣٧) .
(٨) فهر: أبو قريش، وهو فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان، وليس من ولد فهر أحد إلا قريش. (جمهرة النسب ص ١٢ وما بعدها) .
[ ١٧٢ ]
الصَّدَقَةِ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ، فَخَرَجَ مِنْ لَيْلَتِهِ يُرِيدُ الْمَسِيرَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا صَارَ عَلَى مَسِيرَةِ يَوْمَيْنِ مِنَ الْقَوْمِ [كَتَبَ] إِلَى حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ [١]:
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- نُقَاتِلُكُمْ فِي اللَّهِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ حَتَّى تُطِيعُوا أَبَا بَكْرِ
٢- وَحَتَّى تَقُولُوا بَعْدَ خِزْيٍ وَذِلَّةٍ رَضِينَا بِإِعْطَاءِ الزَّكَاةِ عَلَى الْقَسْرِ
٣- وَحَتَّى تَقُولُوا بَعْدَ كُفْرٍ وَرِدَّةٍ بِأَنَّا أُنَاسٌ لا نَعُودُ إِلَى الْكُفْرِ
٤- وَلَيْسَ لَنَا وَاللَّهِ بُدٌّ مِنَ اخْذِهَا فَدُونَكُمُوهَا مِثْلَ رَاغِيَةِ الْبَكْرِ [٢]
٥- فَإِنْ تَصْبِرُوا لِلضَّرْبِ وَالطَّعْنِ بِالْقَنَا فَإِنَّا أُنَاسٌ مُجْمِعُونَ عَلَى الصَّبْرِ
قَالَ: فَلَمَّا وَرَدَتْ أَبْيَاتُ زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ هَذِهِ غَضِبَتْ أَحْيَاءُ كِنْدَةَ لِذَلِكَ غَضَبًا شَدِيدًا، ثُمَّ وَثَبَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فَقَالَ: خَبِّرُونِي عَنْكُمْ يَا مَعْشَرَ كِنْدَةَ إِنْ كُنْتُمْ قَدْ أَزْمَعْتُمْ [٣] عَلَى مَنْعِ الزَّكَاةِ وَحَرْبِ أَبِي بَكْرٍ، فَهَلا قَتَلْتُمْ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ، فَكَانَ يَكُونُ الأَمْرُ فِي ذَلِكَ وَاحِدًا كَائِنًا مَا كَانَ، وَلَكِنَّكُمْ أَمْسَكْتُمْ عَنْهُ حَتَّى أَخَذَ زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ ثُمَّ رَحَلَ عَنْكُمْ إِلَى صَاحِبِهِ، وَكَتَبَ إِلَيْكُمْ وَيُهَدِّدُكُمْ بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَمِّهِ: صَدَقْتَ وَاللَّهِ يَا أَشْعَثَ، مَا كَانَ الرَّأْيُ إِلا قَتْلُ زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ وَارْتِجَاعُ مَا دُفِعَ إِلَيْهِ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَاللَّهِ مَا نَحْنُ إِلا عَبِيدٌ لِقُرَيْشٍ، مَرَّةً يُوَجِّهُونَ إِلَيْنَا بِالْمُهَاجِرِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ [٤] فَيَأْخُذُونَ مِنْ أَمْوَالِنَا مَا يُرِيدُونَ، ومرة يولون علينا
_________________
(١) جاء البيت الأول فقط في كتاب الفتوح- ابن أعثم ١/ ٥٩.
(٢) (كانت عليهم كراغية البكر) هذا مثل يضرب في التشاؤم بالشيء، ويعني بالبكر بكر ثمود حين رماه صاحبهم فرغا عند الرمية، فأنزل الله بهم سخطه عند قتل الناقة وبكرها. (كتاب الأمثال- القاسم بن سلام ص ٣٣٢) .
(٣) في الأصل: (أزعمتم) .
(٤) في الأصل: (المهاجر بن أمية) والصواب: ابن أبي أمية. المهاجر بن أبي أمية: سهل (أو حذيفة) بن المغيرة المخزومي القرشي، صحابي من القادة الفرسان، شهد بدرا مع المشركين، وقتل يومئذ أخواه هشام ومسعود كافرين، وأسلم
[ ١٧٣ ]
مِثْلَ زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ، فَيَأْخُذُ مِنْ أَمْوَالِنَا وَيُهَدِّدُنَا بِالْقَتْلِ، وَاللَّهِ لا طَمِعَتْ قُرَيْشٌ فِي أَمْوَالِنَا بَعْدَهَا أَبَدًا، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ [١]:
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- إِذَا نَحْنُ أَعْطَيْنَا الْمُصَدِّقَ [٢] سُؤْلَهُ فَنَحْنُ لَهُ فِيمَا يُرِيدُ عَبِيدُ
٢- أَفِي كُلِّ يَوْمٍ للمهاجر جبوة [٣] ولا بن لَبِيدٍ إِنَّ ذَا لَشَدِيدُ
٣- فَحَتَّى مَتَى نُعْطِي الإِتَاوَةَ [٤] مَعْشَرًا إِذَا أَخَذُوا قَالُوا لِمَعْشَرَ عُودُوا
[٣١ ب] قَالَ: ثُمَّ تَكَلَّمَ آخَرُ مِثْلَ كَلامِ الأَوَّلِ، وَحَرَّضَ بَنِي عَمِّهِ/ عَلَى الْعِصْيَانِ وَمَنْعِ الزَّكَاةِ، وأنشأ يقول:
_________________
(١) [()] المهاجر وكان اسمه (الوليد) فسمّاه رسول الله ﵌ (المهاجر) وتزوج النبيّ أخته لأمه (أم سلمة) واسمها هند، وأرسله إلى الحارث بن عبد كلال باليمن، وتخلف المهاجر عن وقعة تبوك سنة ٩ هـ- فعتب عليه النبي ثم رضي عنه، واستعمله على صدقات كندة والصدف، وبعثه أبو بكر لقتال المرتدين إلى اليمن بعد مقتل الأسود العنسي، فتولى إمارة صنعاء سنة ١١ هـ-، وكتب إليه أبو بكر أن ينجد زياد بن لبيد البياضي في حصاره لحصن النجير قرب حضرموت فأنجده وفتح الحصن سنة ١٢ هـ-، وله في قتال المرتدين شعر، توفي بعد سنة ١٢ هـ-. (نسب قريش ص ٣١٦، المحبر ص ١٢٦، ١٨٦- ١٨٨، معجم البلدان (النجير)، أسد الغابة ٥/ ٢٧٧، الإصابة ٦/ ٢٢٨- ٢٢٩، الأعلام ٧/ ٣١٠) .
(٢) جاء البيت الأول فقط في كتاب الفتوح ١/ ٥٩.
(٣) المصدق: الذي يأخذ الحقوق من الإبل والغنم، ويقال للذي يقبض الصدقات ويجمعها لأهل السهمان مصدق، وكذلك الذي ينسب المحدث إلى الصدق مصدق، قال تعالى: أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ ٣٧: ٥٢ [الصافات: ٥٢] (اللسان: صدق) .
(٤) الجبوة والجبية: الحالة من جبي الخراج واستيفائه، وجبي الخراج: جمعه، قال ابن سيده في جبيت الخراج: جبيته من القوم وجبيته القوم، قال النابغة الجعدي: دنانير تجبيها العباد وغلّة على الأزد من جاه امرئ قد تمهّلا (اللسان: جبى) .
(٥) الإتاوة: الرشوة والخراج، وكل ما أخذ بكره أو قسم على موضع من الجباية وغيرها إتاوة. (اللسان: أتى) .
[ ١٧٤ ]
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- إِذَا نَحْنُ أَعْطَيْنَا الْمُصَدِّقَ سُؤْلَهُ فجدّع منّا كلّ أنف ومسمع
٢- فو الله لَوْ قَالُوا عِقَالا لَقُلْتُ لا إِلَيْهِ سَبِيلٌ لا وَلا قَيْسُ أُصْبُعِ [١]
٣- فَقُلْ لِزِيَادٍ وَالْمُهَاجِرِ [٢] أَوْعِدَا فَمَا مِثْلُنَا فِي وَعْدِهِ بِمُوَرَّعِ [٣]
٤- وَمَا مِثْلُنَا يُعْطِي عَلَى الْقَسْرِ مَالَهُ وَنَحْنُ مُلُوكُ النَّاسِ مِنْ قَبْلِ تُبَّعِ [٤]
قَالَ: ثُمَّ تَكَلَّمَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ كِنْدَةَ، إِنْ كُنْتُمْ عَلَى مَا أَرَى، فَلْتَكُنْ كَلِمَتُكُمْ وَاحِدَةً، وَالْزَمُوا بِلادَكُمْ وَحَوِّطُوا حَرِيمَكُمْ، وَامْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ الْعَرَبَ لا تَقَرُّ بِطَاعَةِ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ وَتَدَعُ سَادَاتِ الْبَطْحَاءِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ إِلَى غَيْرِهَا، وَإِنَّهَا لَنَا أَجْوَدُ، وَنَحْنُ لَهُ أَحْرَى، وَأَصْلَحُ مِنْ غَيْرِنَا، لأَنَّا الْمُلُوكُ وَأَبْنَاءُ الْمُلُوكِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ قُرَشِيٌّ وَلا أَبْطَحِيٌّ [٥]، ثُمَّ أَنْشَأَ الأَشْعَثُ يَقُولُ:
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- لَعَمْرِي لَئِنْ كَانَتْ قُرَيْشٌ تَتَابَعَتْ [٦] عَلَى بَيْعَةٍ بعد الرسول وسمّحوا
_________________
(١) قيس إصبع: قدر إصبع، القيس والقاس: القدر، يقال: قيس رمح وقاسه، ويقال: هذه خشبة قيس إصبع أي قدر إصبع، والقيس والقيد سواء. (اللسان: قيس) .
(٢) زياد: هو زياد بن لبيد، والمهاجر: هو المهاجر بن أبي أمية، وقد مرت ترجمتهما.
(٣) مورع: أي متحرج ناكص، والورع التحرج، والورع الكف عن المحارم، والورع (بالتحريك): الجبان سمي بذلك لإحجامه ونكوصه، قال ابن السكيت: وأصحابنا يذهبون بالورع إلى الجبان وليس كذلك، وإنما الورع الصغير الضعيف الذي لا غناء عنده، والورع: الضعيف في رأيه وعقله وبدنه. (اللسان: ورع) .
(٤) تبع: ملك من ملوك اليمن وهم التبابعة، وفي الحديث: (لا تسبوا تبعا فإنه أول من كسا الكعبة)، قيل هو ملك في الزمان الأول اسمه أسعد أبو كرب، وقيل: كان ملك اليمن لا يسمى تبعا حتى يملك حضرموت وسبأ وحمير. (اللسان: تبع) .
(٥) الأبطحيّ: أي القرشي، وقريش البطاح: الذين ينزلون بين أخشبي مكة. (القاموس: بطح) .
(٦) في الأصل: (تتابعك) .
[ ١٧٥ ]
٢- بِهَا لِبَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ جَهْرَةٌ وَسَمَّوْا عَتِيقًا [١] عِنْدَ ذَاكَ وَصَرَّحُوا
٣- أَمِيرًا وَنَحَّوْا عَنْهُ آلَ مُحَمَّدٍ وَكَانُوا بِهَا أَوْلَى هُنَاكَ وَأَصْلَحُ
٤- وَإِنْ صَلَحَتْ فِي تَيْمِ مُرَّةَ إِمْرَةٍ فَفِي كِنْدَةَ الأَمْلاكُ [٢] أَحْرَى وَأَصْلَحُ
٥- لأَنَّا مُلُوكُ النَّاسِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُرَى عَلَى الأَرْضِ تَيْمِيٌّ وَلا مُتَبَطِّحُ
٦- فَمَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي عَتِيقًا [٣] بِأَنَّهُ أَنَا الأَشْعَثُ الْكِنْدِيُّ بِذَاكَ مُصَرِّحُ [٤]
٧- إِذَا [مَا] غَضِبْنَا مَادَتِ الأَرْضُ وَانْكَفَتْ فَإِنْ رَضِينَا الأَرْضُ لا تَتَزَحْزَحُ [٥]
قَالَ: ثُمَّ إِنَّ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ رَأَى مِنَ الرَّأْيِ أَنْ لا يُعَجِّلَ بِالْمَسِيرِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَوَجَّهَ بِمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ مَعَ ثِقَةٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ لا يُخْبِرَ أَبَا بَكْرٍ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْقَوْمِ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ سَارَ إِلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ كِنْدَةَ، يُقَالُ لَهُمْ بَنُو ذُهْلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَخَبَّرَهُمْ بِمَا كَانَ مِنْ قَوْمِهِمْ إِلَيْهِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ سَادَاتِ الْقَوْمِ يُقَالُ لَهُ الْحَارِثُ بْنُ مُعَاوِيَةَ [٦]، فَقَالَ لَهُ: يَا زِيَادُ، إِنَّكَ لَتَدْعُو إِلَى الطَّاعَةِ لِرَجُلٍ لَمْ يُعْهَدْ إِلَيْنَا وَلا إِلَيْكُمْ فِيهِ عَهْدٌ، فَقَالَ لَهُ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ: صَدَقْتَ، فَإِنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ إِلَيْنَا وَلا إِلَيْكُمْ فِيهِ عَهْدٌ، وَلَكِنِ اخْتَرْنَاهُ لِهَذَا الأَمْرِ، فَقَالَ لَهُ الْحَارِثُ: أَخْبِرْنِي فَلِمَ نَحَّيْتُمْ عَنْهَا أَهْلَ بَيْتِهِ، وَهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا، لأَنَّ اللَّهَ ﷿ يقول: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ ٨: ٧٥
_________________
(١) عتيق: اسم أبي بكر الصديق ﵁، قيل: سمي بذلك لأن الله ﵎ أعتقه من النار، واسمه عبد الله بن عثمان، روت عائشة أن أبا بكر دخل على النبي ﵌ فقال: (يا أبا بكر أنت عتيق الله من النار)، فمن يومئذ سمي عتيقا، وقيل: كان يقال له عتيق لجماله. (اللسان: عتق، وانظر الحديث في صحيح الترمذي مناقب ١٦) .
(٢) الأملاك: أي الملوك جمع ملك، ملوك وأملاك وملكاء وملاك وملك. (القاموس: ملك) .
(٣) في الأصل: (عتيق) وهو لحن.
(٤) في الأصل: (مسرح) .
(٥) في الأصل: (إذا غضبنا مادت بك الأرض وانكفت ) وبه خلل في الوزن.
(٦) الحارث بن معاوية الكندي، من رؤساء بني ذهل بن معاوية، وكان ممن حرضوا على الردة. (كتاب الفتوح ١/ ٥٠- ٥١) .
[ ١٧٦ ]
[١] . / فَقَالَ لَهُ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ: إِنَّ الْمُهَاجِرِينَ والأنصار أنظر لأنفسهم [٣٢ أ] مِنْكَ، فَقَالَ لَهُ الْحَارِثُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: لا وَاللَّهِ، مَا أَزَلْتُمُوهَا عَنْ أَهْلِهَا إِلا حَسَدًا مِنْكُمْ لَهُمْ، وَمَا يَسْتَقِرُّ فِي قَلْبِي أَنَّ رسول الله ﵌، خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَنْصِبُ لِلنَّاسِ عِلْمًا يَتَّبِعُونَهُ، فَارْحَلْ عَنَّا أَيُّهَا الرَّجُلُ، فَإِنَّكَ تَدْعُو إِلَى غَيْرِ رِضًا، ثُمَّ أَنْشَأَ الْحَارِثُ يَقُولُ [٢]:
(مِنَ الْكَامِلِ)
١- كَانَ [٣] الرَّسُولُ هُوَ الْمُطَاعُ فَقَدْ مَضَى صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ لَمْ يَسْتَخْلِفِ
٢- هَذَا مَقَالُكَ يَا زِيَادُ فَقَدْ أَرَى أَنْ قَدْ أَتَيْتَ بِقَوْلِ سُوءٍ مُخْلِفِ
٣- وَمَقَالُنَا أَنَّ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ غَيْرُ مُكَلِّفِ
٤- تَرَكَ الْخِلافَةَ بَعْدَهُ لِوُلاتِهِ وَدَعَا زِيَادٌ لامْرِئٍ لَمْ يَعْرِفِ
٥- إِنْ كَانَ لابْنِ أَبِي قُحَافَةَ إِمْرَةٌ فَلَقَدْ أَتَى فِي أَمْرِهِ بِتَعَسُّفِ
٦- أَمْ كَيْفَ سَلَّمْتَ الْخِلافَةَ هَاشِمٌ لِعَتِيقِ تَيْمٍ كَيْفَ مَا لَمْ تَأْنَفِ
قَالَ: فَوَثَبَ عَرْفَجَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الذُّهْلِيُّ [٤] فَقَالَ: صَدَقَ وَاللَّهِ الْحَارِثُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، أَخْرِجُوا هَذَا الرَّجُلَ عَنْكُمْ، فَمَا صَاحِبُهُ بِأَهْلٍ لِلْخِلافَةِ، وَلا يَسْتَحِقُّهَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَمَا الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ بِأَنْظَرَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ من نبيها ﵌، ثُمَّ أَنْشَأَ عَرْفَجَةُ يَقُولُ:
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- لَعَمْرِي وَمَا عُمْرِي عَلَيَّ بِهَيِّنٍ لَقَدْ قَالَ حَقًّا حَارِثُ بْنُ مُعَاوِيَهْ
٢- أَيَمْلِكُ عَبْدٌ رَبَّهُ إِنَّ دَهْرَنَا لَيَطْرُقُنَا فِي كُلِّ حِينٍ بِدَاهِيَهْ
_________________
(١) [الأنفال: ٧٥] .
(٢) جاء البيت الأول فقط في كتاب الفتوح ١/ ٥٠.
(٣) في الأصل: (لان الرسول) .
(٤) عرفجة بن عبد الله الذهلي ممن ارتد وحرّض على الردة. (كتاب الفتوح ١/ ٥١) .
[ ١٧٧ ]
٣- فَمَنْ مُبْلِغٌ عَنَّا عَتِيقًا رِسَالَةً لَبِسْتَ لِبَاسَ الظَّالِمِينَ عَلانِيَهْ
٤- لَحَا اللَّهُ مَنْ أَعْطَاكَ طَاعَةَ بَيْعَةٍ مُقِرًّا وَلا أَبْقَى لَهُ الدَّهْرُ بَاقِيَهْ
٥- أَتَمْلِكُهَا دُونَ الْقَرَابَةِ ظَالِمًا لَكَ الذَّبْحُ ذَرْهَا إِنَّمَا هِيَ عَارِيَهْ
قَالَ: ثُمَّ وَثَبَ رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ يُقَالُ لَهُ عَدِيُّ بْنُ عَوْفٍ [١]، فَقَالَ: يَا قَوْمِ، لا تَسْمَعُوا كَلامَ عَرْفَجَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَلا تُطِيعُوا أَمْرَهُ، فَإِنَّهُ يَدْعُوكُمْ إِلَى الْكُفْرِ وَيَصُدُّكُمْ عَنِ الْحَقِّ، اقْبَلُوا مِنْ زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ مَا يَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ، وَارْضَوْا بِمَا رَضِيَ بِهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ، فَإِنَّهُمْ أَنْظَرُ لأَنْفُسِهِمْ مِنْكُمْ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ [٢]:
(مِنَ الْكَامِلِ)
١- يَا قَوْمِ إِنِّي نَاصِحٌ لا تَرْجِعُوا فِي الْكُفْرِ وَاتَّبِعُوا مَقَالَ النَّاصِحِ [٣]
٢- لا تَرْجِعُوا عَنْ دِينِكُمْ فِي رِدَّةٍ بَغْيًا فَإِنَّ الْبَغْيَ أَمْرٌ فَاضِحُ
٣- لا يَأْخُذَنَّكُمُ لِقَوْلٍ عِزَّةٌ حَتَّى يُخَالِفَكُمْ عَدُوٌّ كَاشِحُ
٤- إِنِّي لأَرْهَبُ بَعْدَ هَذَا إِنْ تَكُنْ حَرْبٌ زَبُونٌ لِلْكِبَاشِ تَنَاطُحُ [٤]
٥- لا بَلْ أَخَافُ عَلَيْكُمُ مِثْلَ الَّذِي لاقَتْ ثَمُودٌ قَبْلَ ذَاكَ وَصَالِحُ
قَالَ: فَوَثَبَ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ بَنِي عَمِّهِ فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَدْمَوْهُ وَشَتَمُوهُ أقبح شتم، ثم [٣٢ ب] وَثَبُوا إِلَى زِيَادٍ وَأَخْرَجُوهُ مِنْ دِيَارِهِمْ، وَهَمُّوا بِقَتْلِهِ، قَالَ: فَجَعَلَ/ زِيَادٌ لا يَأْتِي قَبِيلَةً مِنْ قَبَائِلِ كِنْدَةَ فَيَدْعُوهُمْ إِلَى الطَّاعَةِ إِلا رَدُّوا عَلَيْهِ مَا يَكْرَهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ سَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ، إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، فَخَبَّرَهُ بِمَا كَانَ مِنَ الْقَوْمِ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّ قَبَائِلَ كِنْدَةَ قَدْ عَزَمَتْ عَلَى الارْتِدَادِ وَالْعِصْيَانِ. فَاغْتَمَّ أَبُو بَكْرٍ ﵁ لِذَلِكَ غَمًّا شَدِيدًا، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، هَذَا
_________________
(١) عدي بن عوف الكندي: ممن ثبت على الإسلام، وممن حرّض قومه على نبذ الردّة والتمسك بالإسلام. (كتاب الفتوح ١/ ٥١) .
(٢) جاء البيت الأول فقط في كتاب الفتوح ١/ ٥١.
(٣) في البيت اقواء لأن بقية الأبيات رويها مضموم، والاقواء كثير في الشعر القديم.
(٤) في الأصل: (يكن تناصحوا) .
[ ١٧٨ ]
خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مُقِيمٌ بِأَرْضِ الْيَمَامَةِ، وَقَدْ تَعْلَمُ أَنَّهُ رَجُلٌ مُظَفَّرٌ، فَوَجِّهْ بِهِ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ خَالِدًا لَكَمَا وَصَفْتُمْ، وَلَكِنَّ أَمِيرَهُمُ الَّذِي أَخْرَجُوهُ عَنْهَا هُوَ أَحَقُّ بِحَرْبِهِمْ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ جَمَعَ أَبُو بَكْرٍ جَيْشًا فَضَمَّهُمْ إِلَى زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ، وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْقَوْمِ، فَسَارَ زِيَادٌ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي أَرْبَعَةِ أَلْفٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ يُرِيدُ حَضْرَمَوْتَ.
قَالَ: وَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِقَبَائِلَ كِنْدَةَ، فَكَأَنَّهُمْ نَدِمُوا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ، ثُمَّ قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَبْنَاءِ مُلُوكِهِمْ يُقَالُ لَهُ أَبْضَعَةُ بْنُ مَالِكٍ [١]: يَا مَعْشَرَ كِنْدَةَ، إِنَّا قَدْ أَضْرَمْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا نَارًا لا أَظُنُّ أَنَّهَا تُطْفَأُ أَوْ تَحْرِقُ مِنْهَا بَشَرًا كَثِيرًا، وَالرَّأْيُ عِنْدِي أَنْ نَتَدَارَكَ مَا فَعَلْنَا وَنُسْكِنَ هَذِهِ الثَّائِرَةَ الَّتِي ثَارَتْ، وَنَكْتُبُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَنُعْلِمُهُ بِطَاعَتِنَا، وَأَنْ نُؤَدِّيَ إِلَيْهِ زَكَاةَ أَمْوَالِنَا طَائِعِينَ غَيْرَ مُكْرَهِينَ، وَإِنَّا قَدْ رَضِينَا بِهِ خَلِيفَةً وَإِمَامًا، مَعَ أَنِّي أَقُولُ لَكُمْ هَذِهِ الْمَقَالَةَ وَلَسْتُ بِخَارِجٍ مِنْ رَأْيِكُمْ، على أني أعلم ما تؤول أُمُورُكُمْ غَدًا، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ [٢]:
(مِنَ الْوَافِرِ)
١- أَرَى أَمْرًا لَكُمْ فِيهِ سُرُورُ وَآخِرُهُ لَكُمْ فِيهِ نَدَامَهْ
٢- وَمَا لِي بَعْدَ كِنْدَةَ مِنْ بَقَاءٍ وَمَا لِي بَعْدَ ظَعْنِكُمُ إِقَامَهْ
٣- فَأَمْرِي أَمْرُكُمْ فِيهِ وَأَنِّي لَكُمْ مِمَّا أُحَاذِرُهُ سَلامَهْ
٤- وَقَدْ رَجَعَتْ بَنُو أَسَدٍ وَكَانَتْ بَنُو أَسَدٍ وَذُبْيَانَ خُزَامَهْ
٥- وَقَرَّتْ عَامِرٌ جَزَعًا فَأَمْسَتْ [٣] مُطَوَّقَةً بِهَا طَوْقَ الْحَمَامَهْ
٦- وَقَدْ رَجَعَتْ قَبَائِلُ مِنْ سُلَيْمٍ وَكَانَ حَدِيثُهُمْ فِي النَّاسِ شَامَهْ
٧- وَقَدْ رَجَعَتْ بِبَلْدَتِهَا تَمِيمٌ فَمَا كَسَرَتْ بِرَجْعَتِهَا بِشَامَهْ
_________________
(١) أبضعة بن مالك الكندي: أحد أبناء ملوك كندة، كان ممن ارتدوا وقاتلوا المسلمين ثم ندم وأراد الرجوع إلى الإسلام والطاعة ودفع الزكاة. (كتاب الفتوح ١/ ٥٢) .
(٢) جاء البيت الأول فقط في كتاب الفتوح ١/ ٥٢.
(٣) في الأصل العبارة مضطربة وزنا ومعنى، وجاءت بهذا الرسم: (أمرت عامر جرعة) .
(٤) البشامة: واحدة البشام وهو شجر طيب الريح يستاك به. (الصحاح: بشم) .
[ ١٧٩ ]
٨- وَقَدْ رَجَعَتْ حَنِيفَةُ فَاسْتَبَاحَتْ جُنُودُ اللَّهِ أَجْنَادَ الْيَمَامَهْ
٩- وَفِي الْبَحْرَيْنِ قَدْ عَضَّتْ بِبَكْرٍ رِمَاحَ الْخَطِّ [١] وَالْبِيضَ الْخِذَامَهْ [٢]
قَالَ: فَلَمَّا سَمِعَتْ قَبَائِلُ كِنْدَةَ هَذَا الشِّعْرَ وَالْكَلامَ، كَأَنَّهُمُ انْكَسَرُوا لِذَلِكَ وَجَعَلَ بَعْضُهُمُ يُثَوِّبُ [٣] بَعْضًا، فَقَالَ قَوْمٌ: نَرْجِعُ عَمَّا فَعَلْنَا وَنُؤَدِّي الزَّكَاةَ، وَقَالَ قَوْمٌ: لا بَلْ نَمْنَعُ الزَّكَاةَ وَنُقَاتِلُ مَنْ يَجِيئُنَا مِنْ عِنْدِ أَبِي بَكْرٍ، فَأَنْشَأَ حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ يقول:
(من الخفيف)
[٣٣ أ] ١- لَسْتُ أَدْرِي إِذَا خَلَوْتُ بِنَفْسِي أَخَطَأٌ أَوْلَى بِهَا أَمْ صَوَابُ/
٢- قَدْ مَنَعْتُ الْمُهَاجِرَ بْنَ أميّ- ة من مالنا وكلّ مجاب [٤]
٣- وزياد فَمَا أَرَى [٥] لِزِيَادٍ فِي الَّذِي يَدَّعِي جَنَاحَ ذباب
٤- أجمعت كندة الغداة على الحر ب هَوَى مَعْشَرٌ مِنَ الأَوْشَابِ
٥- زَعَمُوا أَنَّهُمْ أَصَابُوا وَأَنَّا قَدْ نَكَصْنَاهُمْ عَلَى الأَعْقَابِ
٦- فَلَئِنْ كَانَ ذَا غَدًا فَعَظِيمٌ مِثْلُ هَذَا عَلَى ذَوِي الأَحْسَابِ
قَالَ: فَلَمَّا سَمِعَتْ قَبَائِلُ كِنْدَةَ هَذِهِ الأَبْيَاتِ مِنْ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ، وَثَبُوا إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَمَّلْنَا [٦] فيما نحن عليه سؤال، وما زلت مشؤوما في
_________________
(١) الخط: أرض تنسب إليها الرماح الخطية، وهو خط عمان، وقال أبو منصور: وذلك السيف كله يسمى الخط، ومن قرى الخط القطيف والعقير وقطر، قلت أنا: وجميع هذا في سيف البحرين وعمان وهي مواضع كانت تجلب إليها الرماح القنا من الهند فتقوم فيه وتباع على العرب. (ياقوت: الخط) .
(٢) البيض الخذامة: السيوف القاطعة، وخذم: أي قطع، والمخذم: السيف القاطع. (الصحاح: خذم) .
(٣) يثوب: يرجع، وثاب: رجع وعاد. ولعل الكلمة: (يؤنب) .
(٤) كذا والبيت مضطرب الوزن.
(٥) في الأصل: (فما رأى) .
(٦) كذا الكلمة مطموسة، وقوله: (ما أملنا بن قيس فقال) خرجة من الحاشية.
[ ١٨٠ ]
كُلِّ حَالٍ، ثُمَّ وَثَبَ إِلَيْهِ الأَشْعَثُ بْنُ قيس فقال: والله يا ابن سُرَاقَةَ لأَسْلَمْنَاكَ غَدًا إِلَى زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ، قَضَى فِيكَ مَا قَضَى، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لِكِنْدَةَ مِنْ نَصْبِ الْحَرْبِ لِمِثْلِ أَبِي بَكْرٍ فِي سَبَبِ نَاقَةٍ لا أَقَلَّ وَلا أَكْثَرَ، ثُمَّ أَنْشَأَ الأَشْعَثُ يَقُولُ:
(مِنَ الْخَفِيفِ)
١- عَجَبًا ما عجبت من حدث الدّه- ر وَمِنْ فِعْلِ حَارِثِ بْنِ سُرَاقَهْ
٢- هَاجَ حَرْبًا يشيب من هولها الرأ س وَيُسْجِي بِهَا الْوَلِيدُ النَّاقَهْ
٣- حَارِثُ خُذْهَا وَقَوْلُ بَنِي الْمُنْذِرِ فَمَاذَا يَكُونُ لَوْلا الْحَمَاقَهْ [١]
٤- حَارِثُ أنت أشأم خلق اللّ- هـ فِي سَعْدِهَا وَيَوْمِ الْمَحَاقَهْ
قَالَ: فَقَالَ حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ: يَا أَشْعَثُ، إِنَّ كَلامَكَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّكَ نَاصِحٌ قَوْمَكَ غَدًا إِذَا وَافَاهُمْ جَيْشُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ الأَشْعَثُ: وَاللَّهِ مَا أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ ذَلِكَ يَا حَارِثَةُ، فَكُنْ مِمَّا قُلْتَهُ عَلَى يَقِينٍ.
قَالَ: فَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِزِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ قَدْ نَدِمَ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ، فَجَزَوْهُ خَيْرًا، وَكَتَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ بَنِي عَمِّهِ [٢] مِمَّنْ كَانَ مَعَ زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ [٣]:
(مِنَ الْكَامِلِ)
١- إِنْ تُمْسِ كِنْدَةُ نَاكِثِينَ عُهُودَهُمْ فاللَّه يَعْلَمُ أَنَّنَا لَمْ نَنْكِثِ [٤]
٢- وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّنَا لَمْ نَأْلُهُمْ نُصْحًا وَمَنْ يَحْلِفْ بِهَا لَمْ يَحْنَثِ
٣- وَالرَّاقِصَاتُ إِلَى مِنًى مَبْعُوثَةٌ تَهْوِي بركب من خزاعة شعّث
_________________
(١) كذا جاء البيت وهو وما بعده مختلا الوزن.
(٢) هو عثعث بن عمرو الكندي، كان ممن ثبت على إسلامه في الردة. انظر: الإصابة ٥/ ١٢٢، وكتاب الفتوح ١/ ٥٢.
(٣) جاء البيتان: ١، ٥ في الإصابة ٥/ ١٢٢ في ترجمة عثعث بن عمرو الكندي، وقطع من كتاب الردة ص ٣٥، وجاء البيت الأول فقط في كتاب الفتوح ١/ ٥٢.
(٤) الإصابة وقطع من كتاب الردة: (إنني لم أنكث) .
(٥) في الأصل: (بعث) .
[ ١٨١ ]
٤- إِنْ كَانَ فِي قَوْمِي الَّذِينَ أَعُدُّهُمْ خَيْرٌ [١] فَذَاكَ الْخَيْرُ عِنْدَ الأَشْعَثِ
٥- اسْمَعْ فِدًى لَكَ وَالِدَايَ [٢] كِلاهُمَا أَقْبِلْ وَلا تَرْدُدْ نَصِيحَةَ عَثْعَثِ [٣]
قَالَ: فَوَثَب رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ يُقَالُ لَهُ عَفِيفُ بْنُ مَعْدِيٍّ، وَكَانَ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ وَذَوِي أَنْسَابِهِمْ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ بَنِي كِنْدَةَ، إِنَّكُمْ قَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مَذْحِجٍ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالشَّحْنَاءِ، وَهَذِهِ خَيْلُ أَبِي بَكْرٍ قَدْ سَارَتْ إِلَى مَا قِبَلَكُمْ، تُخْبِرُونِي الآنَ أَيُّ الْخَيْلَيْنِ تَدْفَعُ عَنْكُمْ، خَيْلُ أَبِي بَكْرٍ أَمْ خَيْلُ مَذْحِجٍ، أَمَا وَاللَّهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَمَا أَنَا إِلا رَجُلٌ مِنْكُمْ، وَلَكِنْ كَأَنِّي بِمُلُوكِكُمْ وَسَادَاتِكُمْ قَدْ أَهْلَكَتْهُمْ هَذِهِ الْحُرُوبُ الَّتِي تَتَوَقَّعُونَهَا، وَقَدْ وَاللَّهِ وَقَعْنَا فِي أَمْرٍ مَا لَنَا مِنْ مَخْلَصٍ إِلا السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ، وَالسَّلامُ، ثم أنشأ يقول:
(من الطويل) [٣٣ ب]
١- وَقَعْنَا بِأَمْرٍ مَا لَنَا مِنْهُ مَخْرَجُ [٤] / سِوَى دَفْعِهِ بِالصَّبْرِ حَتَّى تَفَرَّجَا
٢- وَإِيزَاحِهِ عَنَّا بِغَيْرِ خِدَاجَةٍ وَلا خَيْرَ فِي أَمْرٍ إِذَا كَانَ مُخْدَجَا [٥]
٣- مَنَعْتُمْ زِيَادًا مَا لَكُمْ وَأَظُنُّهُ سَيُوقِدُها نَارًا عَلَيْكُمْ مُوَهَّجَا
٤- فَيُصْبِحُ فِيهَا مِنْ جَنَاهَا سفاهة قليل العزا عن قومه متعجّجا
_________________
(١) [()] خزاعة: حي من الأزد، قال ابن الكلبي: إنما سموا خزاعة لأنهم انخزعوا عن قومهم حين أقبلوا من مأرب فنزلوا ظهر مكة، وهم بنو عمرو بن ربيعة، وهو لحي بن حارثة. (اللسان: خزع) .
(٢) في الأصل: (في قوم خيرا) .
(٣) في الأصل: (فذلك والدي) .
(٤) البيت في الإصابة: (لا تبغ إلّا الدين دينا واحدا خذها ولا تردد نصيحة عثعث)
(٥) في الأصل: (مخرجا) ولعله جاء بهذا اللحن توافقا مع القافية.
(٦) مخدج: من الخداج، وخدجت الناقة وغيرها ألقت ولدها قبل أوانه لغير تمام الأيام، وفي الحديث: (كلّ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج) أي نقصان، وأمر مخدج: أي ناقص. (اللسان: خدج) .
(٧) متعججا: أي صياحا، والعجاج: الأحمق، والعجاج من الناس: الغوغاء والأراذل ومن لا خير فيه، واحدهم عجاجة. (اللسان: عجج) .
[ ١٨٢ ]
٥- أَلا خَبِّرُونِي وَالْحَوَادِثُ [١] جَمَّةٌ وَلا خَيْرَ فِي قَوْلٍ إِذَا كَانَ لَجْلَجَا
٦- أَخَيْلُ أَبِي بَكْرٍ تَرُدُّونَ عَنْكُمُ إِذَا مَا أَتَتْكُمْ أَمْ تَرُدُّونَ مَذْحِجَا
٧- أَظُنُّكُمُ وَاللَّهُ غَالِبُ أَمْرِهِ سَتَبْغُونَ فِي الْحَرْبِ الْهُمَامِ الْمُتَوَّجَا
٨- وَتَبْغُونَ فِيهَا كُلَّ فَارِسِ بُهْمَةٍ [٢] إِذَا اشْتَدَّ يَوْمًا حَالَةُ الْقَوْمِ أَهْوَجَا
قال: وتقارب [ت] خَيْلُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بِلادِ حَضْرَمَوْتَ وَدِيَارِ كِنْدَةَ وَحُصُونِهِمْ، فَوَثَبَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ ثَوْرُ بْنُ مَالِكٍ [٣]، وَكَانَ قَدِيمَ الْعَهْدِ فِي الإِسْلامِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَسْلَمَ فِي أَيَّامِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﵌ إِلَى أَرْضِ الْيَمَنِ، قَالَ: وَكَانَ ثَوْرُ بْنُ مَالِكٍ هَذَا مِمَّنْ أَسْلَمَ يَوْمَئِذٍ، فَأَقْبَلَ عَلَى قَوْمِهِ فَقَالَ:
يَا مَعْشَرَ كِنْدَةَ، أَرَاكُمْ مُجْتَمِعِينَ عَلَى حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَرَى فِيكُمْ نَخْوَةَ الْمُلْكِ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ الَّذِي تَدْعُونَ [٤] مِنَ الْمُلْكِ قَدْ مَحَقَهُ اللَّهُ ﵎ بِنَبِيِّهِ محمد ﵌، وَأَنَّ السُّيُوفَ الَّتِي قَتَلَ اللَّهُ بِهَا أَهْلَ الرِّدَّةِ هِيَ السُّيُوفُ الَّتِي تُقَاتِلُكُمْ غَدًا، فَتَدَارَكُوا أُمُورَكُمْ، هَذِهِ خَيْلُ أَبِي بَكْرٍ قَدْ تَقَارَبَتْ مِنْكُمْ.
قَالَ فَوَثَبَ بَعْضُهُمْ فَلَطَمَ وَجْهَهُ وَشَتَمَهُ وَضَعَّفَ أَمْرَهُ، ثُمَّ صَاحَ بِهِ رِجَالُ كندة من كل ناحية وقالوا: يا ابن مَالِكٍ، مَا أَنْتَ وَالْكَلامُ بَيْنَ أَيْدِي الْمُلُوكِ ولست هناك، قم من ها هنا فَالتُّرَابُ فَفِيكَ.
قَالَ: فَوَثَبَ ثَوْرُ بْنُ مَالِكٍ مِنْ عِنْدِ الْقَوْمِ، وَقَدْ نَزَلَ بِهِ مِنْهُمْ ما نزل، فأنشأ يقول [٥]:
_________________
(١) في الأصل: (في الحوادث) .
(٢) فارس بهمة: الفارس الذي لا يدري من أين يؤتى له من شدة بأسه، والبهمة: الشجاع. (اللسان: بهم) .
(٣) ثور بن مالك الكندي: كان في عصر النبي ﵌ وصحب معاذ بن جبل باليمن، واستخلفه على كندة لما بلغه وفاة النبي ﵌، له خطبة يحث بها قومه على الثبات على الإسلام ونبذ الردة. (الإصابة ١/ ٤٢٠) .
(٤) في الأصل: (يدعون) .
(٥) جاء البيتان: ٢، ٤، في الإصابة ١/ ٤٢٠، وقطع من كتاب الردّة ص ٣٨.
[ ١٨٣ ]
(مِنَ الْمُتَقَارِبِ)
١- تَطَاوَلَ لَيْلِي لِغَيِّ الْمُلُوكِ [١] وَقَدْ كُنْتُ قِدْمًا نَصَحْتُ الْمُلُوكَا
٢- فَأَصْبَحْتُ أَبْكِي بُكَاءَ الثُّكُولِ [٢] وَلَمْ أَكُ فِيمَا أَتَوْهُ شَرِيكَا
٣- وَقُلْتُ لَهُمْ حِينَ رَدُّوا الأُمُورَ أَرَى لِلْمُلُوكِ هَلاكًا وَشِيكَا
٤- فَقُلْتُ تَحَلَّوْا [٣] بِدِينِ الرَّسُولِ فَقَالُوا سَفَاهًا تُرَابٌ بِفِيكَا [٤]
٥- فَأَصْبَحْتُ أَبْكِي عَلَى مُلْكِهِمْ بُكَاءً طَوِيلا وَحُزْنًا هَلُوكَا
٦- وَقُلْتُ لِمَنْ عَابَنِي مِنْهُمُ عَسَى مَا تُسَرُّ بِهِ أَنْ يَسُوكَا
قَالَ: وَأَشْرَفَتْ خَيْلُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى دِيَارِ بَنِي كِنْدَةَ، فَإِذَا أَرْبَعَةُ أُخْوَةٍ مِنْ مُلُوكِ بَنِي كِنْدَةَ، أَحَدُهُمْ يُقَالُ لَهُ [٥]: مُخَوِّصٌ [٦]، وَمُشَرِّحٌ، وَجَمَدٌ، وَأَبْضَعَةُ، فَإِذَا هُمْ عَلَى شَرَابٍ لَهُمْ وَالْمَعَازِفُ [٧] بَيْنَ أيديهم، لم يشعروا إلا وخيل المسلمين [٣٤ أ] على رؤوسهم، فَوَضَعُوا فِيهِمُ السُّيُوفَ، وَقَتَلُوا أُخْتًا لَهُمْ/ يُقَالُ لها العمرّدة
_________________
(١) في الأصل: (الملوكا) .
(٢) الإصابة: (فأصبحت أبكي على هلكهم) .
(٣) في الأصل: (تحلها) .
(٤) الإصابة: (وقلت تحلوا فقالوا التراب سفاها بفيكا) .
(٥) كذا بالأصل، ولعل الصواب: (هم) أو (يقال لهم) .
(٦) في القاموس: (مخوس) بالسين. (القاموس: العمرد) .
(٧) في الأصل: (المعارف) .
(٨) العمرد: الطويل من كل شيء، والعمردة أخت مشرح ومخوس وجمد وأبضعة الذين لعنهم النبي ﵌ (القاموس: العمرد) . قال: ومخوس كمنبر ومشرح وجمد وأبضعة: بنو معديكرب، الملوك الأربعة الذين لعنهم رسول الله ﵌، ولعن أختهم العمردة، وفدوا مع الأشعث فأسلموا ثم ارتدوا، فقتلوا يوم النجير، فقالت نائحتهم: يا عين بكّي لي الملوك الأربعة وكانت ابنة جمد تحت الأشعث بن قيس، وهؤلاء الملوك الأربعة من بني حجر القرد بن الحارث. (جمهرة النسب ص ٤٢٨، الإصابة ١/ ٥٥٣، القاموس: خاس، العمرد) .
[ ١٨٤ ]
وَاحْتَوَوْا عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَقَلِيلِهِمْ وَكَثِيرِهِمْ، فَأَنْشَأَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ يَقُولُ [١]:
(مِنْ مَشْطُورِ الرَّجَزِ)
١- شُكْرًا لِمَنْ يُعْطِي الرَّغَائِبَ مِنْ سَعَهْ ٢- قَتَلَ الْمُلُوكَ بَنُو الْمُلُوكِ الأَرْبَعَهْ [٢]
٣- جَمَدُ النَّدَى وَمُشَرِّحٌ وَأَبْضَعَهْ [٣] ٤- وَمُخَوِّصٌ [٤] لَيْسَ الْفَتَى بِذِي ضَعَهْ
قَالَ: وَاتَّصَلَ هَذَا الْخَبَرُ بِالسَّكَاسِكِ وَالسُّكُونِ، وَهُمَا قَبِيلَتَانِ مِنْ قَبَائِلِ كِنْدَةَ، فَكَأَنَّهُمُ اتَّقَوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَرَكِبُوا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَسَارُوا إِلَى زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ، فَاسْتَأْمَنُوا إِلَيْهِ وَعَزَمُوا عَلَى نُصْرَتِهِ.
قَالَ: وَسَارَ زِيَادٌ إِلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ كِنْدَةَ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو هِنْدٍ، فَكَبَسَهُمْ وَقَاتَلَهُمْ فَوَقَعَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَيْهِمْ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً، وَوَلَّوُا الأَدْبَارَ، وَاحْتَوَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُ:
(مِنَ الرَّمَلِ)
١- يَا بَنِي هِنْدٍ لَقِيتُمْ صَيْلَمَا [٥] إِذْ كَفَرْتُمْ بالإله المنعما
_________________
(١) جاء البيتان: ٢، ٣ في العقد الفريد ٣/ ٣٩٢، ومعجم البلدان (حضرموت) والقائل هو زياد بن لبيد كما في معجم البلدان.
(٢) في الأصل: (بني الملوك) . العقد الفريد: (نحن قتلنا بالنجير أربعة) . معجم البلدان: (نحن قتلنا الأملاك الأربعة) وهو مضطرب الوزن. وقال: إنما سموا ملوكا لأنه كان لكل واحد منهم واد يملكه.
(٣) العقد الفريد: (مخوس مشرحا وجمدا أبضعه) . معجم البلدان: (جمدا ومخوسا ومشرحا وابضعة) .
(٤) في المصادر: (مخوس) بالسين.
(٥) الصيلم: الداهية، وهو يريد زياد بن لبيد، ويسمى السيف صيلما، والصيلم: الأمر المستأصل. (اللسان: صلم) .
[ ١٨٥ ]
٢- فَتَرَرْنَاكُمْ [١] بِسُمْرٍ شُرَّعٍ وَبِبِيضِ الْهِنْدِ تَفْرِي اللِّمَمَا [٢]
٣- قد لَعَمْرِي سَاءَنِي [٣] هَلْكُكُمْ وَبَكَتْ عَيْنِي دُمُوعًا وَدَمَا
٤- فَارْجِعُوا لِلآنَ [٤] عَنْ كُفْرِكُمُ وَاتْبَعُوا دِينًا حَنِيفًا قَيِّمَا
٥- فَلَقَدْ أَبْدَيْتُ [٥] نُصْحِي لَكُمُ فَتَعَوَّضْتُ بِنُصْحِي نَدَمَا
قَالَ: ثُمَّ سَارَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ إِلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ كِنْدَةَ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو الْعَاتِكِ، فَوَافَاهُمْ وَهُمْ غَافِلُونَ، فَلَمَّا أَشْرَفَتِ الْخَيْلُ عَلَيْهِمْ تَصَايَحَتِ النِّسَاءُ وَخَرَجَ الرِّجَالُ إِلَى الْحَرْبِ، فَاقْتَتَلُوا سَاعَةً، وَوَقَعَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَيْهِمْ، فَانْهَزَمُوا وَأَسْلَمُوا دِيَارَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَاحْتَوَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ، ثُمَّ أَنْشَأَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُ:
(مِنَ الرَّمَلِ)
١- يَا بَنِي الْعَاتِكِ أَوْدَيْتُمْ مَعَا وَبَنُو هِنْدٍ أُبِيدُوا [٦] أَجْمَعَا
٢- زَرَعُوا بِالْبَغْيِ زَرْعًا ضَرَّهُمْ وَكَذَا يَحْصُدُهُ مَنْ زَرَعَا
٣- صَنَعُوا قِدْمًا صَنِيعًا فَاحِشًا كَمْ صَنِيعٍ ضَرَّ مَنْ قَدْ صَنَعَا
٤- عَيْنُ [٧] فَابْكِيهِمْ عَلَى بَغْيِهِمْ ما دعا إلف لهم أو سجعا
_________________
(١) تر الشيء: قطعه، وتر الشيء: بان وانقطع بضربة، وخص بعضهم به العظم، وترت يده تتر ترورا واترها هو، وكذلك كل عضو قطع بضربة فقد تر ترا. (اللسان: ترر) .
(٢) في الأصل: (تقرى للقما) . اللمم: جمع لمة، وهي شعر الرأس إذا كان فوق الوفرة، واللمة: الشيء المجتمع. (اللسان: لمم) .
(٣) في الأصل: (قد لعمري قد ساءني) .
(٤) في الأصل: (فارجعوا الآن) وهو مختل الوزن.
(٥) في الأصل: (ابدأت) .
(٦) في الأصل: (بيد ذا) محرفة.
(٧) في الأصل: (يا عين) ولا يستقيم بها الوزن.
(٨) في الأصل: (شجعا) مصحفة.
[ ١٨٦ ]
٥- كَمْ رَئِيسٍ تَرَكُوهُ نَادِرًا [١] بِسُيُوفٍ مُرْهَفَاتٍ قَطَّعَا
٦- قَتْلُهُمْ قَدْ هَدَّ رُكْنِي وَبَرَى [٢] أَعْظُمِي فَالأَنْفُ مِنِّي جُدِّعَا
٧- قَدْ بَذَلْنَا النُّصْحَ لَكِنْ لَمْ أَجِدْ فِيهِمُ يَوْمًا لِنُصْحِي مَوْضِعَا
قَالَ: ثُمَّ سَارَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ إِلَى حَيٍّ مِنْ أحياء كندة يقال لهم بنو حجر، وهم يَوْمَئِذٍ جَمَرَاتُ [٣] كِنْدَةَ وَفُرْسَانُهُمْ، فَلَمْ يَشْعُرُوا إِلا وَالْخَيْلُ قَدْ كَبَسَتْهُمْ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَاقْتَتَلَ الْقَوْمُ سَاعَةً، وَقُتِلَ مِنْ بَنِي حُجْرٍ مِائَتَا رَجُلٍ، وَأُسِرَ مِنْهُمْ خَمْسُونَ رَجُلا، وَوَلَّى [٤] الْبَاقُونَ الأدبار، واحتوى/ المسلمون على قليلهم [٣٤ ب] وَكَثِيرِهِمْ، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ مِنْ مُسْلِمِي كِنْدَةَ يَقُولُ:
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- أَيَا عَيْنُ فَابْكِي [٥] مَا حَيِيتِ بَنِي حُجْرِ بِدَمْعٍ غَزِيرٍ لا قَلِيلٍ وَلا نَزْرِ
٢- نَصَحْتُهُمُ لَوْ يَقْبَلُونَ نَصِيحَتِي وَقُلْتُ لَهُمْ لا تَتْرُكُنَّ [٦] أَبَا بَكْرِ
٣- فَلَمَّا أَبَوْا فِي الْبَغْيِ إِلا تَمَادِيًا صَبَحْنَاهُمُ مِنَّا بِقَاصِمَةِ الظَّهْرِ
٤- لَقِينَاهُمُ لَيْلا هُنَاكَ بِجَحْفَلٍ فَكَانَ عَلَيْهِمْ مِثْلُ راغية البكر
_________________
(١) في الأصل رأس الكلمة مطموس (فادرا) أو (غادرا) أو (نادرا) . ندر الرجل: سقط، وقيل: سقط وشد، وقيل: سقط من خوف شيء أو من بين شيء، وندر الرجل: إذا مات، قال ساعدة الهذلي: (اللسان: ندر) . كلانا وإن طال أيامه سيندر عن شزن مدحض
(٢) في الأصل: (ركني يدي) وصواب الكلمة (برى) بدلالة (أعظمى) بعدها.
(٣) الجمرة: القبيلة لا تنضم إلى أحد، أو التي فيها ثلاث مائة فارس، وقيل: هي القبيلة تقاتل جماعة القبائل، والجمرة ألف فارس، وكل قبيل انضموا فصاروا يدا واحدة ولم يحالفوا غيرهم فهم جمرة. (اللسان: جمر) .
(٤) في الأصل: (وولوا الباقون) وهو لحن.
(٥) في الأصل: (ابكى) .
(٦) في الأصل: (لا تتركون) وهو لحن.
(٧) راغية البكر: هذا مثل يضرب في التشاؤم بالشيء، ويعني بالبكر بكر ثمود، وقد مر شرح المثل، انظر كتاب الأمثال- القاسم بن سلام ص ٣٣٢.
[ ١٨٧ ]
٥- فَكَمْ سَيِّدٍ مِنْهُمْ تَرَكْنَا مُجَنْدَلا صَرِيعًا عَلَيْهِ الْخَامِعَاتُ [١] مَعَ النَّسْرِ
قَالَ: ثُمَّ سَارَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ إِلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ كِنْدَةَ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو جَمْرٍ، وَهُمْ فُرْسَانٌ وَأَبْطَالٌ، فَالْتَقَى الْقَوْمُ لِلْقِتَالِ، فَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عِشْرُونَ رَجُلا، وَقُتِلَ مِنْ بَنِي جَمْرٍ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ، وَوَقَعَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَيْهِمْ، فَوَلَّوُا الأَدْبَارَ، وَأَسْلَمُوا الدِّيَارَ، وَاحْتَوَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى النِّسَاءِ وَالأَوْلادِ، فَأَنْشَأَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ يَقُولُ:
(مِنَ السَّرِيعِ)
١- قُلْ لِبَنِي جَمْرٍ إِذَا جِئْتَهُمْ قَدْ كَانَتِ الشِّدَّةُ مِثْلَ الْبُوسِ
٢- قَدْ طَرَقَتْكُمْ وَقْعَةٌ [مِنْ] صَيْلَمٍ [٢] أَرْدَتْكُمُ فِيهَا بِطَيْرِ النُّحُوسِ
٣- وَسَمْتُكُمْ كِنْدَةُ فِي نَاقَةٍ بِيَوْمِ سُوءٍ مُقَمْطَرٍ [٣] عَبُوسِ
٤- فَكَمْ قَتَلْنَا مِنْكُمُ فِي الْوَغَى مِنْ فَارِسٍ نَجْدٍ وَكَبْشٍ [٤] رَئِيسِ
٥- وَعَنْ قَلِيلٍ لَكُمُ مِثْلُهَا (وَنَفْلٌ) وَخَوْفُنَا بِالنُّفُوسِ [٥]
قَالَ: وَبَلَغَ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ فِي بَنِي عَمِّهِ مِنْ بَنِي مُرَّةَ مَا فَعَلَهُ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ بِبَنِي هِنْدٍ وَبَنِي الْعَاتِكِ وَبَنِي حُجْرٍ وَبَنِي جَمْرٍ، فَغَضِبَ لِذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: لا كَرَامَةَ لِزِيَادٍ يَقْتُلُ قَوْمِي وَبَنِي عَمِّي، وَيَسْبِي النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ، وَيَحْتَوِي عَلَى الأَمْوَالِ، وَأَقْعُدُ عَنْهُ، قَالَ: ثُمَّ نَادَى الأَشْعَثُ فِي بَنِي عَمِّهِ مِنْ بَنِي مُرَّةَ وَبَنِي عَدِيٍّ وبني
_________________
(١) في الأصل: (الجامعان) . الخامعات: الخامعة الضبع لأنها تخمع إذا مشت، وخمع في مشيته إذا عرج، والخماع: العرج والخوامع: الضباع اسم لازم لها لأنها تخمع، والخمع (بالكسر): الذئب، والخمع: اللص. (اللسان: خمع) .
(٢) الصيلم: الداهية والأمر الشديد القاطع.
(٣) مقمطر: شديد، ويوم مقمطر وقماطر وقمطرير: مقبض ما بين العينين لشدته، وقيل: إذا كان شديدا غليظا. (اللسان: قمطر) .
(٤) في الأصل الكلمة غير معجمة. الكبش: سيد القوم وقائدهم، والنجد: الشجاع الماضي فيما يعجز غيره.
(٥) في الأصل: (ونفد) والبيت مضطرب الوزن.
[ ١٨٨ ]
جَبَلَةَ، وَسَارَ يُرِيدُ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ وَمَعَهُ أَلْفُ فَارِسٍ مِنْ فُرْسَانِ قَوْمِهِ، وَزِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ فِي أَرْبَعَةِ أَلْفٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَخَمْسُ مِائَةِ رَجُلٍ مِنَ السَّكَاسِكِ وَالسُّكُونِ، فَالْتَقَى الْقَوْمُ قَرِيبًا مِنْ مَدِينَةٍ مِنْ مُدُنِ حَضْرَمَوْتَ، يقال لها تريم [١]، فاقتتلوا هنا لك سَاعَةً، وَوَقَعَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى زِيَادٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ عَلَى نَيِّفٍ مِنْ ثَلاثِ مِائَةِ رَجُلٍ، وَانْهَزَمُوا هَزِيمَةً قَبِيحَةً، حَتَّى دَخَلُوا تِلْكَ الْمَدِينَةَ، وَاحْتَوَى الأَشْعَثُ عَلَى تِلْكَ الأَمْوَالِ وَالْغَنَائِمِ وَالذَّرَارِيِّ، فَرَدَّهَا إِلَى أَهْلِهَا، وَأَنْشَأَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَمِّهِ يَقُولُ:
(مِنَ الرَّمَلِ)
١- ظفر الأشعث لمّا كندة عند ما غَابَتْ حَوَاهَا وَاحْتَمَى [٢]
٢- تَرَكَ الأَوْتَارَ فِي أَعْدَائِهِمْ [٣] وَسَمَا لِلْحَرْبِ [٤] قِدْمًا وَانْتَمَى
٣- يَا زِيَادُ لا تلاقي أشعثا فسيسقى ضلّة منك دما [٥] / [٣٥ أ]
٤- إِنَّ لِلأَشْعَثِ صَوْلاتٍ إِذَا لَقِيَ الأَبْطَالَ يَمْضِي قِدَمَا
٥- حَظُّهُ فِي الْحَرْبِ بِيْضٌ رُهَّفٌ [٦] وَرِمَاحُ الْخَطِّ تَحْكِي الأَنْجُمَا
قَالَ: وَأَقْبَلَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى نَزَلَ عَلَى مَدِينَةِ تِرْيَمَ [٧]،
_________________
(١) في الأصل: (يريم) وتكررت بهذا الرسم. تريم: اسم إحدى مدينتي حضرموت، لأن حضرموت اسم للناحية بجملتها، ومدينتاها شبام وتريم، وهما قبيلتان سميت المدينتان باسميهما. (ياقوت: تريم) .
(٢) حصل تقديم وتأخير في ألفاظ البيت فاختل وزنه ومعناه فرددناه إلى أصله، وهو في الأصل: (ظفر الأشعث عند ما كندة غابت لما حواها واحتما)
(٣) في الأصل: (اترك الأوتار من أعدائهم) .
(٤) في الأصل: (إلى الحرب) ولا يستقيم وزنه.
(٥) في الأصل البيت مضطرب جاء على هذا الوجه: (ليسقي ما صله منك دما) .
(٦) في الأصل: (مرهف) . رهّف: جمع رهيف، وسيف رهيف رقيق الحواشي لطيف.
(٧) في الأصل: (يريم) وقد تكررت بهذا الرسم في كل المواضع، فأثبتنا الصواب.
[ ١٨٩ ]
فَحَاصَرَ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حِصَارًا شَدِيدًا.
قَالَ: وَكَتَبَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ إِلَى الْمُهَاجِرِ بْنِ أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ يَسْتَنْجِدُهُ عَلَى الأَشْعَثِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ مَا فِيهِ زِيَادٌ، سَارَ إِلَيْهِ فِيمَنْ مَعَهُ وَهُمْ أَلْفُ فَارِسٍ مَعُونَةً لَهُمْ، وَبَلَغَ ذَلِكَ الأَشْعَثَ، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَتَنَحَّوْا عَنْ بَابِ تِرْيَمَ، وَأَقْبَلَ الْمُهَاجِرُ بْنُ أُمَيَّةَ فِي أَلْفِ فَارِسٍ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ، وَصَارَ مَعَ زِيَادٍ، وَرَجَعَ الأَشْعَثُ وَجَلَسَ عَلَى الْبَابِ، وَأَرْسَلَ إِلَى جَمِيعِ قَبَائِلِ كِنْدَةَ، فَأَجَابَهُ الْجَبْرُ بْنُ قَشْعَمٍ [١] فِي قَوْمِهِ مِنْ بَنِي الأَرْقَمِ، وَأَجَابَهُ أَبُو قُرَّةَ الْكِنْدِيُّ فِي قَوْمِهِ مِنْ بَنِي حُجْرٍ، وَأَجابَهُ الْخَنْفَسِيسُ بْنُ عَمْرٍو فِي قَوْمِهِ مِنْ بَنِي هِنْدٍ.
قَالَ: فَاجْتَمَعَ إِلَى الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ قَبَائِلِ كِنْدَةَ، فَنَزَلَ بِهِمْ عَلَى بَابِ تِرْيَمَ، فَحَاصَرُوا زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ وَالْمُهَاجِرَ بْنَ أُمَيَّةَ وَمَنْ مَعَهُمَا حِصَارًا شَدِيدًا، وَضَيَّقُوا عَلَيْهِمَا.
قَالَ: وَكَتَبَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ كِتَابًا، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يَقُولُ [٢]:
(مِنَ الْكَامِلِ)
١- أَخْبِرْ زِيَادًا إِنَّ كِنْدَةَ أَجْمَعَتْ طُرًّا عَلَيْكَ فَكَيْفَ ذَلِكَ تَصْنَعُ [٣]
٢- أَحْيَاءُ كِنْدَةَ قَدْ أَتَتْكَ بِجَمْعِهَا وَلَدَيْكَ مِنْهَا جِيرَةٌ لَوْ تَنْفَعُ
٣- قَدْ صَيَّرَتْكَ إِلَى التَّحَصُّنِ صَاغِرًا حَتَّى كَتَبْتَ إِلَى عَتِيقٍ [٤] تَضْرَعُ
٤- فَاصْبِرْ وَلا تَجْزَعْ لِوَقْعِ سُيُوفِنَا إِنَّ الْكَرِيمَ إِذَا جَنَى لا يَجْزَعُ
قَالَ: فَلَمَّا وَرَدَ كِتَابُ زِيَادٍ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ بِخَبَرِ كندة وما
_________________
(١) الجبر بن قشعم: هو جبر الكندي، وفد على النبي ﵌ وقال: (أهل اليمن هم ألين قلوبا وأرق أفئدة) (الإصابة ١/ ٤٥٣) .
(٢) جاء البيت الأول فقط في كتاب الفتوح ١/ ٥٥.
(٣) في الأصل: (تصنعوا) . في كتاب الفتوح: (أبلغ زيادا) .
(٤) عتيق: لقب أبي بكر الصديق ﵁.
[ ١٩٠ ]
اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ مِنْ حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ، فَاغْتَمَّ بِذَلِكَ، وَاغْتَمَّ الْمُسْلِمُونَ أَيْضًا، وَلَمْ يَجِدْ أَبُو بَكْرٍ بُدًّا مِنَ الْكِتَابَةِ [١] إِلَى الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ بِالرِّضَا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَقُولُ:
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرحيم.
من عبد الله بن عثمان خليفة رسول الله ﵌ وَعَلَى أُمَّتِهِ، إِلَى الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ قَبَائِلِ كِنْدَةَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ المنزل على نبيه ﵇: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ٣: ١٠٢ [٢]، وَأَنَا آمُرُكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَحْدَهُ وَأَنْهَاكُمْ أَنْ تَنْقُضُوا عَهْدَهُ، وَأَنْ تَرْجِعُوا عَنْ دِينِهِ إِلَى غَيْرِهِ، وَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى فَيُضِلَّكُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا حَمَلَكُمْ عَنِ الرُّجُوعِ عَنْ دِينِ الإِسْلامِ وَمَنْعِ الزَّكَاةِ مَا فَعَلَهُ بكم/ عاملي [٣٥ ب] زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ، فَإِنِّي أَعْزِلُهُ عَنْكُمْ، وَأُوَلِّي عَلَيْكُمْ مَنْ تُحِبُّونَ، وَقَدْ أَمَرْتُ صَاحِبَ كِتَابِي هَذَا إِنْ أَنْتُمْ قَبِلْتُمُ الْحَقَّ أَنْ يَأْمُرَ زِيَادًا بِالانْصِرَافِ عَنْكُمْ، فَارْجِعُوا [٣] إِلَى الْحَقِّ وَتُوبُوا مِنْ قَرِيبٍ، وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ لِكُلِّ مَا كَانَ فِيهِ رِضًى، وَالسَّلامُ) .
ثُمَّ كَتَبَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَقُولُ [٤]:
(مِنَ الْمُتَقَارِبِ)
١- أَنِيبُوا إِلَى الْحَقِّ يَا قَوْمَنَا فَإِنِّي لَكُمْ نَاصِحٌ فَاقْبَلُوا
٢- وَلا تَأْنَفُوا الْيَوْمَ أَنْ تَرْجِعُوا فَإِنَّ الرُّجُوعَ بِكُمْ أَجْمَلُ
٣- رَمَيْتُ بِنُصْحِي لَكُمْ جَاهِدًا فَلا تَرْتَدُوا [٥] ثُمَّ تَسْتَجْهِلُوا
٤- فَأَنْتُمْ أُنَاسٌ لَكُمْ سُؤْدَدٌ وَيُنْمِيكُمُ الشَّرَفُ الأَطْوَلُ
٥- صِبَاحُ الْوُجُوهِ نَمَاكُمْ إِلَى كريم الثّنا الشّرف الأوّل
_________________
(١) في الأصل: (من الكتاب) .
(٢) [آل عمران: ١٠٢] .
(٣) في الأصل: (فراجعوا) .
(٤) لم أجد الأبيات في ديوان حسان بن ثابت.
(٥) كذا بالأصل، وتقرأ الدال مخففة لإقامة الوزن، ولعلها: (فلا ترجعوا) .
[ ١٩١ ]
٦- فَشِيمُوا [١] السُّيُوفَ وَلا تَبْعَثُوا حُرُوبًا تُذَلُّ بِهَا النُّزَّلُ
ثُمَّ طَوَى الْكِتَابَ وَعَنْوَنَ [٢] خِتْمَهُ، وَدَفَعَهُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ قَيْسِ عَيْلانَ يُقَالُ لَهُ مُسْلِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
فَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ إِلَى الأَشْعَثِ وَقَرَأَهُ، أَقْبَلَ عَلَى الرَّسُولِ وَقَالَ: (إِنَّ صَاحِبَكَ أَبَا بَكْرٍ هَذَا يُلْزِمُنَا الْكُفْرَ بِمُخَالَفَتِنَا لَهُ، وَلا يُلْزِمُ صَاحِبَهُ الْكُفْرَ بِقَتْلِهِ قَوْمِي)، فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ: (نَعَمْ يَا أَشْعَثُ يُلْزِمُكَ الْكُفْرَ، إِنَّ اللَّهَ ﵎ قَدْ أَوْجَبَ عَلَيْكَ الْكُفْرَ [لِمُخَالَفَتِكَ] لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ) .
قَالَ: فَوَثَبَ إِلَى الرَّسُولِ غُلامٌ مِنْ بَنِي مُرَّةَ ابْنِ عَمِّ الأَشْعَثِ، فَضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ ضَرْبَةً فَلَقَ هَامَتَهُ، فَسَقَطَ الرَّسُولُ مَيِّتًا، فَقَالَ لَهُ الأَشْعَثُ: (للَّه أبوك، فلقد [ق] صرت الْعِتَابَ وَأَسْرَعْتَ الْجَوَابَ) . قَالَ: فَوَثَبَ أَبُو قُرَّةَ الْكِنْدِيُّ [٣] مُغْضِبًا فَقَالَ: (يَا أَشْعَثُ، لا وَاللَّهِ، مَا يُوَافِقُكَ أَحَدٌ مِنَّا عَلَى هَذَا الأَمْرِ أَبَدًا، تَقْتُلُ الرَّسُولَ بِلا ذَنْبٍ كَانَ مِنْهُ، وَلا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهِ)، ثُمَّ أَقْبَلَ أَبُو قُرَّةَ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ كِنْدَةَ فَقَالَ: (انْصَرِفُوا وَلا تُقِيمُوا، فَإِنَّ الصَّوَابَ عِنْدِي الرَّحِيلُ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، وَإِلا فَتَوَقَّعُوا الْعُقُوبَةَ) .
قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفَ أَبُو قُرَّةَ الْكِنْدِيُّ وَهُوَ يَقُولُ:
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- قَتَلْتُمُ رَسُولا أَنْ أَتَى بِرِسَالَةٍ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَوْ [٤] إِلَيْهِ سَبِيلُ
٢- فَجِئْتُمْ بِأَمْرٍ فِيهِ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ وَذَلِكَ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ طَوِيلُ
_________________
(١) في الأصل: (سيموا) غير معجمة. شام السيف شيما: أغمده، وسله أيضا، وهو من الأضداد (اللسان: شيم) .
(٢) عنون الكتاب: كتب عنوانه.
(٣) أبو قرة الكندي: أبو قرة بن معاوية بن وهب بن قيس بن حجر الكندي، كان شريفا، وفد على النبي ﵌، وذكر ابن سعد أن ابنه عمرو بن قرة ولي قضاء الكوفة بعد شريح القاضي. (الإصابة ٧/ ٣٣٢) .
(٤) في الأصل: (ولا إليه) . ويختل بها الوزن.
[ ١٩٢ ]
٣- فَلَسْتُ عَلَى هَذَا أُقِيمُ وَإِنَّنِي لَمُرْتَحِلٌ إِنَّ الصَّوَابَ رَحِيلُ
٤- أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُنَادُوا بِضَبِّكُمْ [١] وَقَدْ هَلَكَتْ مِنْ بَعْدِ ذَاكَ جَدِيلُ
٥- وَقَدْ هَلَكَتْ [٢] مِنْ قَبْلِ طَسْمٍ وَخَثْعَمٍ وَقَدْ هَلَكَتْ مِنْ بَعْدِ ذَاكَ جَدِيلُ
قَالَ: ثُمَّ وَثَبَ أَبُو شِمْرٍ الْكِنْدِيُّ فَقَالَ: (يَا أَشْعَثُ، لَقَدْ رَكِبْتَ عَظِيمًا مِنَ الأَمْرِ بِقَتْلِكَ مَنْ لا ذَنْبَ لَهُ، وَذَلِكَ أَنَّا نُقَاتِلُ مَنْ يُقَاتِلُنَا، وَأَمَّا قَتْلُ الرَّسُولِ فَلا، لأَنَّ الرَّسُولَ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَتْلُ لأَنَّهُ مَأْمُورٌ) . فَقَالَ الأَشْعَثُ: (يَا هَؤُلاءِ، لا تَعْجَلُوا، فَإِنَّهُ/ قَدْ شَهِدَ عَلَيَّ وَعَلَيْكُمْ بِالْكُفْرِ، وَبَعْدُ فَلَمْ آمُرْ بِقَتْلِهِ ولا [٣٦ أ] سَاءَنِي ذَلِكَ) .
قَالَ: فَوَثَبَ الْجَبْرُ بْنُ الْقَشْعَمِ الْكِنْدِيُّ فَقَالَ: (يَا هَذَا إِنَّا رَجَوْنَا أَنَّكَ تَعْتَذِرُ إِلَيْنَا بِعُذْرٍ نَقْبَلُهُ مِنْكَ، فَأَجَبْتَنَا بِمَا قَدْ أَنْفَرَنَا مِنْكَ، وَأَيْمُ اللَّهِ لَوْ كُنْتَ ذَا إِرَبٍ لَغَيَّرْتَ هَذَا وَلَمْ تَرْكَبِ الْعُدْوَانَ، وَقَتْلَكَ رَسُولا لا جُرْمَ لَهُ) .
قَالَ: ثُمَّ نَادَى جَبْرُ بْنُ الْقَشْعَمِ فِي بَنِي عَمِّهِ مِنْ بَنِي الأَرْقَمِ، فَقَالَ: (ارْحَلُوا عَنْ هَذَا الظَّالِمِ حَتَّى يَعْلَمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ لَمْ تَرْضَوْا بِمَا قَدْ فَعَلَ)، وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
(مِنَ الْمُتَقَارِبِ)
١- سَيَرْحَلُ عَنْكُمْ بَنُو الأَرْقَمِ عَشِيَّةَ جَرَّتْ عَلَى الْمُسْلِمِ
٢- أَيُؤْذَى الرَّسُولُ بِأَنْ حَلَّكُمْ بِخَطِّ كِتَابٍ وَلَمْ يُجْرِمِ
٣- أَأَشْعَثُ أَوَّلُ ذَا الدِّيَةِ [٣] لَغَيَّرْتَ ذَاكَ وَلَمْ تَظْلِمِ
٤- أَخَافُ عَلَيْكُمْ بِأَفْعَالِكُمْ نُحُوسًا مِنَ الطَّائِرِ الأَشْأَمِ
٥- وَلِلْبَغْيِ عَاقِبَةٌ تُتَّقَى تَحِلُّ بِمَنْ جَارَ وَلَمْ يَنْدَمِ
قَالَ: فَتَفَرَّقَ عَنِ الأَشْعَثِ عَامَّةُ أَصْحَابِهِ، حَتَّى بَقِيَ فِي قَرِيبٍ من ألفي
_________________
(١) الضب: الحقد والغيظ، والضب: سيلان الدم. (القاموس: الضب) .
(٢) في الأصل: (ملكت) .
(٣) كذا جاء الشطر، وهو مضطرب الوزن والمعنى.
[ ١٩٣ ]
رَجُلٍ، وَأَقْبَلَ السَّكَاسِكُ وَالسُّكُونُ عَلَى زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ وَمُهَاجِرِ بْنِ أُمَيَّةَ فِي مَدِينَةِ تِرْيَمَ، فِي نَيِّفٍ مِنْ خَمْسَةِ أَلْفِ رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْقَبَائِلِ، فَتَشَاوَرُوا فِي الْخُرُوجِ عَلَى الأَشْعَثِ، فَأَخَذُوا أُهْبَتَهُمْ وَخَرَجُوا إِلَى قِتَالِهِ، فَالْتَقَوْا بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ الرَّقَّانُ قَرِيبًا من مدينة تريم، فاقتتلوا هنا لك سَاعَةً، وَنَظَرَ الأَشْعَثُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ زِيَادٍ يُقَالُ لَهُ جَفْنَةُ بْنُ قُتَيْرَةَ السُّكُونِيُّ [١]، وَإِنَّهُ يُقَاتِلُ قِتَالا شَدِيدًا، فَحَمَلَ عَلَيْهِ الأَشْعَثُ فَطَعَنَهُ طَعْنَةً صَرَعَهُ عَنْ فَرَسِهِ، وَهَمَّ أَنْ ينزل إليه، فحماه ابن عم لَهُ مِنَ الأَشْعَثِ، فَأَفْلَتَ جَفْنَةُ، فَأَنْشَأَ ذَلِكَ الْفَتِيُّ يَقُولُ:
(مِنَ الْمُتَقارِبِ)
١- تَدَارَكْتُ جَفْنَةَ مِنْ أشعث كررت عليه ولم أنكل
٢- تداركته بعد ما قَدْ هَوَى رَهِينَ الْعَجَاجَةِ فِي الْقَسْطَلِ [٢]
٣- فَأَنْجَيْتُهُ مِنْ حِيَاضِ الرَّدَى فَآبَ سَلِيمًا وَلَمْ يُقْتَلِ
قَالَ: ثُمَّ حَمَلَ الأَشْعَثُ أَيْضًا عَلَى رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ السِّمْطُ بْنُ الأَسْوَدِ السُّكُونِيِّ [٣] فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً أَثْخَنَهُ مِنْهَا، قَالَ: فَوَلَّى السِّمْطُ بَيْنَ يَدَيِ الأَشْعَثِ هَارِبًا، وَوَقَفَ الأَشْعَثُ فِي مَيْدَانِ الْحَرْبِ، فَجَعَلَ يُلَوِّحُ بِسَيْفِهِ وَيَقُولُ:
(مِنَ الْمُتَقَارِبِ)
١- كَرَرْتُ عَلَى السِّمْطِ وَقْتَ الْعَجَاجِ فَجَلَّلْتُهُ صَارِمًا [٤] معضلا
_________________
(١) جفنة بن قتيرة السكوني، ورد نسبه في جمهرة النسب ص ٤٢٩.
(٢) في الأصل: (القنطل) . القسطل والقسطال والقسطلان: الغبار. (القاموس: قسطل) .
(٣) السمط بن الأسود السكوني الكندي (في الأصل: الشمط)، والد شرحبيل، وذكر سيف في الفتوح أنه شهد اليرموك، وذكر في الردة أنه ثبت هو وولده شرحبيل على الإسلام لما ارتدت كندة، وانضما إلى زياد بن لبيد، وأورد البيهقي في السنن أن عمر استعمل شرحبيل بن السمط على المدائن، وأبوه بالشام، فكتب إلى عمر: إنك تأمر ألا تفرق السبايا، وقد فرقت بيني وبين ابني، فكتب إليه فألحقه بابنه. (الإصابة ٣/ ٢٦٤) .
(٤) في الأصل: (صارم) .
[ ١٩٤ ]
٢- فَوَلَّى حَثِيثًا عَلَى وَجْهِهِ وَلَوْ قَامَ لِي سَاعَةً جَدَّلا [١]
٣- فَإِنْ عَادَ جَلَّلْتُهُ مِثْلَهَا وَيَكْفِيهِ مَا نَالَهُ أَوَّلا
قَالَ: وَحَمَلَ مُهَاجِرُ بْنُ أُمَيَّةَ عَلَى الأَشْعَثِ، وَالْتَقَيَا بِضَرْبَتَيْنِ بَدَرَهُ بِهَا الأَشْعَثُ ضَرْبَةً قَدْ بَيَّضَتْهُ، وَأَسْرَعَ السَّيْفَ إِلَى رَأْسِهِ فَوَلَّى مُدْبِرًا، فَنَادَاهُ الأَشْعَثُ:
يَا مُهَاجِرُ، تُعَيِّرُ/ النَّاسَ بِالْفِرَارِ وَتَفِرُّ فِرَارَ الْحِمَارِ، ثُمَّ أنشأ الأشعث يقول: [٣٦ ب] (مِنَ الْمُتَقارِبِ)
١- لَقِيتُ الْمُهَاجِرَ فِي جَمْعِهِ بِعَضْبِ حُسَامٍ رَقِيقِ الْغَرَرِ
٢- فَفَرَّ ذَلِيلا وَلَمْ يَنْثَنِي [٢] فِرَارَ الْحِمَارِ مِنَ الْقَسْوَرِ [٣]
قَالَ: ثُمَّ حَمَلَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ وَأَصْحَابُهُ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، فَهَزَمَهُمْ حَتَّى أَدْخَلَهُمْ مَدِينَةَ تِرْيَمَ، وَقَدْ قُتِلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ، وَجُرِحَ مِنْهُمْ بَشَرٌ كَثِيرٌ، ثُمَّ أَقْبَلَ الأَشْعَثُ بِأَصْحَابِهِ حَتَّى أَحْدَقُوا بِالْمَدِينَةِ وَنَزَلُوا عَلَيْهَا، وَحَصَرُوا زِيادَ بْنَ لَبِيدٍ وَأَصْحَابَهُ، وَضَيَّقُوا عَلَيْهِ غَايَةَ الضِّيقِ.
قَالَ: وَكَتَبَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ يُخْبِرُهُ بِقَتْلِ الرَّسُولِ، وَيُعْلِمُهُ أَنَّهُ وَأَصْحَابَهُ مُحَاصَرُونَ فِي مَدِينَةِ تِرْيَمَ أَشَدَّ الْحِصَارِ، ثُمَّ كَتَبَ بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ [٤]:
(مِنَ الْكَامِلِ)
١- هَلْ رَاكِبٌ يَرِدُ المدينة مخبرا رهط الرسول وسادة الأنصار
_________________
(١) جدل: صرع، والجدل: الصرع، وجدله جدلا، وجدّله فانجدل وتجدل: صرعه على الجدالة وهو مجدول، والجدالة: الأرض، يقال: طعنه فجدله أي رماه بالأرض فانجدل سقط. (اللسان: جدل) .
(٢) الوجه: (لم ينثن) وقد أطال الكسرة فجعلها ياء لإقامة الوزن.
(٣) القسور والقسورة: الأسد، وقد أفاد من قوله تعالى: كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ من قَسْوَرَةٍ ٧٤: ٥٠- ٥١ [المدثر: ٥٠- ٥١] . وكذا جاءت قافية البيتين.
(٤) جاء البيت الأول فقط في كتاب الفتوح ١/ ٥٨.
(٥) كتاب الفتوح: (من راكب نحو المدينة مخبرا) .
[ ١٩٥ ]
٢- وَيَقُولُ لِلصِّدِّيقِ عِنْدَ لِقَائِهِ وَالدَّمْعُ يَهْمِلُ كَالْبَدِيِّ الْجَارِي [١]
٣- إِنَّا حُصِرْنَا فِي تِرْيَمَ كَأَنَّنَا نَحْنُ النُّكُوصُ بِهَا عَلَى الأَدْبَارِ
٤- حَشَدَتْ لَنَا أَمْلاكُ كِنْدَةَ وَاعْتَدَتْ بِالْمُرْهِفَاتِ وَبِالْقَنَا الْخُطَّارِ
٥- فَامْنَعْهُمُ بِمُهَاجِرِينَ فَوَارِسٍ فُرْسَانِ صِدْقٍ مِنْ بَنِي نَجَّارِ
٦- وَبِكُلِّ قَرْنٍ فِي الْهَيَاجِ مُهَذَّبٍ يَسْمُو بِعَضْبٍ صَارِمٍ بَتَّارِ
قَالَ: فَلَمَّا وَرَدَ الْكِتَابُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ وَقَرَأَهُ، نَادَى فِي الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ قَالَ: (أَشِيرُوا عَلَيَّ مَا الَّذِي أَصْنَعُ فِي أَمْرِ كِنْدَةَ) . قَالَ: فَتَكَلَّمَ أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: اسْمَعْ مَا أُشِيرُ بِهِ عَلَيْكَ، إِنَّ الْقَوْمَ كَثِيرٌ عَدَدُهُمْ، وَفِيهِمْ نَخْوَةُ الْمُلْكِ وَمَنْعَةٌ، وَإِذَا هَمُّوا بِالْجَمْعِ جَمَعُوا خَلْقًا كَثِيرًا، فَلَوْ صَرَفْتَ عَنْهُمُ الْخَيْلَ فِي عَامِكَ هَذَا، وَصَفَحْتَ عَنْ أَمْوَالِهِمْ لَرَجَوْتَ أَنْ يُنِيبُوا إِلَى الْحَقِّ، وَأَنْ يَحْمِلُوا الزَّكَاةَ إِلَيْكَ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ طَائِعِينَ غَيْرَ مُكْرَهِينَ، فَذَاكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مُحَارَبَتِكَ إِيَّاهُمْ، فَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُمْ فَوَارِسُ أَبْطَالٌ لا يَقُومُ لَهُمْ إِلا نُظَرَاؤُهُمْ مِنَ الرِّجَالِ) . قَالَ: فَتَبَسَّمَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ مِنْ أَبِي أَيُّوبَ، ثُمَّ قَالَ: (وَاللَّهِ يَا أَبَا أَيُّوبَ، لَوْ مَنَعُونِي عِقَالا وَاحِدًا مِمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﵌ وَضَعَهُ عَلَيْهِمْ لَقَاتَلْتُهُمْ أَبَدًا، أَوْ يُنِيبُوا إِلَى الْحَقِّ) . قَالَ: فَسَكَتَ أَبُو أَيُّوبَ.
وَأَنْشَأَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيُّ يَقُولُ [٢]:
(مِنَ الْكَامِلِ)
١- لَمَّا أَبُو أَيُّوبَ قَامَ بِخُطْبَةٍ يَنْهَى أَبَا بكر وقال مقالا
_________________
(١) البدى: الرّكي وهي الآبار، قيل: كل ما كان في الجاهلية من الركي ينسب عاديا، وأما ما حفر منذ كان الإسلام محدثا في جديد الأرض فإنه إسلامي، واحدته البديّ، وجماعته البديان: واد لبني عامر بنجد، والبدي أيضا: قرية من قرى حجر بين الزرائب والحوضي، قال امرؤ القيس: أصاب قطاتين فسال لواهما فوادي البدي فانتمى لأريض (معجم البلدان: البدي)
(٢) الأبيات مما أخل بها ديوان حسان وتفرد بها هذا الكتاب.
[ ١٩٦ ]
٢- إِنْ تَلْقَ كِنْدَةَ تَلْقَهُمْ يَوْمَ الْوَغَى تَحْتَ الْعَجَاجِ فَوَارِسًا أَبْطَالا
٣- فَاتْرُكْهُمُ عَامًا [١] هُنَاكَ لَعَلَّهُمْ أَنْ يَحْمِلُوا نَحْوَ الْهُدَى أَمْوَالا
٤- فَلَذَاكَ خَيْرٌ إِنْ قَبِلْتَ نَصِيحَتِي مِنْ أَنْ تُرَى [٢] مُتَعَسِّفًا قَتَّالا
٥- فَأَجابَهُ الصِّدِّيقُ أَنْ لَوْ أَنَّنِي مِمَّا الرّسول حوى منعت عقالا/ [٣٧ أ]
٦- قَاتَلْتُهُمْ بِالْمُرْهِفَاتِ وَبِالْقَنَا وَثَنَيْتُ [٣] خَيْلِي نَحْوَهُمْ وَرِجَالا
٧- حَتَّى يُنِيبُوا رَاجِعِينَ إِلَى الْهُدَى وَيُرَوْنُ طُرًّا تَارِكِينَ ضَلالا
قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ [٤]، فَدَعَاهُ وَقَالَ: (إِنِّي عَزَمْتُ أَنْ أُوَجِّهَ إِلَى هَؤُلاءِ الْقَوْمِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁، فَإِنَّهُ عَدْلُ رِضًى أَكْثَرَ النَّاسِ لِفَضْلِهِ وَشَجَاعَتِهِ وَقَرَابَتِهِ وَعِلْمِهِ وَفَهْمِهِ وَرِفْقِهِ بِمَا يُحَالُ مِنَ الأُمُورِ) . قَالَ: فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: (صَدَقْتَ يا خليفة رسول الله ﵌، إِنَّ عَلِيًّا كَمَا ذَكَرْتَ، وَفَوْقَ مَا وَصَفْتَ، وَلَكِنَّنِي أَخَافُ عَلَيْكَ مِنْهُ خَصْلَةً وَاحِدَةً، أَنْ يَأْبَى قِتَالَ الْقَوْمِ فَلا يُقَاتِلُهُمْ، فَإِنْ أَبَى فَلَنْ تَجِدَ أَحَدًا يَسِيرُ إِلَيْهِمْ، إِلا عَلَى الْمَكْرَهِ مِنْهُ، وَلَكِنْ ذَرْ عَلِيًّا يَكُونُ عِنْدَكَ فَإِنَّكَ لا تَسْتَغْنِي عَنْ مَشُورَتِهِ، وَاكْتُبْ إِلَى عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ [٥]، فَمُرْهُ بِالْمَسِيرِ إلى الأشعث
_________________
(١) في الأصل: (عام) وهو لحن.
(٢) في الأصل: (يرى) .
(٣) في الأصل: (وتنيب) .
(٤) في الأصل: (عنهما)، ولم يدرك الخطاب الإسلام أو يسلم.
(٥) عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام المخزومي، من شجعان قريش في الجاهلية والإسلام، كان هو وأبوه من أشد الناس عداوة للنبي ﵌، أسلم عكرمة بعد فتح مكة، وحسن إسلامه، فشهد الوقائع وولى الأعمال لأبي بكر، وفي الحديث: (لا تؤذوا الأحياء بسبّ الموتى)، قال المبرد: فنهى عن سب أبي جهل من أجل عكرمة، استشهد عكرمة في اليرموك أو يوم مرج الصفر سنة ١٣ هـ-، وعمره اثنتان وستون سنة. (تهذيب الأسماء ١/ ٣٣٨، الإصابة ٤/ ٥٣٨- ٥٣٩، ذيل المذيل ص ٤٥، تاريخ الإسلام ١/ ٣٨٠، الأعلام ٤/ ٢٤٤- ٢٤٥) .
[ ١٩٧ ]
وَأَصْحَابِهِ فَإِنَّهُ رَجُلٌ لِحَرْبٍ أَهْلٌ لِمَا أُهِّلَ لَهُ)، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁:
(هَذَا رَأْيٌ) .
قَالَ: ثُمَّ كَتَبَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ كِتَابًا إِلَى عِكْرِمَةَ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ:
(أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَكَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ وَقَبَائِلِ كندة، وقد [١] أتاني كتاب زياد بْنِ لَبِيدٍ، يَذْكُرُ أَنَّ قَبَائِلَ كِنْدَةَ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ، وَقَدْ حَصَرُوهُمْ فِي مَدِينَةِ تِرْيَمَ بِحَضْرَمَوْتَ، فَإِذَا قَرَأْتَ كِتَابِي هَذَا فَسِرْ إِلَى زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ فِي جَمِيعِ أصحابك ومن أجابك من أهل مكة، واسمه لَهُ وَأَطِعْ، فَإِنَّهُ الأَمِيرُ عَلَيْكَ، وَانْظُرْ لا تَمُرَّنَّ بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ إِلا اسْتَنْهَضْتَهُمْ فَأَخْرَجْتَهُمْ مَعَكَ إِلَى مُحَارَبَةِ الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ وَأَصْحَابِهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَالسَّلامُ) .
قَالَ: فَلَمَّا وَرَدَ الْكِتَابُ إِلَى عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ وَقَرَأَهُ، نَادَى فِي أَصْحَابِهِ وَمَنْ أَجَابَهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَخَرَجَ فِي أَلْفَيْ فَارِسٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَمَوَالِيهِمْ وَأَحْلافِهِمْ، وَسَارَ عِكْرِمَةُ حَتَّى صَارَ إِلَى نَجْرَانَ [٢]، وَبِهَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ [٣] ﵁، فِي بَنِي عَمِّهِ مِنْ بَجِيلَةَ، فَدَعَاهُ عِكْرِمَةُ إِلَى حَرْبِ الأَشْعَثِ، فَأَبَى عَلَيْهِ جَرِيرٌ، وَلَمْ يُجِبْ إِلَى ذَلِكَ، فَسَارَ عِكْرِمَةُ حَتَّى صَارَ إِلَى صَنْعَاءَ [٤] فَاسْتَنْهَضَ
_________________
(١) في الأصل: (وقال) .
(٢) نجران: نجران في مخاليف اليمن من ناحية مكة، قالوا: سمي بنجران بن زيدان بن سبأ لأنه كان أول من عمرها ونزلها. (ياقوت: نجران) .
(٣) جرير بن عبد الله البجلي الصحابي، قال: جئت إلى الرسول ﵌ لأسلم، فقال له: ما جاء بك، قلت: جئت لأسلم، فألقى إلي كساءه وقال: (إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه)، ثم قدم المدينة وحارب قريشا وغيرهم وفتح مكة، كان جرير جميلا، قال عمر: هو يوسف هذه الأمة، وقدمه عمر في حروب العراق على جميع بجيلة، وكان لهم أثر عظيم في فتح القادسية، وسكن جرير الكوفة، وأرسله علي رسولا إلى معاوية، ثم اعتزل الفريقين وسكن قرقيسيا، ومات سنة ٥١ هـ- وقيل ٥٤ هـ-. (الإصابة ١/ ٤٧٥- ٤٧٦، أسد الغابة ١/ ٣٣٢، الاستيعاب ١/ ٢٣٦) .
(٤) صنعاء: قصبة اليمن وأحسن بلادها، تشبّه بدمشق لكثرة فواكهها وتدفق مياهها، قيل:
[ ١٩٨ ]
أَهْلَهَا فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى مَأْرِبَ [١] فَنَزَلَهَا، وَبَلَغَ ذَلِكَ أَهْلَ دُبَا [٢] فَغَضِبُوا عَلَى مَسِيرِ عِكْرِمَةَ إِلَى مُحَارَبَةِ كِنْدَةَ، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ لِبَعْضٍ: تَعَالَوْا حَتَّى نَشْغَلَ عِكْرِمَةَ عَنْ مُحَارَبَةِ بَنِي عَمِّنَا مِنْ بَنِي كِنْدَةَ وَقَبَائِلِ الْيَمَنِ، فَعَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ وَوَثَبُوا عَلَى [حُذَيْفَةَ بْنِ عَمْرٍو] عَامِلٍ لَهُمْ مِنْ جِهَةِ أَبِي بَكْرٍ، فَطَرَدُوهُ [٣] عَنْ بَلَدِهِمْ، فَمَرَّ هَارِبًا حَتَّى صَارَ إِلَى عِكْرِمَةَ، / فَلَجَأَ إِلَيْهِ، فَكَتَبَ حذيفة بن عمرو [٤] [٣٧ ب] هَذَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ بِأَمْرِ أَهْلِ دُبَا وَارْتِدَادِهِمْ عَنْ دِينِ الإِسْلامِ، وَطَرْدِهِمْ إِيَّاهُ، ثُمَّ خَبَّرَهُ أَنَّهُ الْتَجَأَ إِلَى عِكْرِمَةَ فَصَارَ مَعَهُ، فَاغْتَاظَ [أَبُو بَكْرٍ] غَيْظًا شَدِيدًا، ثُمَّ إِنَّهُ كَتَبَ إِلَى عِكْرِمَةَ:
(أَمَّا بَعْدُ، فَإِذَا قَرَأْتَ كِتَابِي فَسِرْ إِلَى أَهْلِ دُبَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ فَأَنْزِلْ بِهِمْ مَا هُمْ لَهُ أَهْلٌ، وَلا تُقَصِّرْ فِيمَا كَتَبْتُ بِهِ إِلَيْكَ، فَإِذَا فَرَغْتَ مِنْ أَمْرِهِمْ فَابْعَثْ إليّ بهم
_________________
(١) [()] سميت بصنعاء بن أزال بن يقطن وهو الذي بناها، وقيل: ليس بجميع اليمن أكبر ولا أكثر مرافق وأهلا من صنعاء. (ياقوت: صنعاء) .
(٢) مأرب: بلاد الأزد باليمن، قال السهيلي: مأرب اسم قصر كان لهم، وقيل: هو اسم لكل ملك كان يلي سبأ، كما كان تبّعا اسم لكل من ولي اليمن والشحر وحضرموت، قال المسعودي: وكان هذا السد من بناء سبأ بن يشجب بن يعرب. (ياقوت: مأرب) .
(٣) في الأصل: (ذبا) بالذال المعجمة وقد تكررت بهذا الرسم. دبا: قال الأصمعي، سوق من أسواق العرب بعمان، وهي غير دما، ودما أيضا من أسواق العرب، وبعمان مدينة قديمة مشهورة لها ذكر في أيام العرب وأخبارها وأشعارها، وكانت قديما قصبة عمان، ولعل هذه السوق المذكورة فتحها المسلمون في أيام أبي بكر الصديق ﵁ عنوة سنة ١١ هـ-، وأميرهم حذيفة بن محصن فقتل وسبى. (ياقوت: دبا) .
(٤) في الأصل: (فطرده) .
(٥) حذيفة بن محصن الغلفاني (القلعاني) من حمير، كما في الطبري، استعمله أبو بكر على عمان بعد عزل عكرمة، ودعا أهل عمان إلى الإسلام، فأسلموا كلهم إلا أهل دبا، وولّاه عمر على اليمامة. (الطبري ٣/ ٣١٤- ٣١٦، الإصابة ٢/ ٤٤، الاستيعاب ١/ ٣٣٦، أسد الغابة ١/ ٤٦٧) .
[ ١٩٩ ]
أَسِيرًا، وَسِرْ إِلَى زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَفْتَحَ عَلَى يَدَيْكَ بِلادَ حَضْرَمَوْتَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلا قُوَّةَ إِلا باللَّه الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ) .
قَالَ: فَلَمَّا وَرَدَ الْكِتَابُ عَلَى عِكْرِمَةَ، سَارَ بِأَصْحَابِهِ إِلَى دُبَا، قَالَ: وَدَنَا الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ فَاقْتَتَلُوا، وَرَزَقَ اللَّهُ الظَّفَرَ لِعِكْرِمَةَ فَهَزَمُوهُمْ، حَتَّى بَلَغَ بِهِمْ إِلَى أَدْنَى بِلادِهِمْ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ زُهَاءً عَنْ مِائَةِ رَجُلٍ، ثُمَّ سَارَ إِلَيْهِمْ عِكْرِمَةُ يُرِيدُ قِتَالَهُمْ ثَانِيَةً، وَدَخَلَ الْقَوْمُ مَدِينَتَهُمْ فَتَحَصَّنُوا بِهَا، وَنَزَلَ بِهِمْ عِكْرِمَةُ وَحَاصَرَهُمْ وَضَيَّقَ عَلَيْهِمْ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْحِصَارُ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا اعْتَادُوا لِذَلِكَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى عَامِلِهِمْ حُذَيْفَةَ بْنِ عَمْرٍو، وَيَسْأَلُونَهُ الصُّلْحَ عَلَى أَنَّهُمْ يُؤَدُّونَ الزَّكَاةَ وَيَرْجِعُونَ إِلَى مَحَبَّتِهِ، وَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ عِكْرِمَةُ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَامِلُهُمْ: (أَنَّهُ لا صُلْحَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، إِلا عَلَى الإِقْرَارِ مِنْكُمْ أَنَّا عَلَى الْحَقِّ وَأَنْتُمْ عَلَى بَاطِلٍ، وَأَنَّ قَتِيلَنَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتِيلَكُمْ فِي النَّارِ، وَعَلَى أَنَّا نَحْكُمُ فِيكُمْ بِمَا رَأَيْنَا) .
قَالَ: فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ: أَنِ اخْرُجُوا الآنَ عَنْ مَدِينَتِكُمْ بِلا سِلاحٍ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى حِصْنِهِمْ، فَقَتَلُوا أَشْرَافَهُمْ، وَسَبَوْا نِسَاءَهُمْ وَأَوْلادَهُمْ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، وَوَجَّهَ بِرِجَالِهِمْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَهُمْ ثَلاثُ مِائَةِ رَجُلٍ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، وَأَرْبَعُ مِائَةٍ مِنَ النِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ، فَهَمَّ أَبُو بَكْرٍ بِقَتْلِ رِجَالِهِمْ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: (إِنَّ الْقَوْمَ عَلَى دِينِ الإِسْلامِ، لأَنِّي أَجِدُهُمْ يَحْلِفُونَ باللَّه مُجْتَهِدِينَ مَا رَجَعُوا عَنْ دِينِ الإِسْلامِ، وَلَكِنْ شَحُّوا عَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَقَدْ كَانَ مِنْهُمْ مَا كَانَ فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ، وَاحْبِسْهُمْ عِنْدَكَ إِلَى أَنْ تَرَى فِيهِمْ رَأْيَكَ) .
قَالَ: فَأَمَرَ بِحَبْسِهِمْ، فَحُبِسُوا فِي دَارِ رَمْلَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ [١] فَلَمْ يَزَالُوا هُنَاكَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، فَدَعَاهُمْ عُمَرُ، ثُمَّ قال لهم: ([إنكم تعرفون
_________________
(١) رملة بنت الحارث بن ثعلبة بن الحارث بن زيد الأنصارية النجارية، من المبايعات، ذكر ابن إسحق في السيرة أن بني قريظة لما حكم فيهم سعد بن معاذ حبسوا في دار رملة بنت الحارث، وهي زوجة معاذ بن الحارث بن رفاعة. (الإصابة ٧/ ٦٥١) .
[ ٢٠٠ ]
أَنَّ] [١] مَا كَانَ مِنْ رَأْيِ أَبِي بَكْرٍ مَا كَانَ مِنْ رَأْيٍ، وَقَدْ مَاتَ أَبُو بَكْرٍ، وَقَدْ أَفْضَى الأَمْرُ إِلَيَّ، فَانْطَلِقُوا إِلَى أَيِّ بَلَدٍ شِئْتُمْ، فَأَنْتُمْ أَحْرَارٌ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلا فِدْيَةَ عَلَيْكُمْ) .
قَالَ: فَمَضَى الْقَوْمُ عَلَى وُجُوهِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ صَارَ إِلَى بِلادِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَارَ إِلَى الْبَصْرَةِ بَعْدَ عِمَارَتِهَا فَنَزَلَهَا، وَكَانَ أَبُو صُفْرَةَ أَبُو الْمُهَلَّبِ مِمَّنْ نَزَلَ الْبَصْرَةَ بَعْدَ عِمَارَتِهَا، فِيهَا خُطَطُ الْمَهَالِبَةِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا.
قَالَ: وَسَارَ عِكْرِمَةُ/ يُرِيدُ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ، وَبَلَغَ ذَلِكَ الأَشْعَثَ بْنَ قيس، [٣٨ أ] فَانْحَازَ إِلَى حِصْنٍ مِنْ حُصُونِ حَضْرَمَوْتَ [٢] يُقَالُ لَهُ النُّجَيْرُ [٣]، فَرَمَّهُ وَأَصْلَحَهُ، ثُمَّ جَمَعَ نِسَاءَ قَوْمِهِ وَذُرِّيَّتَهُ، فَأَدْخَلَهُمْ ذَلِكَ الْحِصْنَ.
قَالَ: وَنَادَى زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ فِي أَصْحَابِهِ فَجَمَعَهُمْ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، اعْلَمُوا أَنَّكُمْ تُقَاتِلُونَ أَهْلَ رِدَّةٍ وَكُفْرٍ، فَأَظْهِرُوا أَسْلِحَتَكُمْ، وَاشْحَذُوا سُيُوفَكُمْ، فَإِنِّي نَاهِضٌ إِلَيْهِمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَهَذَا عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ قَدْ جَاءَكُمْ مَدَدًا لَكُمْ في عسكر لجب [٤]، فابشروا بالنصر والظفر.
_________________
(١) في الأصل: (إنكم ما كان) .
(٢) حضرموت: اسم موضع واسم قبيلة، وهي ناحية واسعة في شرقي عدن بقرب البحر، وحولها رمال كثيرة تعرف بالأحقاف، وبها قبر هود ﵇، وبقربها بئر برهوت، ولها مدينتان يقال لأحدهما تريم وللأخرى شبام، وعندها قلاع وقرى. وقال ابن الفقيه: حضرموت مخلاف من اليمن بينه وبين البحر رمال، وبين حضرموت وصنعاء اثنان وسبعون فرسخا، وقيل: مسيرة أحد عشر يوما، أسلم أهلها في زمن النبي ﵌ ثم ارتد الأشعث ومن معه زمن أبي بكر، وثبت فريق من كندة على الإسلام. (ياقوت: حضرموت) .
(٣) النّجير: حصن باليمن قرب حضرموت منيع، لجأ إليه أهل الردة مع الأشعث بن قيس في أيام أبي بكر ﵁ فحاصره زياد بن لبيد البياضي حتى افتتحه عنوة وقتل من فيه وأسر الأشعث بن قيس وذلك في سنة ١٢ هـ-. (ياقوت: النجير) .
(٤) في الأصل: (نجب) .
[ ٢٠١ ]
قَالَ: وَجَعَلَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ يُحَرِّضُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى حَرْبِ عَدُوِّهِمْ وَهُوَ يَقُولُ:
(مِنَ الْخَفِيفِ)
١- يَا بَنِي كِنْدَةَ الْكِرَامَ أَعِدُّوا وَاسْتَعِدُّوا لِوَقْعَةِ الأَحْزَابِ
٢- قَدْ أَمَدَّ الْعَدُوُّ مِنْكُمْ بِخَيْلٍ وَكُهُولٍ لِحَرْبِكُمْ وَشَبَابِ
٣- وَأَمِدُّوا نُفُوسَكُمْ بِاصْطِبَارٍ حِينَ تَلْقَوْنَ جَمْعَهُمْ وَاحْتِسَابِ
٤- إِنَّكُمْ طَالَ مَا بِهِمْ قَدْ ظَفِرْتُمْ وَأَقَمْتُمْ لِلْقَوْمِ سُوقَ الضِّرَابِ
٥- فَامْنَحُوهُمْ إِذَا الْتَقَيْتُمْ طِعَانًا وَضِرَابًا عَلَى الْمَذَاكِي الْعِرَابِ [١]
قَالَ: وَبَلَغَ ذَلِكَ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ بِأَنَّ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ قَدْ شَجَّعَ أَصْحَابَهُ، فَجَعَلَ الأَشْعَثُ أَيْضًا يُشَجِّعُ أَصْحَابَهُ وَيُحَرِّضُهُمْ وَهُوَ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ كِنْدَةَ، لا يُهَوِّلَنَّكُمْ مَدَدُ أَعْدَائِكُمْ لأَصْحَابِهِمْ فَإِنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَالْقَوْمُ مَعَ الصَّبْرِ لا يَثْبُتُونَ، فَقَاتِلُوهُمْ مُحْتَسِبِينَ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
(مِنَ الرَّمَلِ)
١- لا يَهُولَنَّكُمْ بَنِي عَمْرِو النَّدَى مَدَدُ الْمَكِّي إِلَيْهِمْ [٢] عِكْرِمَهْ
٢- فَاسْتَعِدُّوا بِرِمَاحٍ شُرَّعٍ وَسُيُوفِ الْهِنْدِ تَفْرِي الْقِمَمَهْ [٣]
٣- وَاصْبِرُوا عَنْ كُلِّ مَا نَابَكُمُ فَعَلَى مَالِكِ تَيْمٍ وَكَمَهْ [٤]
٤- هَذِهِ نِيرَانُ حَرْبٍ أُضْرِمَتْ فَاصْطَلُوا نِيرَانَ حَرْبٍ مُضْرَمَهْ
_________________
(١) المذاكي العراب: المذاكي من الخيل التي أتى عليها بعد قروحها سنة أو سنتان. والعراب الخيل العتيقة الأصيلة، خلاف الهجينة وخلاف البخاتي والبراذين.
(٢) في الأصل: (إليكم) . وهو خلاف المراد.
(٣) القممة: جمع القمة، أعلى الرأس وكل شيء، وجماعة الناس.
(٤) مالك تيم: لعله يريد مالك بن تيم الله بن ثعلبة من بكر بن وائل. (جمهرة النسب ص ٣١٥) . الوكمة: من وكم الشيء قمعه، والوكم: القمع.
[ ٢٠٢ ]
٥- لَسْتُمُ فِيهَا بِأَنْكَاسٍ وَلا عُزْلا مِثْلَ اللِّئَامِ الْقِرَمَهْ [١]
٦- فَافْلَقُوا بِالْبِيضِ هَامَاتِ الْعِدَى فِي الْوَغَى حَتَّى تُلاقَى الْبُهَمَهْ [٢]
قَالَ: وَجَعَلَ كُلُّ رَأْسٍ [٣] مِنْ رُؤَسَاءِ كِنْدَةَ يُحَرِّضُ بَنِي عَمِّهِ عَلَى الْحَرْبِ، وَيَأْمُرُهُمْ أَنْ لا يُقَصِّرُوا.
قَالَ: وَأَصْبَحَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ وَقَدْ عَبَّى أَصْحَابَهُ، وَعَبَّى الأَشْعَثُ أَيْضًا أَصْحَابَهُ، وَتَسَرْبَلَ فِي سِلاحِهِ، وَعَلَى رأسه تاج لجده يزيد بن معديكرب، وَتَقَدَّمَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ حَتَّى وَقَفَ قُدَّامَ أَصْحَابِهِ، وَجَالَتِ الْحَرْبُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالا شَدِيدًا، وَتَنَاشَدُوا أَشْعَارًا لَمْ نَذْكُرْهَا، وَخَرَجَ الأَشْعَثُ لِزِيَادٍ، فَانْهَزَمَ زِيَادٌ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى دَخَلُوا مَدِينَةَ حَضْرَمَوْتَ فَتَحَصَّنُوا بِهَا، وَبَلَغَ ذَلِكَ عِكْرَمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ، فَكَتَبَ إِلَى زِيَادٍ يُعْلِمُهُ الْوَقْتَ الَّذِي يُوَافِيهِ فِيهِ، وَأَنَّهُ يُوَافِيهِ فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا.
قَالَ: فَفَرِحَ زِيَادٌ وَأَصْحَابُهُ، وَخَرَجَ مِنْ مَدِينَةِ تِرْيَمَ [٤]، وَأَنَّهُ يَشُكُّ بِقُدُومِ عِكْرِمَةَ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي وَعَدَهُ عِكْرِمَةُ أَنْ يُوَافِيَهُ فِيهِ، رَكِبَ زِيَادٌ فِي أَصْحَابِهِ/ وَخَرَجَ مِنْ مَدِينَةِ تِرْيَمَ، وَأَنَّهُ ليشد بالأيدي على استواء فرسه من [٣٨ ب] الْجِرَاحَاتِ، فَعَلِمَ الأَشْعَثُ أَنَّ زِيَادًا [٥] قَدْ خَرَجَ إِلَيْهِ، ثُمَّ رَكِبَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَسَارُوا نَحْوَ زِيَادٍ عَلَى غَيْرِ تَعْبِئَةٍ، فَلَمَّا تَلاقَى الْجَمْعَانِ، اخْتَلَطَ الْقَوْمُ وَاقْتَتَلُوا قِتَالا شَدِيدًا، وَهُمْ أَصْحَابُ زِيَادٍ بِالْهَزِيمَةِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ وَصَلَ إِلَيْهِمْ عِكْرِمَةُ فِي تَعْبِئَةٍ حَسَنَةٍ، وَخَيْلٍ عِتَاقٍ، وسلاح شاك، ورجال جلد.
_________________
(١) القرمة: سمة تكون فوق أنف البعير تسلخ منها جلدة ثم تجمع فوق أنفه، فتلك القرمة، والقرمة والقرامة: الجلدة المقطوعة منه. (اللسان: قرم) .
(٢) البهمة: بسكون الهاء وقد حركها الشاعر لضرورة الوزن، والبهمة: الشجاع الذي لا يهتدي من أين يؤتى، والخطة الشديدة، والصخرة، والجيش. (القاموس: بهم) .
(٣) الرأس: سيد القوم، كالرئيس.
(٤) ذكر أنهم تحصنوا بمدينة حضرموت.
(٥) في الأصل: (الزياد) .
[ ٢٠٣ ]
قَالَ: وَنَظَرَتْ قَبَائِلُ كِنْدَةَ إِلَى خَيْلِ عِكْرِمَةَ وَقَدْ أَشْرَفَتْ عَلَيْهِمْ، فَصَاحُوا بِالأَشْعَثِ، مَا تَرَى هَذِهِ خَيْلُ عِكْرِمَةَ قَدْ أَشْرَفَتْ، وَنَحْنُ تَعِبْنَا وَخَيْلُنَا قَدْ كَلَّتْ، وَعَامَّتُنَا جَرْحَى. قَالَ: فَشَجَّعَهُمُ الأَشْعَثُ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّبْرِ وَنَهَاهُمْ عَنِ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَاخْتَلَطَتْ خَيْلُ عِكْرِمَةَ وَخَيْلُ زِيَادٍ، فَصَارُوا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَاجْتَمَعُوا وَحَمَلُوا عَلَى الأَشْعَثِ وَأَصْحَابِهِ، فَلَمْ يَزُلْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَنْ مَوْضِعِهِ، لَكِنَّهُمْ أَشْرَعُوا الرِّمَاحَ فِي صُدُورِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ جَالَتِ الْخَيْلُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، وَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنْ فُرْسَانِ الأَشْعَثِ، يُقَالُ لَهُ عَرْفَجَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الذُّهْلِيُّ، فَحَمَلَ عَلَى خَيْلِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُ حَتَّى ضَجَّ الْمُسْلِمُونَ مِنْ طِعَانِهِ، قَالَ:
فَرَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ بِسَهْمٍ فَوَقَعَ فِي فُؤَادِهِ فَقَتَلَهُ، فَصَاحَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أَبْشِرُوا فَقَدْ أَخْمَدَ اللَّهُ جَمْرَةَ كِنْدَةَ بِقَتْلِ عَرْفَجَةَ الذُّهْلِيِّ.
قَالَ: وَتَقَدَّمَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ حَاسِرَ الرَّأْسِ، وَطَلَبَ الْبِرَازَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ عِكْرِمَةُ، فَجَالا ثُمَّ الْتَقَيَا بِطَعْنَتَيْنِ وَلَمْ يَصْنَعَا شَيْئًا، فَرَمَى كُلُّ وَاحِدٍ بِرُمْحِهِ مِنْ يَدِهِ وَاعْتَمَدَ عَلَى قَائِمِ سَيْفِهِ، ثُمَّ الْتَقَيَا بِضَرْبَتَيْنِ، بَدَرَهُ الأَشْعَثُ بِضَرْبَةٍ قَدَّ بِهَا بَيْضَةَ عِكْرِمَةَ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلا يُقَالُ لَهُ النُّعْمَانِ بْنُ الْحَارِثِ، حَمَلَ عَلَى الأَشْعَثِ فَطَعَنُه طَعْنَةً مُنْكَرَةً، حَتَّى كَادَ الأَشْعَثُ أَنْ يَسْقُطَ عَنْ فَرَسِهِ.
قَالَ: وَجَعَلَ الأَشْعَثُ يُقَاتِلُ، وَكُلَّمَا حَمَلَ بِفَرَسِهِ عَلَى النَّاحِيَةِ الَّتِي فِيهَا زِيَادٌ يَنْحَازُ زِيَادٌ عَنْ ذَلِكَ الْمَوْقِفِ إِلَى غَيْرِهِ. وَهَبَّتْ رِيحٌ وَثَارَ الْعَجَاجُ، فَلَمْ يُبْصِرِ النَّاسُ بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَحَسَرَ الأَشْعَثُ عَنْ رَأْسِهِ، وَنَادَى: الصَّبْرَ الصَّبْرَ يَا مَعْشَرَ كِنْدَةَ، فَإِنَّ الْقَوْمَ قَدْ صَبَرُوا لَكُمْ.
قَالَ: وَلَمْ يَزَلِ الْقَوْمُ عَلَى ذَلِكَ إِلَى وَقْتِ الْمَسَاءِ، ثُمَّ اجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ بِأَجْمَعِهِمْ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ، ثُمَّ حَمَلُوا عَلَى الأَشْعَثِ وَأَصْحَابِهِ، كَحَمْلَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَهَزَمُوهُمْ حَتَّى أَلْجَئُوهُمْ إِلَى حِصْنِهِمُ الأَعْظَمِ.
قَالَ: فَدَخَلَ الأَشْعَثُ وَأَصْحَابُهُ إِلَى ذَلِكَ الْحِصْنِ وَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ. وَأَقْبَلَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَالْمُهَاجِرُ بن أمية، وجميع المسلمين، [٣٩ أ] حَتَّى نَزَلُوا/ عَلَى الْحِصْنِ فَأَحْدَقُوا بِهِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَاشْتَدَّ الْحِصَارُ عَلَى مَنْ فِي
[ ٢٠٤ ]
الْحِصْنِ مِنْ قَبَائِلِ كِنْدَةَ، فَقَالَ لَهُمُ الأَشْعَثُ: يَا بَنِي عَمِّي، مَا الرَّأْيُ، فَقَالُوا:
وَاللَّهِ الرَّأْيُ أَنْ نَمُوتَ كِرَامًا، قَالَ الأَشْعَثُ: فَإِنْ كُنْتُمْ عَزَمْتُمْ عَلَى ذَلِكَ فَافْعَلُوا كَمَا أَفْعَلُ حَتَّى أَعْلَمَ أَنَّكُمْ صَادِقُونَ، قَالَ: ثُمَّ ضَرَبَ الأَشْعَثُ بِيَدِهِ إِلَى نَاصِيَتِهِ فَجَزَّهَا وَرَبَطَهَا عَلَى رَأْسِ رُمْحِهِ، وَجَزَّ الْقَوْمُ نَوَاصِيَهُمْ وَرَبَطُوهَا فِي رؤوس رِمَاحِهِمْ، وَتَبَايَعُوا عَلَى الْمَوْتِ. فَلَمَّا أَصْبَحَ الأَشْعَثُ أَمَرَ بِبَابِ الْحِصْنِ فَفَتَحَ، وَخَرَجَ فِي أَوَائِلِ الْقَوْمِ، وَهُوَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ:
(مِنْ مَشْطُورِ الرَّجَزِ)
١- يَا قَوْمِ إِنَّ الصَّبْرَ بِالإِخْلاصِ ٢- فَلِلإِلَهِ فَاحْلِقُوا النَّوَاصِي
٣- وَبَارِزُوا الأَعْدَاءَ بِالْعِرَاصِ ٤- عَلَى عِتَاقِ الْخَيْلِ وَالْقِلاصِ
٥- لا تَجْزَعُوا قَوْمِي مِنَ الْقِصَاصِ ٦- وَلا تَقَرُّوا الدَّهْرَ بِالنِّكَاصِ [١]
٧- أَوْ لا تَصِيرُونَ إِلَى الْخَلاصِ
قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ خَلْفَهُ الْخَنْفَسِيسُ بْنُ عَمْرٍو، وَضَفِيرَتُهُ مَعْقُودَةٌ عَلَى رَأْسِ رُمْحِهِ، وَأَنْشَدَ أَبْيَاتًا اخْتَصَرْنَا عَنْ ذِكْرِهَا.
قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَعْدِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحْرِزٍ الْحُطَمِّيُ وَنَاصِيَتُهُ مَرْبُوطَةٌ فِي رَأْسِ رُمْحِهِ، وَأَنْشَدَ أَبْيَاتًا تَرَكْنَا ذِكْرَهَا. قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَعْدِهِ مُسَيْلِمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْقُشَيْرِيُّ، وَأَنْشَدَ أَبْيَاتًا تَرَكْنَا ذِكْرَهَا. ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَعْدِهِ سَعْدُ بْنُ معد يكرب، وَأَنْشَدَ أَبْيَاتًا تَرَكْنَا ذِكْرَهَا، قَالَ: فَكَانَ كُلَّمَا خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ خَرَجَ مَعَهُ قَوْمُهُ وَعَشِيرَتُهُ.
قَالَ: وَاخْتَلَطَ الْقَوْمُ، فَاقْتَتَلُوا عَلَى بَابِ الحصن قتالا لم يقاتلوا [٢] مثله في
_________________
(١) النكاص: أراد بها النكوص، وهو الإحجام والتكأكؤ والرجوع عما كان عليه من خير، ولم أجد لفظ (النكاص) في المعاجم.
(٢) في الأصل: (لم يقتلوا) .
[ ٢٠٥ ]
يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِهِمْ، حَتَّى قُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ بَشَرٌ كَثِيرٌ. قَالَ: وَأُثْخِنَ الأَشْعَثُ بِالْجِرَاحَاتِ، فَوَلَّى مُنْهَزِمًا هُوَ وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى دَخَلُوا الْحِصْنَ، فَحَاصَرَ [الْمُسْلِمُونَ] [١] الأَشْعَثَ وَأَصْحَابَهُ أَشَدَّ حِصَارٍ.
قَالَ: وَسَمِعَتْ بِذَلِكَ قَبَائِلُ كِنْدَةَ مِمَّنْ كَانَ تَفَرَّقَ عَنِ الأَشْعَثِ لَمَّا قَتَلَ رَسُولَ أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: يَا قَوْمَنَا، إِنَّ بَنِي عَمِّنَا قَدْ حُصِرُوا فِي حِصْنِ النُّجَيْرِ، وَهَذَا عَارٌ عَلَيْنَا أَنْ نُسْلِمَهُمْ، فَسِيرُوا بِنَا إِلَيْهِمْ. قَالَ:
فَسَارَتْ قَبَائِلُ كِنْدَةَ يُرِيدُونَ مُحَارَبَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَبَيْنَ أَيْدِيهِمُ الْجَبْرُ بْنُ الْقَشْعَمِ الأرقمي شَاكٍ فِي السِّلاحِ، وَهُوَ يَقُولُ:
(مِنْ مَشْطُورِ الرَّجَزِ)
١- قَدْ حُصِرَتْ كِنْدَةُ فِي النُّجَيْرِ ٢- مَا إِنْ لَهَا عَنِ الدِّفَاعِ غَيْرِي
٣- وَمُنْجِهِمْ غَيْرِي مَعًا وَخَيْرِي ٤- وَعَنْهُمُ أَنْفِي الْعِدَا بِصَبْرِي
وَأَقْبَلَ أَبُو قُرَّةَ الْكِنْدِيُّ فِي قَوْمِهِ، وَأَنْشَدَ أَبْيَاتًا لَمْ نَذْكُرْهَا. قَالَ: وَأَقْبَلَ أَبُو الشِّمْرِ الْكِنْدِيُّ فِي قَوْمِهِ مِنْ بَنِي جَمْرَةَ، وَأَنْشَدَ أَبْيَاتًا لَمْ نَذْكُرْهَا.
قَالَ: وَبَلَغَ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ مَسِيرُ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ إِلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ جَزَعَ لِذَلِكَ، ثم أقبل [٣٩ ب] عَلَى عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ فَقَالَ لَهُ/ مَا تَرَى، فَقَالَ عِكْرِمَةُ: أَرَى أَنْ تُقِيمَ أَنْتَ عَلَى بَابِ الْحِصْنِ مُحَاصِرًا لِمَنْ فِيهِ، حَتَّى أَمْضِيَ أَنَا فَأَلْتَقِي هَؤُلاءِ الْقَوْمَ، فَقَالَ زِيَادٌ: نِعْمَ مَا رَأَيْتَ، وَلَكِنِ انْظُرْ يَا عِكْرِمَةُ، إِنْ أَظْفَرَكَ اللَّهُ بِهِمْ فَلا تَرْفَعِ السَّيْفَ عَنْهُمْ أَوْ تُبِيدَهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ. فَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَسْتَ أَلْوِي [٢] جَهْدًا فِيمَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلا باللَّه العلي العظيم.
_________________
(١) في الأصل: (فحاصروا الأشعث) .
(٢) لست ألوي: لا أقصر ولا أبطئ، ألا ألوا وألوّا وأليّا، وألى واتّلى: قصر وأبطأ. (القاموس: ألا) .
[ ٢٠٦ ]
قَالَ: ثُمَّ جَمَعَ عِكْرِمَةُ أَصْحَابَهُ وَسَارَ حَتَّى وَافَى الْقَوْمَ، وَقَدْ تَعَبَّأَ تَعْبِئَةَ الْحَرْبِ، فَلَمْ يَكْذِبْ [١] عِكْرِمَةُ أَنْ حَمَلَ عَلَيْهِمْ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالا شَدِيدًا، وَجُرِحَ عِكْرِمَةُ فِي رَأْسِهِ، وَجَاءَ اللَّيْلُ فَحَجَزَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ، دَنَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ وَاقْتَتَلُوا حَتَّى أَمْسَوْا، وَالأَشْعُث لا يَعْلَمُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُ طَالَ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ مَعَهُ الْحِصَارُ، وَاشْتَدَّ بِهِمُ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، فَأَرْسَلَ الأَشْعَثُ إِلَى زِيَادٍ أَنْ يُعْطِيَهُ الأَمَانَ وَلأَهْلِ بَيْتِهِ وَلِعَشَرَةٍ مِنْ وُجُوهِ أَصْحَابِهِ، فَأَجَابَهُ زِيَادٌ إِلَى ذَلِكَ، وَكَتَبَ بَيْنَهُمُ الْكِتَابَ، فَظَنَّ أَهْلُ الْحِصْنِ أَنَّ الأَشْعَثَ قَدْ أَخَذَ لَهُمُ الأَمَانَ بِأَجْمَعِهِمْ، فَسَكَتُوا وَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا، وَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِعِكْرِمَةَ فَقَالَ لِلَّذِينَ يُقَاتِلُونَهُ: يَا هَؤُلاءِ، عَلَى مَاذَا تُقَاتِلُونَ، فَقَالُوا: نُقَاتِلُكُمْ عَلَى صَاحِبِنَا الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ عِكْرِمَةُ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ قَدْ طَلَبَ الأَمَانَ، وَهَذَا كِتَابُ زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ إِلَيَّ يُخْبِرُنِي بِذَلِكَ، وَرَمَى الْكِتَابَ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا قَرَأُوهُ قَالُوا: يَا هَذَا نَنْصَرِفُ، فَلا حَاجَةَ لَنَا فِي قِتَالِكَ بَعْدَ هَذَا.
ثُمَّ انْصَرَفَ الْقَوْمُ عَنْ مُحَارَبَةِ عِكْرِمَةَ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَسُبُّونَ الأَشْعَثَ وَيَلْعَنُونَهُ، فَأَنْشَأَ عِكْرِمَةُ يَقُولُ:
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- رَدَدْتُ بني وهب عن الحرب بعد ما عَلَيْنَا بِأَسْيَافٍ حِدَادٍ تَجَمَّعُوا
٢- فَجَالَدْتُهُمْ صَدْرَ النَّهَارِ إِلَى الضُّحَى وَكَافَحَنِي مِنْهُمْ هُمَامٌ سَمَيْدَعُ [٢]
٣- فَلا الْقَوْمُ حَامُونَا [٣] وَلا نَحْنُ عَنْهُمُ وَلَكِنَّ صُلْحَ الْقَوْمِ أَبْقَى وَأَوْدَعُ
قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ عِكْرِمَةُ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: سِيرُوا وَأَسْرِعُوا السَّيْرَ إِلَى إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الأَشْعَثَ قَدْ طَلَبَ الأمان، فلعله أن يغنم زياد
_________________
(١) فلم يكذب: أي لم يلبث.
(٢) السّميدع: الكريم السيد الجميل الجسم الموطأ الأكناف، وقيل: هو الشجاع، ولا تقل (السّميدع) بضم السين، والذئب يقال له سميدع لسرعته، والرجل السريع في حوائجه. (اللسان: سميدع) وفي القاموس: سميذع بالذال المعجمة. (القاموس: سميذع) .
(٣) حامونا: رامونا، أي تمكنوا منا.
[ ٢٠٧ ]
وَأَصْحَابُهُ مَا فِي الْحِصْنِ، إِنَّهُمْ لا يُشْرِكُونَكُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، لأَنَّهُمْ قَدْ سَبَقُوكُمْ إِلَى فَتْحِ الْحِصْنِ، إِلا أَنْ يَرَى زِيَادٌ فِي ذَلِكَ رَأْيَهُ. قَالَ: فَأَنْشَأَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَقُولُ [١]:
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- أَلا لَيْتَ شِعْرِي وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ أَيَشْرَكُنَا فِيهَا صِحَابُ زِيَادْ [٢]
٢- وَفِي بَذْلِ هَذَا ائْتِلافُ قُلُوبِنَا وَفِي مَنْعِ هَذَا لِلْقُلُوبِ فَسَادْ
٣- نَهَضْنَا إِلَيْهِ نَاصِرِينَ وَدُونَهُ قَبَائِلُ أَبْطَالِ الْجِلادِ [٣] مُرَادْ
٤- إِذَا مَا أَتَانَا رَاكِبٌ برسالة رحلنا وفي الليل الطويل سواد [٤]
[٤٠ أ] ٥- إِلَى اللَّهِ قَوْمًا طَالِبِينَ سَبِيلَهُ [٥] وَدِينًا نُحَامِي دُونَهُ [٦] وَنَذُودْ
٦- أَبَابِيلَ أَرْسَالا عَلَى كُلِّ وِجْهَةٍ كَأَنَّا إِذَا انْصَاحَ [٧] الصَّبَاحُ جَرَادْ
٧- فَلَمَّا أَتَى أَهْلُ النُّجَيْرِ مَسِيرَنَا وَفِي الصَّبْرِ فِي الْحَرْبِ الْعَوَانِ عِدَادْ
٨- نَفَى النَّوْمَ عَنْهُمْ ذِكْرُنَا وَتَقَارَبُوا [٨] وَقَدْ كَانَ فِيهِمْ قَبْلَ ذَاكَ بِعَادْ
٩- فَأَعْطَوْا بِأَيْدِيهِمْ مَخَافَةَ حَرْبِنَا وَكَانَ زِيَادٌ قَبْلَ ذَاكَ يُكَادْ
١٠- فَقُلْ لِزِيَادٍ زَادَكَ اللَّهُ نِعْمَةً خُذِ الشُّكْرَ عَفْوًا فَالشَّكُورُ يُزَادْ
قَالَ: ثُمَّ قَدِمَ عِكْرِمَةُ وَأَصْحَابُهُ عَلَى زِيَادٍ، وَالأَشْعَثُ بَعْدُ لَمْ يَنْزِلْ مِنَ الْحِصْنِ وَهُوَ يَسْتَوْثِقُ لِنَفْسِهِ وَلِمَنْ مَعَهُ مِنْ بَنِي عَمِّهِ، فَأَقْبَلَ زِيَادٌ عَلَى عكرمة
_________________
(١) جاء البيت الرابع فقط في كتاب الفتوح ١/ ٦٦.
(٢) في البيت اقواء، ولعل الرواية: (فيما أصاب زياد) .
(٣) في الأصل: (أبطال السخاد) ولعلها تحريف الجلاد.
(٤) في الأصل: (أحلبنا في الليل) . والتصويب من كتاب الفتوح.
(٥) في الأصل: (سبيلهم) . وهو خلاف القصد.
(٦) في الأصل: (دونهم) .
(٧) انصاح: استنار وأضاء، انصاح الفجر انصياحا: إذا استنار وأضاء، وأصله الانشقاق. (القاموس واللسان: صوح) .
(٨) في الأصل: (وتقارنوا) .
[ ٢٠٨ ]
فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ مَعَ قَبَائِلِ كِنْدَةَ، فَقَالَ: صَنَعْتُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَقِيتُ قَوْمًا لَهُمْ أَقْدَارٌ وَأَخْطَارٌ صُبْرٌ عَلَى الْمَوْتِ فَلَمْ أَزَلْ أُحَارِبُهُمْ حَتَّى عَلِمْتُ أَنَّ انْتِصَافَهُمْ مِنِّي أَكْثَرُ مِنَ انْتِصَافِي مِنْهُمْ، وَأَتَانِي كِتَابُكَ بِخَبَرِ الأَشْعَثِ أَنَّهُ بَعَثَ إِلَيْكَ يَسْأَلُكَ الأَمَانَ، فَكَفَفْتُ عَنْ حَرْبِ الْقَوْمِ وَانْصَرَفْتُ إِلَيْكُمْ.
فَقَالَ زِيَادٌ: لا وَاللَّهِ، وَلَكِنَّكَ جَبُنْتَ وَضَعُفْتَ وَكَفَفْتَ عَنِ الْحَرْبِ، أَلَمْ آمُرْكَ أَنْ تَضَعَ سَيْفَكَ فِيهِمْ، ثُمَّ لا تَرْفَعْهُ عَنْهُمْ وَفِيهِمْ عَيْنٌ تَطْرُفُ، فَعَصَيْتَنِي وَأَحْبَبْتَ الْعَافِيَةَ، وَانْصَرَفْتَ إِلَيَّ بِأَصْحَابِكَ خَوْفًا مِنْ أَنْ تَفُوتَكَ الْغَنِيمَةُ، قَبَّحَ اللَّهُ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّكَ شُجَاعُ الْقَلْبِ بَعْدَ هَذَا. فَغَضِبَ عِكْرِمَةُ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ يَا زِيَادُ، إِنْ لَقِيتَهُمْ وَقَدْ أَزْمَعُوا عَلَى حَرْبِكَ لَرَأَيْتَ أُسُودًا تَحْمِي أَشْبَالا وَتُكَافِحُ أَبْطَالا، ذَاتَ أَنْيَابٍ حِدَادٍ وَمَخَالِيبَ شِدَادٍ، لَتَمَنَّيْتَ أَنَّهُمْ يَنْصَرِفُونَ عَنْكَ وَيُخَلُّونَكَ، وَبَعْدُ فَإِنَّكَ أَظْلَمُ وَأَغْشَمُ وَأَجْبَنُ قَلْبًا، وَأَشَحُّ نَفْسًا، وَأَيْبَسُ كَفًّا، إِذْ قَاتَلْتَ هَؤُلاءِ الْقَوْمَ، وَأَنْشَبْتَ هَذِهِ الْحَرْبَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ بِسَبَبِ نَاقَةٍ وَاحِدَةٍ، لا أَقَلَّ وَلا أَكْثَرَ، وَلَوْ لَمْ أُعِنْكَ بِجُنُودِي هَؤُلاءِ لَعَلِمْتَ أَنَّكَ تَكُونُ رَهِينَ سُيُوفِهِمْ، وَأَسِيرَ جَوَامِعِهِمْ. ثُمَّ أَنْشَأَ عِكْرِمَةُ يَقُولُ:
(مِنَ الْكَامِلِ)
١- مَا كُنْتُ بِالرُّعْشِ الْكِهَامِ وَإِنَّنِي قِدْمًا غَدَاةَ الرَّوْعِ غَيْرُ نَكُوصِ
٢- قَتْلُ الْكُمَاةِ إذا الحروب تسعّرت بالمرهفات لذي حَذْرُ [١] رَخِيصِ
٣- لاقَيْتَ قَوْمًا أَفْزَعُوكَ بِوَقْعِهِمْ حَتَّى اتَّسَعْتَ وَقُلْتَ أَيْنَ مَحِيصِي
٤- لَوْ لَمْ أُعِنْكَ لَكُنْتَ رَهْنَ سُيُوفِهِمْ تُغْرِي الْخَوَامِعُ مِنْكَ كُلَّ قَلُوصِ [٢]
قَالَ: ثُمَّ نَادَى عِكْرِمَةُ فِي أَصْحَابِهِ وَهَمَّ بِالرَّحِيلِ، فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ زِيَادٌ مِمَّا تَكَلَّمَ به، فقبل عكرمة عذره.
_________________
(١) في الأصل: (لذي حد) .
(٢) في الأصل: (تغري الجوامع) . الخوامع: الضباع، جمع خامعة.
[ ٢٠٩ ]
وَنَزَلَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ مِنَ الْحِصْنِ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ وَعَشِيرَتِهِ مِنْ رُؤَسَاءِ بَنِي عَمِّهِ، مَعَ أَهَالِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَوْلادِهِمْ، فَقَالَ زِيَادٌ: (يَا أَشْعَثُ، أَلَسْتَ إِنَّمَا سَأَلْتَنِي الأَمَانَ لِعَشَرَةٍ مِنْ أَهَالِيهِمْ وَأَوْلادِهِمْ، وَبِهَذَا كَتَبْتُ لَكَ الْكِتَابَ)، فَقَالَ الأشعث:
[٤٠ ب] (بَلَى، قَدْ كَانَ ذَلِكَ)، قَالَ زِيَادٌ: / (فَالْحَمْدُ للَّه الَّذِي أَعْمَاكَ أَنْ تَأْخُذَ الأَمَانَ لِنَفْسِكَ، وَاللَّهِ لا أَرَى فِي الْكِتَابِ لَكَ اسْمًا، وَاللَّهِ لأَقْتُلَنَّكَ)، فَقَالَ الأَشْعَثُ: (يَا أَقَلَّ الْخَلْقِ عَقْلا، أَتَرَى أَنَّهُ بَلَغَ مِنِّي الْجَهْلُ أَنْ أَطْلُبَ الأَمَانَ لِغَيْرِي وَأَتْرُكَهُ لِنَفْسِي، أَمَا إِنِّي لَوْ كُنْتُ أَخَافُ غَدْرَكَ لَبَدَأْتُ بِنَفْسِي فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ، وَلَكِنَّنِي أَنَا كُنْتُ الطَّالِبَ لِقَوْمِي الأَمَانَ فَلَمْ أَكُنْ بِالَّذِي أَطْلُبُ وَأُثْبِتُ نَفْسِي مع غيري، وأما قولك أنك تقتلني، فو الله لَئِنْ قَتَلْتَنِي لَتَجْلِبَنَّ [١] إِلَيْكَ وَعَلَى صَاحِبِكَ الْيَمَنَ بِأَجْمَعِهَا، وَخَيْلَهَا وَرَجْلَهَا، فَيُنْسِيَنَّكَ مَا قَدْ مَضَى)، ثُمَّ أَنْشَأَ الأَشْعَثُ يَقُولُ:
(مِنَ الْكَامِلِ)
١- مَا كُنْتُ أَنْسَى [٢] فِي أَمَانِكَ فَاعْلَمَنْ نَفْسِي وَأَثْبِتْ غَيْرَهَا يَا خَاسِرْ
٢- لَوْ خِفْتُ غَدْرَكَ يَا زِيَادُ سَفَاهَةً مَا كَانَ غَيْرِي فِي الْكِتَابِ الْعَاشِرْ
٣- لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنْ سَتَفْعَلَ مَا أَرَى لَهَوَى بِرَأْسِكَ مِشْرَفِيٌّ بَاتِرْ
٤- بَلْ أَنْتَ وَيْلَكَ يَا زِيَادُ مُلَعَّنٌ رَثُّ الأَمَانَةِ وَالدِّيَانَةِ غَادِرْ
٥- كَمْ مَرَّةٍ مِنِّي فَرَرْتَ وَإِنَّنِي لَعَلَى حِصَارِكَ لَوْ أَرَدْتُ لَقَادِرْ
٦- حَتَّى إِذَا ظَفِرَتْ يَدَاكَ حَصَرْتَنِي تَرِبَتْ يَدَاكَ أَلا فَبِئْسَ الظَّافِرْ
٧- إِنِّي لأَصْبِرُ لِلْحُكُومَةِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ فَيَنْظُرُ لِي فَنِعْمَ النَّاظِرْ
قَالَ زِيَادٌ: (إِنِّي وَاللَّهِ لأَرْجُو أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْكَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ بِضَرْبِ عُنُقِكَ، فَإِنَّهُ أَهْلٌ لِذَلِكَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ) . فَقَالَ الأَشْعَثُ: (وَاللَّهِ يَا زِيَادُ، لَئِنْ يَأْكُلُنِي الأَسَدُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْكُلَنِي الْكَلْبُ، يَعْنِي بِالْكَلْبِ هُوَ، وَلَكِنْ كَيْفَ أَنْتَ يَا زِيَادُ مِنْ تِلْكَ الضَّرَبَاتِ الَّتِي نَالَتْكَ مني يوم بارزتني) .
_________________
(١) أجلبوا عليه: إذ تجمعوا وتألبوا، وأجلبوا عليه: يعينون عليه، وأجلب عليه: توعده بشر وجمّع الجمع عليه. (اللسان: جلب) .
(٢) في الأصل: (آتيك) .
[ ٢١٠ ]
قَالَ: فَسَكَتَ زِيَادٌ وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا، فَازْدَادَ عَلَيْهِ غَضَبًا وَحَنَقًا، ثُمَّ اسْتَوْثَقَ بِهِ وَبِأَصْحَابِهِ، وَدَخَلَ الْحِصْنَ فَجَعَلَ يَأْخُذُ الْمُقَاتِلَةَ وَيَضْرِبُ رِقَابَهُمْ صَبْرًا. فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: (إِنَّمَا فَتَحْنَا بَابَ الْحِصْنِ لأَنَّ الأَشْعَثَ خَبَّرَنَا بِأَنَّكَ أَعْطَيْتَهُ الأَمَانَ، فَلَمْ تُقَاتِلْنَا)، قَالَ زِيَادٌ: (كَذِبَ الأَشْعَثُ، مَا أَثْبَتُّ أَحَدًا مِنْكُمْ فِي الْكِتَابِ غَيْرَهُ وَغَيْرَ أَهْلِ بَيْتِهِ وَعَشَرَةً مِنْ بَنِي عَمِّهِ) .
قَالَ: فَسَكَتَ الْقَوْمُ وَعَلِمُوا أَنَّ الأَشْعَثَ هُوَ الَّذِي أَسْلَمَهُمْ لِلْقَتْلِ [١] . قَالَ:
فَبَيْنَمَا زِيَادٌ كَذَلِكَ يَضْرِبُ أَعْنَاقَ الْقَوْمِ، إِذَا كِتَابُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ قَدْ وَرَدَ عَلَيْهِ، وَإِذَا فِيهِ:
(أَمَّا بَعْدُ يَا زِيَادُ، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ قَدْ سَأَلَكَ الأَمَانَ، وَقَدْ نَزَلَ عَلَى حُكْمِي، فَإِذَا وَرَدَ عَلَيْكَ كِتَابِي هَذَا، فَاحْمِلْهُ إِلَيَّ مُكْرَمًا، وَلا تَقْتُلَنَّ أَحَدًا مِنْ أَشْرَافِ كِنْدَةَ، صَغِيرًا وَلا كَبِيرًا، وَالسَّلامُ) .
قَالَ: فَلَمَّا قَرَأَ زِيَادٌ [٢] الْكِتَابَ قَالَ: (أَمَا إِنَّهُ لَوْ سَبَقَ هَذَا الْكِتَابُ قَبْلَ قَتْلِي هَؤُلاءِ مَا قَتَلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَلَكِنْ قَدْ مَضَى فِيهِمُ الْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ) . فَكَانَ نَهِيكُ بْنُ أَوْسٍ الأَنْصَارِيُّ [٣] يَقُولُ: (لَقَدْ نَظَرْتُ إِلَى قَتْلِ كِنْدَةَ فَلَمْ أُشَبِّهْهُمْ إِلا بِقَتْلِ قُرَيْظَةَ/ يوم قتلهم النبي ﵌) . [٤١ أ] قَالَ: ثُمَّ جَمَعَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ مَنْ بَقِيَ مِنْ بَقَايَا مُلُوكِ كِنْدَةَ، وَهُمْ ثَمَانُونَ رَجُلا، فَصَفَّدَهُمْ فِي الْحَدِيدِ، وَوَجَّهَ بِهِمْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَأَنْشَأَ الْمُهَاجِرُ بن أمية يقول:
_________________
(١) في الأصل: (للقتال) .
(٢) في الأصل: (الزياد) وقد كررها بهذا التعريف.
(٣) في الأصل: (نهيل) . وصوابه: نهيك. نهيك بن أوس بن خزمة بن عدي الأنصاري الخزرجي، شهد أحدا وما بعدها، وكان هو البشير بفتح خيبر، ثم كان رسول أبي بكر إلى زياد بن لبيد باليمن، وبعث معه زياد بالسبي وبالأشعث بن قيس أسيرا، ذكر ذلك الواقدي عن ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين. (الإصابة ٦/ ٤٧٦، الاستيعاب ٤/ ١٥١١) .
[ ٢١١ ]
(مِنَ الْكَامِلِ)
١- هلَّا وَقَفْتَ بِرَبْعِ سَلْمَى الْمُقْفِرِ فَسَأَلْتَ عَنْ خَوْدٍ كِعَابٍ مُعْصِرِ [١]
٢- مَمْلُوءَةِ السَّاقَيْنِ طَاوِيَةِ الْحَشَا وَفْرَانَةٍ [٢] مِثْلَ الْغَزَالِ الأَحْوَرِ
٣- بَانُوا بِهَا فَدُمُوعُ عَيْنِكَ بَعْدَهَا مِثْلُ الْجُمَانِ بِخَدِّكَ الْمُتَحَدِّرِ
٤- دَعْ ذِكْرَ خَوْدٍ وَجَمَالٍ أَرْوَعٍ [٣] تَسْبِي الْقُلُوبَ بِنُورِ وَجْهٍ مُقْمِرِ
٥- وَاذْكُرْ وَقَائِعَ حَضْرَمَوْتَ فَإِنَّهَا تَشْفِي غَلِيلَ الْهَائِمِ الْمُتَحَيِّرِ
٦- إِذْ نَحْنُ نجزر بالسّيوف رؤوسهم وَالْخَيْلُ تَعْثُرُ بِالْقَنَا الْمُتَكَسِّرِ
٧- وَمُلُوكُ كِنْدَةَ فِي الْهَيَاجِ كَأَنَّهُمْ أُسْدُ الْعَرِينِ لَدَى الْعَجَاجِ الأَكْدَرِ
٨- يَمْشُونَ فِي الْحِلَقِ الْمُضَاعَفِ بِالْقَنَا وَبِكُلِّ صَافِي الشَّفْرَتَيْنِ مُكَدَّرِ
٩- كَمْ فَارِسٍ مِنَّا هُنَاكَ وَمِنْهُمُ تَحْتَ الْعَجَاجَةِ فِي الثَّرَى لَمْ يُقْبَرِ
١٠- وَلَنِعْمَ فُرْسَانُ الْكَرِيهَةِ فِي الْوَغَى كَانُوا وَنِعْمَ ذَوُو [٤] السَّنَا وَالْمَفْخَرِ
١١- كَانُوا الْمُلُوكَ عَلَى [٥] الْبَرِيَّةِ كُلِّهَا بِتَسَلُّطٍ وَتَكَبُّرٍ وَتَجَبُّرِ
١٢- فَالْبَغْيُ أَوْرَدَهُمْ فَأَصْبَحَ جَمْعُهُمْ فِي مَعْرَكٍ مِثْلِ الْهَشِيمِ الْمُحْضَرِ
قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى بِالأُسَارَى حَتَّى أُدْخِلُوا الْمَدِينَةَ، فَأُوقِفُوا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَلَمَّا نَظَرَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: (الْحَمْدُ للَّه الَّذِي أَمْكَنَ مِنْكَ يَا عَدُوَّ نَفْسِهِ)، قَالَ الأَشْعَثُ: (لَعَمْرِي لَقْد أَمْكَنَكَ اللَّهُ مِنِّي، وَبَعْدُ فَإِنَّ قَوْمِي أَطَاعُونِي مُخَالِفًا، وَعَصَوْنِي مُحَارِبًا، وَقَدْ كَانَ مِنِّي مَا كان من غيري،
_________________
(١) الخود: الجارية الناعمة الحسنة الخلق الشابة. الكعاب: الجارية حين يبدو ثديها للنهود. المعصر: الجارية أول ما أدركت وحاضت، كأنها دخلت عصر شبابها أو بلغته. (الصحاح: خود، كعب، عصر) .
(٢) في الأصل: (وفراقة) وفرانة: أي وفراء ملأى.
(٣) في الأصل: (أريع)، ولعله أروع: وهو من الروعة، الجمال والحسن.
(٤) في الأصل: (ذوي السنا) .
(٥) في الأصل: (عن البرية) .
[ ٢١٢ ]
وَذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَكَ زِيَادًا قَتَلَ قَوْمِي ظُلْمًا وَعُدْوَانًا، فَكَانَ مِنِّي مَا قَدْ عَلِمْتَ) . قَالَ:
فَوَثَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، فَقَالَ: (يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، هَذَا الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، قَدْ كَانَ مسلما وآمن بالنبي ﵌، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، وَحَجَّ الْبَيْتَ الْحَرَامَ، ثُمَّ إِنَّهُ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَغَيَّرَ وَبَدَّلَ، وَمَنَعَ الزكاة، وقد قال البني ﵌: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» [١]، وَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْكَ فِيهِ، فَاقْتُلْهُ فَدَمُهُ حَلالٌ) . فَقَالَ الأَشْعَثُ: (يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، إِنِّي مَا غَيَّرْتُ وَلا بَدَّلْتُ وَلا شَحَحْتُ عَلَى مَالٍ، وَلَكِنَّ عَامِلَكَ زِيَادًا جَارَ عَلَى قَوْمِي، فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَنْ لا ذَنْبَ لَهُ، فَأَنِفْتُ لِذَلِكَ، وَانْتَصَرْتُ لِقَوْمِي فَقَاتَلْتُهُ، وَقَدْ كَانَ مِنِّي مَا قَدْ كَانَ، فَإِنِّي أَفْدِي نَفْسِي وَهَؤُلاءِ الْمُلُوكَ، وَأُطْلِقُ كُلَّ أَسِيرٍ فِي بِلادِ الْيَمَنِ وَأَكُونُ عَوْنًا لَكَ وَنَاصِرًا مَا بَقِيتُ، عَلَى أَنَّكَ تُزَوِّجَنِي أُمَّ فَرْوَةَ بِنْتَ أَبِي قُحَافَةَ [٢]، فَإِنِّي لَكَ نِعْمَ الصِّهْرِ، فَهَذَا خَيْرٌ مِمَّا يَقُولُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) .
قَالَ: فَأَطْرَقَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ: (إِنِّي قَدْ فَعَلْتُ) .
قَالَ: ثُمَّ أَطْلَقَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁ مِنْ حَدِيدِهِ، وَأَطْلَقَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ مُلُوكِ كِنْدَةَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَجَلَسَ، وَزَوَّجَهُ أَبُو بَكْرٍ/ ﵁ أخته [أم] فروة بنت [٤١ ب] أَبِي قُحَافَةَ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ غَايَةَ الإِحْسَانِ، وَكَانَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ وَأَرْفَعِهَا، وَيُقَالُ إِنَّ أُمَّ فَرْوَةَ بِنْتَ أَبِي قُحَافَةَ وَلَدَتْ مِنَ الأَشْعَثِ مُحَمَّدَ بْنَ الأَشْعَثِ [٣]، وَإِسْحَاقَ بْنَ الأَشْعَثِ، وإسماعيل، فأما
_________________
(١) الحديث في البخاري: جهاد ١٤٩، اعتصام ٢٨، استتابة ٢، أبو داود: حدود ١، الترمذي: حدود ٢٥، النسائي: تحريم ١٤، ابن ماجة: حدود ٢.
(٢) أم فروة بنت أبي قحافة التيمية أخت أبي بكر الصديق، ذكرها الدارقطني في كتاب الأخوة وقال: زوّجها أخوها الأشعث بن قيس، ولدت للأشعث محمدا وإسحاق وغيرهما. أمها هند بنت نفيل، ولها ذكر في فتح مكة حين فقدت طوقها، فقال لها أخوها: إن الأمانة في الناس اليوم قليلة. (الإصابة ٨/ ٢٧٤، جمهرة النسب ص ٣٨٥، والكامل لابن الأثير ٢/ ٣٨٢) .
(٣) محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، قائد من أصحاب مصعب بن الزبير، شهد معه أكثر وقائعه، وكان هو وعبيد الله بن علي بن أبي طالب على مقدمة جيش مصعب في حربه مع
[ ٢١٣ ]
إِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ فَإِنَّهُمَا قُتِلا فِي أَيَّامِ عَبْدِ الملك ابن مَرْوَانَ فِي بَعْضِ الْوَقَائِعِ، وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ الأَشْعَثِ فَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَمَعَ عَلِيٍّ ﵃، وَشَهِدَ مَقْتَلَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵈، وَقُتِلَ فِي أَيَّامِ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ [١]، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ [٢] هُوَ الَّذِي خَرَجَ عَلَى الْحَجَّاجِ فِي أَيَّامِ دَيْرِ الْجَمَاجِمِ [٣] .
قَالَ: وَكَانَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ إِذَا ذَكَرَ قَتْلَى كِنْدَةَ يَتَمَثَّلُ بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ [٤] .
_________________
(١) [()] المختار الثقفي وقتل مع عبيد الله قبل مقتل المختار بأيام سنة ٦٧ هـ-. (الإصابة ٦/ ٣٢٧- ٣٢٨، الأعلام ٦/ ٣٩) .
(٢) المختار بن أبي عبيد بن مسعود الثقفي، أبو إسحاق من الثائرين على بني أمية، من أهل الطائف، انقطع في المدينة لبني هاشم، وكان مع علي بن أبي طالب في العراق، وسكن البصرة بعد مقتل علي، قبض عليه عبيد الله بن زياد بعد مقتل الحسين وجلده وحبسه، ثم نفاه إلى الطائف، انضم إلى عبد الله بن الزبير بعد موت يزيد، فأرسله إلى الكوفة، وكان أكبر همه أن يقتل من قاتلوا الحسين، فدعا إلى إمامة محمد بن الحنفية، ولما اشتدت شوكة المختار قاتله مصعب بن الزبير، فقتله ومن كان معه سنة ٦٧ هـ-. (الطبري ٧/ ١٤٦، ابن الأثير ٤/ ٨٢- ١٠٨، الحور العين ص ١٨٢، ثمار القلوب ص ٧٠، فرق الشيعة ص ٢٣، الإصابة ٦/ ٣٤٩- ٣٥٣، الأعلام ٧/ ١٩٢) .
(٣) عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، أمير من القادة الشجعان وصاحب الوقائع مع الحجاج الثقفي، ثار على الحجاج واستولى على الكوفة، وحدثت بينهما وقعة دير الجماجم التي انتهت بخروج ابن الأشعث من الكوفة والتجائه إلى رتيبل ملك الترك، ثم قتله رتيبل وأرسل برأسه إلى الحجاج بعد تهديد الحجاج له، وكان قتله سنة ٨٥ هـ-. (الطبري ٨/ ٣٩، ابن الأثير ٤/ ١٩٢، الأخبار الطوال ص ٣٠٦، الأعلام ٣/ ٣٢٣) .
(٤) دير الجماجم بظاهر الكوفة، على سبعة فراسخ منها على طرف البر للسالك إلى البصرة، وعند هذا الموضع كانت الوقعة بين الحجاج وعبد الرحمن بن الأشعث، التي كسر فيها ابن الأشعث وقتل القراء. (ياقوت: دير الجماجم) .
(٥) جاء البيتان: ١، ٣ مع بيتين آخرين في فتوح البلدان ص ١١٣، وتاريخ الطبري ٣/ ٣٤١، وتاريخ دمشق ٣/ ٧١، ونسب الطبري الأبيات إلى الأشعث بن مئناس السكوني يبكي أهل النجير.
[ ٢١٤ ]
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- لَعَمْرِي وَمَا عُمْرِي عَلَيَّ بِهَيِّنٍ لَقَدْ كُنْتُ بِالْقَتْلَى أَحَقَّ ضَنِينِ [١]
٢- وَإِنْ يَكُ هَذَا الدَّهْرُ فَرَّقَ بَيْنَنَا فَمَا الدَّهْرُ عِنْدِي بَعْدَهُمْ بِمَكِينِ [٢]
٣- وَلا غَزْوَ إِلا يَوْمَ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ فَلَسْتُ لِشَيْءٍ بَعْدَهُمْ بِأَمِينِ [٣]
٤- فَلَيْتَ جُنُوبَ النَّاسِ قَبْلَ جُنُوبِهِمْ وَلَمْ يُنْسَ أَنِّي بَعْدَهُمْ بِحَنِينِ [٤]
انْقَضَتْ أَخْبَارُ الرِّدَّةِ عَنْ آخِرِهَا بِحَمْدِ اللَّهِ وَمِنَّتِهِ وَحُسْنِ تَيْسِيرِهِ وَعَوْنِهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ [٥] .