قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَهُوَ مُعَسْكِرٌ خَارِجَ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ: امْضِ رَحِمَكَ اللَّهُ لِوَجْهِكَ الَّذِي أمرك به النبي ﵌ وَلا تُقَصِّرْ فِي أُمُورِكَ، وَإِذَا رَأَيْتَ أَنْ تَأْذَنَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِالْمُقَامِ عِنْدِي، فَإِنِّي أَسْتَأْنِسُ بِهِ وَأَسْتَعِينُ بِرَأْيِهِ، قَالَ أُسَامَةُ: قَدْ فَعَلْتُ.
وَسَارَ أُسَامَةُ فِي جَيْشِهِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﵌ بِالْخُرُوجِ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَلْقَ هُنَاكَ أَحَدًا مِنَ الْكُفَّارِ، فَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَبُو بَكْرٍ ﵁، قَدْ عَزَمَ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَالْخُرُوجِ إِلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ، وَالْمُسْلِمُونَ يَنْهَوْنَهُ عَنْ ذَلِكَ وَيَقُولُونَ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، نَنْشُدُكَ اللَّهَ أَنْ لا تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ بِنَفْسِكَ، فَقَدْ عَرَفْتَ حَالَ النَّاسِ، فَإِنْ هَلَكْتَ فَهُوَ هَلاكُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ [١] وَأَقِمْ أَنْتَ فِي الْمَدِينَةِ، فَلْيَقْدُمْ عَلَيْكَ من عمان، واكتب إلى أبان بن
_________________
(١) عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي، أحد دهاة العرب أولي الرأي والحزم والمكيدة فيهم، كان في الجاهلية من الأشداء على الإسلام، أسلم في هدنة الحديبية، ولّاه النبي ﵌ إمرة جيش ذات السلاسل، ثم استعمله على عمان، وكان من أمراء الجيوش في الشام زمن عمر، وولّاه فلسطين ثم مصر فافتتحها، وعزله عثمان، انضم إلى معاوية في الفتنة فولّاه على مصر، فأطلق له خراجها ست سنين، فجمع أموالا طائلة، توفي في مصر سنة ٤٣ هـ-. (تاريخ الإسلام- الذهبي ٢/ ٢٣٥- ٢٤٠، المغرب في حلى المغرب قسم مصر ١٣- ١٤، جمهرة أنساب العرب ص ١٥٤، الاستيعاب ٣/ ١١٨٤- ١١٩١، الإصابة ٤/ ٦٥٠- ٦٥٤ الأعلام ٥/ ٧٩) .
[ ٥٤ ]
سَعِيدٍ [١] يَقْدُمُ عَلَيْكَ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، وَاجْمَعْ إِلَيْكَ الْعَسَاكِرَ ثُمَّ ضُمَّهُمْ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَوْ مِنَ الأَنْصَارِ تَكُونُ قَدْ عَرَفْتَهُ بِالْبَأْسِ [٢] وَالشِّدَّةِ، فَوَجِّهْهُ إِلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ الْمُرْتَدَّةِ، فَعَسَى اللَّهُ ﵎ أَنْ يَنْصُرَكَ عَلَيْهِمْ.
فَقَالَ، فَعِنْدَهَا كَتَبَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ بِعُمَانَ، قَدْ كَانَ ولّاه النبي ﵌، قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا وَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابُ أَبِي بَكْرٍ ﵁، أَقْبَلَ عَلَى أَهْلِ عُمَانَ فَقَالَ: (يَا هَؤُلاءِ، إِنَّكُمْ قَدْ علمتم أن النبي ﵌ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ عَامِلا وَأَمِيرًا وَدَاعِيًا، فَقَبِلْتُمُ الأَمْرَ وَأَجَبْتُمْ إِلَى الإِسْلامِ، وَكُنْتُمْ عَلَى مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ تُوُفِّيَ رسول الله ﵌، وَقَدْ قَامَ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁، وَمَنْ أَطَاعَ النَّبِيَّ ﵌ حَيًّا، فَيَجِبُ أَنْ يُطِيعَهُ مَيِّتًا، وَقَدْ حَدَثَتْ هَذِهِ الرِّدَّةُ، وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ سَيُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَرُدَّهُمْ إِلَى دِينِ الإِسْلامِ، وَهَذَا كِتَابُهُ أَتَى يَأْمُرُنِي بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ، فَمَا الَّذِي عِنْدَكُمْ مِنَ الرَّأْيِ)، فَوَثَبَ إِلَيْهِ أَبُو صُفْرَةَ، وَاسْمُهُ ظَالِمُ بْنُ سَرَّاقٍ [٣]، فَقَالَ: (يَا عَمْرُو، إِنَّا نُطِيعُكَ الْيَوْمَ بِطَاعَةِ أَمْسِ، وَنُطِيعُكَ غَدًا بِطَاعَةِ الْيَوْمَ، وَلا عَصَيْنَا مَنْ أَرْسَلَكَ إِلَيْنَا، وَالسَّلامُ) . قَالَ:
ثُمَّ وَثَبَ إِلَيْهِ عَبَّادُ بْنُ الْجَلَنْدِيِّ [٤]، فَقَالَ: (يَا عَمْرُو، إِنَّ الْخِيَارَ ليس إلينا، ولكن
_________________
(١) أبان بن سعيد بن العاص الأموي، صحابي من ذوي الشرف، كان أول الإسلام شديد الخصومة للإسلام والمسلمين، ثم أسلم سنة ٧ هـ-، وبعثه النبي ﵌ عاملا على البحرين فبقي فيها إلى أن توفي النبي فرجع إلى المدينة وأقام فيها إلى أن كانت وقعة أجنادين فحضرها واستشهد بها زمن أبي بكر الصديق سنة ١٣ هـ-، وقيل مات في خلافة عثمان. (تاريخ الإسلام ١/ ٣٧٨، حسن الصحابة ص ٢٢٠، تهذيب ابن عساكر ٢/ ١٢٤، الإصابة ١/ ١٥- ١٨، الأعلام ١/ ٢٧) .
(٢) في الأصل: (بالناس) وهو تصحيف.
(٣) في الأصل: (أبو سفرة) بالسين، وهو أبو صفرة ظالم بن سارق أو سراق الأزدي العتكي البصري، والد المهلب بن أبي صفرة الأمير المشهور، قدم أبو صفرة على النبي ﵌ فأسلم، وقيل كان أبو صفرة مسلما على عهد النبي ﵌ ولم يفد عليه، ووفد على عمر في عشرة من ولده أصغرهم المهلب، لم تذكر وفاته. (الإصابة ٧/ ٢٢١- ٢٢٢، الاستيعاب ٤/ ١٦٩٢) .
(٤) عباد بن الجلندي، وقيل عبيد بن الجلندي الأزدي: أخو جيفر بن الجلندي ملك عمان،
[ ٥٥ ]
الْخِيَارَ للَّه ﷿ وَلِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﵌، وَقَدْ كَانَ اخْتَارَكَ وَأَرْسَلَكَ إِلَيْنَا، وَطَاعَتُهُ مَيِّتًا كَطَاعَتِهِ حَيًّا، لَسْنَا نَكْرَهُ مُقَامَكَ وَالأَمْرُ إليك، والسلام) .
[٧ ب] ثُمَّ وَثَبَ جَعْفَرُ بْنُ خَيْثَمٍ، فَقَالَ: / (يَا عَمْرُو، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ أَرْسَلَكَ إِلَيْنَا فَدَعَوْتَنَا فَأَجَبْنَاكَ، فَإِنْ يَكُنِ الرَّسُولُ قَدْ مَاتَ فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ حَيٌّ لا يَمُوتُ، فَإِنْ أَقَمْتَ عِنْدَنَا أَطَعْنَاكَ، وَإِنْ شِئْتَ الْمَسِيرَ خَفَرْنَاكَ وَالسَّلامُ) .
فَقَالَ عَمْرٌو: (جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ تَكَلَّمْتُمْ وَأَحْسَنْتُمْ، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ تَخْفِرُونِي)، فَقَالُوا: (نَفْعَلُ ذَلِكَ) .
فَتَجَهَّزَ عَمْرٌو، وَخَرَجَ مَعَهُ أَبُو صُفْرَةَ ظَالِمُ بْنُ سَرَّاقٍ، وَجُفَيْرُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعُبَادَةُ بْنُ الْجَلْنَدِيِّ فِي سَبْعِينَ فَارِسًا مِنْ وُجُوهِ أَهْلِ عُمَانَ، فَأَنْشَأَ عُقْبَةُ بْنُ النُّعْمَانِ الْعَتَكِيُّ [١] يَقُولُ فِي ذَلِكَ [٢]:
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- وَفَيْنَا لِعَمْرٍو يَوْمَ عَمْرٍو كَأَنَّهُ طَرِيدٌ نَفَتْهُ [٣] مَذْحِجٌ وَالسَّكَاسِكُ [٤]
٢- رَسُولِ رَسُولِ اللَّهِ أَعْظِمْ بِحَقِّهِ عَلَيْنَا وَمَنْ لا يَعْرِفِ الحقّ هالك
_________________
(١) [()] لم ير النبي ﵌ هو ولا أخوه، قال عمرو بن العاص: وبعثني رسول الله ﵌ إلى جيفر وعبيد ابني الجلندي وكانا بعمان، وكان الملك منهما جيفرا وكانا من الأزد، فذكر قصة إسلامهما وأنهما خليا بينه وبين الصدقة، وأسلم معهما بشر كثير. (الإصابة ١/ ٥٤٢) .
(٢) في الأصل: (العكي) وهو العتكي نسبة إلى العتيك بن الأزد، وعقبة بن النعمان العتكي ممن ثبتوا على الإسلام زمن الردّة، وكان ممن شيع عمرو بن العاص في مسيره من عمان إلى المدينة بعد وفاة الرسول ﵌، فقدم ومن معه إلى أبي بكر فشكر لهم أبو بكر ثباتهم. (الإصابة ٥/ ١٣١- ١٣٢، أسد الغابة ٤/ ٦١، تاريخ بغداد ٢/ ١٩٥) .
(٣) الأبيات: ١، ٢، ٦ في الإصابة ٥/ ١٣٢، وقطع من كتاب الردّة ص ٢٧. والبيت الأول في: المحمدون من الشعراء ص ٢٨٢ دون نسبة، وإنباه الرواة ص ٩٣، وتاريخ بغداد ٢/ ١٩٥.
(٤) الإصابة وقطع من كتاب الردة: (بغته) .
(٥) مذحج: قبيلة من اليمن نسبة إلى مذحج وهو مالك بن أدد. (جمهرة النسب ص ٤٧٦)
[ ٥٦ ]
٣- رَدَدْنَاهُ لَمْ يُشْتُمْ لُؤَيُّ بْنُ غَالِبٍ بِهِ الآنَ إِذْ ضَاقَتْ عَلَيْهِ الْمَسَالِكُ
٤- تَضَمَّنَهُ مِنَّا عِبَادٌ وَجَيْفَرٌ [١] وَظَالِمٌ الْمُودِي [٢] إِلَيْهِ الصَّعَالِكُ
٥- فَأَصْبَحَ عَمْرٌو بِالْمَدِينَةِ سَالِمًا يُقَهْقِهُ مَزْجِيًّا [٣] عَلَيْهِ الأَرَامِكُ [٤]
٦- وَنَحْنُ أُنَاسٌ يَأْمَنُ الْجَارُ وَسْطَنَا إِذَا كَانَ يَوْمٌ كَاسِفُ الشَّمْسِ حَالِكُ [٥]
٧- بِذَلِك أَوْصَى نِسْوَةُ الْخَيْرِ قَوْمَهُ [٦] وَعِمْرَانُ وَالْحَامِي الْحَقِيقَةَ مَالِكُ
قَالَ: وَقَدْ مَدَحَهُمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ حَيْثُ يَقُولُ [٧]:
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- أَقُولُ وَحَوْلِي آلُ فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ جَزَى اللَّهُ عَنِّي الأَزْدَ خَيْرَ جَزَاءِ
٢- أَتَيْتُ عُمَانًا [٨] وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ وَلَيْسَتْ بِأَرْضٍ لِي وَلا بِسَمَاءِ
٣- فَحَيَّ هَلا [٩] بِالأَزْدِ أَرْبَابِ نِعْمَةٍ وَأَهْلِ حِبَاءٍ صَادِقٍ وَوَفَاءِ
٤- تَضَمَّنَنِي مِنْهُمْ عِبَادٌ وَجَيْفَرٌ وَظَالِمٌ الدَّاعِي لِكُلِّ علاء
_________________
(١) [()] والسكاسك: قبيلة من قبائل زيد بن كهلان، من اليمن، نسبة إلى سكسك بن أشرس بن كندة. (جمهرة النسب ص ٤٣١) .
(٢) عباد: هو عبادة بن الجلندي، وجيفر: هو جيفر بن ظالم من أهل عمان الذين شيعوا عمرو بن العاص إلى المدينة.
(٣) ظالم: هو أبو صفرة ظالم بن مسروق أحد أفراد الوفد الذين شيعوا عمرو بن العاص إلى المدينة، والمودي: أي الأسد.
(٤) يقهقه مزجيا: أي ضحك حتى زجا أي انقطع ضحكه (اللسان: زجا) .
(٥) الأرامك: جمع الرامك، شيء أسود يخلط بالمسك (الصحاح: رمك) .
(٦) في الأصل: (يوما)، والوجه (يوم) . في الإصابة وقطع من كتاب الردّة: (هالك) .
(٧) كذا بالأصل: (نسوة الخير)، ولعل (نسوة) اسم شخص حرف بهذا الرسم.
(٨) لم أجد هذه الأبيات في مصدر آخر، ولعل غيري سيجد يوما ويرفع عقيرته باللوم لتقصيري.
(٩) صرف (عمان) وهي غير مصروفة، ويجوز هذا في الشعر.
(١٠) في الأصل: (فحيلي هل) .
[ ٥٧ ]
٥- أَتَيْتُ [١] إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ سَالِمًا أُجَرْجِرُ فِيهَا مِئْزَرِي وَرِدَائِي
٦- عَلَى حِينِ أَنْ جَاشَتْ مَعَدُّ بِرِدَّةٍ وَأَوْبَاشُ هَذَا الْحَيِّ حَيِّ ضِبَاءِ [٢]
٧- فَمَا بَيْنَنَا إِلا سُيُوفٌ وَتَارَةً بِهَسْمٍ [٣] وَأْشَطَانِ الْجُزُورِ ظِمَاءِ
٨- مُقَرَّبَةُ الآجَالِ مِنَّا وَمِنْهُمُ عَلَى كُلِّ حَالٍ لَيْسَ ذَا بِخَفَاءِ
٩- تَدُورُ رَحَا الآجَالِ فِينَا وَفِيهِمُ بِدَوْرِ فَنَاءٍ أَوْ بِدَوْرِ بَقَاءِ
قَالَ: وَقَدْ قَدِمَ الْقَوْمُ الْمَدِينَةَ حَتَّى دَخَلُوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، وَسَلَّمُوا عليه، ثم أخذوا بضبع [٤] عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَقَالُوا: (يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، وَيَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا أَمِيرُنَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ الَّذِي وَجَّهَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، وَنَحْنُ لَهُ شَاكِرُونَ، وَهَذِهِ أَمَانَةٌ قَدْ كَانَتْ فِي أَعْنَاقِنَا، وَوَدِيعَةٌ كَانَتْ عِنْدَنَا، وَقَدْ تَبَرَّأْنَا مِنْهَا إِلَيْكُمْ، وَالسَّلامُ) .
قَالَ: فَأَثْنَى أَبُو بَكْرٍ ﵁، وَالْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ ثَنَاءً حسنا، وجزوهم [٨ أ] خيرا. فأنشأ رجل من قريش يقول [٥]: / (من الخفيف)
_________________
(١) في الأصل: (فأتيت)، والفاء زائدة لا يستقيم بها الوزن.
(٢) في الأصل: (ضياء) بالياء المثناة، والصواب: (ضباء) بالباء الموحدة، وضباء بالفتح والتشديد: موضع جاء في شعر الحسين بن مطير الأسدي: وأصبحت منهم ضبّاء خالية كما خلت منهم الزوراء فالعوج (ياقوت: ضباء)
(٣) في الأصل الكلمة غير واضحة تحتمل (ببسم، أو بهسم، أو بسهم) . الهسم: الكسر لغة في الهشم، هسم الشيء يهسمه هسما، كسره، وقال ابن الأعرابي (الهسم) بضمتين، الكاوون، قال أبو منصور: كأن الأصل الحسم، وهم الذين يتابعون الكي مرة بعد أخرى، ثم قلبت الحاء هاء. (اللسان: هسم) .
(٤) في الأصل: (بصبغ) وهو تصحيف، والضبع: العضد كلها وأوسطها بلحمها، أو الإبط إلى نصف العضد من أعلاه (القاموس: ضبع) .
(٥) القصيدة ضعيفة ومضطربة الوزن.
[ ٥٨ ]
١- يا عبادا ويا بن سَارِقِ الْخَيْرِ يَا جُفَيْرُ بْنَ جِفْرٍ خَيْرَ هُمَامِ
٢- قُمْتُمْ بِالَّذِي بُشِّرَ بِهَا الأَزْدُ وَقَدْ كُنْتُمْ بِذَا مَعَ الإِسْلامِ
٣- وَرَدَدْتُمْ [١] عَمْرًا وَقَدْ رجع النا س عَنِ الدِّينِ فِعْلَ قَوْمٍ كِرَامِ
٤- يَمَنِيُّونَ وَالأَمَانَةُ في الأز د وَوَشْكُ الْقِرَى وَحُسْنِ الْكَلامِ
٥- وَبِحُسْنِ الْجِوَارِ قَدْ فضل النا س وَمَنْعِ الْحِمَى وَقَتْلِ الْحَمَامِ
٦- سِرْتُمْ لِلْوَفَاءِ خَيْرَ مَسِيرٍ نَظَرًا فِي عَوَاقِبِ الأَيَّامِ
٧- مِنْ عُمَانَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَالنَّا سُ يَمْرُجُونَ [٢] فِي الْعَمَى وَالظَّلامِ
٨- بِرَسُولِ النَّبِيِّ إِذْ عَظُمَ الْخَطْ بُ وَخَفَتْ طَوَامِنُ الأَحْلامِ [٣]
٩- قُلْتُمْ إِذْ أَتَى الْمَدِينَةَ يا عم- رو قَضَيْنَا الذِّمَامَ بَعْدَ الذِّمَامِ
١٠- فَعَلَيْكَ السَّلامُ مَا هبّت الري- ح وَمَا نَاحَ فَاقِدَاتُ الْحِمَامِ
١١- قَدْ قَضَيْنَا [٤] حَقَّ الْمَسِيرِ إِلَيْهِ وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ حَقَّ الذِّمَامِ
قَالَ: وَسُرَّ الْمُسْلِمُونَ وَأَبُو بَكْرٍ ﵁، بِقُدُومِ عَمْرٍو عَلَيْهِمْ، قَالَ:
وَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ إِلَى أَبَانِ بْنِ سَعِيدٍ [٥] يَسْتَقْدِمُهُ مِنْ أَرْضِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﵌ وَجَّهَهُ إِلَيْهَا أَمِيرًا، فَلَمَّا وَرَدَ عَلَيْهِ الْكِتَابُ نَادَى فِي أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ فَجَمَعَهُمْ، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ أَبِي بَكْرٍ، وَقَالَ: (قَدْ عَلِمْتُمْ [أَنَّ] [٦] أَهْلَ عُمَانَ قَدْ وَفَّوْا لِصَاحِبِهِمْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ)، قَالَ: فَوَثَبَ رَجُلٌ مِنْ سَادَاتِ عَبْدِ الْقَيْسِ يُقَالُ لَهُ الْجَارُودُ بْنُ المعلَّى [٧]، فَقَالَ: (يَا أَبَانُ، قَدْ عَلِمْتَ بِأَنَّ إسلامنا كان طوعا بلا
_________________
(١) في الأصل: (وردتم) .
(٢) يمرجون: من المرج (بفتحتين) الفساد والقلق والاضطراب، وأمر مريج أي مختلط. (القاموس: مرج) .
(٣) طوامن الأحلام: العقول الرزينة.
(٤) في الأصل: (وقد قضيت) ولا يستقيم بها الوزن.
(٥) مرت ترجمة أبان بن سعيد.
(٦) في الأصل: (يا أهل عمان) .
(٧) في الأصل: (الجازورد) تحريفا، وهو الجارود، واسمه بشر بن عمرو بن حنش بن المعلى العبدي سيد عبد القيس (وهم بطن من أسد ربيعة)، كان شريفا في الجاهلية،
[ ٥٩ ]
قِتَالٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ فِينَا: وَلَهُ أَسْلَمَ من في السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا ٣: ٨٣ [١]، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ حَمَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌ صَدَقَاتِ أَمْوَالِنَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَحْمِلَهَا إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، فَإِنْ أَقَمْتَ عِنْدَنَا أَطَعْنَاكَ، وَإِنْ ظَعَنْتَ عَنَّا خَفَرْنَاكَ) .
قَالَ: ثُمَّ وَثَبَ إِلَيْهِ هَرِمُ بْنُ حَيَّانَ الْعَبْدِيُّ [٢]، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ شَيْخُ عَبْدِ الْقَيْسِ وَأَسَنُّهَا فَقَالَ: (يَا أَبَانُ، إِنَّ اللَّهَ ﷿ قَدْ كَثَّرَ بِالإِسْلامِ عَدَدَنَا، وَشَدَّ بِهِ قُلُوبَنَا وَأَلْسِنَتَنَا، فَلَسْنَا نَخَافُ أَعْدَاءَنَا مِنَ النَّاسِ، وَقَدْ أَبَيْتَ الْمُقَامَ بِأَرْضِنَا، فَإِنْ كَانَ أَوْحَشَكَ مِنَّا شَيْءٌ أَمَنَّاكَ مِنْهُ، وَإِنْ خَشِيتَ أَنْ تَعْجِزَ عَنْ وُلايَتِنَا أَعَنَّاكَ بِأَنْفُسِنَا، وَإِذَا أَرَدْتَ خَيْرًا مِمَّا أَنْتَ فِيهِ بَذَلْنَا لَكَ أَمْوَالَنَا) .
ثُمَّ وَثَبَ إِلَيْهِ الْمُنْذِرُ بْنُ عَائِذٍ الْعَبْدِيُّ [٣]، وَهُوَ الَّذِي سَوَّدَهُ النبي ﵌ على
_________________
(١) [()] سمي بالجارود بعد وقعة أغار بها على بني بكر بن وائل فظفر بهم، وقالت العرب: جردهم. أدرك الإسلام ووفد على النبي ﵌ ومعه جماعة من قومه وكانوا نصارى، فأسلم وأكرمه النبي ﵌، ثبت في الردة على عهده، وجهه الحكم بن أبي العاص إلى فارس لقتال أهل (سهرك)، فقتل في عقبة الطين (موضع بفارس) شهيدا سنة ٢٠ هـ-، وقيل قتل مع النعمان بن مقرن بنهاوند سنة ٢١ هـ-. (ابن سعد ٥/ ٤٠٧، تاريخ الكامل ٢/ ٢٦٥، تاريخ الإسلام ٢/ ٤٤، الإصابة ١/ ٤٤١- ٤٤٢، الأعلام ٢/ ٥٥) .
(٢) آل عمران ٨٣.
(٣) هرم بن حيان العبدي الأزدي من بني عبد القيس، من التابعين النساك، كان أمير عبد القيس في الفتوح، ولي بعض الحروب أيام عمر وعثمان بأرض فارس وحاصر (بوشهر) سنة ١٨ هـ- ودخلها، وكان من سكان البصرة، بعثه عثمان بن أبي العاص أمير البحرين إلى قلعة (بجرة) ويقال لها (قلعة الشيوخ) فافتتحها عنوة سنة ٢٦ هـ-، ومات في إحدى غزواته سنة ٢٦ هـ-. (ابن سعد ٧/ ٩٥، أسد الغابة ٥/ ٥٧، تاريخ الإسلام ٣/ ٢١١، صفة الصفوة ٣/ ١٣٧، الإصابة ٦/ ٥٣٣، البيان والتبيين ١/ ٣٦٣، الأعلام ٨/ ٨٢) .
(٤) المنذر بن عائذ العبدي المعروف بالأشج، أشج عبد القيس، وقيل اسمه منقذ بن عائذ، قيل إنه سيدهم وقائدهم إلى الإسلام وابن ساداتهم، قال له رسول الله ﵌: يا أشج، وكان أول يوم سمي فيه الأشج. (الإصابة ٦/ ١٢٩، ٢١٦، الاستيعاب ٤/ ١٤٤٩) .
[ ٦٠ ]
وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ، حِينَ وَفَدُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ: (يَا أَبَانُ، إِنَّ مُقَامَكَ عِنْدَنَا خَيْرٌ لَكَ ولنا، ولو كنت تريد مقامك لنفسك لا تبعنا هَوَاكَ، وَلَكِنَّا نُرِيدُكَ لأَنْفُسِنَا، وَفِي خُرُوجِكَ عَنَّا مَعْصِيَةٌ لإِمَامِكَ وَعَيْبٌ عَلَيْنَا، فَإِنْ أَبَيْتَ إِلا الْخُرُوجَ عَنَّا فَغَيْرُ مَأْمُورٍ وَلا مَطْرُودٍ) .
فَقَالَ أَبَانُ بْنُ سَعِيدٍ: (جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا يَا معشر عبد القيس، فو الله مَا رَأَيْتُ خَصْلَةً مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ إِلا وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِيكُمْ وَلَوْ/ أَقَمْتُ عِنْدَكُمْ لَعَلِمْتُ [١] [٨ ب] أَنَّكُمْ تَمْنَعُونِي مَا تَمْنَعُونَ بِهِ عَنْ أَنْفُسِكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ، وَهَذَا كِتَابُ أَبِي بَكْرٍ ﵁، قَدْ وَرَدَ عَلَيَّ، وَاللُّحُوقُ بِهِ وَاجِبٌ، فَإِنَّهُ قَدْ حَدَثَتْ هَذِهِ الرِّدَّةُ، وَأُحِبُّ أَنْ يَكُونَ يَدًا مِنْ أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ عَنْهَا) .
فَأَجَابَهُ الْقَوْمُ إِلَى ذَلِكَ، وَخَرَجَ أَبَانُ بْنُ سَعِيدٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، وَمَعَهُ هَرِمُ بْنُ حَيَّانَ، وَأَخُوهُ صَبَاحُ بْنُ حَيَّانَ وَجَارُودُ بْنُ الْمُعَلَّى، وَالأَشَجُّ بْنُ عَائِذٍ [٢]، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَوَّارٍ [٣]، وَالْحَارِثُ بن مرة. قال: فخرج معه هؤلاء القوم فِي ثَلاثِينَ فَارِسًا [مِنْ] سَادَاتِ عَبْدِ الْقَيْسِ، فَأَنْشَأَ أَبَانٌ يَقُولُ [٤]:
(مِنْ مَجُزوءِ الرَّمَلِ)
١- جُزِيَ الْجَارُودُ خَيْرًا [٥] عَنْ أَبَانِ بْنِ سَعِيدِ
٢- وَصَبَاحٌ وأخوه هرم خير عميد
_________________
(١) بالأصل: (لعلمتم) .
(٢) في الأصل: (السج)، وهو الأشج بن عائذ أو المنذر بن عائذ العبدي، السابق ذكره.
(٣) عبد الله بن سوار: من عمال النبي ﵌ على البحرين، وكان ممن وفى لأبان بن سعيد بن العاصي. (الإصابة ٥/ ٩٢) .
(٤) القصيدة مضطربة الوزن وفيها خلل كثير نحاول أن نصلحه. جاء البيتان: ١، ٢ في الإصابة ٣/ ٤٠٤ وقطع من كتاب الردة ص ٢٣ الذي ينقل عن الإصابة، وحسن الصحابة ١/ ٢٢٠.
(٥) في الأصل: (جزى الله الجارود خير)، والتصويب من الإصابة.
(٦) في الأصل: (هرمه خير حميد)، والتصويب من الإصابة.
[ ٦١ ]
٣- وأشجّ القوم ذو السُّوء دد وَالرَّأْيِ السَّدِيدِ [١]
٤- وَجُزِيَ الْحَارِثُ مِنْ بَعْ دِ جزاء بمزيد
٥- وابن سوّار فنعم المر ء فِي الْعَامِ الشَّدِيدِ [٢]
٦- أَسْلَمُوا طَوْعًا وَكَفُّوا كُلَّ شيطان مريد [٣]
٧- ووفوا بالعهد والذّ مة وَالأَمْرِ الْحَمِيدِ
٨- سَوْفَ تَأْتِيهِمْ مُنَاهُمْ [٤] مِنْ قَرِيبٍ وَبَعِيدِ
٩- إِنَّ مَا [٥] أَخْلَقَ مِنِّي مِنْ ثَنَاءٍ لَجَدِيدِ
قَالَ: وَسَارَ الْقَوْمُ مَعَ أَبَانٍ حَتَّى أَوْرَدُوهُ الْمَدِينَةَ سَالِمًا، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ يَقُولُ فِي ذَلِكَ:
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- أَتَانَا أَبَانٌ وَالْخُطُوبُ كَثِيرَةٌ أَمِيرًا فَقُلْنَا مَرْحَبًا بِأَبَانِ
٢- رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ أَعْظِمْ بِحَقِّهِ عَلَى كُلِّ عَدْنَانٍ وَكُلِّ يَمَانِ
٣- أَطَعْنَا فَلَمْ نَعْصِ أَبَانَا قِلامَةَ [٦] وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَّا أَذًى بِلِسَانِ
٤- وَكُنَّا لَهُ فِي كُلِّ أَمْرٍ يُرِيدُهُ كَأَنَّا رَضِيعًا ثَدْيَ أُمِّ أَبَانِ [٧]
٥- فَلَمَّا أَتَى نَعْيُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ تَخَّوَنُهُ رَيْبٌ مِنَ الْحَدَثَانِ
٦- أَمَرْنَا أَبَانًا بِالْمُقَامِ مَكَانَهُ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ أَمْرِهِ وَبَيَانِ
٧- وَقُلْنَا لَهُ الْبَحْرَيْنَ أَرْضٌ مضيئةٌ بِهَا الدِّينُ والدنيا وأيّ أوان
_________________
(١) في الأصل: (ذو المودة والرأي السديد) .
(٢) في الأصل: (في عام الشديد) وخلله واضح.
(٣) في الأصل: (عن شيطان) .
(٤) في الأصل: (سرن يأتيهم) .
(٥) في الأصل: (ان من)، والصواب (ما) لغير العاقل، وفي البيت اقواء.
(٦) في الأصل: (فلم نعصي أبانا قلامتا) .
(٧) في الأصل: (كأنا رضيعي) وهو لحن.
[ ٦٢ ]
٨- وَمَا جَارُ عَبْدِ الْقَيْسِ فِيهِمْ بِمُسْلِمٍ يَدُ الدَّهْرِ مَا أَوْفَتْ هِضَابُ عِدَانِ [١]
٩- فَلَمَّا أَبَى إِلا اللِّحَاقَ بِقَوْمِهِ سَنَنَّا لَهُ مَا سَنَّ أَهْلُ عُمَانِ
١٠- تَضَمَّنَهُ مِنَّا ثَلاثُونَ رَاكِبًا إِلَى قَوْمِهِ وَالنَّاسُ أَهْلِ سِنَانِ
قَالَ: وَلَمَّا قَدِمَتْ عَبْدُ الْقَيْسِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، مع أَبَانِ بْنِ سَعِيدٍ، أَثْنَى عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَالْمُسْلِمُونَ ثَنَاءً حَسَنًا، قَالَ أَبَانُ بْنُ سَعِيدٍ: وَاللَّهِ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، مَا فَارَقْتُ الْقَوْمَ وَخَرَجْتُ لِشَيْءٍ كَرِهْتُهُ مِنْهُمْ، وَإِنَّهُمْ عَلَى دِينِ الإِسْلامِ، مَا غَيَّرُوا وَلا بَدَّلُوا، وَلَقْد عَرَضُوا عَلَيَّ الْمُقَامَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، غَيْرَ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَيَّ كِتَابُكَ فَأَجَبْتُكَ طَائِعًا، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مَعَكَ عَلَى أَهْلِ الرِّدَّةِ.
قَالَ: وَجَعَلَ النَّاسُ يَجْتَمِعُونَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَيَتَقَرَّبُونَ إِلَيْهِ، وَإِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِقِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ.
قَالَ: وَهَمَّتْ قَبَائِلُ طَيِّءٍ أَنْ يَرْتَدُّوا عَنْ دِينِ الإسلام، فقام/ سيدهم [٩ أ] عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ الطَّائِيُّ [٢]، فَقَالَ: (يَا مَعْشَرَ طَيِّءٍ، إِنَّكُمْ إِنْ أَقَمْتُمْ عَلَى دِينِ الإِسْلامِ أَصَبْتُمُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ، وَإِنْ رَجَعْتُمْ عَنْهُ خَسِرْتُمُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ، وَاسْتَغْنَى اللَّهُ عَنْكُمْ، وَعَلِمْتُمْ أَنَّ الله ﵎ قد قبض نبيكم محمد ﵌، وهذا خليفته
_________________
(١) هضاب عدان: أراد بها عدن حاضرة حضرموت، وزاد الألف للوزن. وعدان: بتشديد الدال، مدينة كانت على الفرات لأخت الزباء، ومقابلتها أخرى يقال لها (عزان)، ولا أظن الشاعر أراد ذلك. (ياقوت: عدن، عدان) .
(٢) عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي، أمير صحابي من الأجواد العقلاء، كان رئيس طيء في الجاهلية والإسلام، وقام في حرب الردّة بأعمال كبيرة، قال ابن الأثير: خير مولود في أرض طيء وأعظمه بركة عليهم، وكان إسلامه سنة ٩ هـ-، وشهد فتح العراق، ثم سكن الكوفة وشهد الجمل وصفين والنهروان مع علي بن أبي طالب، وفقئت عينه في صفين، وهو ابن حاتم الطائي الذي يضرب به المثل بجوده، قيل: عاش أكثر من مائة سنة وتوفي بالكوفة سنة ٢٨ هـ-. (امتاع الأسماع ١/ ٥٠٩، الروض الأنف ٢/ ٣٤٣، الإصابة ٤/ ٤٦٩- ٤٧٢، خزانة الأدب ١/ ١٣٩، الأعلام ٤/ ٢٢٠) .
[ ٦٣ ]
قَدْ قَامَ بِأَمْرِهِ فِي أُمَّتِهِ، فَوَفِّرُوا عَلَيْهِ صَدَقَاتِكُمْ وَلا تَمْنَعُوهَا، فَإِنَّ مَنْعَهَا يَمْحَقُ الْمَالَ وَيُقَرِّبُ الأَجَلَ، وَخِفُّوا إِلَى قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ مِنْ أَسَدٍ وَغَطَفَانَ وَفَزَارَةَ، فَإِنَّ الْخَلِيفَةَ قَدْ عَزَمَ عَلَى غَزْوِهِمْ، فَإِنَّهُمْ أَقْيَالُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَشُجْعَانُهُمْ فِي الإِسْلامِ، وَأَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْكُمْ أَمْسِ، وَالسَّلامُ) .
قَالَ: ثُمَّ أَنْشَأَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ يَقُولُ:
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- أَلا إنَّ هَذَا الدِّينَ أَصْبَحَ أَهْلُهُ عَلَى مِثْلِ حَدِّ السَّيْفِ بَعْدَ مُحَمَّدِ
٢- وَلا ذَاكَ مِنْ ذُلٍّ وَلا مِنْ مَخَافَةٍ عَلَى الدِّينِ وَالدُّنْيَا لإِنْجَازِ مَوْعِدِ
٣- وَلَكِنْ أُصِبْنَا بِالنَّبِيِّ فَلَيْلُنَا طَوِيلٌ كَلَيْلِ الأَرْمَدِ الْمُتَلَدِّدِ [١]
٤- وَإِنَّا وَإِنْ جَاشَتْ فَزارَةُ كُلُّهَا وَذِبْيَانُ فِي مَوْجٍ مِنَ الْبَحْرِ مُزْبِدِ
٥- وَأَجْرَى لَهُمْ فِيهَا ذُيُولَ غُرُورِهِ طُلَيْحَةُ مَأْوَى كُلِّ غَاوٍ وَمُلْحِدِ
٦- نُغَادِرُهُمْ بِالْخَيْلِ حَتَّى نُقِيمَهُمْ بِصُمِّ الْعَوَالِي وَالصَّفِيحِ الْمُهَنَّدِ
٧- وَحَتَّى يُقِرُّوا بِالنُّبُوَّةِ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ حَقٌّ وَالْكِتَابِ لأَحْمَدِ
٨- وَقَدْ سَرَّنِي مِنْكُمْ مَعَاشِرَ طَيِّءٍ حِمَايَةَ هَذَا الدِّينِ مِنْ كُلِّ مُعْتَدِ
٩- وَبَيْعَكُمْ أَمْوَالِكُمْ وَنُفُوسِكُمْ رَجَاءَ الَّذِي يَجْزِي بِهِ اللَّهُ فِي غَدِ
١٠- وَإِعْطَاؤُكُمْ مَا كَانَ مِنْ صَدَقَاتِكُمْ بِغَيْرِ جِهَادٍ مِنْ لِسَانٍ وَلا يَدِ
قَالَ: فَلَمَّا انْتَهَى شِعْرُهُ وَثَبَ زَيْدُ الخيل الطائي [٢]، فقال: (يا معشر طيء،
_________________
(١) المتلدد: المتبلد المتحير والمتلفت يمينا وشمالا. (القاموس: لدد) .
(٢) زيد الخيل الطائي: زيد بن مهلهل بن منهب، من أبطال الجاهلية، لقب بزيد الخيل لكثرة خيله، أو لكثرة طراده بها، كان طويلا جسيما جميلا، وكان شاعرا محسنا وخطيبا لسنا، موصوفا بالكرم، وله مهاجاة مع كعب بن زهير، أدرك الإسلام ووفد على النبي ﵌ سنة تسع للهجرة في وفد طيء فأسلم وسرّ به الرسول وسماه (زيد الخير)، وأقطعه أرضا بنجد، فمكث في المدينة سبعة أيام وأصابته حمى شديدة فخرج عائدا إلى نجد، فنزل على ماء يقال له (فردة) فمات هنا لك سنة ٩ هـ-، وقيل مات في خلافة عمر بن الخطاب. (الأغاني ١٧/ ٢٤٥- ٢٦٩، خزانة الأدب ٢/ ٤٤٨، ذيل المذيل ص ٣٣، ثمار القلوب ص ٧٨،
[ ٦٤ ]
اعْلَمُوا أَنَّكُمْ فِي مِثْلِ الإِكْلِيلِ مِنْ مُضَرَ، وَأَقْرَبُ الْقَوْمِ إِلَيْكُمْ [١] أَسَدٌ وَغَطَفَانُ، وَقَدْ كُنْتُمْ شُجْعَانَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ بَرِئَ اللَّهُ مِنْهُمْ لِرُجُوعِهِمْ عَنْ دِينِ الإِسْلامِ، وَمَنْعِهِمُ الزَّكَاةِ، وَهَذَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، وَقَدْ عَزَمَ عَلَى أَنْ يُوَجِّهَ إِلَيْهِمْ بِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ [٢] فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَكُونُوا سَيْفَهُ الْقَاطِعَ، وَرُمْحَهُ النَّافِذَ، وَسَهْمَهُ الصَّائِبَ) .
فَأَجَابَتْهُ قَبَائِلُ طَيِّءٍ إِلَى جَمِيعِ مَا أَحَبَّ، فَأَنْشَدَ زَيْدُ الْخَيْلِ يَقُولُ [٣]:
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- أَبَى اللَّهُ مَا تَخْشِينَ [٤] أُخْتَ بَنِي نَصْرٍ فَقَدْ قَامَ بِالأَمْرِ الْجَلِيِّ أَبُو بَكْرِ
٢- نَجِيُّ رَسُولِ اللَّهِ فِي الْغَارِ وَحْدَهُ [٥] وَصَاحِبُهُ الصِّدِّيقُ فِي مُعْظَمِ الأَمْرِ
٣- أُمَامَةُ إِنَّ الْقَوْمَ عُمُّوا بِفِتْنَةٍ تَكُونُ عليهم مثل راغية البكر
_________________
(١) [()] الشعر والشعراء ص ٩٥، حسن الصحابة ص ٢٨٤، الإصابة ٢/ ٦٢٢- ٦٢٤ الأعلام ٣/ ٦١) .
(٢) (إليكم): خرجة من فوق السطر.
(٣) خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي، سيف الله القرشي، كان من أشراف قريش في الجاهلية وشهد مع مشركيهم حروب الإسلام، وأسلم قبل فتح مكة هو وعمرو بن العاص سنة ٧ هـ- فسر بهما رسول الله ﵌، وولّاه الخيل، وجهه أبو بكر لقتال مسيلمة ومن ارتد من أعراب نجد، ثم سيّره إلى العراق سنة ١٢ هـ- ففتح الحيرة ثم إلى الشام وجعله أمير من فيها من الأمراء، ثم لما تولى عمر بن الخطاب عزله وولى أبا عبيدة بن الجراح، فقاتل بين يدي أبي عبيدة إلى أن تم لهما الفتح سنة ١٤ هـ-، فرحل إلى المدينة ومات بها، وقيل بحمص في الشام سنة ٢١ هـ-. (الإصابة ٢/ ٢٥١- ٢٥٦، الاستيعاب ٢/ ٤٢٧- ٤٣١، صفة الصفوة ١/ ٢٦٨، تاريخ الخميس ٢/ ٢٤٧، ذيل المذيل ص ٤٣، تهذيب ابن عساكر ٥/ ٩٢- ١١٤، الأعلام ٢/ ٣٠٠) .
(٤) البيتان: ١، ٢ في تاريخ دمشق ٦/ ٣٦، والإصابة ٢/ ٦٢٤.
(٥) في الأصل: (أن تخشين) وفيه لحن. الإصابة: (أمام أما تخشين بنت أبي نصر) .
(٦) يستفيد الشاعر من قوله تعالى: إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما في الْغارِ ٩: ٤٠ [التوبة: ٤٠] .
(٧) راغية البكر: كناية عن الذل، ومنه حديث أبي رجاء: (لا يكون الرجل متقيا حتى يكون
[ ٦٥ ]
٤- بَنُو أَسَدٍ مِنْ بَعْدِ ذُبْيَانَ رَدَّهُمْ طُلَيْحَةُ مِنْ بَعْدِ الضَّلالِ إِلَى الْكُفْرِ
٥- فَقُلْ لِبَنِي بَدْرٍ إِذَا مَا لَقِيتَهُمْ مَتَى كُنْتُمُ الأَذْنَابَ آلَ بَنِي بَدْرِ [١]
٦- فَإِنْ تَمْنَعُوا حَقَّ الزَّكَاةِ وَتَتْرُكُوا صَلاةً وَفِي هَاتَيْنِ قَاصِمَةُ الظَّهْرِ
٧- فَنَحْنُ لأَجْلابِ الْحَوَادِثِ عُرْضَةٌ وَمَا مِثْلُنَا حَيٌّ عَلَى العسر واليسر
[٩ ب] ٨- نُقَاتِلُكُمْ فِي اللَّهِ حَتَّى نُقِيمَكُمْ/ بِصُمِّ الْعَوَالِي وَالْمُهَنَّدَةِ السُّمْرِ
٩- وَحَتَّى يَقُولُوا إِنَّمَا كانَ [٢]
قَالَ: وَجَمَعَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ وَزَيْدُ الْخَيْلِ مَا كَانَ قِبَلَهُمَا مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا، حَتَّى قَدِمَا عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، قَالَ: وَفَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لِكَثْرَةِ مَا رَأَوْا مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَظَنُّوا أَنَّهُ عَسْكَرٌ وَرَدٌّ عَلَيْهِمْ، قَالَ: ثُمَّ تَقَدَّمَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ حَتَّى سَلَّمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، وَقَالَ: (يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، هَلْ تَعْرِفُنِي)، قَالَ: (نَعَمْ، أَنْتَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ الَّذِي أَسْلَمْتَ إِذْ كَفَرُوا، وَأَقْبَلْتَ حِينَ أَدْبَرُوا، وَأَوْفَيْتَ إِذْ غَدَرُوا، وَقَدْ عَرَفْتُكَ وَعَرَفْتُ صَاحِبَكَ زَيْدَ الْخَيْلِ، وَلَوْ لَمْ أَعْرِفْكُمَا لَكَانَ اللَّهُ يُعَرِّفُكُمَا) .
فَقَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: (يا خليفة رسول الله ﵌، إِنَّا أَطَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَأَطَعْنَاكَ بِطَاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، وَهَذِهِ قَبَائِلُ طَيِّءٍ قَدْ أَتَيْنَاكَ بِهَا، ونحن خارجون إلى قتال أهل الردة إذا أَنْتَ عَزَمْتَ عَلَى ذَلِكَ، وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) ١٨: ٣٩. قَالَ:
فَدَعَا لَهُمَا أَبُو بَكْرٍ بِخَيْرٍ، وَأَثْنَى عَلَيْهِمَا ثَنَاءً حَسَنًا.
ثُمَّ تَقَدَّمَ فَتًى من آل طيء، فأنشأ يقول [٣]:
_________________
(١) [()] أذل من قعود كل من أتى إليه أرغاه) أي قهره وأذله، لأن البعير لا يرغو إلا عن ذل واستكانة، وإنما خص القعود لأن الفتى من الإبل يكون كثير الرغاء. (اللسان: رغا) .
(٢) بنو بدر: نسبة إلى بدر بن عمرو بن جوية بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة بن ذبيان. (جمهرة أنساب العرب ص ٢٥٦) .
(٣) بياض في الأصل المخطوط بقدر تتمة البيت.
(٤) الشعر للحارث بن مالك الطائي، انظر أسد الغابة ١/ ٣٤٥.
[ ٦٦ ]
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- وَفَيْنَا وَفَاءً لَمْ يَرَ النَّاسُ مِثْلَهُ [١] وَسَرْبَلَنَا مَجْدًا عَدِيُّ بْنُ حَاتِمِ
٢- وَقَدْ كَانَ زَيْدُ الْخَيْلِ فِيهَا ابْنَ حُرَّةٍ عَدُوًّا لِمَنْ عَادَى وَسَلْمُ الْمُسَالِمِ
٣- أَفَاءَا عَلَى الصِّدِّيقِ أَنْعَامَ طَيِّءٍ بَصِيرَانِ بِالْعُلْيَا وَكَسْبِ الْمَكَارِمِ
٤- وَإِنَّ لَنَا قَوْلَ النَّصِيحَيْنِ بِالَّتِي تُخْبِرُهَا الرُّكْبَانُ أَهْلَ الْمَوَاسِمِ
٥- أَلا إِنَّ هَذَا الدِّينَ للَّهِ طَاعَةٌ فَأَلْقُوا إِلَى مَنْ شَاءَكُمْ بِالْجَرَائِمِ
٦- وَمَالِكٌ بُعْدًا لِلتَّمِيمِيِّ مَالِكٍ [٢] وَصَاحِبَةِ قَيْسِ الظَّلُومِ بْنِ عَاصِمِ [٣]
٧- وَلا مَا أَتَى الْبَدْرِيُّ [٤] فِيهَا وَقَوْمُهُ عُيَيْنَةُ ذَاكَ الرَّأْيِ رَأْيُ الْغَشَائِمِ
٨- تَمَادَوْا وَكَانُوا فِي ظُنُونٍ كَثِيرَةٍ مَتَى تَكْشِفُوهَا تَقْرَعُوا سِنَّ نَادِمِ
٩- فَلَمَّا أَتَاهُمْ خَالِدٌ فِي جُمُوعِهِ تَنَادَوْا وَعَضُّوا عِنْدَهَا بِالأَبَاهِمِ
١٠- وَصَارُوا جَمِيعًا فِي اللِّقَاءِ فَكُلُّهُمْ أَحَادِيثَ طَسْمٍ [٥] أَوْ كَأَضْغَاثِ حَالِمِ
قَالَ: وَأَقْبَلَ الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ [٦] التَّمِيمِيُّ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بني سعد، فقال:
_________________
(١) [()] البيت الأول: في مروج الذهب ٢/ ٣٠١، الإصابة ٢/ ٣٠١، وقطع من كتاب الردّة ص ٥، وشعر طيء وأخبارها ٢/ ٥٦١.
(٢) الإصابة وقطع من كتاب الردّة: (ما وفى الناس مثله) .
(٣) في الأصل: (ومالك بعدا فعل التميمي مالك) وهو مضطرب الوزن، وقد حاولنا إصلاحه بالحذف دون الإضافة.
(٤) مالك: هو مالك بن نويرة التميمي، وقيس: هو قيس بن عاصم سيد تميم، سترد ترجمتهما.
(٥) البدري: نسبة إلى بدر بن عمرو بن جوية بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة، جد عيينة ابن حصن، نسبة إلى جده، وليس البدري هنا من حضر بدرا من الصحابة، لأن عيينة ممن أسلم بعد الفتح وهو المؤلفة قلوبهم. (انظر جمهرة النسب ص ٢٥٦) .
(٦) طسم: قوم نسبة إلى طسم بن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح ﵇، وطسم وعملاق أخوان، وهما ابنا عم جديس وثمود. (جمهرة النسب ص ٤٦٢) .
(٧) في الأصل: (الزبرقان بن زيد)، وسيتكرر ذلك. الزبرقان بن بدر بن امرئ القيس، والزبرقان لقب له وهو الحصين التميمي السعدي،
[ ٦٧ ]
(يَا مَعْشَرَ بَنِي زَيْدِ مَنَاةَ، إِنَّ نَبِيَّنَا ﵇ قَدْ مَضَى لِسَبِيلِهِ، وَهَذَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ قَدْ قَامَ بِالأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ، وَقَدْ عَزَمَ عَلَى أَنْ يُوَجِّهَ بِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى مَنِ ارْتَدَّ عَنْ هَذَا الدِّينِ وَمَنَعَ الزَّكَاةَ، وَقَدْ بَلَغَكُمْ مَا كَانَ مِنْ بَنِي آلِ طَيِّءٍ، وَكَيْفَ أَجَابُوهُ إِلَى الْحَقِّ، وَأَدَّوُا الزَّكَاةَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي أَنْفُسِكُمْ، وَلا تَسْفِكُوا دِمَاءَكُمْ، وَلا تَرُدُّوا عَلَيَّ كَلامِي، فَإِنِّي لَكُمْ نَاصِحٌ) .
فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ: (يَا هَذَا، نَحْنُ وَاللَّهِ أَوْلَى بِصَدَقَاتِنَا مِنْ أَبِي بَكْرٍ، وَقَدْ جَمَعْنَاهَا إِلَيْكَ، وَدَفَعْنَاهَا لِتَمْضِيَ بِهَا إِلَى مُحَمَّدٍ ﵌، وَالآنَ قَدْ مَضَى لِسَبِيلِهِ، فَرُدَّ صَدَقَاتِنَا) . فَغَضِبَ الزِّبْرِقَانُ/ بْنُ بَدْرٍ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: (بِئْسَ مَا ظَنَنْتُمْ يَا بَنِي تَمِيمٍ، إِنِّي أَرُدُّ هَذِهِ [١] الإِبِلَ، لأَنَّنِي إِنَّمَا قَبَضْتُهَا للَّه وَفِي حَقِّ اللَّهِ ﷿، وَالَّذِي وَجَبَتْ عَلَيْكُمْ مِنْ زَكَاةِ أَمْوَالِكُمْ، وَاللَّهِ لا رَدَدْتُهَا عَلَيْكُمْ أَبَدًا، وَلأَمْضِيَنَّ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَاصْنَعُوا مَا بَدَا لَكُمْ) .
قَالَ: ثُمَّ أَنْشَأَ الزِّبْرِقَانُ يَقُولُ [٢]:
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- لَقَدْ عَلِمَتْ قَيْسٌ وخندف [٣] أَنَّنِي وَفَيْتُ إِذَا مَا فَارِسُ الْحَرْبِ أَحْجَمَا
٢- أَتَيْتُ الَّتِي قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهَا إِذَا ذُكِرَتْ كَانَتْ أَعَفَّ وَأَكْرَمَا
٣- فَزَوَّجْتُهَا مِنْ آلِ حرْقٍ وَأَصْبَحَتْ تُثِيرُ بِأَيْدِيهَا الْحَصَى قَدْ تَحَطَّمَا
_________________
(١) [()] صحابي من رؤساء قومه، ولّاه رسول الله ﵌ صدقات قومه فثبت إلى زمن عمر، كان فصيحا شاعرا، كف بصره في آخر عمره، توفي في أيام معاوية سنة ٤٥ هـ-. (ذيل المذيل ص ٣٢، جمهرة النسب ص ٢٠٨، خزانة الأدب ١/ ٥٣١، طبقات الشعراء ص ٤٧، عيون الأخبار ١/ ٢٢٦، الإصابة ٢/ ٥٥٠- ٥٥٢ الاستيعاب ٢/ ٥٦٠- ٥٦٢، الأعلام ٣/ ٤١) .
(٢) في الأصل: (هذا) .
(٣) ورد البيت الأول في: مجاز القرآن ١/ ٣٢٤، وفي الاكتفاء ص ٢١- ٢٢ الأبيات الثلاثة الأولى مع بيتين آخرين.
(٤) في الأصل: (قريش وخندف) ولا يستقيم بها الوزن، والتصويب من مجاز القرآن.
(٥) في الاكتفاء: (الحصى والمحرما) .
[ ٦٨ ]
٤- وَقَالَ رِجَالٌ خَلِّ عَنْ صَدَقَاتِنَا فَقُلْتُ نَعَمْ تِلْكَ الَّتِي تُورِثُ الْعَمَى
٥- أَأَقْبِضُهَا للَّه ثُمَّ أَرُدُّهَا إِلَيْكُمُ جَهِلْتُمْ فِي الْمَقَالِ وَبِئْسَمَا
٦- ظَنَنْتُمْ بَنِي سَعْدِ بْنِ زَيْدٍ وَلَمْ يَقُمْ عَلَيْنَا مَعَ الأَشْيَاخِ فِي الْحَيِّ مَأْثَمَا
٧- أَبَى اللَّهُ لي ثم أشقى بردّها [١] إِّيكم وَلَمْ تَشْقَوْا وَلَمْ أَشْقَ عَلَقْمَا
٨- وَإِنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا عَنْ عَدُوِّكُمْ رَجَعْتُ إِذَا مَا الْقُرْبُ حَوْلِي تَجَسَّمَا
٩- وَإِنِّي لأَسْتَحْيِي لِبَدْرٍ وَشَيْخِهِ [٢] عَلَى كُلِّ حَالٍ أَنْ يُذَمَّ وَيُشْتَمَا
قَالَ: ثُمَّ قَدِمَ الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ [٣] بِزَكَاةِ قَوْمِهِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁.
قَالَ: وَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ كُلَّمَا قَدِمَ عَلَيْهِ وَاحِدٌ مِنْ سَادَاتِ قَوْمِهِ يَقْبِضُ مِنْهُ الزَّكَاةَ، وَيَضُمُّهُ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، حَتَّى صَارَ خَالِدٌ فِي جَيْشٍ كَثِيرٍ.
قَالَ: ثُمَّ وَلَّى مَسْعُودًا [٤] عَلَى حِفْظِ الْمَدِينَةِ وَحِرَاسَتِهَا، وَأَمَرَهُ أَلا يَتْرُكَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ أَنْ يَدْخُلَ الْمَدِينَةَ وَلا يَدْنُوَ مِنْهَا.
قَالَ: وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ بِالْمُسْلِمِينَ مِنَ الْمَدِينَةِ حَتَّى ضَرَبَ عَسْكَرَهُ بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ (الْجُرْفُ) [٥]، قَالَ: ثُمَّ دَعَا أَبُو بَكْرٍ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ﵄، فعقد
_________________
(١) في الأصل: (أبى الله لي ثم أأشقى بردها) وهو مضطرب وغير موزون، ولعل ما أثبتنا أقرب إلى الصواب.
(٢) بدر وشيخه: أراد أباه وجده، وهو بدر بن امرئ القيس بن خلف بن بهدلة بن عوف بن سعد. (جمهرة النسب ص ٢١٨) .
(٣) في الأصل: (الزبرقان بن زيد) وقد تكرر هذا الخطأ في كل موضع ورد فيه اسمه.
(٤) (مسعود) كذا بالأصل، ولعله ابن مسعود، وهو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي، صحابي من أكابرهم فضلا وعقلا وقربا من رسول الله ﵌، وهو من أهل مكة ومن السابقين إلى الإسلام، وأول من جهر بقراءة القرآن بمكة، وكان خادم رسول الله وصاحب سره ورفيقه في حله وترحاله، ولي بعد وفاة الرسول ﵌ بيت مال الكوفة، ثم قدم المدينة في خلافة عثمان فتوفي فيها سنة ٣٢ هـ-. (البدء والتاريخ ٥/ ٩٧، صفة الصفوة ١/ ١٥٤، حلية الأولياء ١/ ١٢٤، البيان والتبيين ٢/ ٥٦، غاية النهاية ١/ ٤٥٨، الإصابة ٤/ ٢٣٣- ٣٣٦، الأعلام ٤/ ١٣٧) .
(٥) الجرف: موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام، به كانت أموال لعمر بن الخطاب
[ ٦٩ ]
لَهُ عَقْدًا، وَضَمَّ إِلَيْهِ الْجَيْشَ، ثُمَّ قَالَ: (يَا خَالِدُ [١]، سِرْ نَحْوَ طُلَيْحَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ الأَسَدِيِّ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ بَنِي أَسَدٍ وَغَطَفَانَ وَفَزَارَةَ، وَانْظُرْ إِذَا وَصَلْتَ إِلَى الْقَوْمِ وَنَزَلْتَ بِدِيَارِهِمْ وَسَمِعْتَ أَذَانًا، فَلا تُقَاتِلَنَّ أَحَدًا حَتَّى تَعْذِرَ إِلَيْهِمْ وَتُنْذِرَهُمْ، ثُمَّ دَسِّسْ إِلَى أُمَرَائِهِمْ وَأَشْرَافِهِمْ فَأَعْطِهِمْ مِنَ الْمَالِ عَلَى أَقْدَارِهِمْ، وَانْظُرْ إِذَا وَافَيْتَهُمْ، فَلا تَنْزِلَنَّ بِهِمْ نَهَارًا فَيَرَوْا عَسْكَرَكَ، وَيَعْلَمُوا مَا فِيهِ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ انْزِلْ بِهِمْ لَيْلا عِنْدَ وَقْتِ نَوْمِهِمْ، ثُمَّ ارْعُوا إِبِلَكُمْ وَحَرِّكُوا أَسْلِحَتَكُمْ، وَهَوِّلُوا عَلَيْهِمْ مَا قَدَرْتُمْ، وَإِنْ أَظْفَرَكُمُ اللَّهُ بِطُلَيْحَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ وَأَصْحَابِهِ، فَسِرْ نَحْوَ الْبِطَاحِ [٢] مِنْ أَرْضِ تَمِيمٍ، إِلَى مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ [٣] وَأَصْحَابِهِ (وَلَعَلِّي) [٤] آتِيكَ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى إِنْ قَدَرْنَا عَلَى ذَلِكَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلا قُوَّةَ إِلا باللَّه الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ) .
فَقَالَ خَالِدٌ: (يَا خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ، فَإِذَا أَنَا وَافَيْتُ الْقَوْمَ، فَإِلَى مَا أَدْعُوهُمْ؟) قَالَ: (ادْعُوهُمْ إِلَى عَشْرِ خِصَالٍ، شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شريك له، وأن
_________________
(١) [()] ولأهل الميدنة، وفيه بئر جشم وبئر حمل. (ياقوت: الجرف) .
(٢) انظر وصية أبي بكر لخالد بن الوليد في العقد الفريد ١/ ٤٠، مع خلاف في اللفظ.
(٣) البطاح: (بضم الباء) ماء في ديار بني أسد بن خزيمة، وهناك كانت الحرب بين المسلمين وأميرهم خالد بن الوليد وبين أهل الردة، وكان ضرار بن الأزور الأسدي قد خرج طليعة لخالد بن الوليد، وخرج مالك بن نويرة طليعة لأصحابه، فالتقيا بالبطاح، فقتل ضرار مالكا. (ياقوت: البطاح)
(٤) مالك بن نويرة بن جمرة بن شداد اليربوعي التميمي، فارس شاعر من أرداف الملوك في الجاهلية، يقال له (فارس ذي الخمار)، وذو الخمار فرسه، وفي أمثالهم: (فتى ولا كمالك)، أدرك الإسلام، وولّاه النبي ﵌ صدقات بني يربوع، ولما ولي أبو بكر اضطرب مالك في أموال الصدقات وفرّقها، فتوجه إليه خالد بن الوليد وقبض عليه في البطاح وأمر ضرار بن الأزور الأسدي فقتله سنة ١٢ هـ-. (النقائض ص ٢٢، ٢٤٧، ٢٥٨، ٢٩٨، معجم الشعراء ص ٣٦٠، الشعر والشعراء ص ١١٩، طبقات الشعراء ص ١٧٠، خزانة الأدب ١/ ٢٣٦، الإصابة ٥/ ٧٥٤- ٧٥٦، الأعلام ٥/ ٢٦٧) .
(٥) في الأصل كلمة مطموسة لعلها: (لعلي) .
[ ٧٠ ]
مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، / وَالنَّهْيِ عن المنكر، والطاعة، والجماعة) . [١٠ ب] قَالَ: ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ ﵁ [١]:
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ عبد الله بن عثمان خليفة رسول الله ﵌، إِلَى جَمِيعِ مَنْ قُرِئَ عَلَيْهِ كِتَابِي هَذَا، مِنْ خَاصٍّ وَعَامٍّ، أَقَامَ عَلَى إِسْلامِهِ، أَوْ رَجَعَ عَنْهُ، سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، وَرَجَعَ مِنَ الضَّلالَةِ وَالرَّدَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ٩: ٣٣ [٢]، ولِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ ٣٦: ٧٠ [٣]، يَهْدِي اللَّهُ مَنْ أَقْبَلَ إِلَيْهِ، وَضَرَبَ بِالْحَقِّ مَنْ أَدْبَرَ عَنْهُ وَتَوَلَّى، أَلا إِنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَأَدْعُوكُمْ إِلَى مَا جَاءَ بِهِ نبيكم محمد ﵌، فَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ باللَّه فَهُوَ ضَالٌّ، وَمَنْ لَمْ يُؤَمِّنْهُ اللَّهُ فَهُوَ خَائِفٌ، وَمَنْ لَمْ يَحْفَظْهُ اللَّهُ فَهُوَ ضَائِعٌ، وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ فَهُوَ كَاذِبٌ، وَمَنْ لَمْ يُسْعِدْهُ فَهُوَ شَقِيٌّ، وَمَنْ لَمْ يَرْزُقْهُ فَهُوَ مَحْرُومٌ، وَمَنْ لَمْ يَنْصُرْهُ فَهُوَ مَخْذُولٌ، أَلا فَاهْدُوا بِهُدَى اللَّهِ رَبِّكُمْ، وَبِمَا جَاءَ به نبيكم ﵌، فإنه من يَهْدِ الله فَهُوَ الْمُهْتَدِ، وَمن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا ١٨: ١٧ [٤] . وَقَدْ بَلَغَنِي رُجُوعُ مَنْ رَجَعَ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ الإِقْرَارِ بِالإِسْلامِ، وَالْعَمَلِ بِشَرَائِعِهِ، اغْتِرَارًا باللَّه، ﷿، وَجَهَالَةً بِأَمْرِهِ، وَطَاعَةً لِلشَّيْطَانِ، والشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ، فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا، إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا من أَصْحابِ السَّعِيرِ ٣٥: ٦ [٥]، وَبَعْدُ، فَقَدْ وَجَّهْتُ إِلَيْكُمْ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، فِي جَيْشِ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَأَمَرْتُهُ أَنْ لا يُقَاتِلَ أَحَدًا حَتَّى يَدْعُوهُ إِلَى اللَّهِ ﷿، وَيَعْذِرُ إِلَيْهِ وَيُنْذِرُ، فَمَنْ دَخَلَ فِي الطَّاعَةِ وَسَارَعَ إِلَى الْجَمَاعَةِ، وَرَجَعَ مِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى مَا كَانَ يَعْرِفُ مِنْ دِينِ الإِسْلامِ، ثُمَّ تَابَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعَمِلَ صَالِحًا، قبل الله منه
_________________
(١) راجع الكتاب في الطبري ٣/ ٢٥٠- ٢٥١ مع خلاف في اللفظ وزيادة ونقص.
(٢) أفاد من سورة الصف ٩، والفتح ٢٨، والتوبة ٣٣.
(٣) سورة يس ٧٠.
(٤) الكهف ١٧.
(٥) سورة فاطر ٦ (إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ ) ٣٥: ٦ الآية.
[ ٧١ ]
ذَلِكَ، وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ، وَمَنْ أَبَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الإِسْلامِ بَعْدَ أَنْ يَدْعُوَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَيَعْذِرَ إِلَيْهِ، فَقَدْ أَمَرْتُهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ أَشَدَّ الْقِتَالِ، بِنَفْسِهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَنْصَارِ دِينِ اللَّهِ وَأَعْوَانِهِ، لا يَتْرُك أَحَدًا قَدَرَ عَلَيْهِ إِلا أَحْرَقَهُ بِالنَّارِ إِحْرَاقًا، وَيَسْبِي الذَّرَارِيَّ وَالنِّسَاءَ، وَيَأْخُذَ الأَمْوَالَ، فَقَدْ أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ، وَالسَّلامُ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلا قُوَّةَ إِلا باللَّه الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ) .
قَالَ: ثُمَّ طَوَى الْكِتَابَ وَخَتَمَهُ، وَدَفَعَهُ إِلَى خَالِدٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا فِيهِ.
قَالَ: فَسَارَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ إِلَى أَهْلِ الرِّدَّةِ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، يُرِيدُ طُلَيْحَةَ بْنَ خُوَيْلِدٍ الأَسَدِيَّ وَأَصْحَابَهُ. قَالَ: وَمَعَ خَالِدٍ يَوْمَئِذٍ جَمَاعَةٌ مِنْ [١١ أ] بَنِي أَسَدٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَم/ يَرْتَدُّوا، وَكَتَبَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ ضِرَارُ بْنُ الأَزْوَرِ [١] إِلَى بَنِي عَمِّهِ بَنِي أَسَدٍ، بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ:
(مِنَ الْمُتَقَارِبِ)
١- بَنِي أَسَدٍ مَا لَكُمْ عَاذِرٌ يَرُدُّ عَلَى السَّامِعِ النَّاظِرِ
٢- وَأَعْيَيْتُمُونِي كُلَّ الْعَيَا فَتَعْسًا لِجَدِّكُمُ الْغَابِرِ
٣- فَهَلْ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنْ مُخْبِرٍ يُخَبِّرُ عَنْ كَاهِنٍ سَاحِرِ
٤- طُلَيْحَةُ أَكَذْبُ مَنْ يَلْمَعُ [٢] وَأَشْأَمُ فِي الشُّؤْمِ مِنْ قاشر
_________________
(١) ضرار بن مالك (الأزور) بن أوس بن خزيمة الأسدي، أحد الأبطال في الجاهلية والإسلام، كان شاعرا مطبوعا، له صحبة، وهو الذي قتل مالك بن نويرة بأمر خالد بن الوليد، وقاتل يوم اليمامة أشد قتال حتى قطعت ساقاه، فجعل يحبو على ركبته ويقاتل والخيل تطأه، ومات بعد أيام من اليمامة سنة ١١ هـ-، وقيل قتل في أجنادين في خلافة أبي بكر، وقيل في خلافة عمر. (الإصابة ٣/ ٤٨١- ٤٨٣، الاستيعاب ٢/ ٧٤٨- ٧٤٩، تهذيب ابن عساكر ٧/ ٣٠، خزانة الأدب ٢/ ٨، الأعلام ٣/ ٢١٦) .
(٢) أكذب من يلمع: هذا مثل، واليلمع السراب، والبرق الذي لا يمطر سحابه، يضرب للكذوب، قال الشاعر: إذا ما شكوت الحبّ كيما تثيبني بودّي قالت: إنّما أنت يلمع (انظر المثل في: مجمع الأمثال ٢/ ١٦٧، جمهرة الأمثال ٢/ ١٧١، المستقصى ١/ ٢٩٣، اللسان: لمع، معجم الأمثال ١/ ١٧٧) .
(٣) أشأم من قاشر: هذا مثل، وقاشر فحل كان لبني عوافة بن سعد بن تميم، استطرقوه رجاء
[ ٧٢ ]
٥- وَأَخْرَجُ مِنْ لُمُعَاتِ الشَّراب [١] بِقَفْرٍ وَأَشْقَى مِنَ الْعَاقِرِ
٦- فَمَنْ لانَ مِنْ قَبْلِ حدِّ الظُّبا وَمِنْ وَطْأَةِ الخفِّ وَالْحَافِرِ
٧- وَمَنْ لانَ مِنْ قَبْلِ سَبْيِ النِّساء وَسَفْكِ الدِّماء مَعَ الْكَافِرِ
٨- كأنّي بكم قد حَوَى جَمْعِكُمْ وَجَمْعِ الشُّقاة بَنِي عَامِرِ
٩- وَجَمْعِ الطُّغَاةِ بَنِي فَقْعَسٍ وَجَمْعِ الْعُتَاةِ بَنِي دَاهِرِ [٢]
قَالَ: وَكَتَبَ أَيْضًا يَزِيدُ بْنُ حُذَيْفَةَ [٣] إِلَى بَنِي عَمِّهِ بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ [٤]:
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- بَنِي أَسَدٍ مَا فِي طُلَيْحَةَ خَصْلَةٌ يُطَاعُ بِهَا يَا قَوْمُ فِي حَيِّ فَقْعَسِ [٥]
٢- فَكَيْفَ بِقَوْمٍ قَلَّدُوهُ أُمُورَهُمْ جُدِعْتُمْ بِهَذَا مِنْكُمْ كلَّ مَعْطَسِ
_________________
(١) [()] أن يؤنث إبلهم، فماتت الأمهات والنسل. (انظر: الميداني ١/ ٣٨٠، جمهرة الأمثال ١/ ٥٥٦، المستقصى/ ١٨٣، اللسان: قشر، معجم الأمثال العربية القديمة ١/ ١٠٧) .
(٢) كذا بالأصل ولعلها: (من لمعان السراب)، ولعل الشراب هنا جمع شربة، والشربة: أرض لينة تنبت العشب وليس بها شجر (اللسان: شرب) .
(٣) بنو داهر: نسبة إلى دهر بن تيم الأدرم بن غالب (جمهرة النسب ص ١٧٥) .
(٤) في الأصل: (يزيد بن خزيمة)، وفي الإصابة: يزيد بن حذيفة الأسدي، ذكره وثيمة في كتاب الردّة فيمن ثبت على إسلامه هو ابنه زفر، وكان من أشراف بني أسد فالتحق بخالد بن الوليد، وأرسل إلى بني أسد يحذرهم من طليحة بأبيات. (الإصابة ٦/ ٦٩٩) .
(٥) البيت الأول في الإصابة ٦/ ٦٩٩، وقطع من كتاب الردة ص ٤.
(٦) فقعس: نسبة إلى فقعس بن طريف بن عمرو بن قعين بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد. (جمهرة النسب ص ١٩٥، اللسان: فقعس) .
(٧) في الأصل: (جذعتم مغطس) وهو تصحيف.
[ ٧٣ ]
٣- طُلَيْحَةُ كَذَّابٌ مَتَى يَرَ عَوْرَةً يَرْمِهَا وَإِنْ تَنْصَبْ لَهُ الْحَرْبُ يَجْلِسِ
٤- فَلا تَتَّبِعُوهُ إنَّه سَاحِبٌ لَكُمْ [١] ذُيُولَ غُرُورٍ بَعْدَهَا يَوْمُ أَنْحَسِ
٥- وَكِيسُوا فإنَّ الْكَيْسَ فِيهِ صَلاحُكُمْ وَأَنْ يَحْذَرَ الْكَذَّابُ غَيْرَ الْمُكَيَّسِ [٢]
قَالَ: وَلَمْ يَبْقَ مَعَ خَالِدٍ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُعْرَفُ بِالصَّلاحِ، إِلا كَتَبَ إِلَى قَوْمِهِ، يُحَذِّرُهُمْ مَقْدَمَ [٣] خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ عَلَيْهِمْ، وَيَعْذِلُهُمْ فِي ارْتِدَادِهِمْ عَنْ دِينِ الإِسْلامِ.
وَآخِرُ مَنْ كَتَبَ إِلَيْهِمْ جَعْوَنَةُ بْنُ مَرْثَدٍ الأَسَدِيُّ [٤]، بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ [٥]:
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- بَنِي أَسَدٍ قَدْ سَاءَنِي مَا فَعَلْتُمُ [٦] وَلَيْسَ لِقَوْمٍ حَارَبُوا اللَّهَ مَحْرَمُ
٢- وَأُقْسِمُ بِالرَّحْمَنِ أَنْ قَدْ غَوَيْتُمُ بَنِي أَسَدٍ فَاسْتَأْخِرُوا وَتَقَدَّمُوا [٧]
٣- فإنِّي وَإِنْ عِبْتُمْ عَلَيَّ سَفَاهَةً حَنِيفٌ عَلَى دِينِ النَّبيِّ وَمُسْلِمِ [٨]
٤- أُجَاهِدُ إِنْ كَانَ الْجِهَادُ غَنِيمَةً وللَّه بالأمر المجاهد أعلم
_________________
(١) في الأصل: (صاحب)، وصوابها (ساحب) بدلالة ذيول التي بعدها.
(٢) غير المكيس: أي الأحمق، والكيس الظرف والعقل والجود والغلبة. (القاموس: كيس) .
(٣) في الأصل: (مقام)، ولا وجه لها.
(٤) في الأصل: (جعونة بن مزيد) وهو: جعونة بن مرثد، كما في الإصابة، قال: مخضرم، له في طلحة بن خويلد لما ادعى النبوة: (بني أسد قد ساءني ما فعلتم ) وذكر البيتين. (الإصابة ١/ ٥٣٨) .
(٥) البيتان: ١، ٣ في الإصابة ١/ ٥٣٨. والبيتان: ١، ٢ مع ثلاثة أبيات أخرى في تاريخ دمشق ٧/ ١٠٢ منسوبة إلى ضرار بن الأزور.
(٦) تاريخ دمشق: (ساءني ما صنعتم) .
(٧) في الأصل: (وتقدم) .
(٨) في الإصابة: (على الدين القويم ومسلم) .
(٩) جاءت ثلاثة أبيات بعدها في تاريخ دمشق ٧/ ١٠٢ هي: نهيتكم أن تنهبوا صدقاتكم وقلت لكم يا آل ثعلبة اعلموا عصيتم ذوي ألبابكم وأطعتم ضمينا وأمر ابن اللّقيطة أشام وقد بعثوا وفدا إلى أهل دومة فقبّح من وفد ومن يتيمّم
[ ٧٤ ]