قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنْ أَمْرِ الْيَمَامَةِ وَبَنِي حَنِيفَةَ وَقَتَلَ مُسَيْلِمَةَ، أَقَامَ بِأَرْضِ الْيَمَامَةِ يَنْظُرُ أَمْرَ أَبِي بَكْرٍ ﵁، قَالَ: وَعَزَمَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يُوَجِّهَ بِجَيْشٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مُحَارَبَةِ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ، وَكَانَ مِنْ سَبَبِ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ وَارْتِدَادِهِمْ عَنْ دِينِ الإِسْلامِ، أَنَّ نَفَرًا مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ كَانُوا يُعَادُونَ قَبَائِلَ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَعَبْدُ الْقَيْسِ يَوْمَئِذٍ بِالْبَحْرَيْنِ مُتَمَسِّكُونَ بِدِينِ الإِسْلامِ، لَمْ يَرْتَدُّوا مَعَ مَنِ ارْتَدَّ، وَجَعَلَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ارْتَدُّوا مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:
(تَعَالَوْا حَتَّى نَرُدَّ الْمُلْكَ فِي دَارِ النُّعْمَانِ ابْنِ الْمُنْذِرِ [٢]، فَإِنَّهُ أَحَقُّ بِهَذَا الأَمْرِ مِنَ ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ) .
قَالَ: فَعَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجَ نَفَرٌ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ وَأَهْلِ الشَّرَفِ فِيهِمْ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى كِسْرَى مَلِكِ الْفُرْسِ، فَاسْتَأْذَنُوا عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَحَيَّوْهُ بِتَحِيَّةِ الْمُلُوكِ. فَقَالَ كِسْرَى: (مَا الَّذِي أَقْدَمَكُمْ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ)، فَقَالُوا: (أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّهُ قَدْ مَضَى ذَلِكَ الرَّجُلُ [مِنَ] الْعَرَبِ الَّذِي كَانَتْ قُرَيْشٌ وَسَائِرُ مُضَرَ يَعْتَزُّونَ بِهِ، يَعْنُونَ بِذَلِكَ رسول الله ﵌، وَقَدْ قَامَ بَعْدَهُ خَلِيفَةٌ لَهُ ضَعِيفُ البدن،
_________________
(١) انظر في ردة البحرين: الطبري ٣/ ٣٠١- ٣١٣، وتاريخ الكامل ٢/ ٣٦٨- ٣٧٢، والأغاني ١٥/ ٢٥٥- ٢٦٢.
(٢) النعمان بن المنذر بن عمرو بن المنذر بن الأسود بن النعمان بن المنذر بن امرئ القيس، كان آخر ملوك الحيرة. (جمهرة أنساب العرب ص ٤٢٢- ٤٢٣) .
[ ١٤٧ ]
ضَعِيفُ الرَّأْيِ، وَقَدِ انْصَرَفَ عَامِلُهُ إِلَى أَصْحَابِهِ، وَبِلادُ الْبَحْرَيْنِ الْيَوْمَ ضَائِعَةٌ لَيْسَ بِهَا أَحَدٌ مِمَّنْ هُوَ عَلَى دِينِ الإِسْلامِ، إِلا شِرْذِمَةٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَلَيْسَ هُمْ عِنْدَنَا بِشَيْءٍ، وَنَحْنُ أَكْثَرُ مِنْهُمْ خَيْلا وَرَجْلا، وَلَوْ بَعَثْتَ إِلَى الْبَحْرَيْنِ رَجُلا يَأْخُذُهَا، لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُمَانِعُهُ عَلَيْهَا) .
قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ كِسْرَى: (مَنْ تُحِبُّونَ أَنْ أُوَجِّهَ مَعَكُمْ إِلَى الْبَحْرَيْنِ)، قَالُوا:
(مَنْ أَحَبَّ الْمَلِكُ)، قَالَ: (فَمَا تَقُولُونَ فِي الْمُنْذِرِ [١] بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ)، فَقَالُوا: (أَيُّهَا الْمَلِكُ، هُوَ لَنَا رِضًا، وَمَا نُرِيدُ بِهِ بَدَلا) .
قَالَ: فَأَرْسَلَ كِسْرَى إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ النُّعْمَانِ، فَدَعَاهُ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ غُلامٌ حَدَثُ السِّنِّ حِينَ بَقِلَ وَجْهُهُ [٢] فَخَلَعَ عَلَيْهِ بِخِلَعٍ، وَتَوَّجَهُ بِتَاجٍ وَحَمَلَهُ عَلَى مِائَةٍ مِنَ الْخَيْلِ، وَضَمَّ إِلَيْهِ سَبْعَةَ آلافِ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، وَعَزَمَ أَنْ يُوَجِّهَ بِهِ مَعَ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ [٣] إِلَى الْبَحْرَيْنِ.
قَالَ: وَتَجَهَّزَ الْمُنْذِرُ بْنُ النُّعْمَانِ لِيَخْرُجَ مَعَ الْقَوْمِ، وَنَدِمَ كِسْرَى عَلَى مَا فَعَلَ، وَجَعَلَ يَقُولُ لِوُزَرَائِهِ: (إِنِّي لَمْ أَصْنَعْ شَيْئًا عَمِلْتُهُ إِلَى غُلامٍ حَدَثِ السِّنِّ لا مَعْرِفَةَ لَهُ بِالأُمُورِ فَجَعَلْتُهُ رَأْسًا لِلْعَرَبِ، وَمَا عَسَى أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ) .
قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمُنْذِرَ بْنَ النُّعْمَانِ، فَأَقْبَلَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى كِسْرَى، فحياه [٢٦ ب] بِتَحِيَّةِ الْمُلُوكِ/ وَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى مَنْ بِحَضْرَتِهِ مِنَ الْعَرَبِ، ثُمَّ قَالَ:
(انْظُرُوا أَنْ تُفَسِّرُوا مَا أَقُولُ)، ثُمَّ أَنْشَأَ يقول:
_________________
(١) المنذر بن النعمان الثالث بن المنذر الرابع بن المنذر بن امرئ القيس اللخمي، المعروف بالغرور، آخر المناذرة أصحاب الحيرة في الجاهلية، وليها بعد زاديه بن ماهان الهمذاني الفارسي، ولم تطل مدته، حكم ثمانية أشهر، وقتل أيام فتح البحرين سنة ١٢ هـ-. (فتوح البلدان ص ٩٠- ٩١، تاريخ ابن خلدون ٢/ ٢٦١، الكامل لابن الأثير ١٢/ ١٤١، المحبر ص ٣٦٠- ٣٦١، الأغاني ١٤/ ٤٥، معجم البلدان: البحرين، الأعلام ٧/ ٢٩٥) .
(٢) بقل وجه الغلام: خرجت لحيته. (الصحاح: بقل) .
(٣) في الأصل: (بكر بن وائلة) .
[ ١٤٨ ]
(مِنَ الْكَامِلِ)
١- قُولا لِكِسْرَى وَالْخُطُوبُ كَثِيرَةٌ إِنَّ الْمُلُوكَ تَهِينُ مَا لَمْ تُخْبَرُ
٢- فَإِذَا بَلَوْا كَانُوا لأَوَّلِ غَايَةٍ بَيْنَ الْمُبَرِّزِ وَالسُّقُوطِ الأَغْبَرِ
٣- إِنْ لَمْ أَكُنْ كَانَ الَّذِي أَنْمَى لَهُ فكذا [ك] [١] لَمْ يَكُ وَالِدِي كَالْمُنْذِرِ
٤- وَكَذَاكَ وَالِدُهُ جَرَى مِنْ جَدِّهِ وَعَلَيْهِ آخِرُنَا فَخُذْنَا أَوْ ذَرِ
٥- وَالْمَرْءُ يُخْلِفُهُ ابْنُهُ مِنْ بَعْدِهِ حَتَّى يَكُونَ بِمَسْمَعٍ أَوْ مَنْظَرِ
٦- إِنْ كَانَ لِلنُّعْمَانِ [٢] ذَنْبٌ أَوْ لَهُ عُذْرٌ فَمَا لِي فِيهِمَا مِنْ مَصْدَرِ
٧- قَدْ كَانَ نَاصِحَكَ النَّصِيحَةِ كُلِّهَا وَجَنَى عَدُوُّكَ فَقْعَةً بِالْقَرْقَرِ [٣]
٨- إِنِّي كَذَلِكَ لِلصَّنِيعَةِ شَاكِرٌ لا خَيْرَ فِي الْمَعْرُوفِ مَا لَمْ يُشْكَرِ
قَالَ: فَلَمَّا فُسِّرَتْ هَذِهِ الأَبْيَاتِ عَلَى كِسْرَى وَفَهِمَهَا، أَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ مَعَ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَقَالُوا: وَمَعَهُمْ أَبُو ضُبَيْعَةَ الْحُطَمُ [٤] بْنُ زَيْدٍ، وَظَبْيَانُ بْنُ عَمْرٍو، وَمُسْمِعُ بْنُ مَالِكٍ.
قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِمُ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ [٥] وعذلهم في فعالهم، ونهاهم عما قد
_________________
(١) في الأصل: (فكذا) .
(٢) في الأصل: (لنعمان) .
(٣) في الأصل: (بالفرقد) وهو تحريف (القرقر) . القرقر: القاع الأملس، يشير إلى المثل: (أذل من فقع بقرقر) .
(٤) في الأصل: (الحطيم) . وهو الحطم. الحطم: هو شريح بن ضبيعة بن عمرو بن مرثد، أحد بني قيس بن ثعلبة، والحطم لقبه، سمي به لقوله: (قد لفّها الليل بسوّاق حطم) أسلم ثم ارتد بالبحرين هو وبنو قيس بن ثعلبة، وسار الحطم حتى لحق بربيعة فانضم إليها والتجأ إلى حصن جواثا، فوقعت الحرب بينه وبين المسلمين وعلى المسلمين علاء بن الحضرمي. (فتوح البلدان ١/ ١٠١) .
(٥) المثنى بن حارثة بن سلمة الشيباني، صحابي من القادة الفاتحين، أسلم سنة ٩ هـ- وغزا بلاد فارس في أيام أبي بكر، وفد على أبي بكر فأكرمه، وأمّره على قومه، فكان يغير على السواد، أمدّه أبو بكر بخالد بن الوليد فكان بدء الفتح، جرح المثنى في وقعة قس الناطف
[ ١٤٩ ]
عَزَمُوا عَلَيْهِ مِنْ حَرْبِهِمْ لإِخْوَتِهِمْ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَيُهَدِّدُهُمْ بِالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَكَتَبَ فِي كِتَابِهِ إِلَيْهِمْ بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ:
(مِنَ الرَّمَلِ)
١- طَالَ لَيْلِي لِتَمَنِّي مِسْمَعِ وَابْنِ ظَبْيَانَ جَمِيعًا وَالْحُطَمْ [١]
٢- وَغَزَوْا خُنْفُسَ [٢] جُبْنًا مِنْهُمُ عَمْرُكَ اللَّهُ وَجَبْنَا لِلْعَجَمْ
٣- لَنْ [٣] تُحِبَّ الْفُرْسُ بَكْرًا أَبَدًا مَا جَرَى الْبَحْرُ وَمَا أَوْفَى إِضَمْ [٤]
٤- بَعْدَ ذِي قَارٍ [٥] وَلَوْلا صبركم كنتم مثل ثمود أو إرم
_________________
(١) [()] زمن عمر بن الخطاب، وشهد المثنى عدة وقائع بعد شفائه، فانتقضت عليه جراحه، فمات سنة ١٤ هـ-. (الإصابة ٥/ ٧٦٦، البداية والنهاية ٧/ ٤٩، جمهرة الأنساب ص ٣٠٥، الاستيعاب ٤/ ١٤٥٦- ١٤٥٧، الأعلام ٥/ ٢٧٦) .
(٢) في الأصل: (الحكم)، وقد مر أعلاه الحطم.
(٣) خنفس: ناحيد من أعمال اليمامة قريبة من خزالا ومريفق بين جراد وذي طلوح، بينها وبين حجر سبعة أيام أو ثمانية، ويوم الخنفس من أيام العرب، قال: وهو ماء لهم. (ياقوت: خنفس) .
(٤) في الأصل: (أن تحب) .
(٥) إضم: واد بجبال تهامة وهو الوادي الذي فيه المدينة، ويسمى من عند المدينة القناة، ومن أعلى منها عند السد يسمى الشظاة، ومن عند الشظاة إلى أسفل يسمى اضما إلى البحر، وقال ابن السكيت: اضم واد يشق الحجاز حتى يفرغ في البحر، وعن نصر: اضم أيضا جبل بين اليمامة وضرية. (ياقوت: اضم) قلت: ولعل المراد هذا الجبل الأخير لأنه أقرب إلى اليمامة.
(٦) في الأصل: (ذي قار) . ذو قار: ماء لبكر بن وائل قريب من الكوفة بينها وبين واسط، وحنو ذي قار على ليلة منه وفيه. كانت الوقعة المشهورة بين بكر بن وائل والفرس، قيل: وكانت وقعة ذي قار عند منصرف النبي ﵌ من وقعة بدر الكبرى، وكان أول يوم انتصف فيه العرب من العجم وبرسول الله ﵌ انتصفوا، وهي من مفاخر بكر بن وائل. (ياقوت: ذو قار) .
(٧) ثمود: قوم صالح ﵇. وإرم: وهي إرم ذات العماد، إرم عاد، قيل إنها اليمن بين
[ ١٥٠ ]
٥- فَأَصَابَ الْقَوْمُ مِنْكُمْ فُرْصَةً تَذْهَبُ الأَمْوَالُ فِيَها وَالْحُرَمْ
٦- فَاعْطِفُوا الرَّحْمَ عَلَى أَعْمَامِكُمْ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْكُمْ بِالْكَظَمْ [١]
٧- قَبْلَ أَنْ يَقْرَعَ فِيكُمْ قَارِعٌ سِنَّهُ [٢] الآنَ فَلا يُغْنِي النَّدَمْ
٨- أَسْلِمُوا للَّه [٣] تُعْطَوْا سُؤْلَكُمْ إِنَّ مَنْ أَشْرَكَ باللَّه ظَلَمْ
٩- إِقْبَلُوهَا مِنْ أَخِيكُمْ نُصْحَةً لا تَقُولُوا لا وَقُولُوا لِي نَعَمْ
١٠- إِنَّ للَّه سُيُوفًا جَمَّةً وَرِجَالا مِثْلَ آسَادِ الأَجَمْ
١١- تِلْكُمُ الأَنْصَارُ سُمٌّ نَاقِعٌ وَرِجَالٌ هَاجَرُوا تِلْكَ الْبُهَمْ [٤]
قَالَ: فَلَمَّا وَصَلَتْ هَذِهِ الأَبْيَاتُ إِلَى بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، جَعَلَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ لِبَعْضٍ: (لَقَدْ حَسَدَنَا الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ عَلَى ثَلاثِ خِصَالٍ، عَلَى مُلْكِ الْمُنْذِرِ بْنِ النُّعْمَانِ، وَعَلَى صُلْحِنَا لِكِسْرَى، وَعَلَى التَّوَسُّعِ فِي الْبَحْرَيْنِ، وَاللَّهِ لا قَبِلْنَا مَا أَشَارَ بِهِ عَلَيْنَا) .
قَالَ: ثُمَّ سَارَ الْقَوْمُ نَحْوَ الْبَحْرَيْنِ، وَأَنْشَأَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يَقُولُ:
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- نَسِيرُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ نَأْكُلُ تَمْرَهَا [٥] وَنَرْعَى حِمَاهَا بِالْقَنَا وَالْقَبَائِلِ [٦]
٢- وَنَعْرِكُهَا عَرْكَ الأَدِيمِ بِفِتْيَةٍ عَرَانِينَ مِنْ أَفْنَاءِ بَكْرِ بْنِ وائل
_________________
(١) [()] حضرموت وصنعاء من بناء شداد بن عاد. (ياقوت: ارم) .
(٢) الكظم: مخرج النفس، يقال: أخذت بكظمه، أي بمخرج نفسه. (الصحاح: كظم) .
(٣) قرع السن: كناية عن الندم، وفي المثل: (قرع سن النادم) أي ندم (المستقصي ٢/ ١٩٦) .
(٤) في الأصل: (باللَّه) .
(٥) البهم: جمع بهمة، الفارس الذي لا يدري من أين يؤتى من شدة بأسه، ويقال أيضا للجيش بهمة، ومنه قولهم: فلان فارس بهمة وليث غابة. (الصحاح: بهم) يصف المهاجرين.
(٦) في الأصل: (ثمرها) .
(٧) كذا بالأصل، ولعلها: (والقنابل) جمع القنبلة وهي الطائفة من الخيل ما بين الثلاثين إلى الأربعين ونحوه، وكذلك القنبلة من الناس: طائفة منهم. (الصحاح: قنبل) .
[ ١٥١ ]
[٢٧ أ] ٣- فَتُصْبِحُ عَبْدُ الْقَيْسِ فِيهَا أَذِلَّةً كَفَقْعَةِ قَاعٍ [١] أَوْ كَشَحْمَةِ آكِلِ
٤- وَنَجْعَلُ هَذَا الْمُلْكَ فِي آلِ مُنْذِرٍ كَمَا كَانَ فِيهِمْ فِي الدُّهُورِ الأَوَائِلِ
٥- وَنَحْنُ يَدُ النُّعْمَانِ لا تُنْكِرُونَهُ عَلَى غَيْرِ حَافٍ مِنْ مَعَدٍّ وَنَاعِلِ
٦- وَقَالَ رِجَالٌ خَاذِلُونَ [٢] لِقَوْمِهِمْ ذَرُوا الْبَحْرَ لا تَغْزُوهُمُ دُونَ قَابِلِ
٧- سَيَكْفُرُ قَوْمٌ فِي الْحُرُوبِ إِذَا الْتَقَوْا صُدُورَ الْمَذَاكِي [٣] وَالْوَشِيجِ [٤] الذَّوَابِلِ
٨- فَقُلْ لِلْمُثَنَّى حِينَ قَرَّ قَرَارُهُ سَتَأْتِيكَ بِالأَخْبَارِ رُكْبَانُ قَافِلِ
قَالَ: وَتَوَسَّطَتْ بَنُو بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ أَرْضَ الْبَحْرَيْنِ، وَاجْتَمَعَتْ عَبْدُ الْقَيْسِ إِلَى رَئِيسٍ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ يُقَالُ لَهُ: الْجَارُودُ بْنُ الْمُعَلَّى الْعَبْدِيُّ فِي أَرْبَعَةِ أَلْفٍ [٥] مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ وَأَحْلافِهِمْ وَعَبِيدِهِمْ وَمَوَالِيهِمْ. قَالَ: وَدَنَتْ مِنْهُمْ بَنُو بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ فِي تِسْعَةِ أَلْفٍ مِنَ الْفُرْسِ، وَثَلاثَةِ أَلْفٍ مِنَ الْعَرَبِ، فَاقْتَتَلَ الْقَوْمُ قِتَالا شَدِيدًا، فَكَانَتِ الدَّائِرَةُ عَلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ نَفَرٌ كَثِيرٌ وَمِنَ الْفُرْسِ، ثُمَّ اقْتَتَلُوا قِتَالا شَدِيدًا ثَانِيَةً، فَكَانَتِ الدَّائِرَةُ عَلَى عَبْدِ الْقَيْسِ، فَانْتَصَفَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَدَامَ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ أَيَّامًا كَثِيرَةً حَتَّى قُتِلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَاسْتَأْمَنَ عَامَّةَ عَبْدِ الْقَيْسِ إِلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ.
قَالَ: فَعِنْدَهَا عَلِمَتْ عَبْدُ الْقَيْسِ أَنَّهُ لا طَاقَةَ لَهُمْ مَعَ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَانْهَزَمُوا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى صَارُوا إِلَى حِصْنٍ لَهُمْ بِأَرْضِ هَجَرَ يُقَالُ لَهُ جَوَاثِيُّ [٦] فدخلوه،
_________________
(١) في الأصل: (لتفعة فاع) . والفقع: ضرب من الكمأة، هي البيضاء الرخوة، يشبه به الرجل الذليل فيقال: هو فقع قرقر، لأن الدواب تنجله بأرجلها. (الصحاح: فقع) .
(٢) في الأصل: (خاذلونا) .
(٣) المذاكي: الخيل التي أتى عليها بعد قروحها سنة أو سنتان، الواحدة: مذك، وفي المثل: (جرى المذكيات غلاء) (الصحاح: ذكا) .
(٤) الوشيج: شجر الرماح.
(٥) في الأصل: (أربعة ألف) وليست أربعة آلاف، وهو صحيح، وسيتكرر ذكر الألف.
(٦) جؤاثى أو جواثاء: يمد ويقصر، حصن لعبد القيس بالبحرين فتحه العلاء بن الحضرمي في أيام أبي بكر الصديق سنة اثنتي عشرة عنوة، وقال ابن الأعرابي: جواثا مدينة الخط،
[ ١٥٢ ]
وَأَقْبَلَتْ بَنُو بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ وَالْفُرْسُ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى الْحِصْنِ فَأَحْدَقُوا بِهِ، فَحَاصَرُوا عَبْدَ الْقَيْسِ حِصَارًا شَدِيدًا، وَمَنَعُوهُمْ مِنَ الطَّعَامِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْفٍ الْعَبْدِيُّ [١] هَذِهِ الأَبْيَاتِ، وَوَجَّهَ بِهَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، يَقُولُ [٢]:
(مِنَ الْوَافِرِ)
١- أَلا أَبْلِغْ أَبَا بَكْرٍ رَسُولا [٣] وَفِتْيَانَ الْمَدِينَةِ أَجْمَعِينَا
٢- فَهَلْ لِي فِي شَبَابٍ مِنْكَ أَمْسَوْا جِيَاعًا فِي جَوَاثِيَ مُحْصَرِينَا [٤]
٣- تُحَاصِرُهُمْ بَنُو ذُهْلٍ وَعِجْلٍ وَشَيْبَانَ وَقَيْسٍ [٥] ظَالِمِينَا
٤- يَقُودُهُمُ الْغُرُورُ بغير حقّ ليستلب العقائل والبنينا
_________________
(١) [()] والمشقر مدينة هجر، وجؤاثاء أول موضع جمعت فيه الجمعة بعد المدينة، وقال عياض: وبالبحرين أيضا موضع يقال له قصر جواثا، ويقال: ارتدت العرب كلها بعد النبي ﵌ إلا أهل جواثا، وكان أهل الردة بالبحرين حصروا طائفة من المسلمين بجواثا فجاءهم العلاء بن الحضرمي فاستنقذهم، وفتح البحرين كلها. (ياقوت: جواثاء) .
(٢) عبد الله بن عوف العبدي، وفي الطبري عبد الله بن حذف أحد بني أبي بكر بن كلاب، وانظر الخبر وأربعة أبيات من الشعر في الطبري ٣/ ٣٠٤.
(٣) الأبيات: ١، ٢، ٦ مع بيت رابع في تاريخ الطبري ٣/ ٣٠٤، والأغاني ١٥/ ٢٥٧، والكامل لابن الأثير ٢/ ٣٦٨- ٣٦٩، والاكتفاء ص ١٦٩، ومعجم البلدان (جواثاء)، ونهاية الأرب ١٩/ ١٠١، والبداية والنهاية ٦/ ٣٢٧، والإصابة ٥/ ٨٣، وقطع من كتاب الردة ص ٢٥. والبيتان: ١، ٢ في فتوح البلدان ص ٩٤، ومعجم البلدان (بحرين) .
(٤) فتوح البلدان: (أبا بكر ألوكا) . الاكتفاء: (وسكان المدينة) .
(٥) رواية البيت في مصادر التخريج: فهل لكم إلى قوم كرام قعود في جواثا محصرينا فتوح البلدان: (أسارى في جواثا محصرينا) . بعد هذا البيت في المصادر السابقة: كأن دماءهم في كلّ فجّ شعاع الشمس يغشى الناظرينا
(٦) بنو ذهل وعجل وشيبان وقيس: بطون من بكر بن وائل.
(٧) في الأصل: (لتستلب المقاتل والبيانا) وهو تحريف واضح.
[ ١٥٣ ]
٥- فَلَمَّا اشْتَدَّ حَصْرُهُمُ وَطَالَتْ أَكُفُّهُمُ بِمَا فِيهِ بُلِينَا [١]
٦- تَوَكَّلْنَا عَلَى الرَّحْمَنِ إِنَّا وَجَدْنَا الْفَضْلَ لِلْمُتَوَكِّلِينَا [٢]
٧- وَقُلْنَا وَالأُمُورُ لَهَا قَرَارٌ [٣] وَقَدْ سَفِهَتْ حُلُومُ بَنِي أَبِينَا
٨- نُقَاتِلُكُمْ عَلَى الإِسْلامِ حَتَّى تَكُونُوا أَوْ نَكُونَ [٤] الذَّاهِبِينَا
٩- بِكُلِّ مُهَنَّدٍ عَضْبٍ حُسَامٍ يَقُدُّ الْبِيضَ وَالزُّرْدَ الدَّفِينَا
قَالَ: فَلَمَّا نَظَرَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فِي هَذِهِ الأَبْيَاتِ اغْتَمَّ فِيهِ غَمًّا شَدِيدًا لِمَا يَكُونُ فِيهِ مِنْ ذِكْرِ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَمَا قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُفَّارِ الْفُرْسِ وَبَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَدُعِيَ بِرَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَالُ لَهُ الْعَلاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ، فَعَقَدَ لَهُ عَقْدًا [٢٧ ب] وَضَمَّ إِلَيْهِ أَلْفَيْ رَجُلٍ/ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ إِلَى نُصْرَةِ عَبْدِ الْقَيْسِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: (انْظُرْ يَا عَلاءُ، لا تَمُرُّوا [٥] بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ إِلا اسْتَنْهَضْتَهُمْ إِلَى مُحَارَبَةِ بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَتَوْا بِالْمُنْذِرِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ مِنْ عِنْدِ كِسْرَى مَلِكِ الْفُرْسِ، وَقَدْ عَقَدُوا التَّاجَ عَلَى رَأْسِهِ، وَقَدْ عَزَمُوا عَلَى إِطْفَاءِ نُورِ اللَّهِ، وَقَتْلِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ، فَسِرْ وَقُلْ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا باللَّه) .
قَالَ: فَسَارَ الْعَلاءُ بْنُ عَائِذٍ الْحَضْرَمِيُّ، حَتَّى صَارَ بِأَرْضِ الْيَمَامَةِ، فَاسْتَقْبَلَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أَثَالَ الْحَنَفِيُّ [٦]، وَكَانَ مُسْلِمًا تَقِيًّا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ قال: (أين يا علاء،
_________________
(١) في الأصل: (إلينا) .
(٢) بعد هذا البيت في الإصابة: وقلنا قد رضينا الله ربّا وبالإسلام دينا قد رضينا في الطبري: (وجدنا الصبر) . الأغاني وابن الأثير وياقوت والإصابة: (وجدنا النصر) .
(٣) في الأصل: (قرارا) .
(٤) في الأصل: (يكونوا) والوجه (نكون) .
(٥) في الأصل: (أن تمروا) .
(٦) ثمامة بن أثال الحنفي: كان أشد الناس عداوة لرسول الله ﵌، وقد أسره المسلمون، فأكرم النبي إساره فأسلم وصار أحب الناس إليه رسول الله ﵌ وهو أول من دخل مكة
[ ١٥٤ ]
فَإِنِّي أَرَى مَعَكَ جَيْشًا كَثِيفًا)، فَقَالَ: (وَاللَّهِ إِنَّنِي أُرِيدُ إِلَى بَنِي عَمِّكَ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَتَوْا بِالْمُنْذِرِ بْنِ النُّعْمَانِ مِنْ عِنْدِ كِسْرَى، وَقَدِ ارْتَدُّوا عَنْ دِينِ الإِسْلامِ، وَقَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى عَبْدِ الْقَيْسِ يُرِيدُونَ قَتْلَهُمْ وَبَوَارَهُمْ، وَقَدْ أَمَرَنِي الصِّدِّيقُ أَنْ أَسْتَنْهِضَ كُلَّ مَنْ لَقِيَنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى حَرْبِهِمْ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَجَابَ إِلَى هَذِهِ الدَّعْوَةِ) . قَالَ: فَقَالَ ثُمَامَةُ: (وَيْحَكَ يَا عَلاءُ، أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْمِي قَرِيبٌ عَهْدُهُمْ بِالرِّدَّةِ مَعَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، وَمَا أَظُنُّهُمْ يُجِيبُونَ [١] إِلَى ذَلِكَ، وَلَكِنِ ارْقُبْ عَلَيَّ قَلِيلا [٢] حَتَّى أَذُوقَ الْقَوْمَ وَأَنْظُرَ مَا عِنْدَهُمْ) .
ثُمَّ أَرْسَلَ ثُمَامَةُ بْنُ أَثَالٍ إِلَى جَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ فَدَعَاهُمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا عِنْدَهُ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ لَهُمْ: (يَا بَنِي حَنِيفَةَ، هَلْ لكم أن يرفع الله رؤوسكم مِمَّا كَانَ مِنْكُمْ مِنَ الْخُرُوجِ مَعَ مُسَيْلِمَةَ) [٣]، فَقَالُوا: (وَمَا ذَاكَ)، قَالَ: (تَسِيرُونَ مَعَ الْعَلاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى الْبَحْرَيْنِ فَتُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ)، قَالُوا: (وَلِمَنْ نُقَاتِلُ)، فَقَالَ: (تُقَاتِلُونَ قَوْمًا لَوْ دُعُوا إِلَى قِتَالِكُمْ لَقَاتَلُوكُمْ عَلَى الْبَاطِلِ)، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ: (يَا ثُمَامَةُ، حَسْبُنَا مَا كَانَ مِنَّا مِنَ الْخُرُوجِ مَعَ مُسَيْلِمَةَ حَتَّى فَنِيَ رِجَالُنَا وَذَهَبَتْ أَمْوَالُنَا، وَسُبِيَ أَوْلادُنَا وَنِسَاؤُنَا، فَلا تَلُمْنَا عَلَى الْقُعُودِ، فَحَسْبُنَا مَا نَزَلَ بِنَا)، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
(مِنَ الْخَفِيفِ)
١- يَا ثُمَامَةُ مِنْ خَيْرِ أَهْلِ الْيَمَامَةِ [٤] لا تَلُمْنَا عَلَى الْقُعُودِ ثُمَامَهْ
٢- إِنَّ فِي تَرْكِنَا الْمَسِيرَ لَعُذْرًا [٥] أَوْسَعُ الْيَوْمَ فِي الْبَقَا وَالْمُقَامَهْ
_________________
(١) [()] ملبيا. (السيرة النبوية ٢/ ٦٠٧، ٦٣٨- ٦٣٩) .
(٢) في الأصل: (يجيبوا) وهو لحن.
(٣) في الأصل: (أرقب على قليل) وهو لحن، وارقب علي: أي انتظرني.
(٤) في الأصل: (المسيلمة) .
(٥) في الأصل: (الإمامة) .
(٦) في الأصل: (لعذر) .
[ ١٥٥ ]
٣- إِنَّمَا عَهْدُنَا بِقَاصِمَةِ الظَّهْرِ وَيَوْمٍ لَنَا كَيَوْمِ الْقِيَامَهْ
٤- أَمْسِ إِذْ صَارَ رُمْحُ قَوْمِكَ زِيرًا يَا لَكَ الْخَيْرُ وَالنَّضَارُ بِشَامَهْ
٥- حَسْبُنَا مَنَعْنَا اليمامة من سا كن نَجْدٍ وَمِنْ رِجَالِ تِهَامَهْ
٦- وَبَنِي الْحَارِثِ الَّذِينَ هم اليو م إِذَا مَا دُعِيَ الْقَبَائِلُ شَامَهْ
٧- لَيْتَنَا لا نَكُونُ فَقْعَةَ قَاعٍ لِغَدٍ لا وَلا نَكُونُ [١] خُزَامَهْ
٨- إِنْ تَسِرْ تَلْقَهُمْ ثُمَامَةُ قَوْمًا [٢] تَقْرَعُ السّنّ ما بقيت ندامه
[٢٨ أ] ٩- أَوْ تُصِبْهُمْ بِقَطْعِ كَفِّكَ كَفٌّ [٣] أَوْ يُصِيبُوكَ لا تَكُونُ ظَلامَهْ/
فَقَالَ لَهُمْ ثُمَامَةُ بْنُ أَثَالٍ: (وَيْحَكُمْ يَا مَعْشَرَ بَنِي حَنِيفَةَ، لَيْسَ الأَمْرُ فِيمَا ذَكَرْتُمْ مِنْ هَتْكِ حَرِيمِكُمْ، وَسَفْكِ دِمَائِكُمْ، وَذَهَابِ أَمْوَالِكُمْ، فَذَلِكَ بِمَا كَانَ مِنْ كُفْرِكُمْ وَرُجُوعِكُمْ عَنْ دِينِ الإِسْلامِ، وَخُرُوجِكُمْ مَعَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ تَضْرِبُونَ وُجُوهَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَأَنْزَلَ بِكُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مَا أَنْزَلَ مِنَ الذُّلِّ وَالصَّغَارِ، وَالْعَلاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيُّ فِي وَقْتِهِ هَذَا، إِنَّمَا يَدْعُوكُمْ إِلَى نُصْرَةِ الإِسْلامِ، وَلَيْسَ الْقِيَاسُ [٤] فِيمَا ذَكَرْتُمْ بِسَوَاءٍ، وَأَنَا وَاللَّهِ مَاضٍ مَعَهُ غَيْرُ رَاغِبٍ بِنَفْسِي عَنْهُ، وَاللَّهُ يَفْعَلُ فِي ذَلِكَ مَا يَشَاءُ)، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
(مِنَ الْكَامِلِ)
١- لَعَمْرُ أَبِيكَ وَالأَنْبَاءُ [٥] تُنْمِي لَنِعْمَ الأَمْرُ صَارَ لَهُ الْعَلاءُ
٢- وَنِعْمَ الأَمْرُ يَدْعُونَا إِلَيْهِ وَدَاعِي اللَّهِ لَيْسَ لَهُ خَفَاءُ
٣- دَعَا لِقِتَالِ مَنْ لا شَكَّ فِيهِ وَذَري [٦] الدِّينِ وَالدُّنْيَا بَقَاءُ
٤- فَلَنْ أُثْنِي الأَعِنَّةَ عَنْ دُعَاهُ وعند الله في ذاك الجزاء
_________________
(١) في الأصل: (لغد ولا يكون) .
(٢) في الأصل: (قوم) .
(٣) في الأصل: (كفا) .
(٤) لاحظ لفظ (القياس) هل كان معروفا في هذا العصر، وهو من ألفاظ أهل المنطق.
(٥) في الأصل: (للانبا) .
(٦) كذا بالأصل، ولعله من ذريته تذرية: أي مدحته، أي مدح الدين والدنيا بقاء، يقال: فلان
[ ١٥٦ ]
٥- وَقَدْ قَالَتْ حَنِيفَةُ إِذْ رَأَوْنِي نَهَضْتُ بِهَا: لَقَدْ كُشِفَ الْغِطَاءُ
٦- وَقَالُوا يَا ثُمَامَةُ لا تَزِدْهُمْ فَإِنَّ الأَمْرَ أَثْقَلَهُ الدِّمَاءُ
٧- وَإِنَّهُمُ الْوَضِيعَةُ [١] فَالْهَ عَنْهُمْ فَقُلْتُ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ
٨- فَشَمَّرْتُ الإِزَارَ وَطَالَ رُمْحِي إِلَى قَوْمٍ دِمَاؤُهُمُ الشِّفَاءُ
قَالَ: وَسَارَ ثُمَامَةُ بْنُ أَثَالٍ مَعَ الْعَلاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ فِي نَفَرٍ مِنْ بَنِي عَمِّهِ، حَتَّى إِذَا صَارَ الْعَلاءُ إِلَى أَرْضِ بَنِي تَمِيمٍ، لَقِيَهُ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ الْمِنْقَرِيُّ التَّمِيمِيُّ [٢]، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَرَحَّبَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ الْعَلاءُ: (وَيْحَكَ يَا قَيْسُ، إِنَّ قَوْمَكَ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ أَبْطَأُوا عَنِ الإِسْلامِ وَتَأَخَّرُوا عَنْهُ، فَلَمَّا دَخَلُوا فِيهِ رَدَّتْهُمْ عَنْهُ امْرَأَةٌ، وَقَدْ كَانَ مِنْكَ مَا قَدْ عَلِمْتَ مِنْ تَأَخُّرِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَسِيرَ مَعِي إِلَى أَرْضِ الْبَحْرَيْنِ فَتُقَاتِلُ هَؤُلاءِ الْمُرْتَدِّينَ عَنْ دِينِ الإِسْلامِ) . فَقَالَ لَهُ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ: (أَمَّا قَوْلُكَ بِأَنَّ قَوْمِي تَأَخَّرُوا عَنْ دِينِ الإِسْلامِ فَلَمَّا دَخَلُوا فِيهِ رَدَّتْهُمُ امْرَأَةٌ، قَدْ كَانَ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْتَ، وَقَوْمُكَ مِنَ اليمن أيضا قد ملكتهم امرأة [٣]،
_________________
(١) [()] يذري حسبه، أي يمدحه ويرفع من شأنه، قال رؤبة: (اللسان: ذرا) . عمدا أذرّي حسبي أن يشتما لا ظالم الناس ولا مظلّما
(٢) الوضيعة: قوم من الجند يوضعون في كورة لا يغزون منها، وقوم كان كسرى ينقلهم من أرضهم فيسكنهم أرضا أخرى حتى يصيروا بها وضيعة أبدا وهم الشّحن والمسالح، قال الأزهري: والوضيعة والوضائع الذين وضعهم فهم شبه الرهائن كان يرتهنهم وينزلهم بعض بلاده (اللسان: وضع) . قلت: وهذه المعاني توافق معنى الوضيعة في البيت، حيث يصفهم بالذلة والهوان.
(٣) قيس بن عاصم بن سنان المنقري السعدي التميمي: أحد أمراء العرب وفرسانهم وعقلائهم الموصوفين بالحلم، كان شاعرا، اشتهر وساد في الجاهلية، وهو ممن حرّم الخمر على نفسه في الجاهلية، وفد على النبي ﵌ في وفد بني تميم سنة ٩ هـ- فأسلم، وقال النبي ﵌: هذا سيد أهل الوبر، واستعمله على صدقات قومه، نزل البصرة في أواخر أيامه وتوفي بها سنة ٢٠ هـ-. (الإصابة ٥/ ٤٨٣- ٤٨٦، امتاع الأسماع ١/ ٤٣٤، النقائض ص ١٠٢٣، الخزانة ٣/ ٤٢٨، ٤٢٩، ٥٠٩، سمط اللآلئ ص ٤٨٧، المحبر ص ٢٣٨، ٢٤٨، الأعلام ٥/ ٢٠٦) .
(٤) يريد بالمرأة بلقيس ملكة سبأ، وهي بلقيس بنت الهدهاد بن شرحبيل من بني يعفر بن
[ ١٥٧ ]
وَلَيْسَ هَذَا بِعَجَبٍ وَالْكَلامُ كَثِيرٌ، وَإِنْ زِدْتَ زِدْنَا، فَإِنِّي إِنَّمَا آتِيكَ الآنَ لأَخْفِرَكَ وَأَسِيرَ مَعَكَ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أَرْضِ بَنِي سَعْدٍ، فَأَكُونُ قَدْ قَضَيْتُ حَقَّ مَسِيرِكَ، وَلَيْسَ لِي حَاجَةٌ إِلَى قِتَالِ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ، إِلا أَنْ أَرَى فِي ذَلِكَ) .
قَالَ: فَسَارَ الْعَلاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ وَمَعَهُ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ الْمِنْقَرِيُّ فِي عِشْرِينَ فَارِسًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَكَانَ لا يَنْتَهِي إِلَى مَاءٍ مِنْ مِيَاهِ بَنِي سَعْدٍ إِلا تَلَقَّوْهُ بِالْقِرَى وَالإِنْزَالِ وَالْعُلُوفَةِ وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْضُ بَنِي تَمِيمٍ حَيْثُ يَقُولُ:
(مِنَ الْمُتَقَارِبِ)
١- أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَجَرْنَا الْعَلاءَ عَلَى كُلِّ مَنْ جَارَهُ مِنْ مُضَرْ
٢- تَضَمَّنَ قَيْسٌ لَهُ ذِمَّةً فَحَطَّ بِهَا رَحْلَهُ فِي هَجَرْ [١]
[٢٨ ب] ٣- فَأَحْيَا أَبَاهُ [٢] بِهَا إِنَّهُ / لَعَمْرُ الإِلَهِ عَظِيمُ الْخَطَرْ
٤- وَقَالَ النَّبِيُّ لَهُ إِذْ أَتَى هُوَ اليوم سيّد أهل الوبر
_________________
(١) [()] سكسك، من حمير، ملكة سبأ، يمانية من أهل مأرب، أشير إليها في القرآن الكريم ولم يسمها، وليت العهد من أبيها (في مأرب) وطمع بها عمرو بن أبرهة ذو الأذعار صاحب غمدان فزحف عليها فانهزمت إلى الأحقاف متخفية بزي أعرابي، فأدركها رجال ذي الأذعار فاستسلمت، وأصابت منه غرة في سكر فقتلته، ووليت أمر اليمن كله وانقادت لها أقيال حمير، فزحفت بالجيوش إلى بابل وفارس فخضع لها الناس، وعادت إلى اليمن فاتخذت مدينة (سبأ) قاعدة لها، تزوجها النبي سليمان بن داود وأقامت معه سبع سنين وأشهرا، وتوفيت فدفنها بتدمر، انكشف تابوتها في عصر الوليد بن عبد الملك وعليه كتابة تدل أنها ماتت لإحدى وعشرين سنة خلت من ملك سليمان، فأمر أن يبنى على التابوت بالصخر. (التيجان ص ١٣٧- ١٧٠، تاريخ الخميس ١/ ٢٤٩، نهاية الأرب ١٤/ ١٣٤، شرح المقامات للشريشي ٢/ ٢٣٠، الدر المنثور ص ٩٦، الأعلام ٢/ ٧٣- ٧٤) .
(٢) هجر: مدينة، وهي قاعدة البحرين، وقيل: ناحية البحرين كلها هجر، وينسب إلى هجر هاجري على غير قياس، كما قيل: حاري بالنسبة إلى الحيرة، فتحت هجر في أيام النبي ﵌ سنة ثمان، وقيل سنة عشر على يد العلاء بن الحضرمي. (ياقوت: هجر) .
(٣) في الأصل: (أبآ) .
(٤) سيد أهل الوبر: لقب أطلقه النبي ﵌ على قيس بن عاصم لما قدم المدينة في وفد
[ ١٥٨ ]
٥- فَأَعْظِمْ لِقَيْسٍ بِهَا مُدْحَةً تُطَاطِي بِهَا جُهْدَهُ مَنْ فَخَرْ
٦- وَقَيْسٌ لَعَمْرِي لَهُ طَاعَةٌ إِذَا قَالَ قَوْلا لَنَا أَوْ أَمَرْ
قَالَ: وَسَارَ الْعَلاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ وَمَعَهُ أَلْفَا رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَمَعَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أَثَالٍ، وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ الْمِنْقَرِيُّ، فِي جَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَبَنِي حَنِيفَةَ، حَتَّى تَوَسَّطَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ.
قَالَ: وَبَنُو بَكْرِ بْنُ وَائِلٍ وَالْفُرْسُ نُزُولٌ عَلَى حِصْنِ جَوَاثِيَّ، قَدْ حَاصَرُوا الْمُسْلِمِينَ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، قَالَ: وَجَعَلَ الْعَلاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ قَدْ وَافَى فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ مَعُونَةً لَهُمْ، فَفَرِحُوا بِذَلِكَ وَاشْتَدَّتْ لَهُ ظُهُورُهُمْ.
قَالَ: وَكَتَبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْحِصْنِ يُعْلِمُهُ أَنَّ الْقَوْمَ لَيْسَ لَهُمْ إِلا الْبَيَاتُ [١]، فَإِنْ بَايَتَهُمْ وَكَسَرَ عَسْكَرَهُمْ فَقَدْ قَتَلَهُمْ وَكَسَرَ شَوْكَتَهُمْ، وَأَثْبَتَ فِي كِتَابِهِ إِلَى الْعَلاءِ بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ:
(مِنَ الْبَسْيِطِ)
١- قُلْ لِلْعَلاءِ لِيَفْهَمَ [٢] مَا كَتَبْتُ لَهُ مِنِّي إِلَيْكَ وَخَيْرُ الرَّأْيِ مَا حَضَرَا
٢- إِنَّ الْعَدُوَّ الَّذِي أَشْجَاكَ مَنْزِلُهُ مِثْلُ الأَسَاوِدِ [٣] وَالْحَيِّ الَّذِي نَظَرَا
٣- أُسْدُ النَّهَارِ ضِبَاعُ اللَّيْلِ لَيْسَ لَهُمْ إِلا الْبَيَاتُ بِمَا لا قَلَّ أَوْ كَثُرَا
٤- هَذَا الَّذِي لا أَرَى إِلا عَزِيمَتَهُ وَالأَمْرُ للَّه يُعْطِي النَّصْرَ مَنْ صَبَرَا
٥- كَمْ يَوْمَ سُوءٍ مِنَ الأَيَّامِ مُنْعَصِفٍ لَسْنَا نَرَى فيه لا شمسا ولا قمرا
_________________
(١) [()] بني تميم، فلما راه رسول الله ﵌ قال: (هذا سيد أهل الوبر) . (الحديث في مجمع الزوائد ٣/ ١٠٧، ٩/ ٤٠٤، المطالب العالية ٨٧٧، إتحاف السادة ٤/ ١٨٢، وانظر الإصابة ٥/ ٤٨٣، وأنوار الربيع ٤/ ٣٢٤، والأغاني ١٤/ ٧٤) .
(٢) في الأصل: (البياة) وتكررت بهذا الرسم. البيات: تدبير الأمر ليلا، وبيت العدو: أوقع بهم ليلا، ومنه قوله تعالى: إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى من الْقَوْلِ ٤: ١٠٨ [سورة النساء: ١٠٨]، (الصحاح: بيت) .
(٣) في الأصل: (للعلاء يفهم) .
(٤) الأساود: جمع الأسود، وهو العظيم من الحيات وفيه سواد.
[ ١٥٩ ]
٦- فَرَجْتَهُ بِالَّتِي [١] لَيْسَتْ بِمُنْكَرَةٍ مِثْلَ الْعِدَاةِ فَحُزْتَ الْوِرْدَ وَالصَّدْرَا
٧- بُؤْسًا وَتَعْسًا لِمَنْ نَاوَاكَ فِي رَهَجٍ لاقَى الْحِمَامَ وَلاقَى حَيَّةً ذَكَرَا [٢]
قَالَ: فَلَمَّا انْتَهَتْ هَذِهِ الأَبْيَاتُ إِلَى الْعَلاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، عَلِمَ أَنَّهُ أَمَرَ بِبَيَاتِ الْقَوْمِ، وَعَزَمَ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى أُولَئِكَ الْمُحَاصَرِينَ في الحصن:
(أن كانوا عَلَى أُهْبَةِ الْحَرْبِ، فَإِذَا عَلِمْتُمْ أَنِّي قَدْ كَبَسْتُهُمْ [٣] وَسَمِعْتُمُ الْمَعْمَعَةَ [٤] فَاخْرُجُوا عَلَيْهِمْ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُمَكِّنَ اللَّهُ مِنْهُمْ) .
قَالَ: وَبَاتَ الْعَلاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ فِي لَيْلَتِهِ تِلْكَ يُشَجِّعُ النَّاسَ وَيُقَوِّي قُلُوبَهُمْ وَعَزْمَهُمْ، وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْفَزَعِ وَالْفَشَلِ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ دَعَا بِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَقَالَ لَهُ: امْضِ وَتَجَسَّسْ لِي الْخَبَرَ مِنَ الْقَوْمِ، قَالَ: فَمَضَى ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَلَمَّا كَانَ وَقَدْ قَرُبَ انْفِجَارُ الصُّبْحِ، إِذَا بِالرَّجُلِ قَدْ وَافَاهُ فَقَالَ: أَيُّهَا الأَمِيرُ، قُمْ فَقَدْ أَمْكَنَكَ اللَّهُ مِنَ الْقَوْمِ، وَذَلِكَ أَنِّي قَدْ أَشْرَفْتُ إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ فَلَمْ أَسْمَعْ لَهُمْ حَرَكَةً، وَالْقَوْمُ عِنْدِي سُكَارَى لا يَعْقِلُونَ. قَالَ: فَعِنْدَهَا نَادَى الْعَلاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ فِي أَصْحَابِهِ، فَرَكِبَ فَسَارَ نَحْوَ الْقَوْمِ رُوَيْدًا رُوَيْدًا، حَتَّى إِذَا عَايَنَ عَسْكَرَهُمْ أَكَبَّ عَلَيْهِمُ الْخَيْلَ، فَلَمْ يَشْعُرِ [٥] الْفُرْسُ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْعَرَبِ إِلا وَحَوَافِرُ الْخَيْلِ تَطَؤُهُمْ، فَاسْتَيْقَظُوا فَزِعِينَ، فَأَخَذَتْهُمُ السُّيُوفُ.
قَالَ: وَفَتَحَ أُولَئِكَ الْمُحَاصَرُونَ [٦] مِنْ بَابِ الْحِصْنِ، وَخَرَجُوا مِنْ ورائهم،
_________________
(١) في الأصل: (بالذي) .
(٢) في الأصل: (حية الذكرا) . حية ذكر: أي شجاع، والحية تكون للذكر والأنثى، وقد روى عن العرب: (رأيت حيّا على حية)، أي ذكرا على أنثى، وفلان حية ذكر، أي شجاع شديد (اللسان: حيا) .
(٣) كبستهم: أي هجمت عليهم، وكبسوا دار فلان: أغاروا عليها فجأة. (الصحاح: كبس) .
(٤) في الأصل: (المدمعة) . المعمعة: صوت الأبطال في الحرب، وصوت الحريق في القصب. (الصحاح: معمع) .
(٥) في الأصل: (فلم يشعروا الفرس) .
(٦) في الأصل: (المحاصرين) .
[ ١٦٠ ]
فَاقْتَتَلَ الْقَوْمُ قِتَالا شَدِيدًا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ نَفَرٌ يَسِيرٌ، وَقُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَأَضَاءَ الصُّبْحُ وَانْهَزَمَ/ الْكُفَّارُ إلى موضع يقال له الرّدم [١]، [٢٩ أ] وَاجْتَهَدَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْ غَنَائِمِهِمْ.
قَالَ: وَاجْتَمَعَتْ عَبْدُ الْقَيْسِ إِلَى الْعَلاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ مِنْ جَمِيعِ نَوَاحِي الْبَحْرَيْنِ حَتَّى صَارَ فِي نَيِّفٍ عَلَى سِتَّةِ أَلْفٍ مِنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ قَدِمُوا مَعَهُ، وَمِمَّنِ انْحَازَ إِلَيْهِ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِمُ الْعَلاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ فَقَالَ: (يَا مَعْشَرَ عَبْدِ الْقَيْسِ، اعْلَمُوا أَنَّكُمْ فِي جِهَادِ هَؤُلاءِ كَجِهَادِ مَنْ جَاهَدَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ الله ﵌، وَلَيْسَ بَيْنَ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ فَرْقٌ إِلا فِي النَّسَبِ، اعْلَمُوا أَنَّ الْقَتِيلَ مِنْكُمْ فِي الْجِنَانِ وَالرِّزْقُ عِنْدَ اللَّهِ، وَلِلْحَيِّ مِنْكُمُ الْغُنْمُ وَالسُّرُورُ، وَقَدْ ذَلَّتْ لَكُمْ يَا مَعْشَرَ عَبْدِ الْقَيْسِ الرِّقَابُ بِقُدُومِي عَلَيْكُمْ، فَأَبْشِرُوا بِالنَّصْرِ عَلَى أَعْدَائِكُمْ، وَلْتَصْدُقْ نِيَّاتُكُمْ فِي الْجِهَادِ) .
فَقَالَ الْمُنْذِرُ بْنُ الْجَارُودِ الْعَبْدِيُّ [٢]: (صَدَقْتَ أَيُّهَا الأَمِيرُ، لَقَدْ كَانَ قُدُومُكَ عَلَيْنَا فَرَجٌ وَثَوَابٌ عَظِيمٌ لَنَا وَلَكَ فِي جِهَادِ عَدُوِّنَا، وَلَوْ لَمْ تَأْتِنَا لَكَانَ اللَّهُ ﷿ يَنْصُرُنَا عَلَى عَدُوِّنَا، ولم يكن يخذلنا، ولكن أيها الأمير، ها هنا جزيرة فيها قوم كفارهم أَشَدُّ عَلَيْنَا مِنْ جَمِيعِ أَعْدَائِنَا، وَلَيْسَ إِلَيْهَا إِلا طَرِيقٌ وَاحِدٌ، فَسِرْ إِلَيْهِمْ فَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُمَكِّنَ مِنْهُمْ، فَإِذَا فَرَغْتَ فَسِرْ إِلَى عَدُوِّنَا وَعَدُوِّكَ مِنْ هَؤُلاءِ الْفُرْسِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الكفار) .
_________________
(١) الرّدم: قرية لبني عامر بن الحارث العبقسيين بالبحرين وهي كبيرة، قال: كم غادرت بالرّدم يوم الرّدم من مالك أو سوقة سيدمي (ياقوت: الردم) .
(٢) المنذر بن الجارود (واسم الجارود بشر) بن عمرو بن خنيس العبدي، أمير من الأجواد ولد في عهد النبي ﵌، وشهد الجمل مع علي بن أبي طالب، وولّاه علي على إمرة إصطخر، ثم بلغه عنه ما ساءه فعزله، ثم ولّاه عبيد الله بن زياد تعز الهند سنة ٦١ هـ-. فمات فيها. (الإصابة ٦/ ٢٦٤- ٢٦٥، جمهرة النسب ص ٢٧٩، نهج البلاغة ٤/ ٣١٤، الأغاني ١١/ ١١٧، ١٢/ ٣٢٣، الأعلام ٧/ ٢٩٢) .
[ ١٦١ ]
قَالَ: فَسَارَ الْعَلاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ فِيمَنْ مَعَهُ يُرِيدُ جَزِيرَةَ دَارِينَ [١] وَفِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَلَيْسَ لَهَا إِلا طَرِيقٌ وَاحِدٌ، وَعَلَى طَرِيقِهَا قَوْمٌ يَحْرُسُونَهَا، فَلَمْ يَشْعُرِ الْحَرَسُ إِلا وَخَيْلُ الْمُسْلِمِينَ قَدْ وَافَتْهُمْ، فَقَتَلُوهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، وَدَخَلَتِ الْخَيْلُ إِلَى الْجَزِيرَةِ فَمَا تَرَكَتْ فِيهَا ذَكَرًا إِلا قَتَلُوهُ، إِلا مَا كَانَ مِنْ صِغَارِ الذُّرِّيَّةِ. وَاحْتَوَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَمِيعِ مَا كَانَ فِي الْجَزِيرَةِ مِنَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ وَالأَمْوَالِ، وَانْصَرَفُوا إِلَى عَسْكَرِهِمْ، فَأَنْشَأَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُ [٢]:
(مِنَ الْبَسِيطِ)
١- ضَاقَ الْفَضَاءُ بِدَارِينَا [٣] وَسَاكِنِهَا ذَرْعًا فَخُضْتُ إِلَى كُفَّارِ دَارِينِ [٤]
٢- مِنْ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمُوا حَتَّى رَمَيْتُهُمُ وَسْطَ الْجَزِيرَةِ بِالصَّيْدِ الْمَيَامِينِ
٣- لَمَّا رَأَوْنَا نَخُوضُ الْبَحْرَ نَحْوَهُمُ أَخْلَى عَنِ الْمَوْتِ أَصْحَابُ الْيَتَامِينِ [٥]
٤- ظَنُّوا الظُّنُونَ وَقَالُوا الْجِسْرُ دُونَهُمُ فَاسْتَغْلَبَ الْقَوْمُ مَنْ دون الأطارين
_________________
(١) في الأصل: (داريم) محرفة، وصوابها (دارين) كما في الطبري ٣/ ٣١٠ والأغاني ١٥/ ٢٥٦ والكامل لابن الأثير ٢/ ٣٧١. دارين: فرضة بالبحرين يجلب إليها المسك من الهند، والنسبة إليها داري، قال الفرزدق: كأن تريكة من ماء مزن وداريّ الذكيّ من المدام وفي كتاب سيف: أن المسلمين اقتحموا إلى دارين البحر مع العلاء بن الحضرمي فأجازوا ذلك الخليج بإذن الله جميعا يمشون على مثل رملة ميثاء فوقها ماء يطمر أخفاف الإبل، وإن ما بين الساحل إلى دارين مسيرة يوم وليلة لسفر البحر في بعض الحالات، فالتقوا وقتلوا وسبوا فبلغ منهم الفارس ستة آلاف والراجل ألفين. قال: قلت أنا: وهذه صفة أوال أشهر مدن البحرين اليوم، ولعل اسمها أوال ودارين والله أعلم، فتحت في أيام أبي بكر ﵁ سنة ١٢ هـ-. (ياقوت: دارين) .
(٢) الشاعر هو كرّاز النّكري، كما في فتوح البلدان ص ٩٦.
(٣) في الأصل: (بدارنا) وهي محرفة عن (دابينا)، أصلها (دارين) ممنوعة من الصرف وأطلق الفتحة فجعلها ألفا فصارت (دارينا) .
(٤) في الأصل: (الكفار دارينا) ولا تستقيم بها القافية.
(٥) اليتامين: كذا بالأصل، ولعلها جمع يتمان واحد اليتامى. انظر اللسان: يتم.
(٦) الأطارين: كذا بالأصل، ولعله من النوم المرفه في الحرير، ففي اللسان: الطّرنا الطارون:
[ ١٦٢ ]
٥- فَالْخَيْلُ تُرْدِي بِأَبْطَالٍ جَحَاجِحَةٍ [١] عِنْدَ اللِّقَاءِ وَفُرْسَانٍ يَمَانِينِ
٦- لا زَالَتِ الْبِيضُ وَالأَرْمَاحُ تَأْخُذُهُمْ فَتَتْرُكُ الْقَوْمَ صَرْعَى لِلْعَرَانِينِ [٢]
٧- حَتَّى اقْتَسَمْنَا بِدَارِينَا غَنَائِمَهَا مِنْ مَالِهَا مِنْ ذَوَاتِ الْخَزِّ وَالْعِينِ
٨- اللَّهُ أَيَّدَنَا وَاللَّهُ أَظْفَرَنَا بِالْقَوْمِ طُرًّا عَلَى عَزْمِ [٣] الْمَلاعِينِ
قَالَ: ثُمَّ سَارَ الْعَلاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ حَتَّى وَافَى الْكُفَّارَ بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ الرَّدْمُ، وَدَنَا الْقَوْمُ مِنَ الْقَوْمِ، وَاخْتَلَطُوا وَاقْتَتَلُوا سَاعَةً، فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَ الْكُفَّارِ يُقَالُ لَهُ أَبْجَرُ بْنُ بُجَيْرٍ عَلَى قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ، فَضَرَبَهُ على رأسه فالتقاها/ [٢٩ ب] بِالْحَجَفَةِ [٤]، ثُمَّ ضَرَبَهُ قَيْسٌ ضَرْبَةً أَثْخَنَتْهُ، ثُمَّ أَنْشَأَ قَيْسٌ يَقُولُ:
(مِنَ الطَّوِيلِ)
١- أَلَمْ تَرَنِي [٥] أَدْمَيْتُ رُمْحِي وَأَنَّنِي ضَرَبْتُ بِحَدِّ السَّيْفِ يَافُوخَ أَبْجَرِ
٢- وَمَا فَاتَنِي إِلا بِآخِرِ جُرْعَةٍ مِنَ الْمَوْتِ فِي كَابٍ مِنَ اللَّوْنِ أَكْدَرِ
٣- وَكَانَ لَهُ إِسْمٌ عَظِيمٌ لِفَضْلِهِ فَأَخْلَفَهُ فِي كُلِّ وِرْدٍ وَمَصْدَرِ
٤- يَقُودُ إِلَى الإِسْلامِ بِالْجَهْلِ جَحْفَلا لينهب أموال الصّغار ومشعر
_________________
(١) [()] ضرب من الخز، قال الليث: الطرن الخز والطاروني ضرب منه (اللسان: طرن) . ولعله من السكر، أي غلبهم السكر فناموا، ففي اللسان: وفي النوادر: طرين الشرب وطرن إذا اختلطوا من السكر والله أعلم. (اللسان: طرن) .
(٢) جحاجحة: جمع جحجاح، وهو السيد الكريم، والهاء فيه لتوكيد الجمع، والجحجح: السيد السمح، وقيل الكريم ولا توصف به المرأة. (اللسان: جحجح) .
(٣) صرعى للعرانين: أي ملقون على وجوههم، والعرنين هو الأنف، أو هو أول الأنف حيث يكون فيه الشمم، يقال: هم شم العرانين، وعرانين القوم: سادتهم. (الصحاح: عرن) .
(٤) كذا ولعلها (على رغم) . والعزم: الجد والقوة والصبر.
(٥) الحجفة: التّرس إذا كان من جلود ليس فيه خشب ولا عقب، فهو حجفة ودرقة والجمع حجف (الصحاح: حجف) .
(٦) في الأصل: (ألم تراني) .
(٧) كذا بالأصل، ولعلها: (أموال الصفا والمشعر) أي أموال المسلمين التي تذهب إلى بيت المال.
[ ١٦٣ ]
٥- فَأَوْجَرْتُهُ [١] كَأْسًا مِنَ الْمَوْتِ مُرَّةً فَوَلَّى حَثِيثَ الرَّكْضِ غَيْرَ مُقَصَّرِ
٦- كَذَلِكَ فِعْلِي بِالْقَنَاةِ وَإِنَّنِي خُوَيْلِدُ غَيْلٍ بِالْمَكَاسِرِ قَسْوَرِ [٢]
قَالَ: وَانْهَزَمَ الْكُفَّارُ بَيْنَ أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، وَأَخَذَتْهُمُ السُّيُوفُ، وَقَدْ كَانَ رَئِيسٌ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ الْحُطَمُ بْنُ زَيْدٍ [٣]، نَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ الْهَزِيمَةُ، فَلَمَّا انْهَزَمَ الْقَوْمُ وَثَبَ مُسْرِعًا، فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ لِيَرْكَبَ، وَكَانَ ثَقِيلَ الْبَدَنِ، مَالَ بِهِ السَّرْجُ فَوَقَفَ قَائِمًا لا يَدْرِي مَا يَصْنَعُ، وَبَصُرَ بِهِ [٤] رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [٥] فَحَمَلَ عَلَيْهِ وَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ جَعَلَ يَقُولُ:
(مِنَ السَّرِيعِ)
١- لَمَّا بَدَا حُطَمٌ [٦] لِي وَحْدَهُ يَدْعُو بِأَعْلَى الصَّوْتِ مَنْ عَاقِلِي
٢- أَقْبَلْتُ فِي النَّقْعِ إِلَى فَارِسٍ أَشْبَهَ شَيْءٍ منه بالرّاجل
٣- منقطع الحيلة في موضع فِيهِ قَصِيدٌ [٧] مِنْ قَنَا ذَابِلِ
٤- فَقُلْتُ لا تَعْجَلْ أَتَاكَ الرَّدَى فَلَسْتَ عَمَّا جِئْتُ بِالْغَافِلِ
_________________
(١) أوجرته: سقيته، والوجور: الدواء يوجر في وسط الفم، وأوجرته الرمح: إذا طعنته به في صدره (الصحاح: وجر) .
(٢) في البيت إقواء، وغيل هنا: بمعنى اغتال.
(٣) في الأصل (الخطيم) وهو الحطم بن زيد، وقد مر تصويبه، انظر خبر مقتله في الطبري ٣/ ٣٠٩، والأغاني ١٥/ ٢٥٩.
(٤) في الأصل: (وبضربه) وهو تصحيف.
(٥) هو قيس بن عاصم، والأبيات التالية له، انظر الخبر في الطبري ٣/ ٣٠٩، والأغاني ١٥/ ٢٥٩.
(٦) في الأصل: (خطيم) .
(٧) في الأصل: (قصدت) وهو تحريف. القصيد: الرمح المكسور، والقصد: الكسر، تقول: قصدت العود قصدا كسرته، وقيل: هو الكسر بالنصف، والقصدة: الكسرة منه والجمع قصد، يقال: القنا قصد، ورمح قصيد وقصد مكسور، وتقصدت الرماح: تكسرت، أنشد ثعلب: إذا بركت خوّت على ثفناتها على قصب مثل اليراع المقصّد (اللسان: قصد) .
[ ١٦٤ ]
٥- لَمَّا انْثَنَى وَثَنَى رِجْلَهُ عَمَّمْتُهُ بِالْمُرْهَفِ الْقَاصِلِ [١]
٦- سَيْفًا حُسَامًا فَوْقَ يَافُوخِهِ فَخَرَّ مِثْلَ الْجَمَلِ الْبَازِلِ [٢]
٧- أَعْظِمْ بِهِ رَزْءًا عَلَى قَوْمِهِ لا بَلْ عَلَى الْحَيَّيْنِ مِنْ وَائِلِ
قَالَ: ثُمَّ مَضَى حَتَّى لَحِقَ بِالْمُسْلِمِينَ فَخَبَّرَهُمْ أَنَّهُ قَتَلَ حُطَمَ بْنَ زَيْدٍ.
قَالَ: وَانْهَزَمَتْ بَنُو بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَلَحِقُوا بِالْبَرَارِي وَالْفَلَوَاتِ هَائِمِينَ مِنْ سُيُوفِ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَهَرَبَ الْمُنْذِرُ بْنُ النُّعْمَانِ حَتَّى صَارَ إِلَى آلِ جَفْنَةَ فَاسْتَجَارَ بِهِمْ، فَأَجَارُوهُ، وَانْهَزَمَ الْفُرْسُ، فَصَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ الزَّارَةُ [٣] وَالْقَطِيفُ [٤]، وَمَضَى بَعْضُهُمْ حَتَّى لَحِقَ بِكِسْرَى فَخَبَّرَهُ بِمَا كَانَ مِنْهُمْ، فَاغْتَمَّ كِسْرَى لِذَلِكَ غَمًّا كَثِيرًا، وَاسْتَأْمَنَ أَيْضًا قَوْمٌ مِنَ الْفُرْسِ إِلَى الْعَلاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ فَأَمَّنَهُمْ، وَصَارُوا بِالْبَحْرَيْنِ حَرَّاثِينَ وَزَرَّاعِينَ [٥] .
وَجَمَعَ الْعَلاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْغَنَائِمِ، فَأَخْرَجَ مِنْهَا الْخُمُسَ وَوَجَّهَ بِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، وَكَتَبَ إِلَيْهِ يُخْبِرُهُ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ ﷿ عَلَيْهِ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِالْجَوَابِ، وَأَقَرَّهُ عَلَى الْبِلادِ.
قَالَ: وَنَدِمَ الْمُنْذِرُ بْنُ النُّعْمَانِ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ أَشَدَّ النَّدَامَةِ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ مِنَ الشَّامِ بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ:
_________________
(١) القاصل: السيف القاطع.
(٢) البازل: البعير الذي فطر نابه أي انشق فهو بازل، ذكرا كان أو أنثى وذلك في السنة التاسعة. (اللسان: بزل) .
(٣) الزارة: قال أبو منصور: عين الزارة بالبحرين معروفة، والزارة: قرية كبيرة بها، ومنها مرزبان الزارة وله ذكر في الفتوح، وفتحت الزارة سنة ١٢ هـ- في أيام أبي بكر الصديق ﵁، وصولحوا، قال أبو أحمد العسكري: الخط والزارة والقطيف قرى بالبحرين وهجر. (ياقوت: الزارة، ومعجم ما استعجم: زارة) .
(٤) القطيف: مدينة بالبحرين قصبتها وأعظم مدنها، وكان قديما اسما لكورة هناك غلب عليها الآن اسم هذه المدينة. (ياقوت: القطيف) .
(٥) في الأصل: (تراثين والزارعين) .
[ ١٦٥ ]
(مِنَ الْكَامِلِ)
١- عَجَبًا لأَمْرِي وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ أُدْعَى الغرور وإنّني مغرور
[٣٠ أ] ٢- قَدْ قُلْتُ [١] لَمَّا لَمْ أَجِدْ لِي مَهْرَبًا إِنِّي لَعَمْرُكَ وَاتِرٌ مَوْتُورُ
٣- وَأَطْعُت كِسْرَى فِي الَّذِي أَمَّلْتُهُ وَوَتَرْتُ قَوْمًا وَتْرُهُمْ مَحْذُورُ
٤- إِنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّمَاءَ مَكَانَهَا وَالشَّمْسَ فِي هَذِي [٢] الْخَلائِقِ نُورُ
٥- أَعْلَى بِإِفْرَادِ الْخَلائِقِ وَحْدَهُ إِنَّ الْمُرَاجِعَ ذَنْبُهُ مَغْفُورُ
٦- لا خَيْرَ فِي مُلْكٍ يُنَقِّصُ أَهْلَهُ وَيَزُولُ عَنْهُ فَإِنَّهُ مَقْهُورُ
٧- قَدْ كَانَ لِلنُّعْمَانِ مُلْكٌ وَاسِعٌ فِيهِ الْخُلُودُ وَجَارُهُ مَسْرُورُ
٨- هَذَا الَّذِي يَبْقَى وَذَلِكَ هَالِكٌ شَيْئَانِ مَا الْمَحْقُوقُ وَالْمَوْقُورُ
٩- فَمَضَى كَأَنَّا لَمْ نَكُنْ فِي ظِلِّهِ يَوْمًا وَلَمْ يَكُ فِيهِ لِي قطمير
_________________
(١) في الأصل: (فقد قلت) ويكون في البيت زحاف.
(٢) في الأصل: (في هذا) .
(٣) القطمير: الفوفة التي في النواة، وهي القشرة الرقيقة، ويقال: هي النكتة البيضاء التي في ظهر النواة تنبت منها النخلة (الصحاح: قطمر) . دلالة على ضعة الشيء وقلّته وحقارته، أراد الشاعر أنه لم يحصل على شيء.
[ ١٦٦ ]