حاولت أن أحرر نسخة مهذبة محققة من هذا الكتاب هي أقرب إلى ما وضعها مؤلفها، فقد صححت الوهم والغلط النحوي واللغوي الذي جاء في الأصل، وهذا الغلط مرجعه النسّاخ والنقلة الذين يكون فيهم الجاهل والغافل، وقد جاءت أوهام في النص من تحريف أسماء الأعلام والمواضع والمعاني، فصححت ذلك على ضوء كتب التراجم والبلدان والمعاجم اللغوية.
وقارنت الروايات والأخبار بما ورد منها في كتب التاريخ كتاريخ الطبري وابن الأثير وكتاب الفتوح لابن أعثم، وكذلك ما جاء منها في كتب الأدب، وبينت الفروق وصححت الوهم وشرحت الغامض، وقد جاءت الأخبار في هذا الكتاب وافية مفصلة بينما نجدها في كتب التاريخ مقتضبة مختصرة، وقد كان ابن أعثم خاصة ينقل عن هذا الكتاب ويختصر ويتجاوز ذكر الأشعار غير مطالع بعض القصائد والمقطعات.
وقد حفل الكتاب بالأحاديث النبوية والأمثال والخطب والرسائل، فخرّجت الأحاديث تخريجا وافيا بالرجوع إلى كتب الحديث الصحيحة المعتمدة، ووثقت الأمثال والخطب والرسائل بالرجوع إلى المصادر وقارنت بينها وخاصة حين يكون هناك خطأ أو لبس بالقدر الذي يوضح الرواية ويوثقها، ولم أثقل الهوامش بكثرة النقول، ولا شك أن عملا كهذا لا يمكن أن يكون كاملا، فقد تبقى بعض الأحاديث والخطب لا نجد لها مصدرا يوثقها أو قد يغيب عنا ذلك المصدر.
وفي الكتاب ذكر لأعلام كثيرين، وكثرتهم من الجنود المقاتلين سواء من المسلمين أو من القبائل المرتدة، فمنهم المعروف وأكثرهم مجهول، وقد ترجمت
[ ٢٢ ]
للأعلام ورجعت في ذلك إلى كتب التراجم وعنيت خاصة بالأعلام الذين لهم أثر في الأحداث، والذين وقع في أسمائهم تحريف أو تصحيف أو وهم، ولم أعن بالأعلام الذين ترد أسماؤهم عرضا، وقد أترجم للعلم في الموضع الذي يكون له أثر في الخبر، ولا أكرر الترجمة عند تكرره في أخبار أخرى.
أما الشعر فقد جاء كثير منه مضطربا مختل الوزن فيه تقديم وتأخير وفيه أغلاط في اللغة والنحو، فحاولت تقويمه وضبطه وتخريجه ونسبته إلى قائليه بالقدر الذي أسعفتني المصادر ووفق ما هداني اجتهادي. وقد جاء بعض هذا الشعر غير منسوب أو مجهول القائل وقد تفرد هذا الكتاب بذكره دون غيره من المصادر، وهذا أمر بديهي لأنه شعر جنود مقاتلين تجيش عواطفهم بالشعر فيرتجلونه في الوقائع والحروب، ولهذا السبب جاء مضطربا وجاء سهلا لا تعقيد فيه ولا صناعة، ولم يعن به الرواة الذين غالبا ما يعنون بالشعر الذي يصلح شاهدا لعلوم العربية ويحفل بالغريب والنادر.
لقد شرحت بعض المعاني والألفاظ الصعبة أو التي يقع فيها وهم ولبس سواء أكان ذلك في النثر أم في الشعر، وقد جاء في الأصل بياض وسقط، فوضعت الساقط أو الكلمات التي توضح المعنى أو يقتضيها السياق بين معقوفتين، أما الشعر المضطرب فقد أصلحته وفق المصادر وإن لم أجد مصدرا اجتهدت في تقويمه وأشرت إلى الأصل المخطوء في الهامش.
وقد أردت أن أخدم الكتاب بصنع فهارس وافية تيسر الإفادة منه والرجوع إليه. وما التوفيق إلا باللَّه العلي العظيم.
[ ٢٣ ]
كِتَابُ الرِّدَّةِ لِلْوَاقِدِيِّ رِوَايَةُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بن أعثم الكوفي
[ ٢٥ ]