فأجابه الريحان، وهو يتمايل فى دوحه كالسكران الفرحان، ذات نشر فيّاح، يحيى بشذاه الأرواح، بجماجم كجماجم الرؤوس، أو كبرادة الآبنوس، وقال:
لقد تعدّيت طورك أيّها الآس على أولاد الناس، وليس من يباع بالفلوس كمن تفزع فى ثمنه الأكياس ليكون حضرة بين الكؤوس، فالعاقل من عرف قدره ليقام عذره، كيف تناظر أمير الرياحين فى كلّ وقت وحين، وإنّما أنت فاجر كما قال الشاعر (من الوافر):
إذا عدل الأمير فلا عجيب إذا جارت رعيّته عليه
فأنا نظرك بل كبيرك، فلو تعلّقت مثلك بهذه الرتب، وأسأت الأدب، لكان يحقّ لى أن أهتزّ، إذا سمعت قول ابن المعتزّ (من الطويل):
_________________
(١) نهاية الأرب ١١/ ٢٤٢،٤
(٢) الحناء فى: الحنا على نهاية الأرب
(٣) قضبان-كللت: كنا
[ ١ / ٢٩٢ ]
قضيب من الريحان شاكل (٤) لونه
إذا ما تبدا للعين لون الزبرجد (١)
فشبهته (٥) لما بدا متجعّدا
عذار تبدا فى سوالف أغيد
أو كالقول البديع لابن وكيع (من الكامل):
وقضيب ريحان كأنّ نباته عذراء تمرح فى قميص أخضر
قد توّجت بدم وضمّخ رأسها وتطيّبت من فوقه بالعنبر
ولابن وكيع فى الريحان الحماحم (من المجتثّ): (٢)
هذا الحماحم زهر فيه حياة النفوس
كأنّه حين يبدو برادة الآبنوس
وله فيه (من الوافر): (٣)
وريحان يتيه (٦) بحسن زهر
يطيب بشمّه شرب الكؤوس
كسودان <كسوا> (٧) قمصان خزّ
على قصب مغطّاة الرؤوس
(٨) وأنشدنى بعض فضلاء العصر فى الريحان، ويعرف فى العرب بالحبق (من البسيط):
إن كنت تنعت نبتا فابدأ بالحبق واستنشق المسك مفتوقا من الورق
كأنّ أوراقه والقضب تحملها زمرّد العقد منظوما على عنق
_________________
(١) ديوان ابن المعتز ٣/ ٢٦٨، -٤، رقم ١٠٢؛ المستطرف ٢/ ٢٨٥،١١
(٢) ديوان ابن وكيع ٨٠، رقم ٤٢
(٣) حلبة ٢٥١،١٣؛ (دون نسبة)؛ نهاية الأرب ١١/ ٢٥٤،٤ (دون نسبة)
(٤) شاكل: شابه الديوان ||تبدا: بدا الديوان ||الزبرجد: الزمرد الديوان
(٥) فشبهته-أغيد: وشبهته لما تأملت حسنه عذارا تدلى فى عوارض أمرد الديوان
(٦) يتيه-زعر: يميس على غصون حلبة
(٧) كسوا-خز: لبسن ثياب خضر
(٨) على-الرؤوس: وقد وقفوا مكاشف الرؤوس حلبة
[ ١ / ٢٩٣ ]
وكقول من عزّ لما بزّ ابن المعتزّ (من الطويل): (١)
وباقة (٣) ريحان كعقد زبرجد
حوت منظرا للناظرين أنيقا
إذا شمّها المعشوق حكت (٤) اخضرارها
ووجنته فيروزجا وعقيقا
وقوله (٢٦١) (من الوافر): (٢)
وريحان بدا فى حسن زهر يطيب بشمّه شرب الكؤوس
كسودان أتوا فى قمص خضر وانطلقوا مكاشيف الرؤوس