حدّث أنّه كان بجبل إصبهان، من بعد ما نسفته المزاود، وأفتنه المراود، تنّين، له عدّة من السنين، قد ألّف آلاف من الدهور، وألّف ألفا من الجحور، بين تلك الأحجار والصخور، وأخاف تلك المسالك، حتى جفل القاطن، وقفل السالك، وتحاماه الأقران، وتبادره الشجعان، إذ ليس يقطع فيه المران، ولا ينفع فيه سيف ولا سنان، (٢٥٠) ودرست تلك الجادة الدوارس، ولا عاد يفترعها راجل ولا فارس، حتى عادت بكرا عذراء، لا تخطر على فكر عذراء، لعظم شرره وشرّه، وسمومه وحرّه، فلمّا تعطّلت تلك الربوع من الساكن والمسامر، وأمنت وطء الخفّ والحامر، عظمت أشجارها، وتكاثفت أثمارها، وطرز الأرض نباتها ونوارها، وأينعت أزهارها، وتجاوبت على أفنانها أطيارها، شحرورها وبلبلها وقمريّها وهزارها، وتكسّرت على حصبائها أنهارها، وأمالت الأرواح من الأشجار أغصانها، تقبّل فى الروض أوجه غدرانها، فكلّما زمر النسيم صفق الغدير على نغمات تلك الأطيار باختلاف ألحانها، فعادت كقول ابن وكيع فى زمن الربيع (من الكامل):
[ ١ / ٢٧٧ ]
فرش الفضاء بأصفر وبأحمر وبدت لنا حلل الربيع الأزهر (١)
وافا على أثر الشتاء كأنّه إقبال جدّ بعد أمر مدبر
وكأنّ ذلك كان وجه محذّر وكأنّ هذا جاء وجه مبشّر
ورد كوجنة كاعب قد موزحت فتراجعت خجلا بفرط تخفّر
وكأنّما التأريخ فى أغصانه أكر خرطن من العقيق الأحمر
وكأنّ نور الباقلاء دراهم قد ضمّخت أوساطها بالعنبر
وكأنّما الأترجّ أكؤس عسجد ولها مقابض من حرير أخضر
والنرجس الريّان بين رياضة يرنو بعين الباهت المتحيّر
والجلّنار يريك من أثوابه نوعين بين مزعفر ومعصفر
فالآن فاغد إلى الخلاعة والصبا لا تصفين إلى العذول المكثر
أو كما ذكرنا من المنقول، لأبى إسحق الأندلسى حيث يقول: (من الكامل):
(٢٥١) وعشيّة كم بتّ أرقب وقتها سمحت بها الأيّام بعد تعذّر
نلنا بها آمالنا فى جنّة أهدت لنا سفها شميم العنبر
والروض بين مفضّض ومذهّب والزهر بين مدرهم ومدبر
والورق تشدو والأراكة تنثنى والشمس ترفل فى قميص أصفر
فكأنّه وكأنّ خضرة شطّه سيف تعلّق من نجاد أخضر
وكأنما جنّاته محفوفة بالآس والنعمان خدّ معذّر
نهر يهيم بحسنه من لم يهم ويجدّ فيه الشعر من لم يشعر
ما اصفرّ وجه الشمس عند غروبها إلاّ لفرقة حسن ذاك المنظر
_________________
(١) ديوان ابن وكيع ٦٣، رقم ٣٥؛ قارن حلبه ٣٦٠
[ ١ / ٢٧٨ ]
وقوله (من الخفيف):
فى رياض أريضة تشرب فيها السوارى أعلامها المعلمات
بين صفر وبين حمر كلونى أوجه الخائفات الخجلات
ضاحكات إلى بروق توالت إذ توالت فى شربها باكيات
وكقول ابن وكيع أيضا فى الربيع (من الطويل): (١)
ألست ترى وشى الربيع المنمنما وما رصّع الربعى فيه وتظّما
فقد حكّت الأرض السماء بنورها فلم أدر فى التشبيه أيّهما السما
فحضرتها كالجوّ فى حسن لونه وأنوارها تحكى لعينيك أنجما
قم فاسقنى ما حرّموه فما أرى من العيش حلوا غير ما قيل حرّما
وكقول ابن سهل فيه الذى كاسم أبيه (من الكامل): (٢)
الأرض قد لبست رداء أخضرا والطلّ ينثر فى رباها جوهرا
فاحت (٣) فخلت الزهر كافورا بها
وحسبت فيها الترب مسكا أذفرا
وكأنّ سوسنها يصافح وردها ثغرا (٤) يقبّل منه خدّا أحمرا
والنهر (٥) فيه والنبات يحفّه
سيف تعلّق من نجاد أخضرا
(٢٥٢) وجرت بصفحته الصبا فحسبته كفّا تنمّق فى الصحيفة أسطرا
والطير قد قامت عليه خطيبة لم تتّخذ إلاّ الأراكة منبرا
وكقول من صدق فى جلق (من البسيط):
فى جلّق نزلوا حيث النعيم غدا مطوّلا وهو فى الآفاق مختصر
_________________
(١) ديوان ابن وكيع ٩٣، رقم ٣٥
(٢) ديوان ابن سهل الأندلسى ١٦٣،٤، رقم ٥٤/ ١ - ٤
(٣) فاحت: هاجت الديوان
(٤) ثغرا: تغر الديوان
(٥) والنهر-سيف: والنهر ما بين الرياض تخاله سيفا الديوان
[ ١ / ٢٧٩ ]
القضب راقصة والطير صادحة والنشر مرتفع والماء منحدر
وقد تجلّت من اللذات أوجهها لكنّها بظلال الدوح تستتر
وكلّ واد به موسى يفجّره وكلّ روض على حافله الخضر
وكقول من شكره وجب فى حلب (من الكامل):
خلع الربيع على الرياض ملابسا رفلت بها فى جدّة وشباب
فتباشرت أغصانها وتعانقت حليها كتعانق الأحباب
وكقول بعض القوم وقد أتى الربيع فى الصوم (من الكامل):
انظر إلى نور الربيع وزهره فى الصوم كيف يجيّش الأطرابا
فكأنّه مستحسن مستطرف نصب الصدود لعاشقيه حجابا
وكأنّما سترت محاسن وجهها معشوقة جعلت عليه نقابا
وكأنّما خلق الربيع كواكبا وكأنّما خلق الصيام سحابا
والزهر يكتب فى الرياض لناظر شوّال أفلح من أعدّ شرابا
ولم يك أطبع من قول ابن القويع (من البسيط):
هذا الربيع أبى والصوم فى قرن وكيف يصنع دو الآداب والطرب
كأنّما هو معشوق تى حدرا فصدّ عنه المعهّا لحظ مرتقب
(٢٥٣) والله لولا أمور أنت تعلمها هتكت بالراح ما أرخاه من حجب
حتى الذّذ بالدنيا وزينتها دى حرفة الفقه-لا-ما قيل فى الأدب