ما زلت أعاهد على أن أتعاهد المواعظ، وأسعى بوسعى حتى أملأ سمعى من كلّ واعظ، فخلت بلدتنا مع كثرة العالم من عالم، فبقيت فيها كالحوت فى البيداء، والضب فى البحر، ثم سمعت أنّ عربيّا غريبا قد قدّم وجلس، فزاحمت مزاحمة من صدم وصدم (٢٤٣) حتى جلس، فحمّدك وسبّحك ودعا، ثم قال: رحم الله من سمع ودعا، فتأملته فإذا سوقب دملص، وإذا سحر كلامه لسحرى يعتضّ، فقلت: إنّ هذه لشجرة وريقة فأنا أغتنم لفظ هذا وريقه، فأروى بجزع مواعظه كلّ نسيس، وأهوى بزواجره خدع إبليس.
فجعلت ذهنى إلى ما يقال، فأدرك حفظى من لفظه أن قال: يابن آدم تفكّر
[ ١ / ٢٧٠ ]
فى أمرك، تعرف قصر عمرك وتلمح انقضاض قصرك عند انقضاء عصرك، فكأنّك بك وقد نودى راكب شؤونك ابرك، وسطت العلل، فانبسطت انبساط الفلل، من شونك إلى ظفرك فيا كثرة مرضك ويا قلّة صبرك، ثم جاء الملك فواقعها فانتزعها من صدرك، ثم ألغيت دليلا وألقيت فى قبرك، ورمت فى قفرك قد منيت بعقرك، ثم تقوم حزينا يوم نشرك لحشرك، وينصب لك ميزان ربحك وخسرك، وربّما امتدّت يد الفضيحة إلى هتك ستر سترك، ثم تمشى وأى قدم على جسرك.
فقام شيخ فقال: حيّرتنى بزجرك، فقال: يا بعيدا عنّا أما تمّل طول هجرك، أما يكفيك بعد ظلام الشباب طلوع فجرك؟ قال: فما حيلتى؟ قال: أدرك واستدرك ويحك والله ما تساوى الملذّات أن تخاطر فيها باللذات، وأى راحة فى لقمات عند الحساب منتقمات، كم وقعت فى مهواة شهوات، ثم فارقت فأرقت وتبعت تبعات فدارك مادمت فى دارك هفوات الفوات، فما بينك وبين ما إذا نزل من الآفات آفات، إلاّ أن تعاين الوفاة وفات ويحك إنّما هو صبر مناعة عن الحرام أو للطاعات، فاز به المتيقّظون وفات أهل (٢٤٤) الغفلات، وثبوا إلى الخير بين جمع وثبات، فنظر إلى ثباتهم فأعينوا بصبر وثبات، وتلقّتهم الراحة يوم التوفّى واندفعت الكربات، فلو رأيت العاصى وقد استلبته عند الرحيل أيدى النائبات، أصبح على الخمر والناى، فانظر أين بعد هذا النادى مات، ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اِجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ»﴾ (١).
فقال السائل: بيّن لى أفعال القسمين! فقال: بين بيّن وسم الوسمين! أمّا الصالحون فخلّصوا نفوسهم من رقّ الهوى وأعتقوا، وسمعوا من ذا الذى يقرض
_________________
(١) القرآن الكريم ٤٥/ ٢١
[ ١ / ٢٧١ ]
الله فصدّقوا فصدّقوا، فتراهم بين راكع وساجد إلى المساجد، قد سبقوا ولم يسبقوا، فلو عاينتهم فى الدجى وقد استغفروا وتملّقوا، وغربوا عن وادى الاعتذار عن الزلل وشرقوا، وجلوا مراد العين وخلوا، وطلقوا يتقلقلون كأنّهم غرقى قد تشبّثوا وتعلّقوا، فإذا جاء النهار هجروا مشتهاهم وطلقوا، حاسبوا أنفسهم على الكلمات والنظرات وحقّقوا، وبالغوا فى الورع وتناهوا ودقّقوا، وما كانت معاناة زرود إلاّ أيّاما وأعرقوا.
قال: صف لى من حالهم، وقت ارتحالهم! فقال: لمّا نزل الموت وتيقّنوا أنّه آنه، وتقلقلت النفوس بين زفرة وأنّه، جاء ركابى: ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ»﴾، فكشف سجاف المنزل فحرّكوا الأعنّة، فرحلوا فوصلوا فدخلوا الجنّة، فأرواحهم فى حواصل طير تعلّق من تلك الشجر، وبقبورهم يستشفى ويستسقى المطر، فإذا نفخ فى الصور وأعيدت تلك الصور، جئ النجباء بنجائب مرحلة بالدرّ لا بالشعر فركبوا من قبورهم إلى قصورهم ما عندهم من (٢٤٥) الحساب خبر، فتلقاهم الولدان، ومنع الجور البرور (١) الخفر، فإذا التقوا أحضرن مستبشرات بمن حضر، فلو رأيتهم متّكئين على الأرائك بعد بعد تعب السفر، والكؤوس دائرة والقطوف دانية بأنواع الثمر، يجرى تحت القصور جزاء ترك القصور نهر بعد نهر، فكم من ساقية جارية عليها جارية ساقية يحار فيها البصر، وعيدان الأشجار تغنّى فتغنى عن عيدان الوتر، فإذا اشتاقوا إلى الإخوان نفر نفر إلى نفر فحدّثهم ما كانوا فيه من صيام وسهر، نالوا بعد أن حدّق يأس ما لا يدخل تحت حدّ قياس من الطفر، والملائكة تدخل عليهم مسلّمة للجدال فى فضل البشر، وما كفاهم ما أعطاهم حتى تجلاّ مولاهم للنظر، فلا تعبّد مفترض ولا تكليف معترض، ولا يقال عرض قد انكسر، ولا شقاق ألفة
_________________
(١) البرور: كذا
[ ١ / ٢٧٢ ]
ولا فراق طرمة، ولا مشاق كلفة، لطهارات البشر، ولا همّ يهمّ ولا غمّ يغمّ ولا تحريم يزمّ، عن قضاء الواطر، ولا عناء نصب ولا سقاء نعب ولا لقاء وصب يوجب دموع كدر، فسبحان من جاد عليهم غاية الجود، وبلغهم نهاية المقصود، ومنّ وما منّ بدوام الخلود، وهو آخر الأمل المنتظر.
فقال السائل: اذكر لى حال القسم الآخر! فقال: كم بين من تقدّم ومن تأخّر، هؤلاء زلّوا بإيثار ما يزول، واستحلّوا ما يتغيّر ويحول، تكاسلوا عن الصلاة، فإن صلّوها نقصوا وأهملوا جانب الزكاة، فإن أخرجوا انتقصوا، غطوا أبصار البصائر بالخمر، وشغلوا أسماعهم عن الزواجر بالزمر، وبادروا بارد العيش فإذا البرد جمر، ورضوا فى الدين (٢٤٦) بالوهى معرضين عن النهى والأمر.
قال: صف لى مآلهم، وعرّفنى ما لهم! فقال: كلّما اشتدّ بالقوم عند الموت الألم، صاح لسان اللوم ألم أقلّ ألم، ثم تمزج لهم كؤوس الحسرات بدم ندم، فيتمنون لما قد صدم العدم، رحلت اللذّة عن الأفواه وتخلّفت مرارة الأسف، وصار بدر الأمل كالعرجون ثم أمحق وخسف، واشتدّ عليهم كرب الموت وتحسر به الفوت وعسف، فإذا الغصن الغضّ قد نحل وشسف، ثم نقلوا إلى قبر أخصب ما فيه العجب، وأزرى من تربة زرود النجف، فلو رأيته بالعاصى قد تزلزل ورجف، ثم يأتى منكر ونكير إلى مقرّ بذنوبه قد اعترف، فلا يجد مقرّا ولا مقرا أودى من الحيف، فعذابه دائم وعتابه قائم على الشرف، فإذا انشقّ ضريحه ظهر قبيحه، وانكشف فلقى فى القيامة ما يعجز عن وصفه من وصف، ثم يحمل إلى النيران فيلقى بين الأنتان والجيف، عقابها عميم، وشرابها حميم، وعذابها أليم، هذا وقد عكف، مقامعها حديد، وبلاؤها شديد،
[ ١ / ٢٧٣ ]
وقعرها قعر بعيد، والصديد مكان الصلف، فيها السلاسل والأغلال، والمقامع والأنكال، وهم بحال أى حال أصلح منها التلف، تولّى عنهم الأقارب، فتولّتهم حيّات وعقارب، كأنّها البغال أو نقارب، تدنو منهم وتقارب، فإذا اللحم مختطف، زمانهم ليل حالك، وضجيجهم ضجيج هالك، ويستغيثون يا مالك، وما التفت ولا انعطف، عقابهم عقاب وجيع، ونديمهم بئس القرين والضجيع، تجرى الدموع ثم النجيع، على القبيح الذى سلف، أفلا مميّز بين الدارين، أفلا فارق بين الفريقين (٢٤٧)، أفلا مغتنم للحين بعد الحين، بلى من أحضر ذهنه عرف.
فارتجن المجلس ثم ارتجّ، ولم يبق فيه عين إلاّ مجّ، فمنهم من تعلّق بالمنبر ومنهم من هجّ، فانحطّ الشيخ عن كرسيّه وانزجّ، فإذا أبو التقويم أعرفه بالحاجب الأزجّ، فأسرع فتبعته من فجّ إلى فجّ، فقال: ترانى أهرب وأنت تطلب يا فج، فقلت: الصحبة، قال: نوبت الحجّ، فاجتهدت وألححت فولج الدار ولجّ، فرجعت وما حظيت من حجّته إلاّ بالعجّ والثجّ.