(١) قال علماء اللغة: أصل الجنّ من الاستتار ومنه الجنين لأنّه مستتر (٢٢٢) فى بطن أمّه، ومنه المجنّ لأنّه يستر حامله من وقع السهام، ومنه الجنّة لاستتار أرضها بورقها، وقال الجوهرى: (٢) إنّما سمّوا بذلك لأنّهم لا يرون.
وأمّا الشيطان، فقال الجوهرى: (٣) الشيطان كلّ عات متجبّر من الإنس والجنّ والدوابّ ومن بعد غوره فى الشرّ، واختلفوا فى اشتقاقه على قولين: أحدهما: من شطن، أى: بعد عن الخير فنونه على هذا أصليّة، والثانى: أنّه من شاط يشيط إذا احترق، ومنه شاطت القدر، وقال أحمد بن حنبل: (٤) حدّثنا عبد الرزّاق، حدّثنا معمر، حدّثنا الزهرى عن عروة عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ:
خلق الجانّ من مارج من نار، وقد فسّره ابن عبّاس فقال: المارج لسان النار الذى يكون فى النار <طرفه> (٥) إذا التهبت. وقال الجوهرى: (٦) المارج نار لا دخان لها خلق منها الشيطان.
واختلف الرواة عن ابن عبّاس: هل الجانّ إبليس أم غيره، فروى عنه عكرمة أنّه قال: (٧) إبليس أصل الجنّ والشياطين وهو أبو الكلّ، وروى مجاهد عنه أنّه قال: الجانّ اسمه شومان، وهو أبو الجنّ كلّهم كما أنّ آدم أبو البشر كلّهم، وروى سعيد بن جبير عنه أنّه قال: هذا الفنّ خمسة أنواع: جانّ وجنّ وشيطان وعفريت ومارد، وأضعفها الجانّ وهو مسيخ الجنّ كما أنّ القردة والخنازير
_________________
(١) مأخوذ من مرآة الزمان ٣٨ ب،٢
(٢) الصحاح ٥/ ٢٠٩٣ آ
(٣) الصحاح ٥/ ٢١٤٤ ب
(٤) المعجم المفهرس ٦/ ١٩٦؛ مسند أحمد بن حنبل ٦/ ١٥٣؛٦/ ١٦٨
(٥) طرفه: مرآة الزمان
(٦) الصحاح ١/ ٣٤١ آ؛ الشيطان: الجان الصحاح
(٧) قارن كتاب التبصرة ٢/ ١٨٩، -٣
[ ١ / ٢٤٩ ]
مسيخ الإنس وأقواها المارد، وقال الحسن البصرى: الشياطين أولاد إبليس لا يموتون إلاّ معه والجنّ يموتون قبله، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال:
خلق الله قبل آدم الجانّ بألفى سنة، وقد روى مرفوعا، والموقوف أصحّ.
(٢٢٣) وحكى السدّى ﵀ عن أشياخه، قالوا: فى الجنّ المؤمن والكافر والقدريّة والمعتزلة والجهميّة والشيعة وجميع الفرق، وحكى مجاهد عن ابن عبّاس أنّه قال: هم قوم على أصناف على صور الحيات والعقارب والأسد والذباب والثعالب ونحوها، وقال الترمذى: (١) حدّثنا على بن حجر بإسناده عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: اقتلوا الأسودين ولو كنتم فى الصلاة: الحيّة والعقرب، ووفّاه أبو داود، وفيه: أمر رسول الله ﷺ بقتلهما، قال الترمذى: (٢)
وفى الباب عن رافع بن خديج وابن عبّاس، وحديث أبى هريرة صحيح حسن، والعمل عليه عند بعض أهل العلم من الصحابة وغيرهم من بعدهم، وكره بعضهم ذلك، والقول الأوّل أصحّ.
قلت: وعامّة العلماء على جواز قتل الحيّة والعقرب فى الصلاة وكرهه إبراهيم النخعى لأنّه عمل كثير، وقد روى أنّ النبى ﷺ أمر أن يؤذنوا قبل قتلهم، فقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه بإسناده عن جرير بن عبد الله قال:
أمر رسول الله ﷺ أصحابه إذا ظهروا فى مكان أن يؤذنوا بالانصراف قبل قتلهم يقال: خلّ الطريق ومر بإذن الله يعنى إذا تصوّر الجنّ فى صورة كالحيّات والعقارب. وقال ابن أبى ليلى: الحيّة البيضاء التى تمشى مستوية هى الجانّ فتلك التى تنذر قبل قتلهم، أمّا غيرها فلا ينذر بل يقتل، قال أبو جعفر الطحاوى:
_________________
(١) سنن الترمذى ١/ ٢٤١، الصلاة، باب ٢٨٣
(٢) قارن المعجم المفهرس ٣/ ٢٠
[ ١ / ٢٥٠ ]
والمختار عند أصحابنا قتل الجميع بغير إنذار بحديث أبى هريرة الذى رويناه فإنّه مطلق فى حقّ الكلّ، قال: لأنّه بلغنا أنّ النّبى ﷺ عهد ليلة الجنّ إلى الجنّ وأكّد عليهم العهود والمواثيق أنّهم لا يدخلون بيوت أمّته ولا يظهرون فإن (٢٢٤) ظهروا قتلوا، لكن الأولى هو الإنذار عملا بجميع الروايات فإن لم يرجع قتل.
وروى عروة أنّ عائشة قتلت حية فأتيت فى منامها فقيل لها: قتلت مسلما! فقالت: لو كان مسلما لما دخل بيوت أزواج النبىّ ﷺ فقيل لها: هل كان يدخل عليك إلاّ وعليك ثيابك فأصبحت فزعة فتصدّقت بأثنى عشر ألفا، فأوّل هذا الخبر إباحة قتله من غير إنذار وآخره استحباب ذلك، وروى مجاهد عن ابن عبّاس أنّ الكلاب من ضعفاء الجنّ، وقال أحمد بن حنبل (١) بإسناده إلى أبى ذرّ، قال: قال رسول الله ﷺ: الكلب الأسود شيطان، انفرد بإخراجه مسلم، وفيه: الكلب الأسود البهيم، وبهذا الحديث يحتجّ أحمد بن حنبل فى إحدى الروايتين عنه أنّ الكلب الأسود البهيم يقطع الصلاة، ويروى عن معاذ وطاووس ومجاهد، قال أحمد: وفى نفسى من المرأة والحمار شئ وعند أهل الظاهر يقطع الصلاة.
قال ابن الجوزى: ومذهب أصحابنا ومالك والشافعى وعامّة الفقهاء أنّه لا يقطع الصلاة مرور شئ من ذلك لقوله ﷺ: لا يقطع الصلاة مرور شئ، وحديث أبى ذرّ حجّة فيه وقد بيّنّا هذا فى شرح البداية، يقول ذلك ابن الجوزى ﵀، وقال الحسن البصرى: الجنّ ثلاثة أصناف: صنف فى البحر وصنف فى البرّ وصنف فى الهواء، وروى عكرمة عن ابن عبّاس أنّه قال: هم أربعون خيلا كلّ خيل ستمائة ألف وهم مأمورون ومنهيّون.
_________________
(١) المعجم المفهرس ٦/ ٥٢؛ صحيح مسلم ٢/ ٥٩، الصلاة
[ ١ / ٢٥١ ]
واختلفوا هل بعث فيهم نبىّ أم لا، على قولين: أحدهما: إنّه بعث إليهم نبىّ اسمه يوسف لقوله تعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ»﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ»﴾ (٢)، فعلى هذا هم يحشرون ويحاسبون، والقول الثانى: إنّه لم يبعث فيهم نبىّ (٢٢٥) وإنّما كان فيهم منذرين بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ»﴾ (٣)، قاله مجاهد، وقال الكلبى: كانت الرسل قبل محمّد ﷺ يبعثون إلى الإنس والجن جميعا.