قال جدع بن سنان الحميرى وهو أحد أبناء أقيال اليمن: أجمع أهل التاريخ أن الله ﷿ خلق قبل آدم ﵇ أمما: منهم الحنّ والبنّ والطمّ والرمّ، وأنّهم أفسدوا فى الأرض فأرسل الله تعالى إليهم ملكا فقاتلهم حتى بلغ الدم إلى لبب الخيل، ولم يذكروا صفة خلقهم غير أنّ هذا كلام يدلّ على أنّهم ليسوا بأرواح عرية عن أجسام كالملائكة والجنّ بل أجسام مركّبة فإنّ الدم لا يكون إلاّ فى جسد مركّب.
وقد أوردنا فى هذا التأريخ عن عامر بن شراحيل الشعبى ﵀ فصلا ذكره عند عودته من عند ملك الروم (٢٠٦) لمّا كان توجّه رسولا من قبل عبد الملك بن مروان وهو: قال الشعبى ﵀، وقد تقدّم القول فى اسمه ونسبه: بعثنى عبد الملك بن مروان رسولا إلى ملك الروم فلمّا وصلت إليه وأقمت عنده جعل لا يسألنى عن شئ إلاّ أجبته، وكانت الرسل من قبل لا تطيل الإقامة عنده، قال: فحبسنى عنده أيّاما كثيرة حتى استحنت خروجى وسألته فى ذلك مرارا وهو لا يكاد بنعم لى بذلك، فلمّا أذن لى بالانصراف قال لى: أمن أهل بيت الملك أنت؟ قلت: لا! ولكنّى من العرب فى الجملة، قال: فهمس بشئ فدفعت إلىّ رقعة مختومة وقال لى: إذا أدّيت الرسائل إلى صاحبك فأوصل إليه
[ ١ / ٢٣٢ ]
هذه الرقعة، قال: وجهّزنى بأحسن جهاز وأنعم علىّ بشئ كثير وتوجّهت من عنده مكرّما، فلمّا وصلت إلى عبد الملك بن مروان وأدّيته الرسائل وأنسيت (١) الرقعة فى طىّ عمامتى وخرجت من عنده فلمّا صرت فى بعض الدهليز أريد الخروج تذكّرتها فرجعت إليه وأوصلتها له، فلمّا قرأها قال لى: يا شعبى أقال لك قبل أن يدفعها إليك شيئا؟ قلت: نعم! قال لى: أمن أهل بيت المملكة أنت؟ فقلت: لا! ولكنّى من العرب فى الجملة، ونسبنى فانتسبت إلى قومى حمير، فقال: ملوك قد انقرضوا، ثم دفع لى هذه الرقعة بختمها كما رآها أمير المؤمنين، قال: أتدرى ما فيها؟ قلت: لا وحياة أمير المؤمنين! قال، فدفعها إلىّ فإذا فيها مكتوب: عجبت من قوم فيهم مثل هذا كيف ملكوا غيره، فقلت: والله لو علمت ما حملتها وإنّما قال ذلك ولم يرك ولا أحد من أهل بيتك! قال: أفتدرى لم كتبها؟ قلت: لا! قال: حسدنى عليك وأغرانى بقتلك، قال، فبلغ ذلك ملك الروم (٢٠٧) فقال: والله ما أردت إلاّ ما قال!
قال الشعبى ﵀: ثم إنّ عبد الملك سأل منّى بعد ذلك المجلس ما كان سبب احتباسى عند ملك الروم وعمّا كان يتحدّث به معى فى مدّة إقامتى عنده، فقلت: كان يخوض معى فى كلّ بحر غويص من كلّ فنّ ويدقّق علىّ المسائل فأخرج له منها بمعونة الله تعالى وبركة أمير المؤمنين، وسألنى عن قومى، فانتسب إلى حمير، فقال: ملوك من ولد سام بن نوح ونحن معاشر الروم من ولد يافث ابن نوح، ثم قال: هل تعلمون معاشر المسلمين أنّ الله تعالى خلق خلقا قبل آدم أبى البشر؟ فقلت: يورد أنّه ﷿ خلق خلقا عديدا لا يحصيهم غيره منهم:
الحنّ والبنّ والطمّ والرمّ والجنّ، وذكرت له ما ورد فى ذلك من الأخبار والآثار،
_________________
(١) أنسيت: نسيت، لهجة
[ ١ / ٢٣٣ ]
قال: فهمس بشئ لا أفهمه فأحضر كتاب عتيق بخطّ لا أفقهه وأحضر شيخا مبجّلا عنده فأمره بقراءته علىّ فأجده تأريخا يتضمّن بدء الأشياء كلّها بكلام غريب لم أسمع بمثله فى الإسلام، وذكر قصّة الحنّ والبنّ والطمّ والرمّ، فقال عبد الملك: فكيف سمعت؟ قال، فقلت: نعم يا أمير المؤمنين:
قال: إنّ الله ﷿ خلق قبل آدم ﵇ أبى البشر وصاحب الذريّة الوارثون الأرض من الأمم المخلوقة بعظمة الخالق: الحنّ فكان شخصا ذكرا بديع الخلق من عنصر ليس كالعناصر الأربع فكان أصغر ما فى خلقه قدمه التى يسعى بها فكان مسيرة أثرها سبعة أيّام للراكب المجدّ ليلا ونهارا، وكان ظلّه فى عين الشمس إذا ساوت سمت رأسه مسيرة شهر كامل للراكب المجدّ فى سيره ليلا ونهارا، (٢٠٨) وكان خلقه جسد شفاف دموى بين البياض والحمرة يصيف بالمشرق ويشتى بالمغرب، وكانت البنّ على خلقه من صفته وعظمه أنثى وركّب فيهما حبّ الشهوة فتزاوجا فكان من نسلهما عنق وعنقاء وولد عنق بالمشرق وعنقاء بالمغرب وهى عنقاء مغرب المذكورة، ثم كان من نسل عنق وعنقاء عوج ابن عنق، قال: وكثر فسادهم فى الأرض وطالت أزمنتهم ودهورهم ما شاء الله تعالى من ذلك.
وكانت الملائكة تنزل إلى الأرض ويرونهم ويكلّمونهم فسطوا بشرّهم على الملائكة فشكوهم إلى الله ﷿ فخلق الله تعالى الطمّ والرمّ من عنصر ضدّا لذلك العنصر الذى خلق منه الحنّ والبنّ وذلك ما اقتضته الحكمة الإلهيّة ذات الاختراع، فكانا كصفتى طائر بن عظيمين إذا نشرا جناحيهما سدّا المشرق والمغرب، وخلق مخاليبهما من نار السموم، وسلّطهما على الحنّ والبنّ فقتلاهما وذريّتهما ولم يبق فى الأرض منهم غير عنقاء مغرب وولدها عوج، وذلك لمّا عاينا
[ ١ / ٢٣٤ ]
ما نزل بقومهما تابا إلى الله ﷿ وكفّا عن الفساد، وكانت العنقاء لها عشرة أوجه كوجوه بنى آدم من أحسن الخلق وكان لها أربعين جناحا مكلّلة بأنواع الجواهر واليواقيت، وإذا حلقت فى فلك الهوى (١) يسمع لها دويّا كأعظم ما يكون ومن اللذّ (٢) سماع يكون وكان لها فهما وعقلا تدرك بهما الأشياء، فلمّا سمعت تسبيح الملائكة فى فلك القمر تعلّمته فكانت تسبّح الله تعالى كتسبيح الملائكة بألذّ نغمة وأطيب حسّا وأطرب صوتا، قال: فمكثت فى الأرض إلى عهد سليمان بن داود ﵇.
(٢٠٩) وأمّا عوج فاستقرّ فى الأرض وكان من نسله الجبّارين، وكان فى عظم جدّه الحنّ بغير أجنحة، ولمّا كان الطوفان عاد يمشى فيه ويخوضه وهو إلى حقويه ويحاذى السفينة ويقول لنوح ﵇: يا عمّ أترانى أغرق قصيعتك هذه.
قلت: هذا ما ذكره جدع بن سنان فى تأريخه بإسناده إلى الشعبى لما ذكرناه، وهو حديث غريب لم أرى أحد من المؤرّخين ذكره على هذا الوجه، وإنّما المذكور من قصّة عوج أنّه ابن عناق وأجمعوا أنّ عناق ولدتها حواء من آدم ﵇ فوضعتها مشوّهة الخلق لها رأسان وفى كلّ يد عشرة أصابع وأنّها ولدتها بمفردها بغير توأم معها، وقد روى عن الإمام علىّ بن أبى طالب كرّم الله وجهه أنّه قال: هى أوّل من بغا وعمل بالفجور وجاهر بالمعاصى، واستخدمت الشياطين وصرّفتهم فى وجوه السحر، وقد كان الله تعالى أنزل على آدم ﵇ عوده وأسماء تطيعه بها الشياطين والمردة وأمره أن يدفعها لحواء تعلّقها عليها ويكون ذلك حرزا لها، ففعلت ذلك حواء فاعتقلتها عناق وهى نائمة
_________________
(١) الهوى: الهواء
(٢) اللذ: ألذ
[ ١ / ٢٣٥ ]
فأخذتها منها واستجلبت بها الشياطين والعتاة من المردة، وصرّفت ذلك فى أنواع السحر وأضلّت كثيرا من ولد آدم ﵇، قال: فدعى عليها آدم ﵇ فأرسل الله تعالى عليها أسدا عظيما فأهلكها.
وأجمع جماعة من المؤرّخين أنّ عوج ولدها وأنّ الطوفان بلغ بعض جسده وأنّه عمر إلى زمان موسى بن عمران ﵇ وأنّه قطع صخرة قدر عسكر موسى ﵇ وكانوا (٢١٠) فى أكثر من مائتى ألف وأراد أن يطرحها عليهم، فأرسل الله تعالى طائرا فنقر تلك الصخرة فنزلت فى عنقه ولم يفارق حتى أتاه موسى ﵇ فضربه بعصاه فى بزّ كعبه، وقيل: كانت العصاة سبعة أذرع وطول موسى ﵇ سبعة أذرع وطاح فى الهواء سبعة أذرع حتى لحق بزّ كعبه فضربه فقتله.
قال جدع بن سنان ﵀ لما أسنده إلى الشعبى ﵀ فى تتمّة قصّة الحنّ والبنّ والطمّ والرمّ والجنّ وما أضاف إلى ذلك من ذكر الزهرة وإبليس وهاروت وماروت:
ولمّا كثر فساد الحنّ والبنّ فى الأرض وأرسل الله عليهما الطمّ والرمّ وأمرهم بقتل الحنّ والبنّ فقتلوهم قتلا ذريعا عامّا حتى إنّ الأرض اسودّت من دمائهم وكانت من قبل أشدّ بياضا من الكافور وأطيب رائحة من المسك إذا كانت بكرا لم يعصى الله تعالى عليها قطّ قبل الحنّ والبنّ ولمّا أهلكهم الله بفسادهم وشرورهم استقرّ فى الطمّ والرمّ وتوالدوا وكثر نسلهم وأقاموا فى الأرض ما شاء الله تعالى من الأزمنة والدهور، فأفسدوا وكثر شرّهم وعصوا وفعلوا كأقبح من فعل الحنّ والبنّ، فشكاهم الملائكة إلى خالقهم فخلق تعالى الجنّ من مارج من نار وأمرهم بهلاك الطمّ والرمّ ففعلوا، واستقرّت الجنّ فى الأرض
[ ١ / ٢٣٦ ]
مع عدّة مخلوقين لا تدرك فأفسدت الجنّ أيضا فى الأرض وبغا بعضهم على بعض وغارت القبائل منهم عليهم وكانت بينهم حروب وقتال وقتل وزاد الأمر فأهبط الله تعالى إليهم إبليس وجعله ملكا فى الأرض وأمره بقتال الجنّ وقتلهم (٢١١) فقاتلهم وقتلهم قتلا ذريعا وأخلى منهم العامر من الأرض وأسكنهم خرابها لما نذكر من ذلك إن شاء الله تعالى.