(١) وهى أكثر من أن تحصى فى الأقاليم السبع، فمن قلاع المشرق: قلعة سليمان بإصطخر: يقال إنّ الشياطين بنوها له ﵇ فإنّها من عجائب الدنيا فى البناء والارتفاع والحصانة، وقلعة بفارس بناها زياد بن أبيه لمّا كان على العراقين من قبل معاوية ﵁ لما نذكر من خبره، وقلاع أخر بفارس انطرور ودبول وكردكوه، وفى خراسان حصون كثيرة مذكورة وكذ (٢) فيما وراء النهر، فمن حصون خراسان قلعة نيزك وهى قلعة عظيمة فتحها يزيد بن المهلّب بن أبى صفرة فى سنة أربع وثمانين، وقد مدحها الشعراء وليس بالشرق بعد قلعة سليمان أحصن منها، ومن ذلك قلعة باب الأبواب بجبل الفتح، (٣) وقد تقدّم ذكرها، وفى جبل الفتح عدّة قلاع، وقد تقدّم القول بذلك. وفى بلاد أرمينية قلاع كثيرة لهم حصانة مانعة.
ومن قلاع الجزيرة قلعة ماردين، قال ابن المنادى ﵀: أسّست قلعة ماردين على مصابرة العدوّ أربعين سنة، فلو نزل عليها ملك بجيشه لما طاق فتحها عفوة. قال (١٣٦): وفيها من العيون العذبة عشرة أعين، وهذا قول ابن المنادى وهو أيضا وهم، فإنّ المعتضد فتحها عنوة بالسيف فى مدّة يسيرة، وكذلك العادل بن أيّوب أقام عليها دون التسعة أشهر واستظهر على فتحها فجاءه خبر وفاة ابن أخيه الملك العزيز بمصر وخلف أولاد أخوه فرحل عنها ولو استمرّ عليها عشرة أيّام أخر افتتحها، وأمّا قوله: إنّ فيها عشرة أعين فقد ذكر لى جماعة من أهلها: أنّ لم يكن بها غير عين واحدة وهى يسيرة جدّا، وربّما تنقطع فى وقت من السنة.
_________________
(١) مأخوذ من مرآة الزمان ٢٣ ب،١٤
(٢) كذ: كذا، تحريف
(٣) الفتح: القبخ
[ ١ / ١٥٦ ]
وقد ذكر أيضا ابن حوقل (١) فقال: وجبل ماردين من قرار الأرض إلى ذروته مسيرة فرسخين أو نحو فرسخين، و<عليه> (٢) قلعة لحمدان بن الحسن بن عبد الله ابن حمدان تعرف بالبازى الأشهب لا يستطاع فتحها عنوة، وفى الجبل جوهر الزجاج وبه حيات عظام، وفى الجملة فهى أحصن قلاع الجزيرة.
وفى الشام قلاع كثيرة منها: قلعة حلب وتسمّى الشهباء، فإنّ ملك الروم نزلها وفتح البلد ولم يقدر عليها، وكان سيف الدولة ابن حمدان ﵀ يفتخر بها مع اتّساع ملكه فى ذلك الوقت ويقول: معقلى حلب وشاعرى المتنبىّ، وبقلعة حلب آثار إبراهيم الخليل ﵇، ويقال: إنّه أوى إليها عند دخوله إلى الشام، وعلى الجملة فإنّها لم تزل تعدّ فى القلاع المانعة حتى افتتحها هلاوون فى المدّة اليسيرة حسبما سنذكره من ذلك مع سائر ما ذكرنا من القلاع المانعة، لم يتّسع على القوم سهل ولا جبل ولا اغنى منهم خيل ولا خول ولا مكر ولا حيل ولم يزالون على ذلك إلى أن كسرهم الله تعالى على يد السلطان الشهيد والبطل الصنديد سيف الدنيا والدين قطزّ تغمّده برحمته وأسكنه جنّته برحمته.
(١٣٧) ومن قلاع الشام أيضا قلعة حمص، وحماة، وبعلبك ودمشق، وصرخد، وعجلون، والكرك، والشوبك قبل خرابه، وكان أيضا (٣) مثل قلعة القدس، وكوكب، والطور، وتنين، وهونين، وعكّا، وطرابلس، هؤلاء بالساحل وغيرهم أيضا يأتى أسماؤهم عند فتوحهم وعودتهم فى أيدى المسلمين، أدام الله ذلك إلى يوم الدين.
وأمّا الديار المصريّة فيها أشرف القلاع، التى تشرّفت بساكنها على سائر البقاع، وتشنّفت بذكر محاسنها الأسماع:
_________________
(١) صورة الأرض ١/ ٢١٤،١٧
(٢) عليه: مرآة الزمان، صورة الأرض
(٣) وكان أيضا: وكان بالساحل قلاع أخربت كالقدس مرآة الزمان
[ ١ / ١٥٧ ]
قلعة الجبل المحروسة التى أضحت بالمقام الشريف الناصرى مأنوسة، فعادت بزينتها بين سائر قلاع الأرض تتجلاّ كالعروسة، لما شيد فيها من البنيان، الذى يعجز عن وصف بعضه صاحب علم البيان، فليس الخبر كالعيان، فتبارك الله الملك الديّان، الذى أيّد مولانا السلطان، بالملائكة والقرآن، حتى ذلّ له الزمان، وعادت أيّامه من صروفه فى أمان، فهو فى مشرفه معد بن عدنان، وفى فصاحته قس وسحبان، وفى بلاغته قدامة بن حطان، وفى كرمه برمكىّ الإحسان، وفى كتابته على ثان، وفى عدله كسرى أنو شروان، الملك العظيم الشأن، ساهر من الثقلان، المتوّج بالنيران، الشمس والقمر من غير نقصان، ولا تدركهما آية الكسوفان، فهو مولانا وسيّدنا السلطان، الملك الناصر، الناصر لملّة القرآن، سمّى سيّد ولد عدنان، محمّد صلى الله عليه كلّما صدح قمرى على أعلا أغصان، والمستبشر به لإعلاء دينه على سائر الأديان، فهو فى عصره سليمان، ذلّت لهيبته ملوك الإنس والجانّ، فلو أدرك زمانه النعمان، لكان من جملة الغلمان، أو قيصر وكسرى وخاقان، (١٣٨) لكانوا من بعض الأعوان، ولو نال من قبله بشر فى الأفلاك مكان، لكان ظهر جواده السماكان، فقلوب الخلائق تحبّه وحبّ الخلق لحبّ الخالق عنوان، فهو مكىّ الحرم، برمكىّ الكرم، هاشمىّ الفصاحة، حاتمىّ السماحة، عثمانىّ الحياء، لقمانىّ الذكاء، يوسفىّ الخلق، محمدىّ الخلق، يظنّ فى الكرم بحرا، ويحسب لفظه للحسن شجرا، إذا أفصل فصلا كان قولا فصلا، وإذا أصل أصلا لم يستطع أحد من الملوك مثله أصلا (من البسيط):
فاق الملوك بأخلاق مهذّبة وفات من كان جاراه وباراه
توطّد الملك مذولى ولايته واستبشرت حين راعاه رعاياه
[ ١ / ١٥٨ ]
وقام بالأمر مذ نيطت تمائمه قيام مضطلع قواه تقواه
وأعلن العدل حتى أمّ مذهبه من كان قدما تعدّاه وعاداه
وجدّد الجود حتى لاح معلمه للمجتدين وطرّاه وأطراه
فالدين والملك والأقوام قاطبة راضون عن سعيه والله والله
فلله درّه من سلطان عادل، وملك فاضل، يطيل الأقبال، ويزيل الأقلال، ويتفقّد الأحوال، وينتقد الرجال، ويكشف النوازل، ويعرف المنازل، بهىّ المنظر، رضىّ المخبر، لا يخيبه أمل، ولا يقهره بطل، جبر الرعيّة بفضله، وعمّ البريّة بعدله، وحصن الأنام بكفايته، وحسن الأحكام بدرايته (من الكامل):
متيقّظ العزمات مذ نهضت به عزماته نحو العلى لم يقعد
وتكاد من نور البصيرة أن يرى فى نومه فعل العواقب فى غد
وسنذكر فى جميع أجزاء هذا التأريخ من بعض محاسنه ما يليق كلّ (١٣٩) فصل من فصوله الحسان، ولا ندرك بعض بعض محاسن سيرة مولانا السلطان، ويأتى أيضا من ذكر هذه القلعة المنصورة، التى عادت محاسن الدنيا فى كلّ مقصورة منها عليها مقصورة.