جبل الفتح: (١) هو من أعظم الجبال فى الدنيا وفيه أمم كثيرة وممالك غزيرة، يجمع اثنان وسبعون أمّة، كل أمّة لها لسان وملك وفيه شعاب وأودية ومدينة باب الأبواب على حدّ شعابه بناها كسرى أنو شروان وجعلها حدّا فاصلا بينه بين الخزر وجعل حدّ (١٢٧) السور ومبدأه من البحر إلى أعالى الجبل وذلك نحو من أربعين فرسخا حتى ينتهى إلى طبرستان، وجعل على كلّ ثلاثة أميال من هذا الجبل بابا من الحديد وعنده حفظة، وأسكن هناك أمما مختلفة لحفظ الحدّ من العدوّ مثل الخزر والترك والان (٢) وغيرهم، ومسافة هذا الجبل من أوّل أعالى أسوان وحدود اليمن مدّة شهرين إلى أن ينتهى إلى قلعة باب الأبواب، وبينها وبين بغداد أربعمائة فرسخ، وهذه القلعة على واد عظيم من هذا الحدّ بالجبل المذكور لا سبيل لأحد على العبور إلاّ من تحتها، وهى على جبل مدوّر يخرج من وسطها عين ماء، وفى جبلها قرود يقف القرد على رأس الملك فإن كان الطعام مسموم غمز القرد الملك فامتنع منه، قال: والذى بناها أنو شروان، هذا من رواية ابن الجوزى ﵀.
وأمّا رواية المسعودى ﵀ (٣) فقال: فى هذا الجبل عجائب كثيرة منها خسفة قدير دورها فرسخا طولا فى مثله عرضا، وفيه قرود كهئة الآدميّين يتحيّل عليهم ويصاد منهم ويهدوا إلى الملوك، ومن خاصّيّة الفرد منهم أن يجلس على طعام الملك فإن كان مسموما عرق القرد حتى يرشح عرقه فيفهم أنّ الطعام مسموما فيمتنع منه،
_________________
(١) الفتح: القبخ مروج الذهب ٧/ ٥٦٩
(٢) الان اللان مرآة الزمان
(٣) قارن مروج الذهب ١/ ٢٣٢ مادة ٤٨٥
[ ١ / ١٤٧ ]
ومنها أنّ بهذا الجبل أيضا خسفة أخرى أعظم من تلك الخسفة بأضعاف مضعقة ودورها أملس منحوتا لا يقدر على النزول إليها بوجه من الوجوه ولا يصل إلى سفلها جبل لعظم عمقها وفى سفلها أمّة من الأمم لا يعلم ما هم من الإنس ولا من الجنّ غير أنّهم يرون كأصغر ما يكون لبعد مسافة عمق تلك الخسفة وعندهم أشجار وأنهار ودوابّ ومواشى وغير ذلك وينظر إليهم (١٢٨) يغدون ويروحون فى معاشهم ولا يصل إليهم أحد ولا يصلون إلى أحد، هذا ما ذكره المسعودى فى كتابه مروج الذهب، (١) وقال فيه: إنّ الذى بنا قلعة باب الأبواب اسفنديار من ولد بهراسف من أوّل طبقة ملوك الفرس الأول ورتّب فيهم رجالا، ويقال إنّ هذه القلعة فتحت فى أيّام عبد الملك بن مروان ورتّب فيها رجالا من المسلمين من العرب وهم إلى هلمّ جرا يتوارثون أمرها وتنقل إليهم الموادّ من تفيس ونواحيها، قالوا: وبينها بين تفليس عشرة أيّام وأهل تفليس ساعدونهم خوفا من العدوّ، قالوا: ووراء هذا السور قوما من العرب يتكلّمون بالقحطانيّة وبينهم وبين هذه القلعة عشرة أيّام، وقيل ثلاثة أيّام، ثم تلى هذا السور من ناحية المشرق أمم كثيرة: خزر، وترك، ولان، وقفحاق، وغيرهم، ولهم ملوك منهم ملك السرير سمّى بذلك لأنّ يزدجرد لمّا أحسّ بزوال ملكه فى آخر أيّام عمر بن الخطّاب ﵁ بعث سريرا من الذهب وأموالا عظيمة إلى تلك الديار، وهلك يزدجرد لما نذكره إن شاء الله تعالى فى أيّام عثمان بن عفّان ﵁، فغلب على هذا السرير رجل من نسل بهرام جور وملك تلك الناحية وفيها اثنا عشر ألف قرية، ثم يلى هذه المملكة: اللان ويقال لملكهم كرحاح (٢)
_________________
(١) غلط ابن الدوادارى: مأخوذ من مرآة الزمان ٢١ ب،١
(٢) كرحاح: كرحناح مرآة الزمان؛ كركنداج مروج الذهب ١/ ٢٢٨ مادة ٤٧٩
[ ١ / ١٤٨ ]
وله مدينة يقال لها ماعص (١) وعسكره ثلاثون ألفا، وممّا يلى هذه الممالك جبال فيها قرود كثيرة غير تلك القرود المقدّم ذكرها على صور بنى آدم ولكن ليس لهم تلك الخاصّيّة المقدّم ذكرها.
قلت: وهذه الممالك كلّها عادت بأيدى التتار عند وضع هذا التأريخ لما نذكر من أمرهم إن شاء الله تعالى.
قاسيون: جبل شمال دمشق فيه آثارات كثيرة منها: مغارة الدم ومغارة الجوع ومسجد الكهف وقبور الزهّاد والأولياء والعلماء وهو جبل مبارك والنفس ترتاح إليه وتختبر المقام به، ومن سكنه لا يطيب له (١٢٩) سكنى غيره.
وجاءت فيه آثار، قال ابن الجوزى ﵀: حدّثنى به الشيخ الصالح أبو عمرو المقدسى ﵀ قال: بلغنى عن كعب الأحبار أنّه قال: أوحى الله تعالى إلى قاسيون: هب ظلّك وبركتك لجبل بيت المقدس! ففعل، فأوحى الله إليه لن تذهب الأيّام والليالى حتى أردّ إليك خيرك وبركتك وظلّك ويبنى لى فيك-أو قال: فى ركنك-بيت أعبد فيه بعد خراب البيت أربعين سنة، قال، فقاسيون بين يدى الله تعالى بمنزلة العبد الخاضع المتواضع المسكين.
وذكر الحافظ أبو القسم ابن عساكر ﵀ فى تأريخه: (٢) هذا الأثر عن القسم أبى عبد الرحمن ولم ينسبه، وذكر البيت قال: هو جامع دمشق، وإنّ رجلا سأل رسول الله ﷺ عن دمشق فقال: بها جبلا يقال له قاسيون فيه قتل ابن آدم أخاه وفى أسفله غار من الغرب فيه ولد إبراهيم ﵇، وذكر حديثا فيه أماكن، قال ابن الجوزى ﵀: والعجب من رواية مثل هذا
_________________
(١) ماعص: مغص مروج الذهب ١/ ٨٢٢ مادة ٤٧٩
(٢) تأريخ دمشق ٢/ ١٠٢
[ ١ / ١٤٩ ]
الحديث الذى اللفاظه (١) تنطق بوضعه على رسول الله ﷺ فإنّ أحدا من العلماء لم يذهب أنّ قابيل قتل أخاه هابيل بالشام قطّ ولا أنّ الخليل ﵇ ولد بالشاء وإنّما ولد ببابل وإنّما المنقول عن كعب الأحبار فى هذا الباب ما رواه الثكالى:
أنّ كعبا قدم الشام ومعاوية بن أبى سفيان أميرا بها من قبل عثمان ﵁، وكان معاوية لمّا بلغه قدوم كعب إلى القدس فى سنة ثلاثين قال: يا ليت لنا من يخبره بفضائل دمشق وبلغ كعبا فلمّا نزل من عقبة شحرورا دمشق نظر إلى قاسيون فقال:
لا إله إلاّ الله هذا مكان قتل فيه ابن آدم أخا، كذا وجدته فى التوراة وهذا الكهف الذى عزّت فيه الملائكة لآدم (١٣٠) وهذا الغار الذى ولد فيه إبراهيم، وأشار إلى برزة، وعاد يقول: وهذا مكان كذا وهذا مكان كذا، وبلغ معاوية فبعث إليه بمال كثير، ومعلوم أنّ عمر بن الخطّاب ﵁ كان يعلو كعبا بالدرّة ويقول: دعنا من يهوديّتك: وإنما تزار هذه الأماكن بحسن الظنّ فإنّ الأعمال بالنيّات، وقد طرقها خلق كثير من السادات.
جبل قدس: (٢) بإسكان الدال، جبل عظيم بأرض نجد وقد ذكرته العرب.
قطن: (٣) جبل معروف، وكانت عنده رقعة لعبس وذبيان بالحجاز، وقد ذكروه فى أشعارهم.
لبنان: جبل بالشام، وهو من أعظم الجبال بركة، وأصله من الحجاز يأتى من العرج ويتّصل بالجبال التى على ساحل البحر الشرقى على الطور وأيلة ويتّصل إلى بيت المقدس ثم يمتدّ على البقاع وبلد حمص وحلب والثغور، ثم يمتدّ إلى الروم ويتّصل باللكام، وفيه العيون الباردة والأشجار المثمرة والمساحات الكثيرة والحشائش التى تدخل فى الدرياقات، (٤) ويقال إنّ فيه حشيشة الكيمياء
_________________
(١) اللفاظه: الفاظه
(٢) الصحاح ٢/ ٩٥٧ ب
(٣) الصحاح ٦/ ٢١٨٣ آ
(٤) الدرياقات: الترياقات
[ ١ / ١٥٠ ]
بزعم من زعم، وفيه الصالحون والأبدال، وفيه جبل يقال له جبل الدير مطلّ على ساحل البحر ببيروت، يقال أنّه الجبل الذى قال فيه كنعان بن نوح: ﴿سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ»﴾ (١)، وفى سفحه أيضا قرية يقال لها كرك نوح فيها قبر يقال إنّه قبر نوح ﵇، وفى سفحه أيضا قبر شيبان الراعى وقصته مع دنون (٢) المصرى مشهورة.
وحكى عن بن الكلبى عن كعب الأحبار قال: قدم الخليل ﵇ الشام فاشتاق إلى بيت المقدّس فقال: يا ربّ أرنى الأرض المقدّسة! فقيل له:
اصعد على لبنان انظر إلى أىّ مكان انتهى بصرك فهى مقدّسة، أو قيل:
فهو مقدّس، وروى عن شقيق البلخى ﵁ أنّه قال: (١٣١) ما اتّخذ الله وليّا حتى يسحب ذيله على لبنان:
جبل اللكام: وقد ذكره ابن حوقل فى كتاب الأقاليم (٣) فقال: جبل اللكام هو الفاصل بين الغرين يعنى الشام والجزيرة لأنّ كلّ ما كان وراء الفرات من الشام ومن ملطية لى مرعش جزيرة، قال: واللكام داخل فى بلاد الروم، ويقال إنه ينتهى إلى نحو مائتى فرسخ ويمرّ على مرعش وعين زربة الهارونيّة، وإلى هاهنا يسمّى اللكام إلى أن يجاوز الادقيّة فيسمّى جبل بهرا ويتمّ إلى حمص ويتّصل بلبنان ويمرّ على فلسطين حتى ينتهى إلى بحر الفلزم ويتّصل بالمقطّم جبل مصر، قال:
وأوّله بالمشرق فى بلد الصين خارجا من البحر المحيط فيقطع بلاد التبّت وفرغانة ثم يمرّ على سمرقند من شمال الصغد ويقطع نهر جيحون إلى الخزر ويكون عن يمين القاصد من خراسان إلى العراق ومنه يتشعّب جبال جرجان وطبرستان والديلم،
_________________
(١) القرآن الكريم ١١/ ٤٣
(٢) دنون: ذو النون
(٣) صورة الأرض ١٦٨ - ١٧٠
[ ١ / ١٥١ ]
ويتّصل بجبال آذربيجان والرىّ، ثم يعود إلى همذان وحلوان، ثم إلى شهرزور ويقطع دجلة بنواحى تكريت إلى حديثة الموصل ثم إلى الجودى ثم إلى آمد، ومنه يتشعّب جبال أرمينية، ثم يمرّ إلى جبل الفتح (١) وباب الأبواب إلى بحر الخزر إلى بلاد ياجوج وماجوج، ثم يتشعّب منه جبل يأخذ إلى الفرات ويتّصل بسميساط إلى مرعش النى ابتدأ منها، قال: وإذا وصل إلى المقطّم قطع النيل، ثم مضى إلى برقة وأقصى المغرب، ثم إلى البحر المحيط.
فالحاصل أنّ ابن حوقل قال: إنّه يخرج من البحر المحيط بالصين وينتهى إلى البحر المحيط بالمغرب، وهذا تخليط ظاهر لأنّه جعله أوّلا الفاصل بين الشاء والجزيرة فينبغى أن ينقطع عن الفرات بأرض ملطية، ثم خلّطه بجبال خراسان والشرق ولبنان (١٣٢) ومصر، وأين جبال مصر من جبال الشام وما وجه الاتّصال بها؟ وإنّما كلّ جبل على حدّة، وذكر غير ابن حوقل وقال: واللكام جبل مبارك فيه الأبدال والمباحات والعيون وحدّه من مرعش إلى ملطية عرضا ويمتدّ فى بلاد الروم طولا إلى حيث يعلم الله تعالى، وأمّا الجبل الذى يقطع بنواحى تكريت فهو جبل حمر بن مشهور بنواحى العراق.
ق: وهو الجبل المحيط بالدنيا، ذكر أبو إسحاق الثعلبى ﵀ فى تفسير قوله تعالى: ﴿ق، وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ»﴾ (٢)، عن ابن عبّاس أنّه جبل من زمرّدة خضراء محيط بالدنيا، وخضرة السماء منه، وعليه كنف الدنيا، وما وجد الناس من الزمرّد فهو ممّا يتساقط منه.
قال وهب بن منبّه: لمّا مرّ عليه ذو القرنين رأى حوله جبالا صغارا فناداه:
يا قاف ما هذه الجبال التى حولك؟ فقال: عروقى ليس فى الدنيا مدينة إلاّ وفيها
_________________
(١) الفتح: القبخ
(٢) القرآن الكريم ٥٠/ ١
[ ١ / ١٥٢ ]
عرق من عروق، فإذا أراد الله أن يلزلزل (١) أرضا أمرنى فحرّكت ذلك العرق فتزلزلت تلك البقعة من الأرض، فقال الإسكندر: فهل وراءك شئ؟ قال: نعم! أرض طولها خمس مائة عام، فيها جبال من ثلج تحطم بعضها بعضا ولولا ذلك لاحترقت من حرّ جهنّم.
وقد ذكره الجوهرى (٢) فقال: قاف جبل محيط بالدنيا، روى عكرمة عن ابن عبّاس قال: بنى إبراهيم الكعبة من خمسة أجبل: أبى قبيس، وطور سينا، وطور زيتا: وهو جبل بيت المقدس، والجودى، ولبنان.
وفى الأقاليم جبال شوامخ وعرة فى ناحية الشمال، النهار عندهم أى أهلها ساعة ونصف لأنّ الشمس منحرفة عندهم، وفى المغرب جبال وعرة تسكنها البربر ويعصون فلا يقدر أحد عليهم، وفى الأندلس جبال فيها حجارة (١٣٣) تتّقد فى الليل ويظهر منها الدخان فى النهار، قال ابن الجوزى ﵀: ذكر جدّى فى كتابه المنتظم قال: وفى اليمن جبال منها جبلين عظيمين بينهما فى السهل مسيرة ثلاثة أيّام ورأسهما متقاربان بحيث يتناول الرجل الرجل من رأس الجبل ما يريد لضيق ما بينهما.