ومدّة التصوير والتكوين
(١) قال علماء اللغة: إنّما سمّيت الأرض أرضا لأنّ الأقدام تطئها وترضّها، وقال الجوهرى: (٢) الأرض مؤنّثة، وروى أبو إسحاق الثعلبى ﵀ عن ابن عبّاس ﵁ قال: أوّل ما خلق الله القلم فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم رفع بخار الماء فخلق منه السموات ثم خلق النون وهو الحوت الذى يحمل الأرض فبسط الأرض على ظهره فتحرّك الحوت فمادّت الأرض فأثبتت بالجبال، ثم قرأ ابن عبّاس: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ»﴾ (٣).
واختلفوا فى اسم هذا الحوت، (٤) فقال ابن الكلبى ومقاتل: بهموت، وقال أبو اليقضان (٥) والواقدى: ليوثا، والذى أراه أنّ الحوت اسمه بهموت، والثور ليوثا، والله أعلم.
وروى عن علىّ ﵇ أنّه قال إنّ اسمه بلهوت، قال الراجز:
ما لى أراكم كلّكم سكوتا والله ربّى خلق البلهوتا
وقال الثعلبى أيضا: (٦) قال الرواة: لما خلق الله الأرض وفتقها بعث من تحت العرش ملكا فهبط إلى الأرض حتى دخل تحت الأرضين السبع فوضعها على عاتقه إحدى يديه بالمشرق والأخرى بالمغرب باسطتين قابضتين على الأرض السبع حتّى
_________________
(١) مأخوذ من مرآة الزمان ٨ ب،٣
(٢) الصحاح ٣/ ١٠٦٣ ب ||قارن قصص الأنبياء ٣؛ جامع البيان ٢٩/ ٩؛ الجامع لأحكام القرآن ١٨/ ٢٣٣؛ تفسير ابن كثير ٧/ ٧٦
(٣) القرآن الكريم ٦٨/ ١
(٤) قارن الجامع لأحكام القرآن ١٨/ ٢٣٤
(٥) اليقضان: اليقظان
(٦) قارن قصص الأنبياء ٣
[ ١ / ٨١ ]
ضبطها فلم يكن لقدمه موضع قرار، فأهبط الله تعالى من الفردوس ثورا وجعل قرار قدم الملك على سنامه فلم يستقرّ فأحدر الله تعالى ياقوتة حمراء من الفردوس غلظها مسيرة خمس مائة عام فوضعها على سنام الثور فاستقرّت عليها قدما الملك، (٧٢) وقرون ذلك الثور وهى أربعة آلاف قرن خارجة من أقطار الأرض ومنخراه فى البحر فهو يتنفّس كلّ يوم نفسا فإذا تنفّس مدّ البحر وإذا عاد نفسه جزر البحر قال: فلم يكن لقوائم ذلك الثور موضع قرار فخلق الله تعالى صخراء (١) خضراء كغلظ السموات والأرض فاستقرّت قوائم الثور عليها، وهى الصخرة التى قال لقمان لولده ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ»﴾ (٢) الآية، فلم يكن للصخرة مستقرّ فخلق الله تعالى نونا وهو الحوت العظيم، فوضع الصخرة على ظهره وسائر جسده خال، والحوت على البحر والبحر على متن الريح والريح على القدرة تقلّ الدنيا كلّها بما عليها، فسبحان من يقدر على هذه القدرة، قال لها الجبّار: كونى فكانت، تعالى الله ربّ العالمين، وقد روى أبو بكر الخطيب بمعناه عن ابن عبّاس ﵁.
وفى الحديث: وكانت الأرض تمور مورا فبعث الله تعالى جبرائيل ﵇ فعالجها فلم يقدر أن يمسكها، فقال: يا إلهى قد علمت أنّك لم تقدّر ذلك على يدى ولو بعثت بعوضة وقدّرتها لأمسكنها! قال: فأرسل الله ملكا من تحت ساق العرش فدخل تحت الأرض، وذكر الحديث، وفيه: وقرون ذلك الثور خارجة من أقطار الأرض وقد اشتبكت بأقطار السموات إلى العرش ومنخرى الثور فى ثقبين من تلك الصخرة فهو يتنفّس كلّ يوم نفسين فإذا تنفّس مدّ البحر وإذا ردّ نفسه زجرت (٣) البحار، وفيه: واسم الحوت بلهوت، فانتهى إبليس إلى
_________________
(١) صخراء: صخرة
(٢) القرآن الكريم ٣١/ ١٦
(٣) زجرت: جزرت، تحريف
[ ١ / ٨٢ ]
الحوت فقال: ما خلق الله خلقا أعظم منك فلم تحمل هذه الأثقال قال: فهمّ أن يلقى ما عليه فبعث الله ﷿ بقّة فدخلت فى عينه فشغلته عن ذلك.
قال: ثمّ أنبت الله تعالى جبل قاف من تلك الياقوتة الخضراء فأحاط بالدنيا ثم أنبت منه الجبال وشبك بعضها ببعض بعروقه (٧٣) كالشجر فإذا أراد الله تعالى أن يزلزل أرضا أوحى إلى قاف فحرّك ذلك العرق، وهو حديث طويل هذا ملخصه، وقد أخرجه الحافظ أبو نعيم، وابن عساكر فى كتابه المعروف بالزلازل.
وحكى الثعلبى (١) عن كعب الأحبار أنّ إبليس تغلغل إلى النور الذى على ظهر الأرض كلّها فوسوس إليه أتدرك ما على ظهرك باليوثا من الأمم والدوابّ والشجر والجبال وغيرها لو نفضّهم لاسترحت، فهمّ ليوثا أن يفعل ذلك فبعث الله إليه دابّة فدخلت فى منخريه ووصلت إلى دماغه فضجّ النور إلى الله منها فأذن لها فخرجت، قال كعب: فو الذى نفسى بيده إنّه لينظر إليها وتنظر إليه إن همّ بشئ من ذلك عادت إليه كما كانت فلا يزال كذلك إلى يوم القيامة.
تفسير: وقوله تعالى: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ»﴾ (٢)، وفى آية أخرى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ»﴾ (٣)، وقال:
﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا»﴾ (٤)، وفى آية أخرى: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ»﴾ (٥)، فقد كتموا فى هذه الآية وقال: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا»﴾، (٦) عزيزا حكيما، سميعا بصيرا، ونظير هذه الآيات فكأنّه كان ثم مضى، فقال ابن عبّاس ﵁: (٧)
أمّا قوله: ﴿فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ»﴾ (٨)، فهذا فى النفخة الأولى ينفخ فى الصور فيصعق من
_________________
(١) قارن قصص الأنبياء ٣
(٢) القرآن الكريم ٢٣/ ١٠١
(٣) القرآن الكريم ٥٢/ ٢٥
(٤) القرآن ٤/ ٤٢
(٥) القرآن الكريم ٦/ ٢٣
(٦) القرآن ٤/ ٩٦
(٧) القرآن ٢٣/ ١٠١
(٨) قارن الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ١٥١
[ ١ / ٨٣ ]
فى السموات ومن فى الأرض فحينئذ لا أنساب بينهم ولا يتساءلون، ثم ينفخ النفخة الأخيرة: وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون، وأمّا قوله: ﴿ما كُنّا مُشْرِكِينَ»﴾، ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا»﴾ فإنّ الله تعالى يغفر لأهل الإخلاص يوم القيامة ولا يغفر شركا، فقال المشركون: تعالوا نقول ما كنّا مشركين فيختم على أفواههم فتنطق أيديهم فعند ذلك عرف أنّ الله لا يكتم حديثا، وعنده يودّ الذين كفروا لو كانوا مؤمنين، وأمّا قوله تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا»﴾ وباقى الآيات، (١) فالتحقيق إن كان ترد بمعنى صار كقولك: كانت فراخا بيوضها يعنى صارت، وترد لما مضى من الزمان كقولهم: كان حليما يقرى الضيف، وجاءنى الذى كان عندك بالأمس. وهذان مجازان وترد بالحقيقة لمعنى استقرّ وثبت وحقّ وعليه تحمل الآيات الكريمة. وترد بمعنى حدث ووقع وتسمّى الناقصة لأنّها لا تحتاج إلى خبر لأنّها لا تتعرّض لشئ سوى دخول صورة الشئ فى الوجود، وهذا هو الفرق بين الناقصة وبين المستمرّة لأنّ الحقيقة الاستقرار والثبوت وما وجب له سجيّة (٢) لا يتغيّر.
فصل