(١) اختلفوا فيه على أقوال: أحدها: إنّها من الأستقصّات الأربع خلقها الله تعالى يوم خلق السموات والأرض كما خلق فى جميع الكائنات.
الثانى: إنّها بقيّة طوفان قوم نوح ﵇، وهذا ضعيف لوجهين:
الأوّل: أنّ قد كان من قبل الطوفان البحار فى المخلوقات الأرضيّة حسبما ذكرنا (١٤٩) الثانى: أنّه أجمع العلماء ﵃ على أنّ طوفان قوم نوح كان ماء أسود منتن وهذه البحار بخلاف ذلك، وزعم قوم أنّ الطوفان لم يصل الصين ولا الهند بزعم من زعم، وهذه البحار فأصولها من ثمّ، والبحر المحيط فليس فى وجوده شكّ ولا اختلف فيه اثنان.
والثالث: أنّ البحار من عرق الأرض لما ينالها من حرارة الشمس.
وفيه أيضا. (٢)
والرابع: أنّها من مياه الأرض فالملح ينحدر إلى الأماكن المنخفضة فينعقد غليظا كدرا وتختلط به الأجزاء الناريّة، فأمّا الأمياه (٣) العذبة فترفع فى أيّام الشتاء إلى الجوّ فيحدث منه المطر بإذن الله ﷿ فلا تزال العين قائمة دائما، وهذا قول علماء الهيئة، وسيأتى أيضا فى آخر جزء من هذا التأريخ من بيان ذلك فصلا ذكرناه فى موضعه اللائق به.
وأمّا ما ورد عن ابن عبّاس ﵁. فقد روى عكرمة عنه أنّه قال:
البحر المظلم من ورائه بحر آخر يقال له الباكى، ماؤه عذب، وإنّما سمّى الباكى لأنّه يبكى من خشية الله ﷿ وليس بعده شئ، وقال علماء الهيئة: وهذه
_________________
(١) مأخوذ من مرآة الزمان ٢٦ ب، -١٣
(٢) وفيه أيضا: ناقص من مرآة الزمان، تحريف
(٣) الأمياه: المياه
[ ١ / ١٧٠ ]
البحار كلّها داخلة فى الفلك لأنّه محيط بالأرض كلّها.
وقال علماء الهيئة أيضا: ثم إنّ هذه البحار تنتقل بعضها على بعض وتنتقل من مكان إلى مكان على مرّ السنين والدهور فيصير موضع البحر برّا وموضع البرّ بحرا، قالوا: وعلّة ذلك جريان الماء فإنّ لموضع جريانه شبابا ولموضع انتقاله هرما وحياة وموتا ونشأة كما تكون فى الحيوان والنبات، واستشهدوا بقول أبى العلاء المعرّى (من الربع):
أجبلت الأبحر فى عصرنا وعن قليل تبحر الأجبل
وسيأتى أيضا من بيان ذلك فى المكان الذى قدمنا ذكره إن شاء الله تعالى.
(١٥٠) قال ابن الجوزى: وقد شاهدنا ذلك عيانا فى الأنهار العظام كالنيل والفرات ودجلة والنجف بالكوفة، فإنّه كان بحرا تأتى فيه السفن من الهند وغيرها فاستحال الماء إلى موضع آخر، قال: وكذا ببغداد فى دجلة الغور فإنّها استحالت فراسخ وأخربت قرى كثيرة وهى اليوم قد استحالت أيضا.
قلت: وكذلك جرى بنيل مصر فى أماكن كثيرة بسواحله، أكل البحر عدّة ضياع وغمر غيرها، وانتقل من ذلك الجانب الغربى إلى الجانب الشرقى، والذى شاهدته أنّ كان لنا ملكا بمكان يسمّى خور ابن الصعبى وكان بينه وبين البحر نيف وخمسين دارا فأكل البحر الجميع مع عدّة بساتين وصاروا الجميع فى البرّ الغربى برّا متّصلا. وأمّا المالح بالديار المصريّة فإنّه غلب على إقليم يسمّى تنّيس كان من أكبر أقاليم الديار المصريّة، يقال: إنّ كانت عدّة قراه أربع مائة قرية وكانت مدينتها تنّيس تضاهى الإسكندريّة، وكان يضرب بحسن صناعة ما يعمل فيها من القماش المثل، فيقال كأنّه من دقّ تنّيس، فغلب عليها المالح من جهة نواحى الإسكندريّة، وهى اليوم بحيرة عظيمة يصاد منها السمك الذى
[ ١ / ١٧١ ]
يسمّى البورى بالديار المصريّة ويحفظ من الأموال جمل كبيرة وهو فى هذا العصر جاريا فى الخاصّ الشريف السلطانى.