وكان ظنين قد خصّ بنطق اللسان، وعلّمه الرحمن علم البيان، وخلق ملهوما عالم، من غير امتزاج بالعالم، فخرج يوما من جحره، يميس إعجابا فى
[ ١ / ٢٨٠ ]
كبره، ظانّا أنّ ليس له شبيه فى عصره، وأنّ لا سبيل إلى نفاذ عمره، فحدّق إلى تلك الحدائق بالأحداق، وكان من أدقّاء الحذّاق، والوقت وقت الخليع، كونه زمان الربيع، والنور فى كلّ يوم يزيد ويهيج، والأرض قد أنبقت من كلّ زوج بهيج، وحدائق النرجس قد حدقت بأحداقها لمّا رأت عرائس السرو وقد شمّرت عن ساقها، ورنت إلى الأقحوان، لمّا أراد لثم شقائق النعمان، فقال ما ألذّ أوقاتى، فهذا الوقت الذى قال فيه ابن الساعاتى (من الكامل): (١)
ما الجوّ إلاّ عنبر والدّوح إلاّ جوهر والروض إلاّ سندس
سفرت شقائقها فهمّ الأقحوا ن بلثمها فرنا إليه النرجس
فكأنّ ذا خدّ وذا ثغر (٣) يحاوله وذا أبدا عيون تحرس
وليس فى قوله متهم بل برئ ابن (٤) الصنوبرى (من الكامل): (٢)
ياريم قومى الآن ويحك وانظرى ما للرياض (٥) قد أظهرت إعجابها
كانت محاسن وجهها محجوبة فالآن قد كشف الربيع حجابها
ورد بدا يحكى الخدود ونرجس يحكى العيون إذا رأت أحبابها
والسرو تحسبه العيون غوانيا قد شمرت عن سوقها أثوابها
(٢٥٤) لو كنت أملك للرياض صيانة يوما لما وطئ اللثام ترابها
ثم نظر إلى الورد وحقّق، فإذا هو بين مفتق ومحقّق، ومذهّب ومعقّق، كأحقاف ياقوت أحمر، فكعبة بزبرجد أخضر، قد ضمّت على شذور من التبر الأصفر، قد عطر بشداه الأكوان، وجمع من الحسن اللوان، (٦) فبين أحمر قانى،
_________________
(١) ديوان ابن لساعاتى ٢/ ١٦٤،٤؛ جوهر الكبر
(٢) ديوان لصنوبرى ٤٥٤،٦، رقم ١٣
(٣) فكأن-ثغر: فكأن ذا ثغر وذا حد الديوان
(٤) ابن: غلط ابن الدوادارى
(٥) للرياض: للربى الديوان
(٦) اللوان: ألوان
[ ١ / ٢٨١ ]
كحدود القيانى، أو كخمر القناتى، ومضاعف قيان، كوجنات الفتيان، المضرّجة بالاحمرار، أو كشعلة من نار، وأبيض يقق، قد كلّل الطلّ منه الورق، كواضح غيداء كلّله العرق، عند ما مازحها عاشقها، من بعد ما عانقها، فرشح جبينها اليقق خجل، حتى عاد يضرب به المثل، فصاح العاشق: يا لقومى! هذا والله كقول ابن الرومى (من البسيط): (١)
قالت وفى كفّها ورد تجمّشنى يا حسن حمرته سقيا لجانيه
فقلت خدّك لو أبصرت حمرته أدقّ والله عندى من معانيه
الورد يقطف فى إبّان زهرته وورد خدّك لا ينفكّ أجنيه
ولابن المعتزّ فى تشبيه وردة مفردة (من الطويل): (٢)
سقانى وحيّانى حبيبى بوردة على نغمة منه وحسن سماع
فجاءت تحاكى وجنة ذهبيّة وقدّ تقطعت من فوقها (٥) باعى
ولابن الحجّاج فى معشوق مليح القوام ممشوق: (من السريع): (٣)
جنى من البستان لى وردة أحسن من إنجازه وعدى
قال والوردة فى كفّه مع قدح أذكى (٦) من الندّ
هنيئا لك يا عاشقى ربقى من كفّى على خدّى
ومن التشبيه فيه (من البسيط): (٤)
أما ترى شجرات الورد طالعة منها بدائع قد ركبن فى قضب
كأنّهنّ يواقيت يطيف بها زبرجد وسطه شذر من الذهب
_________________
(١) الشعر ناقص فى ديوان ابن الرومى
(٢) الشعر ناقص فى ديوان ابن المعتز
(٣) حلبة ٢٣٩، -٧
(٤) ديوان على بن جهم ١١١، -٢، رقم ١٣؛ حليه ٢٣٨،٨ (منسوب إلى محمد بن عبد الله بن ظاهر)؛ نهاية الأرب ١١/ ١٨٩،١٠ (منسوب إلى محمد بن عبد الله ابن طاهر وعلى بن جهم)؛ ديوان المعانى ٢/ ٢٣؛ معاهد التنصيص ١/ ١٧١؛ زهر الآداب ٥٢٤، -٤؛ شرح المقامات الحريرية ١/ ١٥١،١٥؛ ألف ليلة ٢/ ٤١٠، -١٢
(٥) فوقها-باعى: كذا
(٦) مع قدح أذكى: بكفه أزكى حلبة
[ ١ / ٢٨٢ ]
(٢٥٥) ونظيره لابن وزير الجزيرة (من الرمل):
إن أتاك الورد لا تع تبه فى طول المغيب
فقد (٤) كفاه خجلا فى
خدّه الغضّ الخضيب
لا تقابله بغير الراح أو وجه الحبيب
واطرد النرجس عنه إذ حكا لحظ الرقيب
ولأبى عامر فى الورد الباكر (من المتقارب): (١)
أتتك أبا عامر وردة يحاكى لك الطيب أنفاسها
كعذراء أبصرها مبصر فغطّت بأكمامها رأسها
ومن محاسن التشبيه فيه (من المنسرح): (٢)
ووردة فى بنان معطار جيابها فى ضمير (٥) أسرارى
كأنّها وجنة الحبيب وقد نقطها عاشق بدينار
ومن القول العلى للسقلى (من السريع): (٣)
كأنّما الورد الذى نشره يعبق من طيب معاليكا
دماء أعدائك مسفوكة قد قابلت بيض أياديكا
_________________
(١) حلبة:٢٤٠،١١ (منسوب إلى أبى العلاء صاعد بن الحسن البغدادى)؛ نهاية الأرب ١١/ ١٨٩،؛ مطالع البدور ١/ ٩٥،٩ (دون نسبة)؛ غرائب التنبيهات ٨٣،٢ (منسوب إلى صاعد اللغوى الأندلسى)؛ ألف ليلة ٢،٤١٠،١٩ (دون نسبة)
(٢) حلبة ٤٢،٥ (منسوب إلى أبى طاهر الرفا)؛ نهاية الأرب ١١/ ١٩٠، -٥ (منسوب إلى أبى طالب الرقى)؛ ديوان ابن المعتز ٢/ ٢٨٩، رقم ١٣٩؛ غرائب التنبيهات ٨٢،٩؛ يتيمة الدهر ١/ ٢٩٩
(٣) حلبة:٢٤١/-١٠ (منسوب إلى أمية بن أبى صلط الدانى لكن لا يوجد فى الديوان)
(٤) فقد: كذا
(٥) فى ضمير: فى خفى ديوان ابن المعتز، غرائب التنبيهات، يتيمة الدهر
[ ١ / ٢٨٣ ]
وقول ابن بسّام الذى بغيره لا نسام (من البسيط): (١)
أما ترى الورد يدعو للورود على حمراء صافية فى لونها صهب
مداهن من يواقيت مركبة على الزبرجد فى أجوافها ذهب
خاف الملال إذا طالت إقامته فصار يظهر أحيانا ويحتجب
وممّا فيه ذكر الورد من هذا السرد لابن سكّرة (من المنسرح): (٢)
فى وجنة إنسانة كلفت بها أربعة ما اجتمعن فى أحد
الخدّ ورد والصدغ غالية والريق خمر والثغر من برد
وفى الورد الأحمر والأبيض لابن الرومى (من البسيط): (٣)
أهدت (٥) إلىّ يد نفسى الفداء لها
الورد نوعين مجموعين فى طبق
كأنّ أبيضه (٦) فى وسط أحمره
كواكب طلعت فى حمرة الشفق
(٢٥٦) ولابن المعتزّ فى المعنى لمن يتمعنى (من الخفيف): (٤)
أطلع الحسن من جبينك شمسا فوق ورد بوجنتيك أطلاّ
وكأن العذار خاف على الور د جفافا فمد عليه بالشعر ظلا
_________________
(١) حلبة ٢٣٨/ ٤ (دون نسبة)؛ نهاية الأرب ١١/ ١٨٩، -٢ (منسوب إلى ابن طاهر وابن بسام)؛ شرح المقامات الحريرية ١/ ١٥١، -٥١؛ ديوان المعانى ٢/ ٢٣ (٣ فقط)؛ محاضرات الأدباء ٤/ ٥٨٥ (منسوب إلى ديك الجن،٤ فقط)؛ ديوان ديك الجن ١٥٢، رقم ٩؛ نظم Basime Forgeron ٨٩،٥١:٣،١٥٣ /٤
(٢) تأريخ بغداد ٥/ ٤٦٦؛ من غاب ٨٢؛ خاص الخاص ١٦٧،٦؛ إنجاز ٨٢،١٥
(٣) ديوان ابن المعتز ٢/ ٦٢٣، -٢ رقم ١٠٩٣، حلبة ٢٤١، -٧
(٤) طراز المجالس ١١٦ (منسوب إلى طاهر الحداد أو معز الدولة)
(٥) أهدت-الفداء: أهدت إلى التى نفسى أعداء الديوان
(٦) فى وسط-طلعت: من فوق أحمره كواكب أشرقت الديوان
[ ١ / ٢٨٤ ]
ومن هجو ابن الرومى فيه فى التشبيه (من البسيط): (١)
يا مادح الورد ما ينفكّ من غلطه أما (٥) تأملته فى كفّ ملتقطه
كأنّه سرم بغل (٦) حين أبرزه
إلى الخراءة باقى الروث فى وسطه
وقوله (من الكامل): (٢)
خجلت خدود الورد من تفضيله خجلا تورّدها عليها (٧) شاهد
لم يخجل الورد المضاعف (٨) لونه
إلا وناحله الفضيلة عائد
أوّلها يقول: (٣)
للنرجس الفضل للبين وإن أبى آب وحاد عن الطريقة حايد
أين الخدود (٩) من العيون نفاسة
ورياسة لولا القياس الفاسد
إنّ الكواكب وهى التى ربّتهما بحيا السماء كما يربّى الوالد
فانظر إلى الولدين (١٠) من أدناهما
شبها بوالده فذاك الماجد
فقال أبو الحسن المصرى فى الردّ عليه (من الكامل): (٤)
يا من تشبّه نرجسا بنواظر دعج تنبّه إنّ ذهنك فاسد
إن القياس لمن يصحّ قياسه بين العيون وبينه متباعد
او قلت إنّ كواكبا ربتهما بحيا السحاب كما يربى الوالد
_________________
(١) ديوان ابن الرومى ٤/ ١٤٥٢، -٣، رقم ١١٠٧،٢ - ٣
(٢) ديوان ابن الرومى ٢/ ٦٤٣،٣، رقم ٤٧٠،١ - ٢.
(٣) ديوان ابن الرومى ٢/ ٦٤٣،٣ رقم ٤٧٠،٦،١٤،١٢،١٣
(٤) سمط اللآلى،٥٩٤، -١١ (منسوب إلى أحمد بن يونس الكاتب)؛ زهر الآداب ٥٢٣، -١٠؛ مطالع البدور ١/ ١٠١، -٣؛ عنوان المرقصات ٧٣؛ حلبة ٢٣٤
(٥) أما-فى: ألست تبصرة فى الديوان
(٦) حين-الخراءة: حين يخرجه عند الرياث الديوان
(٧) عليها: عليه الديوان
(٨) المضاعف: المورد الديوان ||عائد: عاند الديوان
(٩) أين الخدود من العيون: أين العيون من الخدود الديوان
(١٠) فانظر إلى الولدين: فتأمل الاثنين الديوان
[ ١ / ٢٨٥ ]
فانظر إلى المصفرّ لونا منهما وافطن فما يصفرّ إلاّ الحاسد
وقوله ينتصر للورد ويقصد الردّ (من الرمل):
أصبح الورد أميرا وله النرجس عبد
جالس هذا وهذا قائم يقلق وجد
وكذا كلّ أمير هو فى الإمرة فرد
وقول حمّاد بن بكر فى الورد (من الكامل): (١)
الورد أحسن (٢) منظرا
فتمتّعوا باللحظ منه
فإذا انقضت أيّامه أتت الخدود تنوب عنه
وقول الطوسى (من المجتثّ):
الورد عندى أحسن من جوهر الياقوت
فذاك لا عرف فيه وذا كمسك فتيت
وممّا يلتحق بذكر الورد من رقّة الشعر (من المنسرح):
يا قبلة نلتها على دهش من ذى دلال مهفهف غنج
قد حيّر الحسف غنج مقلته والورد توريد خدّه الضرج
إذا انثنى (٣) أو قام معتدلا
قال له الغصن أنت فى حرج
قد قسم الحسن مقلتيك بالفسم بين الفتور والدعج
قل لهما يرفقا بقلب فتّى طويت أحشاؤه على وهج
وممّا فيه ذكر الورد (من الوافر):
سقانى ثم نقّلنى بلثم على عجل وحيّانى بورد
_________________
(١) نهاية الأرب ١١/ ١٩٠،٧
(٢) أحسن-باللحظ: أحسن منظر تستمتع الألحاظ نهاية الأرب
(٣) انثنى: كذا
[ ١ / ٢٨٦ ]
وشمّر ساعدا فيه رسوم بقلبى مثلها من حرّ وجد
فكان كفضّة سبكت عمودا عليها أسطر اللازورد
أوّله:
وضبى (٣) زارنى من غير وعد
نعمت بوصله بأتمّ سعد