(٥) قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ»﴾ (٦)، ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماااتِ وَالْأَرْضَ»﴾ (٧)، وسيأتى تفسير ذلك، قال الجوهرى: (٨) الكرسى واحد الكراسى المعروفة.
_________________
(١) صحيح البخارى ٢/ ٢١٨، بدؤ الخلق، باب ٨
(٢) القرآن الكريم ٥٦/ ٣٠||قارن الجامع لأحكام القرآن ١٧/ ٩٤
(٣) القرآن الكريم ١٣/ ٢٩||طوبا: طوبى
(٤) قارن الجامع لأحكام القرآن ٩/ ٣١٧
(٥) مأخوذ من مرآة الزمان ٥٣ آ، -١١
(٦) القرآن الكريم ٩/ ١٢٩
(٧) القرآن الكريم ٢/ ٢٥٥
(٨) الصحاح ٢/ ٩٦٧ آ
[ ١ / ٦٣ ]
واختلفوا فيه على أقوال: (١) أحدها: إنّه الكرسى وقد قسّر ابن عبّاس قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماااتِ وَالْأَرْضَ»﴾ (٢) بهذا، قال: ومعنى ﴿وَسِعَ»﴾ (٣) أى ملأهما وأحاط بهما. والثانى: أنّ الكرسى علم الله، ومنه قيل للصحيفة (٤) العلم كرّاسة، ويقال للعطاء: الكراسى، قاله الضحاك، وروى ابن عبّاس أيضا كذلك والثالث: قدرة الله تعالى وسلطانه وملكه، والعرب تسمّى الملك القديم كرسيّا، قاله مقاتل. والرابع: سرّه، قاله الحسن. والخامس: أهله، قال: ومعناه: وسع عباده أهل السموات والأرض، قاله الطبرى. (٥) والسادس: أنّ الكرسى هو العرش، قاله الحسن. والسابع: أنّه ملك عظيم أضافه إلى نفسه تخصيصا لينبّه به على عظمته وقدرته، قاله مقاتل بن حيّان، ومعناه أنّ خلقا من خلقى يملأ السموات والأرض فكيف تقدر قدرتى وينال عظمتى.
قلت: (٦) والأصحّ: أنّه الكرسى بعينه، وباقى الأقوال مجاز وعدول عن الحقيقة، لأنّ الأخبار والآثار دالّة عليه.
وعن أبى ذرّ قال، قلت: يا رسول الله (٥٨) أيّما أنزل الله عليك أعظم؟ فقال: آية الكرسى، ثم قال رسول الله: يا أبا ذرّ! ما السموات السبع فى الكرسى إلاّ كحلقة ملقاة فى أرض فلاة. وفضل العرش على الكرسى كفضل الفلاة على الحلقة.
وروى عن علىّ ﵇ قال: الكرسى من لؤلؤة مضاء وهو فوق السماء السابعة بمسيرة خمس مائة عام وطول كلّ قائمة منه مثل السماوات السبع وهو بين يدى العرش، وتحمل الكرسى أربعة أملاك أقدامهم على الصخرة التى تحت الأرض السابعة.
_________________
(١) قارن جامع البيان ٣/ ٧ - ٨؛ الجامع لأحكام القرآن ٣/ ٢٧٦ - ٢٧٨
(٢) القرآن الكريم ٢/ ٢٥٥
(٣) القرآن الكريم ٢/ ٢٥٥
(٤) للصحيفة: لصحيفة
(٥) قارن جامع البيان ٣/ ٧ - ٨
(٦) المعجم المفهرس ١/ ١٣٨؛ مسند أحمد بن حنبل ٥/ ١٤٢؛ صحيح مسلم ٢/ ١٩٩، كتاب المسافرين، باب فضل سورة الكهف وآية الكرسى
[ ١ / ٦٤ ]
وأمّا ما ذكروه من معنى العلم والقدرة ونحو ذلك، فالعرب لا تعرف الكرسى بمعنى العلم والقدرة والملك والأهل وما استشهدوا به فساد لا يعبأ به ولا يعرج عليه.
وأمّا العرش، فقال الجوهرى: (١) سرير الملك يسمّى عرشا، قال: وجمعه عروشا. وقال الحسن البصرى: العرش هو الكرسى بعينه، وليس كما ذكر لأنّ الله تعالى فرق بينهما فقال: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماااتِ وَالْأَرْضَ»﴾ (٢)، ثم قال:
﴿ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ»﴾، (٣) وذكر العرش فى عدّة مواضع، وروى مجاهد عن ابن عبّاس أنّه قال: العرش بعد الكرسى. والعرش من ياقوته حمراء، وتحته بحر ينزل منه أرزاق الحيوانات يوحى الله إليه فيقطر ما شاء، ثم يقسم بين الخلائق.
وبين حملة العرش وحملة الكرسى سبعون حجابا من نور غلظ كلّ حجاب مسيرة خمس مائة سنة ولولا ذلك لاحترق حملة الكرسى من نور العرش.
وروى أبو صالح عن ابن عبّاس قال: العرش ثلاثمائة وستّون ألف برج، فى كلّ برج ثلاثمائة ألف صفّ من الملائكة لا يعلم عددهم إلاّ الله تعالى، يسبّح كلّ واحد منهم بلسان لا يعرفه الآخر.
وروى عن الحسن أنّه قال: العرش بمعنى الملك، قلت: والعجب من هذا مع فضيلة الحسن أنّه قال: والعرش بمعنى الملك، وقد قال الله تعالى: ﴿وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ»﴾ (٤) فكيف يكون بمعنى الملك، وإنّما لعلّه نظر إلى قول زهير
_________________
(١) الصحاح ٣/ ١٠٠٩ ب
(٢) القرآن الكريم ٢/ ٢٥٥
(٣) القرآن الكريم ٧/ ٥٤؛ قارن تفسير مجاهد ١/ ٢٣٨
(٤) القرآن الكريم ١١/ ٧
[ ١ / ٦٥ ]
(من الطويل):
(٥٩) -تداركتما عبسا وقد ثلّ عرشها وذبيان إذ زلّت بأقدامها النعل
(١) فتوهّم ﵀ ذلك، وقد فسّر الجوهرى (٢) بيت زهير فقال: معناه وها أمره وذهب عزّه، قال ابن الجوزى: فإن قيل: ما الحكمة فى خلق العرش والله أعظم من كلّ شئ؟ فالجواب من وجوه، أحدها أنّه موضع خدمة الملائكة فهم حافّون به إلى يوم القيامة كما قال تعالى، الثانى: لأنّ الله تعالى جعله قبلة من نور. والثالث: من الماء. والرابع: من الرحمة.
وأعطاهم قوّة جميع الخلائق وأمرهم بحمل العرش فحملوه فلم يطيقوا فقال لهم الله ﷿: قولوا سبحان الله فقالوها فرفعوا بعضه حتى بلغ إلى ركبهم وضعفوا، فقال الله تعالى: قولوا الحمد لله فقالوها، فرفعوه إلى أوساطهم ووقفوا، فقال لهم ﷿: قولوا لا إله إلا الله فقالوها فحملوه على أكتافهم ووقفوا، فقال لهم:
قولوا الله أكبر فقالوها فرفعوه على رؤسهم (٣) فرؤسهم ناشبة فيه وأقدامهم على الأرض السفلى.
وعن <أبى> رزين العقيلى قال، قلت: يا رسول الله أين كان ربّنا قبل أن يخلق خلقه؟ فقال: كان فى غمام تحته هواء ثم خلق عرشه على الماء، وحكى أبو جعفر الطبرى ﵀ فى تأريخه (٤) عن ابن عبّاس أنّ أوّل ما خلق الله العرش فاستوى عليه، وروى أيضا عن ابن عبّاس أنّ أوّل ما خلق الله العرش فاستوى عليه، وروى أيضا عن ابن عبّاس أنّه قال: أوّل ما خلق الله الماء قبل العرش ثم وضع العرش عليه.
_________________
(١) شعر زهير ٤٠، البيت رقم ٣٠
(٢) الصحاح ٣/ ١٠١٠ آ
(٣) رؤسهم: رؤوسهم.
(٤) تأريخ الطبرى ١/ ٣٥ - ٣٩
[ ١ / ٦٦ ]
وذكر أيضا عن وهب بن منبّه قال: كان العرش قبل أن يخلق الله السموات والأرض على الماء فلمّا أراد الله أن يخلق السموات والأرض قبض من صفاء الماء قبضة ثم فتح القبضة فارتفعت دخانا فخلق منه السماوات، وقال الطبرى أيضا ﵀: وأولى القولين عندى بالصواب قول من قال إنّ الله خلق الماء قبل العرش لصحّة الحديث الذى رواه ابن رزين العقيلى. (١) وذكر الطبرى (٦٠) أيضا بالإسناد إلى وهب بن منبّه وذكر من عظمة الله فقال أنّ السموات والأرض والبحار لفى الهيكل وأنّ الهيكل لفى الكرسى وأنّ قدميه ﷿ لعلى الكرسى وهو يحمل الكرسى وقد عاد الكرسى كالنعل فى قدميه.
قال ابن الجوزى ﵀: ما كان أغنى الطبرى عن رواية مثل هذا جعل لله نعلا! تعالى عن ذلك علوّا كبيرا.
وقال أيضا ابن الجوزى ﵀ فى تأريخه مرآة الزمان: والعجب من الخطيب فإنّه روى عن ابن عبّاس عن النبىّ ﷺ: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماااتِ وَالْأَرْضَ»﴾، قال: هو موضع قدميه، وهذا تخليط كبير من الرواة، والحديث موقوف على ابن عبّاس وكان مراده يفسّر معنى الكرسىّ الذى تجلس عليه الملوك ليخرجه من معنى العلم الذى نسب إليه، قلت: هذا قول الشيخ جمال الدين أبو الفرج ابن الجوزى ومعارضاته ﵀ ولعلّه لعمرى أخذ واعترض مكان الاعتراض.
_________________
(١) ابن: أبى
[ ١ / ٦٧ ]
فصل