هذه الأمة "التترية" خرجوا من أراضيهم بادية الصين وراء بلاد تركستان١، وأصولهم تركية، بل هم من أكثر الترك عددا٢.
وأول ملوكهم "جنكز خان"، وهو سلطانهم الأول، وليس للتتر، ذكر قبله، إنما كانت طوائف المغول بادية بأراضي الصين فقدموه عليهم.. وأول مظهره كان في سنة تسع وتسعين وخمسمائة، هكذا ذكر الذهبي٣.
أما ابن الأثير فهو وإن لم يذكر التتر إلا في سنة ٦٠٤هـ، فقد تحدث عن التتر الأولى وملكهم "كشكي خان"، وأن هؤلاء خرجوا من بلادهم حدود الصين قديما ونزلوا بلاد تركستان، وكان بينهم وبين الخطا عداوة وحروب٤.
وتحدث عن التتر الآخرة وملكهم "جنكز خان" النهرجي، وأنهم خرجوا على التتر الأولى فانشغلوا بهم عن غيرهم٥.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء ٢٢/٢٢٥. ٢ الكامل لابن الأثير ١٢/٣٥٩. ٣ سير أعلام النبلاء ٢٢/٢٤٣ – وذكر في موضع آخر أن أول ظهور التتر كان سنة ٦٠٦هـ، السير ٢٢/٢٢٥ ٤ انظر: الكامل ١٢/٢٦٩، ٢٧٠، ٢٧١، وسيأتي تفصيل شيء من ذلك. ٥ المصدر السابق ١٢/٢٧١.
[ ١٤ ]
ولم يغفل ذلك الذهبي بل نقل في أحداث سنة ٦٠٦هـ محاربة ملوكهم للخطا، وأن رأسهم يدعى "كشلوخان" حتى خرج عليه "جنكز خان" فتحاربوا مدة وظفر جنكز خان وانفرد ودانت له قبائل المغول١.
فهل ذلك نوع من التضارب في منقولات الذهبي، أم أنه أراد بخروجهم على يد جنكيز خان أنه بداية سماع المسلمين بهم، أو قصد أنه أول ملوك التتر الأقوياء الذين كان لهم أثر في تاريخهم وتنظيم حياتهم، لا سيما وقد ذكر الذهبي أن "جنكيز خان" هو أول من وضع لهم "ياسة" – أي شريعة- يتمسكون بها٢.
قصد التتر العالم من حولهم ووقعت لهم مصافات وحروب، تفوقوا على غيرهم في الغالب منها، وكانوا يُرهبون عدوهم لشدتهم وشجاعتهم وكثرتهم، وقد جود الموفق البغدادي وصفهم – كما قال الذهبي- حين قال: "حديثهم حديث يأكل الأحاديث، وخبر ينسي التواريخ، ونازلة تطبق الأرض"؛ هذه الأمة لغتها مشوبة بلغة الهند لمجاورتهم، عراض الوجوه، واسعو الصدور، خفاف الأعجاز، صغار الأطراف، إلى أن يقول: وهذه القبيلة الخبيثة تعرف بالتمرجي سكان
_________________
(١) ١ السير ٢٢/٢٢٥، ٢٢٦، ٢٢٧. ٢ السير: ٢٢/٢٢٨.
[ ١٥ ]
براري قاطع الصين ومشتاهم بأرغون١.
أما عن عقيدة التتر وعوائدهم فيقول عنها ابن الأثير: "وأما ديانتهم فإنهم يسجدون للشمس عند طلوعها، ولا يحرمون شيئا؛ فإنهم يأكلون جميع الدواب حتى الكلاب والخنازير وغيرها، ولا يعرفون نكاحا بل المرأة يأتيها غير واحد من الرجال، فإذا جاء الولد لا يعرف أباه"٢.
ويرى ابن تيمية أن التتر خارجون عن الإسلام بمنزلة مانعي الزكاة وبمنزلة الخوارج الذين قاتلهم علي رضي الله عنه٣.
وهو لا ينفي وجود من ينتسب إلى الإسلام من عسكرهم، ويثبت كذلك أن عندهم من الإسلام بعضه، ويفصل القول في معتقدهم وعوائدهم وقربهم أو بعدهم من الإسلام فيقول: "هؤلاء القوم عسكرهم مشتمل على قوم كفار من النصارى والمشركين وعلى قوم منتسبين إلى الإسلام – وهو جمهور العسكر- ينطقون بالشهادتين إذا طلبت منهم، ويعظمون الرسول، وليس فيهم من يصلي إلا قليل جدا، وصوم رمضان أكثر فيهم من الصلاة، والمسلم عندهم أعظم من
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء ٢٢/٢٢٧. ٢ الكامل ١٢/٣٦٠. ٣ الفتاوى ٢٨/٥٠٣، ٥٠٤.
[ ١٦ ]
غيره.. وعندهم من الإسلام بعضه، وهم متفاوتون فيه لكن الذي عليه عامتهم والذي يقاتلون عليه متضمن لترك كثير من شرائع الإسلام أو أكثرها؛ فإنهم أولا يوجبون الإسلام ولا يقاتلون من تركه، بل من قاتل على دولة المغول عظموه وتركوه، وإن كان كافرا عدوا لله ورسوله، وكل من خرج على دولتهم استحلوا قتله وإن كان من خيرا المسلمين.. ولا ينهون أحدا من عسكرهم أن يعبد ما شاء من شمس أو قمر أو غير ذلك وعامتهم لا يلتزمون أداء الواجبات لا من الصلاة ولا من الزكاة ولا من الحج ولا غير ذلك، ولا يلتزمون الحكم بينهم بحكم الله بل يحكمون بأوضاع لهم توافق الإسلام تارة وتخالفه أخرى "١.
_________________
(١) ١ انظر: الفتاوى ٢٨/٥٠٤، ٥٠٥، ولمزيد التفصيل في الموضوع يمكن الرجوع لما كتبه د. سعد الغامدي في كتابه: المغول بيئتهم الطبيعية وحياتهم الإجتماعية والدينية من ص ١٢١ – ١٥٨.
[ ١٧ ]