البدر لؤلؤ صاحب الموصل١ والملقب بالملك الرحيم، ملك الموصل نحوا من خمسين سنة، وهو الذي أزال الدولة الأتابكية عن الموصل – وهم أسياده – وكان فيه نزعة تشيع إذ كان يبعث في كل سنة إلى "مشهد علي" قنديلا ذهبا زنته ألف دينار، قال ابن كثير: وهذا دليل على قلة عقله وتشيعه٢.
أما أصله فكان أرمنيا حتى نقل عنه الذهبي أنه كان يحتفل لعيد الشعانين لبقايا فيه من شعار أهله، وكان يمد سماطا عظيما للغاية ويحضر المغاني وتدار في غضون ذلك أواني الخمور، ويتخاطف الناس ما ينثره من الذهب في ذلك اليوم، فمقت لإحياء شعار النصارى وقيل فيه:
يعظم أعياد النصارى محبة ويزعم أن الله عيسى ابن مريم
إذا نبهته نخوة أرْيحيّة إلى المجد قالت أرمنيته: نم٣
أما عن مساهمته في دخول التتر بلاد المسلمين، فقد ذكر الحافظ
_________________
(١) ١ هو السلطان بدر الدين أبو الفضائل لؤلؤ الأرمني النوري الأتابكي مملوك السلطان نور الدين أرسلان شاه ت٦٥٧هـ. سير أعلام النبلاء ٢٣/٣٥٦و٣٥٧. ٢ البداية والنهاية ١٣/٢٠٣. ٣ سير أعلام النبلاء ٢٣/٣٥٧، وانظر في أرمنيته: البداية والنهاية ١٣/٢٠٣.
[ ٥١ ]
ابن كثير أن جنود التتر حين نازلت بغداد سنة ست وخمسين وستمائة جاءت إليهم أمداد صاحب الموصل – يساعدونهم على البغاددة – وميرته وهداياه وتحفه؛ وكل ذلك خوفا على نفسه من التتار ومصانعة لهم١.
وقال الذهبي عنه: وكان يصانع التتار وملوك الإسلام٢.
بل نقل بعض المؤرخين أن "صاحب الموصل" كان من بين المحرضين لهولاكو على قتل الخليفة العباسي.٣ وحين انفصل هولاكو خان عن بغداد – بعد الوقعة الفظيعة العظيمة – سار الملك الرحيم إلى خدمته طاعة له ومعه الهدايا والتحف، فأكرمه واحترمه ورجع من عنده فمكث بالموصل أياما يسيرة، ثم مات٤.
ونقل الذهبي أنه قلد هولاكو جوهرة يتيمة قدمها هدية له وطلب أن يضعها في أذن هولاكو فأتكأ ففرك أذنه وأدخل الحلقة في أذنه،
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ١٣/١٩٠. ٢ سير أعلام النبلاء: ٢٣/٣٥٦. نقل الذهبي أن لؤلؤ كاتب الخليفة العباسي المستعصم سِرًّا حين قصد هولاكو بغداد ينصحه فما أفاد وقضي الأمر سير أعلام النبلاء ٢٣/١٨١. ٣ الجوزجاني: طبقات ناصري ص٤٣٠ نقلا عن د. الصياد: المغول في التاريخ ص٢٦٩. ٤ البداية والنهاية ١٣/٢٠٣.
[ ٥٢ ]
وأن الملك الرحيم عاد إلى بلاده الموصل متوليا من قبل هولاكو، وقرر عليه مالًا يحمله١.
بل زاد مستوى العلاقة بين الملك الرحيم وأسرته وبين التتر حتى بلغ المصاهرة فقد تزوج ولده الملك الصالح إسماعيل ابنة هولاكوا، لكن ذلك لم يدم طويلا إذ أغضب الصالح إسماعيل ابنة هولاكو وأغارها، فنازلت التتر الموصل واستمر الحصار عشرة أشهر ثم أخذت، وخرج إليهم الصالح بالأمان فغدروا به واستباحوا الموصل٢.
وتلك عاقبة المواطأة مع الكفار، ونتيجة معجلة لممالأة الفجار، ممن لا يرقبون في المسلمين إلًاّ ولا ذمة، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء: ٢٣/٣٥٧. ٢ سير أعلام النبلاء ٢٣/٣٥٧.
[ ٥٣ ]