هو محمد بين محمد بن الحسن نصير الدين الطوسي، أبو عبد الله، أو أبو جعفر، أحد الفلاسفة والمنجمين، ولد بطوس – قرب نيسابور – سنة سبع وتسعين وخمس مائة، ووفاته ببغداد سنة اثنين وسبعين وست مائة١. كان له اهتمام بالعلوم العقلية، وكان رأسا في علوم الأوائل، وله اهتمام بالفلسفة، وقد عدد الزركلي طائفة غير قليلة من كتبه٢.
أما عقيدته، فكان فاسد المعتقد، حكم عليه بعض العلماء بالإلحاد ونسبوا إليه عبادة الأصنام، ورام تغيير القرآن والصلاة فلم يقدر عليه؛ يقول ابن القيم: "نصر في كتبه قدم العالم، وبطلان المعاد، وإنكار صفات الرب ﷻ من علمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره، وأنه لا داخل العالم ولا خارجه وليس فوق العرش إله يعبد ألبتة! واتخذ للملاحدة مدارس، ورام جعل إشارات إمام الملحدين ابن سينا مكان القرآن فلم يقدر على ذلك فقال: هي قرآن الخواص، وذاك قرآن العوام، ورام تغيير الصلاة وجعلها صلاتين فلم يتم له الأمر، وتعلم السحر في آخر الأمر فكان ساحرا يعبد الأصنام"٣.
_________________
(١) ١ انظر: الوافي بالوفيات للصفدي ١/١٧٩، ١٨٣، الأعلام للزركلي ٧/٢٥٧. ٢ الأعلام ٧/٢٥٧، ٢٥٨. ٣ إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان ٢/٢٦٣.
[ ٧١ ]
وقف ابن القيم على كتاب له سماه "مصارعة المصارعة" عارض فيه الشهرستاني في كتاب "المصارعة" الذي رد فيه على ابن سينا في القول بقدم العالم وإنكار المعاد، ونفي علم الرب وقدرته، وخلقه للعالم. يقول ابن القيم: "وقفت على الكتابين فوجدت الطوسي قد نصر أن الله تعالى لم يخلق السموات والأرض في ستة أيام، وأنه لا يعلم شيئا، وأنه لا يفعل شيئا بقدرته واختياره، ولا يبعث من في القبور"١.
ثم يختم ابن القيم القول في معتقده ويقول: "وبالجملة فكان هذا الملحد هو وأتباعه من الملحدين الكفارين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر"٢.
ولعل هذا يفسر لنا علاقته "بالإسماعيلية" وتأليفه كتاب "أخلاق ناصري" لمحتشم الإسماعيلية ناصر الدين أبو الفتح عبد الرحيم ت٦٥٥هـ٣.
بل تحدثنا كتب التاريخ أن الطوسي كان يقيم مع الإسماعيلية في قلعة "ميمون دز"٤.
_________________
(١) ١ إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان ٢/٢٦٣. ٢ المصدر السابق نفسه. ٣ انظر: فؤاد الصياد: المغول في التاريخ ص٢٤٠ حاشية رقم ١. ٤ انظر: ميرخواند: روضة الصفا ٥/٧٦ عن المغول في التاريخ ص ٢٤١.
[ ٧٢ ]
أما القول بأن إقامته – ومن كان معه – مجبرين، وأنهم سئموا الإقامة عند الإسماعيلية١ فذلك يحتاج إلى دليل يعضده. وإلا فكيف نفهم أن الإسماعيلةي لفرط ثقتهم فهي وتقدمه عندهم كان هو مبعوثهم إلى هولاكو حينما هدد زعيمهم "خورشاه" الذي استشار أركان دولته فاستقر رأيهم على أن يرشل إلى هولاكو الخواجة نصير الدين الطوسي مع طائفة من الوزراء والأعيان والأئمة ومعهم الهدايا والتحف، فوصلوا إليه في شوال سنة ٦٥٤هـ٢.
وكان الطوسي كذلك على صلة "بالنصيرية" وقد ألف كتابا وضعه لهم، وليس بمقنع مقولة الصفدي – وهو ينقل هذا الخبر – "وأنا أعتقد أنه ما يعتقده؛ لأن هذا فيلسوف وأولئك يعتقدون إلهية علي"٣. فعقيدة الطوسي – السالفة- تخوله لمثل هذا وأزيد.
ويبدو أن الطوسي يجيد التلوّن ولديه القدرة على العيش في أي بيئة، بدليل أنه أظهر الصدق والإخلاص عند مقابلته لهولاكو، الأمر الذي جعل له عند هولاكو منزلة عالية، فكان يقربه ويستشيره ويطيعه٤.
_________________
(١) ١ الصياد: المغول في التاريخ ص٢٤١. ٢ المصدر السابق ص٢٤٢. ٣ الوافي بالوفيات ١/١٨١. ٤ الوافي بالوفيات ١/١٧٩، الأعلام ٧/٢٥٧.
[ ٧٣ ]
وهو وإن وزر "للإسماعيلية"١ فقد كان مرافقا لـ"هولاكو" حين افتتح قلاعهم "الألموت"٢، وانتقل من الوزارة عند "الإسماعيلية" إلى الوزارة عند "هولاكو التتري" إذ انتخبه ليكون في خدمته كالوزير المشير٣.
والطوسي هو مبعوث "هولاكو" إلى الحلّة٤. وحين عاد هولاكو إلى بغداد كان الطوسي مع ابن العلقمي في صحبته، ويقال إنهم هم الذين حسَّنوا له قتل الخليفة العباسي وعدم المصالحة معه٥.
ويحدد "ابن القيم" دور "الطوسي" مع التتر في محنة بغداد ويقول – إثر حديث عن الرافضة عموما-: "ولما انتهت النوبة إلى نصير الشرك والكفر الملحد وزير الملاحدة، النصير الطوسي وزير هولاكو، شفا نفسه من أتباع الرسول وأهل دينه فعرضهم على السيف حتى شفى إخوانه من الملاحدة واشتفى هو؛ فقتل الخليفة والقضاة
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ١٣/٢٥٤. ٢المصدر السابق ١٣/١٩٢. ٣ المصدر نفسه ١٣/١٩٢. ٤الأنوار الساطعة في المائة السابعة ص١٥٥. ٥البداية والنهاية ١٣/١٩١ يلاحظ تردد ابن كثير في الجزم بدور الطوسي مع التتر في قتل الخليفة العباسي حتى قال في موضع آخر: وعندي أن هذا لا يصدر من عاقل ولا فاضل البداية والنهاية ١٣/٢٥٤.
[ ٧٤ ]
والفقهاء والمحدثين، واستبقى الفلاسفة والمنجمين والطبائعيين والسحرة ونقل أوقاف المدارس والمساجد والربط إليهم وجعلهم خاصته وأولياءه"١
_________________
(١) ١ إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان ٢/٢٦٣، وانظر: شذرات الذهب لإبن العماد الحنبلي ٥/٣٣٩، ٣٤٠.
[ ٧٥ ]