وخلاصة هذا السبب اجتهاد خاطئ وقع فيه خوارزم شاه في سياسته مع هؤلاء التتر، ولا سيما في حادثة قتل التجار وأخذ ما معهم من الأموال – كما سبق البيان-.
وأضيف هنا ما ذكره ابن الأثير كذلك في هذا الصدد، وخلاصته التضييق الإقتصادي على جند التتر ومنعهم الميرة والكسوات وغيرها مما كان يصل إليهم من قبل؛ وذلك أن خوارزم شاه بعد أن ملك ما وراء النهر وخلصها من ملوك "الخطا" سد الطريق عن بلاد تركستان وما بعدها من البلاد، وأن طائفة من التتر كانوا قد خرجوا قديما والبلاد للخطا، فلما ملك خوارزم شاه البلاد منهم وقتلهم، واستولى هؤلاء التتر على تركستان: كإشغار وبلاساغون وغيرها وصاروا يحاربون عساكر خوارزم شاه، فلذلك منع الميرة عنهم من الكسوات وغيرها١.
وليس بغريب أن يدعوهم هذا التضييق إلى التحرش بمن ضيق عليهم والإنتقام لأنفسهم، وتأمين أسباب العيش لهم ولجندهم فكان ما كان والله المستعان.
وبعد، فيصح القول بأن الظلم مرتعه وخيم، وأن الله يعاقب عليه بخراب البلاد وفناء الأمم الظالمة إن عاجلا أو آجلا، ولا يسلم من ذلك المسلمون.
_________________
(١) ١ الكامل ١٢/٣٦٢.
[ ٤٤ ]
والعدل به قامت السماوات والأرض، وقد يُمكّن الله لأصحابه وإن كانوا كافرين، وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة"١.
كما نقل: "الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم الإسلام"١.
واستشهد بقول النبي ﷺ "ليس ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة الرحم" ٢. ثم قال: "فالباغي يصرع في الدنيا وإن كان مغفورا له مرحوما في الآخرة؛ وذلك أن العدل نظام كل شيء فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزي به في الآخرة".
وليس بمستبعد أن يكون قتل التجار المستأمنين – وإن كانوا غير مسلمين – على أيدي المسلمين سببا في تسلط هؤلاء التتر على المسلمين وخراب بلادهم وسقوط الخلافة العباسية على أيديهم.
_________________
(١) ١ انظر: الحسبة في الإسلام لشيخ الإسلام ابن تيمية نشر: قصي محب الدين الخطيب ص٤٦. ٢ رواه البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وأحمد وابن المبارك في الزهد.
[ ٤٥ ]